فهرس الكتاب

الصفحة 1016 من 2431

يوضح الله سبحانه وتعالى في هذه الآية جناية هؤلاء الذين استوجبوا بها النار فقال: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} أي: يصرفون أنفسهم وغيرهم عن الدين الإسلامي، ويبغون أن تصير سبيل الله عوجاء، كما يهوون ويشتهون، فهم يريدون من الإسلام أن يبيح لهم المحرمات من الربا، والزنا، والسفور، ويريدون من الإسلام أن يأذن لهم في عبادة القبور، والأشجار، والأحجار إلى غير ذلك، ويضاف إلى هذا ذنب أعظم وهو كفرهم بالدار الآخرة، منكرين للبعث والنشور، فقد جمعوا بين الضلال والإضلال 44.

ثم بعد ذلك يبيّن الله حال هؤلاء المشركين في الآخرة؛ بأنهم استقروا في دار الشقاء، فخسروا كل شيء حتى أنفسهم بدخولها نار جهنم -والعياذ بالله-وخسروا سعادة الدنيا والآخرة، باشتراء الضلالة بالهدى، وياله من خسران مبين! وشقاء واضح!، وضاع وغاب عنهم ما كانوا يزعمون أن لهم شركاء، وأنهم يشفعون لهم وينصرونهم.

ثم يؤكد الله سبحانه وتعالى في قوله تعالى: {لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ} أنهم الأكثر خسرانًا من غيرهم؛ لأنهم أضافوا إلى جريمة كفرهم، جريمة تكفير غيرهم ممن كانوا يدعونهم إلى الضلال، ويصدونهم عن الإسلام سبيل الهدى والنجاة من النار، وبهذا كانوا أخسرين، أي: شديدي الخسارة؛ لأنهم قد اجتمع لهم من أسباب الشقاء والعذاب ما اقترفته الأمم الضالة، ولأنهم شقوا من حيث كانوا يحسبونه سعادة.

قال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) } [الكهف:103 - 104] .

وبهذا اجتمعت لهم خسارة الدنيا والآخرة 45.

4.طاعة الشيطان.

وإن اتباع الشيطان وطاعته من أشد الأمور عداوة لله؛ ذلك أن الشيطان هو عدو الله في الأرض الذي رفض أمر الله بالسجود لآدم يوم خلقه الله، فطرده الله من رحمته ولعنه إلى يوم الدين، وقد أخذ الشيطان على عاتقه، وأقسم بعزة الله أن يغوي بني آدم إلا المخلصين منهم.

قال تعالى وصفًا لما حدث: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (74) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) } [ص:73 - 83] .

إذن هي عداوة قديمة ومتأصلة، وقد نهى الله عن اتباعه والسير على منهجه الكفري الضال، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169) } [البقرة:168 - 169] .

وقد بيّن الله لنا سبب هذا النهي، لكونه يأمر بالفحشاء والمنكر، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21) } [النور:21] .

ومع هذا التحذير والنذير إلا أن بعض الناس لا يطيب له إلا أن يتبع كل شيطان مريد، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4) } [الحج:3 - 4] .

فكل من يقع في هذا النهي الإلهي، ويتبع خطوات الشيطان فإنه خاسر لا محالة؛ لأنه عصى الله بذلك، وأطاع عدوه.

قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) } [النساء:119] .

يعني: من يواليه ويتبع وسوسته، ويطعه، ويترك أمر الله، وقيل: بإيثاره ما يدعو إليه على ما أمر الله به، ومجاوزته عن طاعة الله سبحانه وتعالى إلى طاعته، فقد خسر خسرانًا مبينًا ظاهرًا في معاشه ومعاده، إذ يكون أسير الأوهام، والخرافات يتخبط في عمله على غير هدى، فيفوته الانتفاع التام بما وهبه الله من العقل، وسائر القوى والمواهب، وقيل: بدّل مكانه من الجنة بمكان من النار 46.

وقوله تعالى أيضًا: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19) } [المجادلة:19] .

فكذلك يصنع الشيطان بمن استحوذ عليه، فعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من ثلاثة في قرية، ولا بدو، لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنه يأكل الذئب من الغنم القاصية) 47.

5.طاعة الكافرين.

حذّر الله من طاعة المؤمن للكافرين وموالاتهم؛ لأنها تجعله في معصية لله، وقد نهى عن ذلك في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) } [آل عمران:28] .

فإن والى المؤمن الكافر ظنًّا أنه يبتغي عنده العزة فهو واهم؛ لأن العزة لله وحده؛ لقوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) } [النساء:139] .

وقد نهى الله عن موالاة الكافرين وطاعتهم؛ لأنهم يصدون المؤمنين عن دين الله، ويخرجونهم من ديارهم، ويظاهرون على إخراجهم.

قال تعالى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) } [الممتحنة:9] .

حقًّا إنه من يوالي الكافرين، فإنه قد ضل عن سواء السبيل، وسيخسر عمله في الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين؛ لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) } [آل عمران:149] .

يحذّر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية المؤمنين أن يطيعوا الذين كفروا، يعني: مشركي العرب، أبا سفيان وأصحابه، وقيل: اليهود والنصارى، وقال علي رضي الله عنه: يعني: المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى دين آبائكم 48.

«فالطاعة: تطلق على امتثال أمر الآمر، وعلى الدخول تحت حكم الغالب، فيقال: طاعت قبيلة كذا، وطوّع الجيش بلاد كذا» 49.

فالكفر والإيمان نقيضان لا يجتمعان، ولا يكونان في قلب رجل واحد، ولذلك الآية الكريمة تحذر المؤمنين تحذيرًا عامًّا بألاّ يطيعوا الكافرين، ولا يستنصروا بهم، ولا يجعلوا لهم ولاية عليهم؛ لأن ولايتهم غير ولاية الله، وولاية الله هي الولاية الحق، وهم موضع غضب الله تعالى دائمًا، والذي يتولاهم ويستنصر بهم، فإنه يتولى قومًا غضب الله عليهم؛ لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (13) } [الممتحنة:13] .

والمعنى في هذا، هو التحذير من مسايرة الكافرين بأي نوع من أنواع المسايرة؛ إذ كل مسايرة طاعة، ولا يليق بالمؤمن أن يطيع كافرًا؛ لأنه يجب أن يكون في حذر دائم.

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى نتيجة طاعة الكافرين في أي عصر من العصور إن كان هناك احتمال لذلك، فذكر في جواب الشرط نتيجتين، كلتاهما مترتبة على الأخرى، أولاهما: أشار إليها بقوله تعالى: {يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} ، والثانية المترتبة عليها: أشار إليها بقوله تعالى: {فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} .

فالنتيجة الأولى: ردهم على أعقابهم، فمعناها: أن يرجعوا إلى موضع الذلة الذي كانوا فيه قبل أن يؤذن لهم بالجهاد، أو يرجعوا إلى ما كانوا عليه في غير انتظام وفي اضطراب.

والنتيجة الثانية: هي الانقلاب خاسرين، والتعبير بالانقلاب: يفيد أن طاعة الكافرين حتمًا فيها تغيير حال أصل الإيمان، فجعل أعلى ما فيهم أسفل، وأن هذا الانقلاب تلابسه لا محالة الخسارة المؤكدة التي لا احتمال فيها؛ إذ يخسر المؤمنون إيمانهم، ويخسرون من وراء ذلك الآخرة، وينطبق عليهم قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) } [الحج:11] 50، وقوله أيضًا: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) } [المائدة:53] .

6.الكفر بالأنبياء والرسل.

إن الإيمان بالأنبياء فهو ركن من أركان الإيمان، فإن اختل هذا الركن اختل إيمان الإنسان؛ وذلك لأن الأنبياء هم رحمة الله إلى عباده؛ ليقودوهم إلى رضوان الله والجنة، والنجاة من سخطه والنار، قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) } [البقرة:285] .

هذا حال المؤمنين الصادقين في إيمانهم، أما غيرهم فقد يكفر ويكيد بأنبياء الله والصالحين، فيقع في الكفر والخسران.

رابعًا: ترك الواجبات:

أمرنا الله سبحانه وتعالى بالقيام بكل الواجبات المفروضة علينا من عمل الصالحات والإكثار من فعلها بكل حكمة ورزانة؛ لأنه بهذا الأمر نستطيع أن نجنّب أنفسنا الخسران المبين، والهلاك والدمار، ومن لم يستجب ينال ما يستحق وسنورد بعضًا من ذلك:

فالخسران المبين لمن يتخذ الصلاة هزوًا ولعبًا دون خشوعٍ وتقوى؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) } [المائدة:58] .

فالويل والهلاك للذين لا يطيعون الله في أوامره ويتهاونون في تطبيق واجباته؛ لقوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) } [الماعون:4 - 5] .

فتكون نتيجته الضلال والهلاك يوم القيامة.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) } [المنافقون:9] .

تضمنت هذه الآية تحذيرًا للمؤمنين أن يتخلقوا بأخلاق المنافقين بانشغالهم بالأموال عن ذكر الله والصلوات والطاعات وجميع الفرائض، وقد اختلف المفسرون فيمن نزلت، فمنهم من قال: نزلت في حق المنافقين، ومنهم من قال: نزلت في حق المؤمنين 51.

والراجح أنها نزلت في حق المؤمنين تحذّرهم، وخاصة أن الآية ابتدأت بالخطاب الموجه لهم، وأيضًا الآيات السابقة كانت تتحدث عن قبائح وأعمال المنافقين، فكان حريًّا أن يتم تحذير المؤمنين من التشبه بالمنافقين.

وقد حكم الله بكفر من لا يستجيب لأمره بدفع الزكاة، وبالتالي سينال جهنم، ويكون من الخاسرين؛ لقوله تعالى: {الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7) } [فصلت:7] .

والصبر فضيلة من الفضائل، وخلق من الأخلاق التي عني بها القرآن الكريم، فالهلاك لمن يترك الصبر ولا يتحمل ما أصابه الله به؛ لأنه سيؤدي به إلى أن يسخط على الله، ويخرج من دائرة الإيمان، ويصل به إلى اليأس والقنوط من رحمة الله؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) } [فصلت:49] .

وهذا لا يكون إلا من الضالين كما وصفهم الله في كتابه.

قال تعالى: {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) } [الحجر:56] .

ويجب ألا نكون منهم لتركنا واجبًا مفروضًا علينا التمسك به، وبالتالي ننال الخسران في الدنيا والآخرة.

والتمسك بميثاق الله أيضًا من الواجبات المفروضة علينا، فمن نقض عهد الله وميثاقه تحلى بصفة من صفات المنافقين الخارجين عن حدود الله، ولابد من توضيحها؛ حتى نحذر من ارتكابها لنتجنب الخسارة في الدنيا والآخرة، فكيف سيكون حال مجتمع لا يفي فيه الناس بعهودهم فيما بينهم، فإنه ستنعدم ثقة بعضهم ببعض، فقد أمر الله سبحانه وتعالى في كثير من آياته، وكذلك نبيه صلى الله عليه وسلم بالوفاء بالعهود.

قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) } [الإسراء:34] .

وقوله: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) } [النحل:91] .

وعدّ النبي صلى الله عليه وسلم الخلف بالوعد من علامات النفاق، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان) 52.

وقوله تعالى أيضًا: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) } [البقرة:27] .

فسؤال يطرح نفسه، فأي عهد من عهود الله ينقضون؟ وأي أمر مما أمر الله به أن يوصل هو الذي يقطعون؟ وأي لون من الفساد في الأرض هو الذي يفسدون؟

وعهد الله المعقود مع البشر يتمثل في عهود كثيرة: إنه عهد الفطرة المركوز في طبيعة كل حي، أن يعرف خالقه، وأن يتجه إليه بالعبادة، وما تزال هذه الفطرة مركوزة في الاعتقاد بالله، ولكنها تضل وتنحرف فتتخذ من دون الله أندادًا وشركاء، وعهد الاستخلاف الذي أخذه الله على آدم، وعهوده الكثيرة في الرسالات لكل قوم أن يعبدوا الله وحده، وأن يحكّموا في حياتهم منهجه وشريعته، وهذه العهود كلها هي التي ينقضها الفاسدون 53.

{الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} : يقول الطبري: «مقصودٌ به كفارهم ومنافقوهم، ومن كان من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان على ضلالهم، غير أن الخطاب -وإن كان لمن وصفت من الفريقين- فداخل في أحكامهم، وفيما أوجب الله لهم من الوعيد والذم والتوبيخ، كل من كان على سبيلهم ومنهاجهم من جميع الخلق وأصناف الأمم المخاطبين بالأمر والنهي» 54.

{أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} : أي: الهالكون، بحرمان الله إياهم من رحمته لكفرهم ومعصيتهم إياه وارتكاب ما نهى عنه 55.

وقيل: «أي: خسروا سعادتهم في الآخرة؛ حيث عرّضوا أنفسهم لعذاب جهنم المؤبد، ولا خسارة أعظم ممن خسر دنياه وأخرته، وقصر الخسران عليهم في قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} ؛ لأنهم بإهمالهم للعقل، خسروا الحياة الأبدية» 56.

خامسًا: عدم مغفرة الله ورحمته للعبد:

معروفٌ أن الإنسان المؤمن الصالح بطبيعته حريصٌ على أداء الطاعات والعبادات، وفعل ما أمر الله به والابتعاد عما نهى عنه؛ لأن غايته من وراء ذلك كله الحرص على كسب رضوان الله سبحانه وتعالى والحصول على مغفرته ورحمته يوم القيامة، والفوز بجنته، وإن نسي أو أخطأ وغفل الإنسان، وهذا ليس عيبًا فيه؛ لأنه ضعيف يدخل إليه الشيطان، فيدرك خطأه، ويعرف زلته، نجده يسارع في الندم وطلب العون من ربه والمغفرة، وبالتالي إنه يثوب ويتوب، على عكس الإنسان الذي ينغمس في ملذات الدنيا وشهواتها، ويحرص كل الحرص على التمتع بالحياة الدنيا وزينتها، وبهذا يغفل عن أداء العبادات والطاعات، ولا يحرص على تجنب المحرمات، فتكون نتيجته أنه خسر وضاع، وذلك بفقدان أعظم شيء، ألا وهو مغفرة الله ورحمته، وفقدان الفوز بجنته ورضوانه؛ لقوله تعالى: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) } [الأعراف:23] .

فهذه الآية الكريمة تدل على ندم آدم وحواء على فعلتهما، فسارعا إلى التوبة والستر والغفران، على عكس مطلب إبليس طلب الإنظار ولم يطلب التوبة، وهذه خصيصة «الإنسان» التي تصله بربه، وتفتح له الأبواب إليه، الاعتراف، والندم، والاستغفار، والشعور بالضعف، والاستعانة به، وطلب رحمته، مع اليقين بأنه لا حول ولا قوة إلا بعون الله ورحمته وإلا كان من الخاسرين 57.

فهذه طبيعة الإنسان المؤمن فإنه إذا أخطأ أو غفل يسارع إلى طلب المغفرة والرحمة من الله تعالى.

ولكن هناك الكثير من الأمور يتساهل الناس في فعلها تكون سببًا في فقدانهم لمغفرة الله ورحمته، إذًا لابد من الحرص والحذر.

سادسًا: الدعوة إلى الباطل وترك الحق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت