فهرس الكتاب

الصفحة 580 من 2431

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل مادة (هزء) تدل على السخرية، يقال: هزأ واستهزأ: إذا سخر، واستهزأ بالقانون: خرقه ولم ينفذه، وهو بمعنى: السخرية، والاستخفاف، ويأتي بمعنى: التهكم 1.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يختلف كثيرًا المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، فالاستهزاء يقتضي تصغير من قصد به، وتحقيره 2.

ويكون بالقول أو بالفعل، بالعبارة أو الإشارة، بالخطابة أو بالكتابة، بالتصريح أو بالتلميح، بالتحقيق أو بالتلفيق، وقد يطابق الحال فيمن استهزئ به وقد يخالف.

وعرفه ابن جرير الطبري بأنه: «إظهار المستهزئ للمستهزأ به من القول والفعل ما يرضيه ظاهرًا، وهو بذلك من قيله وفعله به مورثه مساءة باطنًا» 3.

وبإمعان النظر يظهر أن هذا التعريف غير دقيق، ذلك أن الاستهزاء قد وقع من الكفار في العهد المكي، وهو عهد الاستضعاف، ويؤكد ذلك مجيئه في السور المكية، ولم يكن من الكفار إظهار ما يرضى به النبي صلى الله عليه وسلم بل كانوا يظهرون له العداوة والسخرية والطعن فيه، ويسعون في إحراجه كثيرًا، وكون هذا فيهم يرد هذا التعريف، وقد ذكره الطبري في سورة البقرة عند الحديث عن المنافقين، لكنه حين وقف مع استهزاء الكافرين ذكر أنه كان منهم السخرية والإيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم 4.

والمختار في تعريف الاستهزاء هو: صدور ما يدعو لانتقاص شأن المقصود به من المستهزئ، بوجود المقتضي أو بعدمه، بغرض التحقير له، أو التنفير عنه، أو كليهما.

وردت مادة (هزء) في القرآن الكريم (34) 5.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 3 ... {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) } [الأنعام:10]

الفعل المضارع ... 17 ... {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) } [البقرة:15]

فعل الأمر ... 1 ... {قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) } [التوبة:64]

المصدر ... 51 ... {ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) } [الكهف:106]

اسم الفاعل ... 2 ... {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) } [الحجر:95]

وجاء الاستهزاء في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي الذي يحمل معنى السخرية 6.

الازدراء:

الازدراء لغة:

الاستخفاف، والاستهانة، والاحتقار 7.

الازدراء اصطلاحًا:

قلة قدر المقصود به في نظر المزدري.

الصلة بين الاستهزاء والازدراء:

الازدراء يعدى بدون حرف، ويقع من الأعلى على الأدنى؛ لعدم بلوغه المكانة المقنعة للمزدري،، بينما الاستهزاء يعدى بالباء، ويكون من المماثل أو من الأدنى إلى الأعلى.

السخرية:

السخرية لغة:

«السين والخاء والراء أصل مطرد مستقيم يدل على احتقار واستذلال» 8.

السخرية اصطلاحًا:

الاستهانة والتحقير والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه. وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول، وقد يكون بالإشارة والإيماء 9.

الصلة بين الاستهزاء والسخرية:

السخرية تكون بعد صدور فعل من المقصود بها، بينما الاستهزاء قد يكون دون صدور ما يقتضيه من المراد به 10.

التهكم:

التهكم لغة:

هو اقتحام المرء ما لا يعنيه، والتعرض للغير بالشر 11.

التهكم اصطلاحًا:

هو ازدراء الغير بسبب في المزدري كالغيظ ونحوه.

الصلة بين التهكم والاستهزاء:

أن المقتضي للتهكم بغض المتهكم به من غير وجود سبب، أما الاستهزاء فإنه يحتمل وجود السبب، فالتهكم يكون من المتعالي وبدون أن يكون في المتهكم به ما يدعو للتهكم، وإنما فعله من قبيل الاستعلاء.

الهمز:

الهمز لغة:

هو الضغط والعصر، والتعييب والطعن والغمز في غياب المهموز، وكأن الذي يهمز الناس يضغط الحروف ويعصرها 12.

الهمز اصطلاحًا:

عيب الناس والطعن فيهم حال غيبتهم.

الصلة بين الاستهزاء والهمز:

الاستهزاء يكون في الحضور والغيبة على حد سواء، بينما الهمز يكون في الغيبة غالبًا.

اللهمز:

اللمز لغة:

العيب في حضرة المقصود به لا في غيبته، بكلام ظاهر أو خفي، وأصله الإشارة بالعين ونحوها 13.

اللمز اصطلاحًا:

العيب بشيء فيه تهمة 14.

الصلة بين الاستهزاء واللمز:

أن الغرض من الاستهزاء التحقير، بينما الغرض من اللمز التشكيك والاتهام.

المزاح:

المزاح لغة:

المداعبة بكلام لا يقتضي التحقير 15.

المزاح اصطلاحًا:

الكلام غير الجاد على سبيل الدعابة 16.

الصلة بين الاستهزاء والمزاح:

الاستهزاء يكون بغرض التحقير، بينما المزاح غرضه المداعبة 17.

الاستهانة:

الاستهانة لغة:

الإذلال، والاستخفاف 18.

الاستهانة اصطلاحًا:

التهوين والتقليل من شأن المقصود بها.

الصلة بين الاستهزاء والاستهانة:

أن المقصود بالاستهزاء قد يكون شأنه عاديًا، بينما المقصود بالاستهانة الذي يظهر من شأنه أكبر مما يراه المستهين.

الغمز:

الغمز لغة:

العيب والذكر بغير الجميل 19.

الغمزاصطلاحًا:

الإشارة بالعين والحاجب استهزاءً وتنقصًا 20.

الصلة بين الاستهزاء والغمز:

الاستهزاء أعم من الغمز، فالغمز صورة من صور الاستهزاء حيث إنه يكون بالعين والحاجب فقط.

سنتعرض لقضية نسبة الاستهزاء لله عز وجل من خلال النقاط الآتية:

أولًا: إثبات صفات الله مع تنزيهه عن مشابهة المخلوقين:

عقيدة أهل الإسلام أهل السنة والجماعة هي أن الله سبحانه وتعالى هو العليم بذاته، والذي لا نعلم شيئًا عن ذاته أو أسمائه وصفاته وأفعاله، إلا ما أوحى به لرسله، وقد قال جل جلاله -مخبرًا عن الملائكة الذين كلمهم وكلموه-: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32] .

وذلك حين عرض عليهم أشياء رأوها بأعينهم، لكنه لم يعلمهم ما هذه الأشياء وما أسماؤها؟ وعلمها آدم فأمره ربه أن يخبرهم بأسمائها 21، وكان هذا في أمر مشاهد، فكيف الحال مع ما غاب عنا وعنهم؟! لا يمكن لمخلوق أن يكون عنده أثارة من علم إلا أن يأذن الله بها، لذلك كان الأمر في عقيدتنا أن نؤمن بالله سبحانه وتعالى وما جاء عن الله على مراد الله، كما قال: الشافعي رحمه الله: «آمنت بالله وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله» 22، فيكون إيماننا بما أخبرنا الله جل جلاله من أسمائه وصفاته إيمانًا بالغيب، الذي لا طاقة لنا بإدراك كيفيته، مع التسليم بأن المعاني التي أرادها الله منها حقيقتها، ولا يستقيم أن نصرف هذه المعاني عن ظاهرها، لا تكييفًا ولا تشبيهًا ولا تأويلًا ولا تعطيلًا ولا تمثيلًا، وقد كان الأصل الذي قرره القرآن في غير آية يبين لنا أن الله سبحانه وتعالى لا مثيل ولا شبيه له حصنًا لأفهامنا من الزيغ والانحراف، يقول الله سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] 23.

وقال: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4] .

وقال أيضًا: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النحل: 60] .

وغيرها من الآيات التي يتحقق لنا العلم منها أن الله لا يمكن أن يتصف بما اتصف به خلقه، وإن تشابهت الكلمات والمعاني إلا أن الحقائق بخلاف ذلك.

في ضوء ذلك يمكننا البحث عما أراده الله من قوله: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15] .

محتاطين لأنفسنا مما وقع في بعض كتب التفسير التي سار المفسرون فيها على المنهج العقلي، ومنهج علم الكلام والجدل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، في البحث في أسماء الله وصفاته، بل هو كماء البحر الذي إذا شرب منه العطشان ازداد عطشه، وتمزقت جدران حلقه، وهذا ما جناه من ذهب يبحث في أسماء الله وصفاته على تلك الطريقة المنحرفة، قد أدى إلى تحير كثير ممن خاضوا فيه، وقد صرحوا بذلك، وليس هذا مقام بيان ذلك، لكن جئنا به على سبيل التنبيه، وليكون مدخلًا للخوض في نسبة الاستهزاء إلى الله سبحانه وتعالى، على طريقة أهل الجدل والسفسطة، فتنزه وتقدس ربنا عن صفات النقص، وعز بصفات العز والكمال، وجل بنعوت الكبرياء والجلال، ونحن بذلك مؤمنون وله مثبتون.

ثانيًا: الاستهزاء ونسبته إلى الله:

يبين الله عز وجل كاشفًا وفاضحًا لحال المنافقين ومقالهم، حين يعتذرون لرؤوسهم ورؤسائهم، وأئمتهم وشياطينهم، بالأمر الذي حاق بهم، وأغراهم وغرهم بسوء فعلهم، يقول سبحانه: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 14 - 15] .

وقد وقف أهل العلم مع هذه الآية ونظيراتها في كتاب الله عز وجل وذلك أن إثبات صفة كالاستهزاء والخداع والمكر والسخرية لله سبحانه وتعالى، أمر يقتضي رفع الاشتباه الذي قد يترتب عليه الظن والاعتقاد بأن الله متصف بصفات لو كانت في حق البشر لكانت صفات نقص، فكيف يتصف الله بها؟! وقد قاموا بفضل الله جل جلاله بدفع الاشتباه، ورد الشبه التي أوردها أهل الانحراف والعقائد الضالة بأوضح العبارات 24، وهذا ما يرجحه الإمام الطبري في قوله: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 15] .

وهو أن استهزاء الله بالمنافقين هو من جنس فعلهم، وقد سبق أن ذكرنا تعريفه للاستهزاء في هذا المقام وهو: «إظهار المستهزئ للمستهزأ به من القول والفعل ما يرضيه ظاهرًا، وهو بذلك من قيله وفعله به مورثه مساءة باطنًا» 25، فقابلهم الله جل جلاله على ما أظهروه من الإيمان والولاء للمؤمنين بألسنتهم، وإبطان نقيضه من التكذيب والعداء في قلوبهم، أن أظهر لهم في الدنيا أن لهم أحكام أهل الإيمان المصدقين ظاهرًا وباطنًا والذين يوالون الله ورسوله في الدنيا، مع علمه بكذبهم وخبث اعتقادهم، حتى ظنوا أنهم يوم القيامة سيحشرون في عداد المؤمنين، الذين كانوا في عدادهم في الدنيا، وقد أنزل الله في كتابه ذكرهم وذكر أحوالهم وسرائرهم الخبيثة، وما أعد لهم يوم القيامة من الخزي والمفاجآت والمواقف الفاضحة والعذاب الأليم على خلاف توقعاتهم، وذلك في مواقف نذكر منها ما يأتي:

ما جاء في قول الله سبحانه وتعالى {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [الحديد: 13 - 14] .

يقول ابن عباس: «بينما الناس في ظلمة، إذ بعث الله نورًا، فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور دليلًا من الله إلى الجنة؛ فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا تبعوهم، فأظلم الله على المنافقين، فقالوا حينئذ: انظرونا نقتبس من نوركم، فإنا كنا معكم في الدنيا؛ قال المؤمنون: ارجعوا من حيث جئتم من الظلمة، فالتمسوا هنالك النور» 26.

وموقف ثانٍ في قوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42] .

عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمنٍ ومؤمنةٍ، فيبقى كل من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعةً، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقًا واحدًا) 27.

وهؤلاء هم المنافقون؛ ذلك أن الناس يوم القيامة يذهب كل قوم مع إلههم الذي عبدوه في الدنيا «ويبقى المؤمنون والمنافقون، فيقال لهم: ألا تذهبون فقد ذهب الناس؟ فيقولون: حتى يأتينا ربنا، فيقال لهم: أو تعرفونه؟ فيقولون: إن اعترف لنا عرفناه.

قال: فعند ذلك يكشف عن ساق ويتجلى لهم؛ فيخر من كان يعبده مخلصًا ساجدًا، ويبقى المنافقون لا يستطيعون كأن في ظهورهم السفافيد، فيذهب بهم إلى النار» 28.

وموقف ثالث جاء ذكره في قول الله: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (33) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (34) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الجاثية: 32 - 37] .

يبين الله جل جلاله في هذه الآيات استهزاء الكفار باليوم الآخر، والصورة التي كانوا يستهزئون بها، وموقفهم يوم القيامة حين يطبق عليهم سوء فعلهم، فيطوقهم ويحيط بهم، ويقال لهم استهزاءً: اليوم نترككم كما تركتم العمل بما جاءكم به النبي صلى الله عليه وسلم، وتركتم التفكر فيه؛ ليصبح يقينًا كما ترونه اليوم، وقنعتم بعملكم المنكر واستهزائكم بخبر هذا اليوم الذي أنتم فيه الآن.

فكان جزاؤهم من جنس عملهم؛ تركوا الإيمان والاستعداد ليوم الحساب، فحاق بهم ما استهزءوا به وتركوا في العذاب، وكان خطاب الله لهم بيانًا لعاقبة فعلهم، حيث أظهروا شيئًا من الاهتمام بالتساؤل حول خبر ما جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يقصدون بذلك تقرير بطلانه لعدم قوة الحجة التي جاءهم بها النبي صلى الله عليه وسلم، فيأتيهم الخطاب وهم ليسوا أهلًا لخطاب الله، لكنه خطاب تقنيط وتبكيت، كما كان خطابهم للنبي صلى الله عليه وسلم خطاب تقنيط وتكذيب، استهزاءٌ باستهزاء، والجزاء من جنس العمل.

وعليه فإن إثبات صفة الاستهزاء لله جل جلاله على ما أثبته له أهل السنة والجماعة، لا يورد أدنى اشتباه يكون مؤداه الاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى قد اتصف بصفات النقص، ولا يرد عليه أدنى إشكال بأن الله جل جلاله يشبه مخلوقاته في صفاتهم أو أفعالهم.

ثالثًا: الاستهزاء صفة من صفات الله:

بالتزام الأصل الذي تطرقنا له سابقًا، وبعد استعراض ما جاء في كلام العلماء فيما تلاه نخلص إلى ما يلي:

أن صفة الاستهزاء هي صفة لله على وجه الكمال لا على وجه النقص كما هي في حق الآدمي، وذلك أنه ليس كل صفة نقص في حق المخلوق إذا ما اتصف بها الخالق تكون صفة نقص فيه، فإنه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] .

فعدم النوم عند الإنسان يدل على مرض واعتلال، وهو بهذا الاعتبار يكون موصوفًا بعلة، وهي صفة نقص فيه، لكن الله عز وجل لا ينام؛ وهذا من كمال حياته وقيوميته، الإنسان الذي لا يولد له؛ يكون عقيمًا، وهي له صفة نقص، وكذا إن لم يكن له أهل يعرف أن أصله منهم، بينما الله سبحانه وتعالى {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} [الإخلاص: 3] .

الإنسان الذي لا يصلح له الزواج، كان هذا لنقص فيه، والله جل جلاله غني عن ذلك، وهذه والتي قبلها لكمال غناه سبحانه وتعالى وأحديته وصمديته، وعليه فالله عز وجل لا يجوز أن تضرب له الأمثال بمخلوقاته، وهناك صفات كمال لله عز وجل جعل الله سبحانه وتعالى منها صفات كمال للإنسان، وهي كثيرة: كالسمع والبصر، والكلام والرحمة، والعفو والرضا والغضب، والحب والبغض والوجه وغيرها كثير.

إثبات الصفات لله عز وجل ليس كإثباتها لغيره من خلقه، فنحن نثبت له منها المعنى الظاهر، ونثبت الكيف الذي يليق به، ونكل علم الكيفية له عز وجل، كما فعل الإمام مالك -رحمه الله تعالى-، حين جاء ذاك المبتدع وسأله قائلًا: «يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] .

كيف استوى؟ قال: فما رأينا مالكًا وجد من شيءٍ كوجده من مقالته، وعلاه الرحضاء 29، وأطرق، وجعلنا ننتظر ما يأمر به فيه. قال: ثم سري عن مالكٍ، فقال: الكيف غير معقولٍ، والاستواء منه غير مجهولٍ، والإيمان به واجبٌ، والسؤال عنه بدعةٌ، وإني لأخاف أن تكون ضالًا، ثم أمر به فأخرج» 30.

الكمال الذي للخالق سبحانه وتعالى ليس كالكمال الذي يكون للمخلوق، ولكي يقرب الأمر في أذهاننا نقول: إنه ليس كل كمال في مخلوق يصلح أن يكون كمالًا لمخلوق آخر؛ وإن كان مثله في الأصل والهيئة، فالكمال بالنسبة للمرأة ليس كالكمال بالنسبة للرجل، وإذا كان هذا التباين والاختلاف موجودًا بين مخلوقين خلقا من مادة واحدة، وعلى هيئة واحدة، فهو بالنسبة لله أعظم.

وهناك أمر آخر نبه له أهل العلم لابد من ذكره في هذا المقام؛ ألا وهو أن الله سبحانه وتعالى لا يشتق له من صفاته أسماء، فإن قلنا: إن الله جل جلاله له صفة الغضب، فلا يجوز لنا أن نقول: إن من أسماء الله سبحانه وتعالى الغضوب، أو إن له صفة البغض أن نقول: إن من أسماء الله عز وجل المبغض، وإن له صفة الرضا فيكون من أسمائه الراضي، فلا يجوز أن نسمي الله باسم لم يسم نفسه به، فأسماؤه توقيفية، وإثباتها لا يكون إلا بدليل من الكتاب أو السنة، ولا تكون اجتهادية بالمطلق.

بين القرآن الكريم الاستهزاء بالأنبياء وأتباعهم وأسبابه وهذا ما سنتناوله بالإيضاح فيما يأتي:

أولًا: الاستهزاء بالأنبياء والمرسلين:

لم يكن كتاب الله سبحانه وتعالى كتابًا غرضه التفكه والمسامرة، بل كان له غرض سامٍ، فهو كتاب هداية للعالمين يخاطب الله سبحانه وتعالى به أصحاب العقول، وقد أورد الله جل جلاله فيه أحسن القصص لهذا الغرض، ففيها من بيان ما لاقاه أهل الحق، وبيان أساليبهم ووسائلهم في مواجهة ما يعترضهم؛ ليكون المخاطبون به على بينة من أمرهم، فهم على نفس الطريق سائرون، ولنفس السبيل ناهجون، ومن جملة القصص التي أنزلها الله ما كان فيها ذكر استهزاء الأمم السابقة بأنبيائهم ورسلهم، وهذا ما سنعرض له في النقاط الآتية:

1.الغرض من ذكر الاستهزاء بالأنبياء والمرسلين.

يقول الله جل جلاله: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120] .

وهذا أمر علم الله سبحانه وتعالى أن له الأثر البالغ في تقوية عزم النبي صلى الله عليه وسلم على طريق دعوته، فهو طريق حافل بالابتلاءات، مكلل بكل ما من شأنه أن يثنيه عن دعوته، فيذكر الله جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم أخبار من كان قبله من الأنبياء، وأنهم لاقوا مثل الذي يلاقيه، ومن جملة ما لاقوه -بل هو أكثر ما استعمل معهم لصدهم عن رسالتهم- الاستهزاء 31، وقد ذكر الله أن الأنبياء والرسل عامتهم لم يسلموا منه، وذلك في سبعة مواضع، وفي سبع سور من القرآن الكريم، وذلك أن الله سبحانه وتعالى نزل القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم منجمًا لذات الحكمة التي قص لأجلها عليه قصص الأنبياء والرسل، وهي تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليجتمع بذلك تكرار القصص مع تعاهد المولى جل جلاله لنبيه بالتثبيت على فترات متباعدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت