إن الله سبحانه و تعالى ولي المؤمنين وناصرهم ومؤيدهم، أما الكافرون فـ {لَا مَوْلَى لَهُمْ} ينصرهم، أو يدفع عنهم ما حلّ بهم من دمار وخسران بسبب كفرهم وجحودهم 36.
7.الخلود في نار جهنم.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39] .
يقول البغوي: « {وَالَّذِينَ كَفَرُوا} يعني: جحدوا، {وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} بالقرآن، {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} يوم القيامة، {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} لا يخرجون منها، ولا يموتون فيها» 37.
وهكذا نجد أن الله سبحانه وتعالى توعّد من كفر، أو وقع في الكفر بأنواع عديدة من العذاب، ولما علم الإنسان ماله من الوعيد حينما يكفر بالله عز و جل وآياته، وأن مأواه جهنم، وأن الله عز و جل سيذله ويذيقه من العذاب الأليم والشراب الحميم، ويلعنه الله والملائكة والناس أجمعون، ويخلد في نار جهنم، كما قال سبحانه و تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39] .
فإن الإنسان لا يستقيم حاله إلا بإقراره بوحدانية ربه وتوحيده، وتجعله يسير وفق ما يريد الله عز و جل، ويجتنب الأمور التي توقع صاحبها في الكفر، فإن علم الإنسان المسلم ذلك، فإنه سينقاد إلى طاعة خالقه عز وجل، ويبتعد عن الكفر، ويكفر بكل ما عبد من غير الله عز وجل، من حجر، وشجر وغيره.
يقول الله عز و جل: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256] .
فالإيمان بالله سبب من أسباب استقامة الإنسان على طاعة الرحمن، والبعد عن طاعة الشيطان.
إن ّالشرك جريمة عظيمة بحق الله سبحانه و تعالى، فالشرك ظلم النفس، حيث وصفه سبحانه وتعالى بأنه أعظم الظلم، قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .
وذلك لأن المشرك يجعل المخلوق في منزلة الخالق؛ لذلك جاء التحذير منه في القرآن الكريم، واعتبره الرسول صلى الله عليه وسلم كبيرة من كبائر الذنوب، فالشرك: جعل شريك لله في ربوبيته أو إلهيته، كأن يدعو مع الله غيره، أو يصرف له شيئًا من أنواع العبادة، كالذبح والنذر والخوف والرجاء 38.
ولقد تنوعت دلالة النصوص على ذم الشرك، والتحذير منه وبيان خطره، وسوء عاقبته على المشركين في الدنيا والآخرة، وبيان ذلك في النقاط الآتية:
1.الشرك الذنب الذي لا يغفر إلا بتوبة.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] .
يقول أبو بكر الجزائري: «فأخبر تعالى عن نفسه بأنه لا يغفر الذنب المعروف بالشرك والكفر، وأما سائر الذنوب كبيرها وصغيرها فتحت المشيئة، إن شاء غفرها لمرتكبها فلم يعذّبه بها، وإن شاء آخذه بها وعذّبه، وأن من يشرك به تعالى فقد اختلق الكذب العظيم؛ إذ عبد من لا يستحق العبادة، ومن لا حق له في التأليه؛ فلذا هو قائل بالزور وعامل بالباطل، ومن هنا كان ذنبه عظيمًا» 39، فمن رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده أنه يغفر الذنوب مهما عظمت، فإذا تاب المشرك عن شركه، ورجع إلى ربه وأناب، فإن الله سبحانه وتعالى يغفر له، يقول الإمام السعدي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: «وهذه الآية الكريمة في حق غير التائب، وأما التائب فإنه يغفر له الشرك فما دونه، كما قال تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] .
أي: لمن تاب إليه وأناب؛ ولهذا حتّم على صاحبه بالخلود بالعذاب وحرمان الثواب» 40، قال تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82] .
2.وصف الله الشرك بأنه ظلم عظيم.
قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .
يقول ابن عاشور في تفسيره: «والمراد بالظالمين ابتداءً: المشركون، أي: الذين ظلموا أنفسهم إذ أشركوا بالله، قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .
والظلم يشمل أيضًا عمل المعاصي الكبائر، كما وقع في قوله تعالى: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} [الصافات: 113] .
وقد وصف القرآن اليهود بوصف الظالمين في قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] .
فالمراد بالظلم: المعاصي الكبيرة وأعلاها الشرك بالله تعالى» 41، وإنّ أول وصية وصى بها لقمان ابنه وهو يعظه ألا يشرك بالله؛ لخطره على صاحبه، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .
3.الشرك محبطٌ لجميع للأعمال، وسببٌ في خسران صاحبه.
قال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65] .
أي: أوحى الله سبحانه و تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم كما أوحى إلى الأنبياء من قبله، {لَئِنْ أَشْرَكْتَ} بنا غيرنا في عبادتنا {لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} أي: يبطل كله، ولا تثاب على شيء منه وإن قلّ، {وَلَتَكُونَنَّ} بعد ذلك من جملة الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وذلك هو الخسران المبين 42، وقال سبحانه وتعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88] .
يقول ابن كثير: «هذا تشديد لأمر الشرك، وتغليظ لشأنه، وتعظيم لملابسته» 43.
4.تحريم دخول الجنة على المشرك.
قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72] .
يقول ابن جرير الطبري في تفسيره: « {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} ، أن يسكنها في الآخرة، {وَمَأْوَاهُ النَّارُ} يقول: ومرجعه ومكانه الذي يأوي إليه ويصير في معاده، من جعل لله شريكًا في عبادته نار جهنم، {وَمَا لِلظَّالِمِينَ} ، يقول: وليس لمن فعل غير ما أباح الله له، وعبد غير الذي له عبادة الخلق، {مِنْ أَنْصَارٍ} ، ينصرونه يوم القيامة من الله، فينقذونه منه إذا أورده جهنم» 44.
5.المشرك حلال الدم والمال.
قال تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة: 5] .
يقول سبحانه وتعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ} أي: «التي حرم فيها قتال المشركين المعاهدين، وهي الأشهر الحرم الأربعة 45، وتمام المدة لمن له مدة أكثر منها، {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} في أي مكان وزمان» 46، يقول القرطبي: «يقتضي جواز قتلهم بأي وجه كان، إلا أن الأخبار وردت بالنهي عن المثلة» 47، {وَخُذُوهُمْ} أسرى {وَاحْصُرُوهُمْ} أي: ضيّقوا عليهم واحبسوهم، فلا تدعوهم يتوسعون في بلاد اللّه وأرضه، التي جعلها الله معبدًا لعباده، فهؤلاء ليسوا أهلًا لسكنها، ولا يستحقون منها شبرًا؛ لأن الأرض أرض اللّه، وهم أعداؤه المتنابذون له ولرسله، المحاربون الذين يريدون أن تخلو الأرض من دينه، ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره، ولو كره الكافرون، {وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} أي: كل ثنية وموضع يمرون عليه، ورابطوا في جهادكم، وابذلوا غاية مجهودكم في ذلك، ولا تزالوا على هذا الأمر؛ حتى يتوبوا من شركهم» 48.
6.براءة الله سبحانه و تعالى من المشركين ورسوله صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 3] .
أمر النبي صلى الله عليه وسلم مؤذنه أن يؤذّن يوم الحج الأكبر، وهو يوم النحر، وقت اجتماع الناس مسلمهم وكافرهم، من جميع جزيرة العرب، أن يؤذن بأنّ اللّه بريء ورسوله من المشركين، فليس لهم عنده عهد وميثاق، فأينما وجدوا قتلوا، وقيل لهم: لا تقربوا المسجد الحرام بعد عامكم هذا، وكان ذلك سنة تسع من الهجرة، ثم رغّب تعالى المشركين بالتوبة، ورهّبهم من الاستمرار على الشرك 49.
فقال تعالى: {فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ} [التوبة: 3] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه قال: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملًا فأشرك فيه غيري، فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك) 50.
7.نجاسة المشرك (المعنوية) .
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] .
يقول الإمام السعدي: « {نَجَسٌ} أي: خبثاء في عقائدهم وأعمالهم، وأي نجاسة أبلغ ممن كان يعبد مع اللّه آلهة لا تنفع ولا تضر، ولا تغني عنه شيئًا، وأعمالهم ما بين محاربة للّه، وصد عن سبيل اللّه ونصر للباطل، ورد للحق، وعمل بالفساد في الأرض لا في الصلاح» 51.
8.الشرك افتراءٌ و إثم عظيمٌ على الله سبحانه و تعالى.
قال تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48] .
ومن يشرك بالله في عبادته، {فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} أي: اختلق {إِثْمًا عَظِيمًا} ، وإنما جعله الله تعالى مفتريًا؛ لأنه قال زورًا، وإفكًا بجحوده وحدانية الله، وإقراره بأن لله شريكًا من خلقه.
لما يعلم الإنسان خطر الشرك، فإنه سيبذل قصارى جهده من أجل عدم الوقوع فيه؛ لأن الشرك سبب في عدم مغفرة الذنوب، فالمشرك حلال الدم والمال، وإنّ الله سبحانه و تعالى تبرأ من المشركين ورسوله صلى الله عليه وسلم.
فالشرك يوجب لصاحبه العذاب في الدنيا والآخرة، قال تعالى: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} [الأحزاب: 73] .
فهو أبغض الأشياء إلى الله، قال ابن القيم: «إنّ الشرك لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات، كان أبغض الأشياء إلى الله، وأكرهها له وأشدها مقتًا لديه، ورتّب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حرمه، وحرّم ذبائحهم ومناكحتهم، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وجعلهم أعدًاء له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم وأن يتخذوهم عبيدًا؛ وهذا لأن الشرك هضم لحقّ الربوبية، وتنقيص لعظمة الإلهية» 52.
فيجب على الإنسان أن يتحرر من جميع مظاهر الشرك، وأن يقلع عنها، ويستنير بنور التوحيد؛ لأنه سبب في مغفرة الذنوب واستقامة الإنسان، يقول ابن القيم: «فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك، لا يبقى معه ذنب فإنه يتضمن من محبة الله تعالى، وإجلاله، وتعظيمه وخوفه، ورجائه وحده مما يوجب غسل الذنوب، ولو كانت قراب الأرض» 53، فالذي يتوجه إلى ربه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يصرف شيئًا من العبادة لغيره، فقد حقّق التوحيد واستقام على شرع الله سبحانه و تعالى.
ثالثًا: النفاق:
إن النفاق داء عضال، وانحراف خطير في حياة الأفراد والمجتمعات والأمم، فخطره عظيم، وشرور أهله كثيرة، وتكمن خطورته في آثاره المدمرة على حياة الأفراد والمجتمعات.
النفاق معناه: إظهار الإسلام وإبطان الكفر والشرك 54.
وسوف نتحدث عن النفاق ونبين صفات المنافقين؛ حتى يكون المسلم على حذر من الوقوع في النفاق، ومما يعين المسلم على ذلك تدبر ما ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه من صفاتهم، وما صحت به السنة النبوية، إن للمنافقين صفات كثيرة نشير إليها مجرد إشارات مختصرة، وإلا فإن التفصيل يحتاج إلى مؤلفات تفضح ما هم عليه، ومن أهم صفات المنافقين ما يأتي:
1.أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.
قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] .
ومن الناس فريق يتردد متحيرًا بين المؤمنين والكافرين، وهم المنافقون الذين يدّعون الإيمان بألسنتهم ويضمرون الكفر في قلوبهم، وهم في باطنهم كاذبون لم يؤمنوا بالله ولا باليوم الآخر، فنفى الله سبحانه و تعالى عنهم صفة الإيمان؛ لأنهم أشد خطورة من الكافرين 55.
2.خداع الله سبحانه وتعالى والمؤمنين.
قال تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9] .
يقول ابن كثير في تفسيره للآية: « {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} أي: بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، يعتقدون بجهلهم أنهم يخادعون الله بذلك، وأنّ ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما يروج على بعض المؤمنين.
قال تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [المجادلة: 18] ؛ ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله تعالى: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} يقول: وما يغرون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم، وما يشعرون بذلك من أنفسهم» 56.
3.الإفساد في الأرض بالقول والفعل.
قال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 12] .
يقول سيد طنطاوي في تفسيره: «الفساد: خروج الشيء عن حالة الاعتدال والاستقامة، وعن كونه منتفعًا به، وضده الصلاح، يقال: فسد الشيء فسادًا، وأفسده إفسادًا، والمراد به هنا: كفرهم، ومعاصيهم، ومن كفر بالله وانتهك محارمه فقد أفسد في الأرض؛ لأن الأرض لا تصلح إلا بالتوحيد والطاعة، ومن أبرز معاصي هؤلاء المنافقين، ما كانوا يدعون إليه في السر من تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلقاء الشّبه في طريق دعوته، والتحالف مع المشركين ضد المسلمين، كلما وجدوا لذلك سبيلًا» 57.
4.الاستهزاء بالمؤمنين.
قال تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 14 - 15] .
«هؤلاء المنافقون إذا قابلوا المؤمنين قالوا: صدّقنا بالإسلام مثلكم، وإذا انصرفوا وذهبوا إلى زعمائهم الكفرة المتمردين على الله، أكّدوا لهم أنهم على ملة الكفر لم يتركوها، وإنما كانوا يستخفّون بالمؤمنين، ويسخرون منهم، فالله سبحانه وتعالى يستهزئ بهم معاملة لهم بالمثل؛ لتزداد حيرتهم، وتضطرب نفوسهم، وتضل عقولهم؛ لأنهم استبدلوا الإيمان بالكفر والإخلاص بالنفاق» 58.
5.المنافقون يحلفون كذبًا ليستروا جرائمهم.
قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [المنافقون: 2] .
يقول ابن كثير في تفسيره: «أي: اتقوا الناس بالأيمان الكاذبة، والحلفان الآثمة؛ ليصدقوا فيما يقولون، فاغتر بهم من لا يعرف جلية أمرهم، فاعتقدوا أنهم مسلمون، فربما اقتدى بهم فيما يفعلون، وصدّقهم فيما يقولون، وهم من شأنهم أنهم كانوا في الباطن لا يألون الإسلام وأهله خبالًا -مفسدة- فحصل بهذا القدر ضرر كبير على كثير من الناس» 59.
6.موالاة المنافقين للكافرين ونصرتهم على المؤمنين.
قال تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [النساء: 138، 139] .
يقول الإمام الشوكاني: «إطلاق البشارة على ما هو شر خالص لهم تهكم بهم» 60.
وقد وصف الله سبحانه وتعالى حال المنافقين بأنهم يوالون الكافرين، ويتخذونهم أعوانًا لهم، ويتركون ولاية المؤمنين، ولا يرغبون في مودتهم، أيطلبون بذلك النصرة والمنعة عند الكافرين؟ إنهم لا يملكون ذلك، فالنصرة والعزة والقوة جميعها لله تعالى وحده 61.
وهذا المعنى الذي دلّت عليه هذه الآية الكريمة، جاء موضحًا في آيات من كتاب اللّه تعالى، كقوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [مريم: 82] .
وقوله تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [يونس: 65] .
وقوله تعالى: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ} [المنافقون: 8] .
7.المنافقون يعملون على تهوين المؤمنين وتخذلهم.
قال تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (17) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 12 - 18] .