قال تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 71 - 72] .
وإضافة الروح إلى نفسه تعالى دليل على أنه جوهر شريف علوي قدسي 76.
[انظر: آدم: خلق آدم]
2.مراحل نسل آدم عليه الصلاة والسلام (خلق الإنسان في بطن أمّه) .
بيّنت لنا الآيات الكريمة المراحل والأطوار التي يمر فيها خلق الإنسان وهو في بطن أمه، فكما أن القرآن الكريم تحدّث عن مراحل خلق الإنسان الأوّل، كذلك تدرّج في الحديث عن خلق سلالة هذا الإنسان، ومن الآيات التي تشير إلى هذه المراحل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5] .
وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 12 - 14] .
فهذه الآيات وغيرها توضّح الأطوار التي يمرّ فيها خلق الإنسان، فبعد أن خلق آدم عليه الصلاة والسلام وخلقت حواء من ضلعه، تبيّن الآيات مراحل خلق نسله، وأول هذه المراحل:
1.النطفة الأمشاج.
وهي اختلاط ماء الرجل -الذي يحمل ملايين الحيوانات المنوية- مع ماء المرأة فتكون النطفة.
قال تعالى: (ے ? ? ? ? ? ? ?) [النحل: 4] .
وقال أيضًا: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الإنسان: 2] .
أمشاج: أي ماء الرجل، وماء المرأة يختلطان في الرحم فيكون منهما الولد 77، وهي أول مرحلة من مراحل خلق الإنسان، ثم تأتي المرحلة الثانية وهي:
2.العلقة.
وهي الدم المتجمد 78، وسميت بذلك لكونها تعلق في جدار الرحم، فبعد أن يلقح الحيوان المنوي البويضة في رحم المرأة في مدة أربعين يومًا، تتحوّل النطفة إلى دم متجمد، يلتصق بجدار الرحم مدة أربعين يومًا أيضًا، حتى تتحول إلى الطور الثالث وهو:
3.المضغة.
وهي القطعة الصغيرة من اللّحم بقدر ما يمضغ، وهذا الطور يمر بمرحلتين: المضغة غير المخلّقة، والمضغة المخلّقة، فالمضغة في أول أمرها تكون غير مخلّقة، أي: غير ظاهر فيها شكل الخلقة، ثم تكون مخلّقة، والمراد: تامة الخلقة بتشكيل الوجه ثم الأطراف 79، ثم يأتي الطور الرابع وهو:
4.العظام.
وفي هذا الطور تتحول قطعة اللحم إلى هيكل عظمي، ثم يأتي الطور الخامس وهو:
5.كساء العظام باللحم.
حيث يغطّى العظم بما يستره ويشدّه ويقوّيه، وهو اللحم؛ لأن اللحم يستر العظم، فجعل كالكسوة له.
يقول سيد قطب في معرض حديثه عن هذا الطور: «وهنا يقف الإنسان مدهوشًا أمام ما كشف عنه القرآن من حقيقة في تكوين الجنين لم تعرف على وجه الدقة إلا أخيرًا بعد تقدّم علم الأجنة التشريحي؛ ذلك أن خلايا العظام غير خلايا اللحم، وقد ثبت أن خلايا العظام هي التي تتكوّن أولًا في الجنين، ولا تشاهد خلية واحدة من خلايا اللحم إلا بعد ظهور خلايا العظام، وتمام الهيكل العظمي للجنين» 80، ثم يأتي الطور السادس وهو:
6.الخلق الآخر.
وهو جنين الإنسان ذو الخصائص المتميزة، التي تميّزه عن غيره من المخلوقات، فيكون مستعدًّا للارتقاء والتمييز والتكليف 81، فتبارك الله أحسن الخالقين.
أما عن المدة الزمنية لكل طور من الأطوار فقد جاء تحديدها في السنة النبوية، كما في حديث ابن مسعود، وهي أربعون يومًا لكل مرحلة، حتى يكسو الله العظام لحمًا وينشأ خلق آخر، فيستمر هذا الخلق في بطن أمه بقية زمن الحمل، حتى يخرج طفلًا، قال صلّى الله عليه وسلّم: (إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمّه أربعين يومًا نطفة، ثمّ يكون علقةً مثل ذلك، ثمّ يكون مضغةً مثل ذلك، ثمّ يبعث اللّه ملكًا فيؤمر بأربع كلماتٍ، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقيٌّ أو سعيدٌ، ثمّ ينفخ فيه الرّوح، فإنّ الرّجل منكم ليعمل حتّى ما يكون بينه وبين الجنّة إلّا ذراعٌ، فيسبق عليه كتابه، فيعمل بعمل أهل النّار، ويعمل حتّى ما يكون بينه وبين النّار إلّا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنّة) 82.
وهكذا خلق الله تعالى الإنسان في عدة أطوار؛ حيث أنشأه بالتدرج طورًا بعد طور حتى صار في أحسن تقويم، وهو -جلّ شأنه- قادر على أن يقول له: كن فيكون، ولكنه سبحانه اختار لنفسه سنة التدرج في الإنشاء، وهذه هي سنة الله في خلقه؛ لذلك وجب علينا أن نأخذ هذا التدرج بعين الاعتبار في تربية الإنسان وتنشئته.
[انظر: الإنسان: خلق الإنسان]
ثالثًا: الأجل:
خلق الله تعالى الإنسان وكتب أجله في الدنيا، فالآجال بيد الله تعالى.
قال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الزّمر: 42] .
أي: أن الله يقبض النفس البشرية عند انتهاء آجالها، ويمسك الأنفس التي قضى عليها بالموت الحقيقي، ولا يردها إلى الدنيا، ويرد الأنفس النائمة إلى وقت الموت الحقيقي 83.
والأجل: المدة المحدّدة والمضروبة للشيء 84، وقد أخبر الله تعالى أنه قضى لعباده أجلين، أجلًا لمدة حياة كل فرد منهم، ينتهي بموت ذلك الفرد، وأجلًا لإعادة الأموات بعد موتهم، وانقضاء عمر الدنيا.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} [الأنعام: 2] 85.
واختلف أهل التفسير في معنى الأجلين، فقيل: عن مجاهد وابن عباس: الأول مدة الدنيا، والثاني عمر الإنسان إلى حين موته.
وقيل: الأول قبض الأرواح في النوم، والثاني: قبض الروح عند الموت.
وقيل: الأول ما يعرف من أوقات الأهلة والبروج وما يشبه ذلك، والثاني: أجل الموت.
وقيل: الأول لمن مضى، والثاني لمن بقي ولمن يأتي 86.
والآية حمّالة لكل المعاني، والله أعلم بمراده.
وقد جاءت كلمة الأجل في العديد من الآيات القرآنية وتحمل المعاني السابقة، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [النحل: 61] .
أي: ولكن يؤخّرهم إلى أجل مسمى ليتوالدوا، وفي تفسير هذا الأجل قولان: القول الأول: وهو قول عطاء عن ابن عباس: أنه يريد أجل القيامة، والقول الثاني: أن المراد منتهى العمر، ووجه القول الأول أن معظم العذاب يوافيهم يوم القيامة، ووجه القول الثاني أن المشركين يؤاخذون بالعقوبة إذا انقضت أعمارهم وخرجوا من الدنيا 87.
وقد يأتي الأجل ويحمل معنى وقت نزول العذاب، ومن ذلك قوله تعالى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [يونس: 49] .
وقوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34] .
«أي: وقت معين محدود ينزل فيه عذابهم من الله» 88.
كما أن الآجال محسومة لا يزاد فيها ولا ينقص منها، ولن يموت حي حتى يكمل ما له من عمر، وذلك لما روي عن الصادق المصدوق أنه قال: (إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمّه أربعين يومًا، ثمّ يكون علقةً مثل ذلك، ثمّ يكون مضغةً مثل ذلك، ثمّ يبعث اللّه ملكًا فيؤمر بأربع كلماتٍ، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقيٌّ أو سعيدٌ) 89.
[انظر: الأجل: أجل الإنسان]
رابعًا: التفاضل:
شرّف الله تعالى بني آدم وكرّمهم، وفضّلهم، ورفع درجاتهم على غيرهم من سائر مخلوقاته.
قال سبحانه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70] .
ولقد جعل الله تعالى الإنسان خليفته في الأرض، وكان من لوازم كون الإنسان خليفة أن يعمر الأرض في تكافل بين الناس وترابط، ولا يكون ذلك وهم في درجة واحدة.
يقول المولى تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 165] .
كأن من الخلافة أن لا نكون متماثلين متطابقين، بل أراد سبحانه أن نكون مختلفين في المواهب؛ لأن الناس لو كانوا صورة مكررة في المواهب، لفسدت الحياة، فلابد أن تختلف مواهبنا؛ لأن مطلوبات الحياة متعددة، إذًا فلابدّ من أن تتحقق إرادة الله في قوله سبحانه: {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} ، أي: أنه تعالى خالف بين عباده فجعل بعضهم فوق بعض في الرزق، والعقل، والقوة، والعلم، وهذا التفاوت بين الخلق في الدرجات ليس لأجل العجز، فالله تعالى منزّه عن صفات النقص، وإنما لأجل الابتلاء، فيكون الجزاء أو العقاب منه سبحانه 90.
يقول الإمام الشعراوي عند تفسيره لهذه الآية: «إن كل واحد فيكم مرفوع في جهة مواهبه، ومرفوع عليه فيما لا مواهب له فيه؛ لأن الحق يريد أن يتكاتف المخلوقون، ولا ينشأ التكاتف تفضلًا، وإنما ينشأ لحاجة، فلابد أن تكون إدارة المصالح في الكون اضطرارًا، وهذه هي هندسة المكون الأعلى سبحانه» 91.
وقد بيّن الله تعالى الهدف والغاية من هذا التفاضل بين الخلق في العديد من الآيات.
قال تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزّخرف: 32] .
فالتفاوت في الرزق جعل هذا مسخّرًا لهذا، والعكس، فعلنا ذلك؛ ليستخدم بعضهم بعضًا في حوائجهم، ويعاون بعضهم بعضًا في مصالحهم، وبذلك تنتظم الحياة، وينهض العمران. ويعم الخير بين الناس، ويصل كل واحد إلى مطلوبه على حسب ما قدّر الله تعالى 92.
وبيّن سبحانه أن التفاضل بين البشر كما هو في الدنيا فهو في الآخرة أيضًا، قال تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} [الإسراء: 21] .
ففي هذه الآية إشارة إلى هذه الدرجات المتفاوتة بين الناس، فيما أمدّهم به الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا، إذ فيهم من وسّع الله له في الرزق، فملك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وفيهم من لا يملك شيئًا من ذلك، وبين هؤلاء وأولئك درجات، هذا كلّه في الدنيا، وهم في الآخرة كذلك، درجات متفاوتة، فريق في الجنة، وفريق في السعير، وأهل الجنة درجات، وأصحاب النار دركات، وشتّان ما بين الدنيا والآخرة، وما بين النار والجنة، {وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} فهي دار البقاء والخلود 93.
خامسًا: التنوع في مادة الخلق:
خلق الله تعالى الكون في أبدع صورة، وخلق فيه المخلوقات في صورة تظهر كمال القدرة وتنفي الألوهية عن غيره، فتنوّعت مخلوقاته في مادة الخلق، أما الجن فإن أصل خلقها من نار كما تقرر ذلك الآيات.
قال تعالى: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} [الحجر: 27] .
قال ابن عباس في قوله: {مِنْ نَارِ السَّمُومِ} الحارة التي تقتل، وقال ابن مسعود: {السَّمُومِ} التي خلق منها الجان جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم 94.
وقال أيضًا: {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} [الرحمن: 15] .
والمارج: اللهب الصافي الذي لا دخان فيه، وقيل: هو المختلط بسواد النار 95.
أما الملائكة فقد بيّن لنا الرسول صلى الله عليه وسلم أنها مخلوقة من نور، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم) 96.
أما باقي الأحياء على وجه الأرض فقد خلقت من ماء، فالماء هو العنصر الذي خلق الله منه كل شيء سوى الملائكة والجن مما هو حي؛ لأن الملائكة خلقوا من النور، والجانّ خلق من النار كما بيّنا.
قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30] .
ويدخل في قوله تعالى: {كُلَّ شَيْءٍ} جسم الإنسان، بل يمكن لنا أن نقول: وقد خلقه الله تعالى من الماء.
يقول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} [الفرقان: 54] .
فعند الحديث عن مراحل خلق الإنسان تبيّن أن الإنسان مخلوق من تراب.
قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} [الروم: 20] .
وأضيف إليه الماء فأصبح طينًا، قال سبحانه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} [الأنعام: 2] .
وقد تحدثت آيات القرآن الكريم عن خلق آدم عليه الصلاة والسلام في أكثر من موضع، تمّ تناولها فيما سبق.
إنّ الله سبحانه وتعالى لم يخلق الخلق سدىً ولا عبثًا؛ وإنّما خلق سبحانه الخلق لغاية عظيمة، وحكمة جليلة، خلق سبحانه الخلق بالحقّ.
قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الدخان: 38 - 39] .
وقال سبحانه: {مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ} [الأحقاف: 3] .
فالخلق كلّه قد خلقه الله تعالى بالحقّ، ولا يخلو خلقٌ خلقه الله من حكمة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، وإنّ من أجلّ تلك الحكم التّنبيه على أنّ لها خالقًا قادرًا حكيمًا 97.
إنّ الله سبحانه وتعالى حكيم في فعله وخلقه، عليم بمصالح عباده، لا يصدر عنه إلا الحقّ، فهو العليم الحكيم، وهو اللطيف الخبير، وما خلق الخلق باطلًا، قال سبحانه: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص: 27] .
قال السعدي رحمه الله: «يخبر تعالى أنّه ما خلق السماوات والأرض عبثًا، ولا لعبًا من غير فائدةٍ؛ بل خلقها بالحقّ وللحقّ؛ ليستدل بها العباد على أنّه الخالق العظيم، المدبّر الحكيم، الرحمن الرحيم، الذي له الكمال كلّه، والحمد كلّه، والعزة كلّها، الصادق في قيله، الصادقة رسله فيما تخبر عنه، وأنّ القادر على خلق السماوات والأرض -مع سعتهما وعظمهما- قادر على إعادة الأجساد بعد موتها؛ ليجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته» 98.
فهذه بعض الحكم من خلق السماوات والأرض؛ أمّا خلق الإنس والجن فقد بيّن الله سبحانه الغاية من خلقهم، فقال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 56 - 58] .
وقد أنكر سبحانه على من ظنّوا أنّهم خلقوا عبثًا مهملين، لا حساب عليهم، ولا ثواب ولا عقاب فقال: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: 115 - 116] .
وقد بيّن الله تعالى في آيات كثيرة من كتابه العزيز الغاية من خلق الكون، وعرّف عباده مقاصد إيجادهم، وعلة خلقهم، وفيما يأتي بيان لمقاصد خلق الثقلين من الجن والإنس خاصة، أمّا مقاصد خلق المخلوقات الأخرى فنكتفي بما أشرنا إليه.
أولًا: العبادة:
إنّ الله تعالى ما خلق الجنّ والإنس إلا لعبادته، وقد بيّن سبحانه ذلك لعباده أعظم بيان، فقال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 56 - 58] .
فعبادة الله هي الغاية العظمى لخلق الجنّ والإنس؛ فما خلقوا إلا ليستجيبوا لربّهم، وليذعنوا له سبحانه بالطاعة والعبادة؛ وذلك من خلال طاعة رسله، والتزام أمره، واجتناب نهيه، والخضوع لشرعه تعالى 99.
فهذا هو المقصد الأعظم من خلق الجنّ والإنس، وهذه هي الغاية الكبرى، وما عدا ذلك من المقاصد والغايات لخلق الثقلين إنّما هو مندرج تحت هذه الغاية الكبرى، وعلى العباد -إن أرادوا الفوز برضوان الله تعالى- أن يحقّقوا تلك الغاية من خلقهم؛ فعليهم أن يعرفوا ربّهم، ويعلموا دينه وشرعه، ويطيعوا رسله، ويسلّموا لأمره، ويجتنبوا معصيته، فإن فعلوا ذلك فقد استجابوا لما أمرهم به ربّهم تعالى، وأصابوا الحكمة من خلقهم في ملكه سبحانه وتعالى.
وقد ذكر المفسرون عدّة أقوال في معنى قوله تعالى: {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ، فقال بعضهم: المعنى ما خلقتهم إلا ليعبدني السعداء منهم ويعصيني الأشقياء؛ فالحكمة المقصودة من إيجاد الخلق -والتي هي عبادة الله تعالى- حاصلة بفعل السعداء منهم دون الأشقياء، وقال بعضهم: معنى {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} أي: إلا ليقرّوا لي بالعبودية طوعًا أو كرهًا؛ لأنّ المؤمن يطيع باختياره، والكافر مذعن منقاد لقضاء ربه جبرًا عليه، وقال بعضهم: معنى {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} أي: إلا لآمرهم بعبادتي؛ فيعبدني من وفّقته منهم لعبادتي دون غيره 100.
وقد رجّح الإمام الطبري رحمه الله القول الثاني، والذي ذهب إلى أنّ المراد من الآية: أنّ الله تعالى ما خلق الجنّ والإنس إلا ليذعنوا له سبحانه بالعبوديّة طوعًا أو كرهًا 101.
ورجّح القول الأخير جماعة من المفسرين، منهم الإمام الشنقيطي رحمه الله إذ قال: «التحقيق إن شاء الله في معنى هذه الآية الكريمة: {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ، أي: إلا لآمرهم بعبادتي، وأبتليهم، أي: أختبرهم بالتكاليف، ثمّ أجازيهم على أعمالهم؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وإنّما قلنا: إنّ هذا هو التحقيق في معنى الآية؛ لأنّه تدل عليه آيات محكمات من كتاب الله؛ فقد صرّح تعالى في آيات من كتابه أنه خلقهم ليبتليهم أيهم أحسن عملًا، وأنه خلقهم ليجزيهم بأعمالهم، فتصريحه جل وعلا في هذه الآيات بأنّ حكمة خلقه للخلق، هي ابتلاؤهم أيهم أحسن عملًا، يفسّر قوله: {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ، وخير ما يفسّر به القرآن القرآن» 102.