فهرس الكتاب

الصفحة 2060 من 2431

موسى عليه السلام

أولًا: اسمه ونسبه عليه السلام:

لم يذكر القرآن شيئًا عن نسب نبي الله موسى عليه السلام ولا عن والده أو والدته، لكن ذكر في غير موضع بالقرآن الكريم أن موسى أخٌ لهارون عليه السلام وقد توهم البعض كالقرظي 1 أنهما أخوان للسيدة العذراء مريم، لقوله عز وجل على لسان بني إسرائيل: {يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) } [مريم:28] ، ولتشابه اسمي أبي موسى وأبي مريم، فكلاهما اسمه (عمران) .

والحقيقة أن التباعد الزمني بين موسى وعيسى عليه السلام أمرٌ ثابت بالقرآن الكريم، يقول الله عز وجل في قصة داود: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) } [البقرة:246] .

فداود عليه السلام كان بين موسى وعيسى عليه السلام.

ثانيًا: زمانه عليه السلام:

ليس في القرآن الكريم ما يمكن من خلاله تحديد الفترة الزمنية التي ولد فيها نبي الله موسى عليه السلام بدقة، لكن الثابت في القرآن أن مبعثه كان سابقًا على نبي الله داود عليه السلام، وتحدثت بعض الآيات القرآنية عن جانب من الزمن الذي ولد فيه، حيث عاش بنو إسرائيل فترة طويلة في ظل الاضطهاد الفرعوني بسببٍ من تأييدهم للغزاة الهكسوس الذين حكموا مصر وتآمرهم على المصريين، واستحقارهم لعبادة المصريين، فضلا عن عقيدتهم بأنهم شعب الله المختار 2.

وبلغ بهم التنكيل أن أصدر فرعون قرارًا يقضي بذبح أبناء الإسرائيليين واستحياء نسائهم وتسخيرهم في أعمال الخدمة الشاقة، وفي سورة القصص بعض التفصيل لمعاناتهم في هذه الفترة العصيبة من تاريخ بني إسرائيل.

يقول تعالى: {نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) } [القصص:3 - 6] .

ونطالع في السورة الثانية من الكتاب الكريم تذكير المولى جل جلاله لبني إسرائيل بإنجائهم من هذا الاضطهاد {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) } [البقرة:49] .

ومثلها: {يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} [الأعراف:141] .

وقد روى الطبري عن ابن إسحاق قوله: «كان فرعون يعذب بني إسرائيل فيجعلهم خدمًا وخولًا، وصنفهم في أعماله، فصنفٌ يبنون، وصنفٌ يحرثون، وصنفٌ يزرعون له، فهم في أعماله، ومن لم يكن منهم في صنعة له من عمله: فعليه الجزية -فسامهم- كما قال الله عز وجل سوء العذاب» 3.

وروي أن فرعون كان قد رأى رؤيا هالته؛ رأى نارًا خرجت من بيت المقدس فدخلت دور القبط ببلاد مصر، إلا بيوت بني إسرائيل، مضمونها أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل، ويقال: بل تحدث سماره عنده بأن بني إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم، يكون لهم به دولة ورفعة ... فعند ذلك أمر فرعون بقتل كل ذكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل، وأن تترك البنات، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال وأراذلها 4.

ولذلك كان وصف القرآن الكريم لهم {الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ} [الأعراف:137] .

ومنَّ الله جلَّ جلالُه على بني إسرائيل بالنجاة في غير موضع بالقرآن، من مثل قوله: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ} [طه:80] .

وقوله تعالى: {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) } [الدخان:30] .

ليس هذا فحسب؛ ففي موضع آخر يذكر نبي الله موسى عليه السلام بني إسرائيل بنعمة الله السابغة عليهم بأن كتب لهم النجاة من السخرة التي عاشوا فيها أمدًا بعيدًا {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) } [إبراهيم:6] .

ثالثًا: مكانته:

نص القرآن الكريم في أكثر من آية على مكانة موسى الكليم عليه السلام بين الأنبياء، وأشار إلى عظم هذه المكانة؛ فقال تعالى مجملا هذه المناقب ومبينًا هذه المكانة: {وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} [الأحزاب:69] .

والوجيه هو صاحب المكانة والمنزلة الرفيعة 5.

ومن أكثر الآيات تأكيدًا على هذه المكانة العظيمة قول الله عز وجل: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) } [مريم:51 - 53] .

ويمكننا إيجاز بعض مناقبه عليه السلام كما وردت في القرآن الكريم على النحو التالي:

أولًا: أنه كان (مخلصًا) لقوله سبحانه: {إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا} [مريم:51] أي أن الله تعالى اصطفاه واستخلصه.

ثانيًا: جمعه بين الرسالة والنبوة عند من فرق بينهما لقوله تعالى: {وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} [مريم:51] 6.

ثالثًا: تكليم الله جل جلاله له، لقوله سبحانه: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء:164] .

رابعًا: علو مكانته، لقوله عز وجل: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم:52] .

وفيه رأيان: «قرب المكان» ، وقيل: «قرب المنزلة» 7، وسواء أكان هذا أم ذاك فإنما يدل على علو مكانته عليه السلام.

خامسًا: اصطفاء الله تعالى له، وذلك لقوله {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} [الأعراف:144] .

ولقوله سبحانه: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) } [طه:13] .

سادسًا: إلقاء محبة الله عليه: ودليل ذلك قوله: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} [طه:39] .

سابعًا: كونه من أولي العزم من الرسل: فجل المفسرين أن موسى عليه السلام من أولي العزم من الرسل الذين قال الله عز وجل فيهم: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف:35] .

ثامنًا: مكانته في الإسلام: (كان النبي صلى الله عليه وسلم حفيًا به، فحين قدم المدينة مهاجرًا، وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء؛ فسألهم: ما هذا؟! قالوا: هذا يومٌ صالحٌ، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم؛ فصامه موسى. قال صلى الله عليه وسلم:(فأنا أحق بموسى منكم) ؛ فصامه وأمر بصيامه) 8، وفي رواية أخرى: (نحن أولى بموسى منكم) 9.

ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تفضيله على موسى الكليم لما له من منزلة عند ربه تعالى، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (استب رجلان، رجلٌ من المسلمين، ورجلٌ من اليهود، قال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلم، فسأله عن ذلك، فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأصعق معهم، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطشٌ جانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله) 10.

على أن تكليم الله تعالى لموسى عليه السلام لخير دليل على مكانته العالية الرفيعة عند ربه وبين خلقه، وهو الأمر الذي نص عليه القرآن في أكثر من موضع، وأكده الله تعالى تأكيدًا في قوله: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء:164] .

ورد ذكر موسى عليه السلام في القرآن الكريم (136) مرة في (34) سورة.

وأما قصته عليه السلام فقد وردت في السور الآتية:

السورة ... الآيات

البقرة ... 51 - 61، 67 - 71

المائدة ... 20 - 25

الأعراف ... 1.3 - 155،159 - 160

يونس ... 75 - 89

هود ... 96 - 97

إبراهيم ... 5 - 9

الإسراء ... 101 - 104

الكهف ... 60 - 82

مريم ... 51 - 53

طه ... 9 - 98

المؤمنون ... 45 - 49

الفرقان ... 35 - 36

الشعراء ... 10 - 68

النمل ... 7 - 14

القصص ... 3 - 48

الصافات ... 114 - 122

غافر ... 23 - 27

الزخرف ... 46 - 56

الذاريات ... 38 - 40

النازعات ... 15 - 25

أولًا: صفاته الخَلْقية:

ليس في القرآن ما يدل على شيء من أوصاف موسى عليه السلام الخلقية، سوى آية تشير إلى قوته البدنية التي ميزته.

يقول تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) } [القصص:15] .

وأورد ابن إسحاق ما يفيد قوة موسى عليه السلام وبسطته، يقول: «وكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق، وشدة في البطش؛ فغضب بعدوهما فنازعه (فوكزه موسى) وكزة قتله منها وهو لا يريد قتله» 11.

وفي السنة النبوية عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم (وأما موسى فآدمٌ جسيمٌ سبطٌ كأنه من رجال الزط) 12، وفي حديث آخر لابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت ليلة أسري بي موسى رجلًا آدم طوالًا جعدًا) 13، وفي حديثٍ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان: (رجل الرأس) 14.

ثانيًا: صفاته الخلقية:

1.المروءة.

تتجلى هذه الصفة في عدة مواطن، منها ما حدث مع الرجل الذي من شيعته حين استنصره على المصري.

يقول تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) } [القصص:15] .

فمروءة موسى عليه السلام منعته من تجاهل استغاثة رجل من بني قومه، ورغم أنه عليه السلام ندم فيما بعد على تسرعه وانفعاله الذي أدى إلى قتل المصري؛ إلا أنه كان دليلا على مروءته وشهامته.

وفي قصة البنتين اللتين سقى لهما دليل على مروءته؛ فلم يستطع عليه السلام أن يتجاوز أزمتهما، أو يتخلى عن معونتهما، كما تجلت مروءته في عدم انتظار الأجر من أحد {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) } [القصص:24] .

وكانت هذه المروءة أحد الأسباب لأن يخطبه الرجل لابنته.

2.الوفاء بالوعد.

جرى اتفاق بين الشيخ الكبير وموسى عليه السلام {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28) } [القصص:27 - 28] .

{فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) } [القصص:29] .

والشاهد أن موسى عليه السلام قد أوفى بعهده مع الشيخ.

3.قوة الحجة والمنطق.

يقدم لنا القرآن في أكثر من موضع حوارات موسى عليه السلام مع فرعون، وفيها دليل على قوة حجته ومنطقه، ولنا أن نتمثل في ذلك حواره مع فرعون الذي سأله: {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) } [طه:51] ؛ فجاءت إجابته شافية كافية: {قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (54) } [طه:52 - 54] .

فقد استخدم عليه السلام مفردات البيئة التي يعيش فيها (الأرض، السماء، المطر، النبات، الأنعام) ليقرب الصورة للمخاطبين (فرعون وملأه) وهذا أوقع في تعجزيهم وإقامة الحجة عليهم، وبلغ به التحدي مداه عندما قال له فرعون: {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) } [الشعراء:29] .

فجاء رده منطقيًا: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) } [الشعراء:30 - 31] .

فألزم فرعون الحجة وتحداه في يوم يجتمع فيه الناس ليشاهدوا بأعينهم.

4.اللجوء إلى الله واليقين به.

من يطالع قصة موسى عليه السلام يعرف مدى تعلق قلبه بخالقه تعالى، فإليه يكل أمره يستنصره على أعدائه، ويطلب منه النجدة والمعونة، وتكشف هذه الآيات عن جانبٍ كبيرٍ من هذا التضرع.

يقول عز وجل: {وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87) وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89) } [يونس:84 - 89] .

فقد طالب قومه بالتوكل على الله، ثم دعا ربه تعالى أن يعذب فرعون وقومه بسبب تكبرهم وتكذيبهم.

وتنقل لنا الآيات صورة حية من تضرعه إلى الله تعالى واستعانته به في قوله جل جلاله: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف:155 - 156] .

وقد تجلى تعلق موسى عليه السلام بربه حتى في أشد المواقف وأكثرها ضيقًا وكربًا، فعندما هرب وأتباعه من فرعون؛ أدركهم وجنوده عند البحر؛ فدب الخوف في قلوب أصحاب موسى وظنوا أنهم أحيط بهم، لكنه عليه السلام صاح وكله ثقة في ربه وخالقه: {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) } [الشعراء:62] .

5.حب الله والاستئناس به.

توضح لنا الآيات الكريمة كيف كان موسى عليه السلام كثير الأنس بربه جل جلاله، وينقل لنا القرآن كيف أسهب في الحديث مع مولاه عندما سأله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى} [طه:17] .

وهو سؤال كما قيل: «ليؤنسه ويبسطه بالكلام» 15، ويستوجب إجابة بكلمة واحدة (عصا) أو كلمتين نحو (هذه عصا) ؛ لكن موسى عليه السلام وجدها فرصة فأفاض في القول {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) } [طه:18] .

لقد استرسل موسى عليه السلام كما يقول البقاعي: «مستأنسًا بلذيذ المخاطبة قوله بيانًا لمنافعها خوفًا من الأمر بإلقائها كالنعل، أي: أعتمد وأرتفق وأتمكن إذا أعييت، أو عرض لي ما يحوجني إلى ذلك من زلق أو هبوط أو صعود أو طفرة أو ظلام ونحو ذلك؛ ثم ثنى بعد مصلحة نفسه بأمر رعيته فقال: {وَأَهُشُّ} أي أخبط الورق» 16 ..

وبلغ هذا الاستئناس ذروته عندما طلب موسى عليه السلام من ربه عز وجل أن يراه، وهو طلب عجيب {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) } [الأعراف:143] .

6.التواضع والحرص على التعلم.

عن أبي بن كعب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن: (موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا. فعَتِبَ الله عليه إذ لم يَرُدَّ العلم إليه، فقال له: بلى، لي عبدٌ بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال: أي رب ومن لي به؟ وربما قال سفيان: أي رب وكيف لي به قال تأخذ حوتًا فتجعله في مكتلٍ حيثما فقدت الحوت فهو ثم ... ) 17.

فاصطحب غلامه يوشع بن نون {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) } [الكهف:65 - 70] .

تقدم لنا الآيات السابقة جانبًا من تواضع موسى بن عمران عليه السلام بداية من التماسه العلم من العبد الصالح {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} ، وهي عبارة تشير إلى خفض الجناح من جانبه، ووضع نفسه في موضع المريد من شيخه، وكذا نزوله على شروط المعلم لصحبته، وفي هذا درس بالغ لكل طلاب العلم على النحو الذي ستظهره هذه الدراسة في مبحث مستقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت