لشخص معين، تحقق فيه العموم في مصدره، وهو الغنيمة، والعموم في مصرفه، وهو عموم مصالح الأمة، ولا دخل ولا وجود للفرد فيه، فشتان بين هذا الأصل في التشريع وهذا الفرع في التضليل 109.
ومن حماية القرآن الكريم للملكية العامة تحريمه الغلول، وهو: «الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القسمة» 110.
قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران:161] .
وذلك لأن الغنيمة قبل قسمتها تكون ملكًا عامًا، فحرم تعالى الأخذ منها وهي كذلك، وتوعد من يفعله بقوله: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: يحمله يوم القيامة.
قال القرطبي: «أي: يأتي به حاملًا له على ظهره ورقبته، معذبًا بحمله وثقله، ومرعوبًا بصوته، وموبخًا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد» 111.
كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ، فذكر الغلول، فعظمه وعظم أمره، ثم قال: (لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعيرٌ له رغاءٌ، يقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرسٌ له حمحمةٌ، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاةٌ لها ثغاءٌ، يقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفسٌ لها صياحٌ، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاعٌ تخفق، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامتٌ 112، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك) 113.
ثم قال تعالى: {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} أي: اعلم يا من تغل شيئًا ولو كان حقيرًا أنك ستعود إلينا وستحاسب على ذلك، حسابًا عادلًا لا ظلم فيه ولا تفويت، وفي هذه الآية تهديد شديد ووعيد لمن يعتدي على الملكية العامة.
ومن مبادئ الاقتصاد التي بينها القرآن الكريم ودعا إليها: حفظ الحقوق الخاصة، كالدين، وقد أنزل تعالى بيان حكمه في أطول آية من كتابه.
قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} [البقرة:282] .
فأمر تعالى بحفظ الدين بكتابته والإشهاد عليه حتى لا يضيع حق صاحبه، وفي طول الآية وما فيها من مؤكدات ما يدل على المبالغة الشديدة في الاحتياط في حفظ الحقوق لأصحابها وخاصة الحقوق المالية.
قال الفخر الرازي: «حث على الاحتياط في أمر الأموال لكونها سببًا لمصالح المعاش والمعاد، ... والذي يدل على ذلك أن ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار، وفي هذه الآية بسط شديد، ألا ترى أنه قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} .
ثم قال ثانيًا: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} .