فهرس الكتاب

الصفحة 1406 من 2431

صالح عليه السلام

أولًا: اسمه و نسبه عليه السلام:

هو صالح بن عبد الله بن ملسح بن عبيد بن حاجر بن ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح 1، وقيل: صالح بن عبيد بن أنيف بن ماشخ بن جادر بن جاثر بن ثمود قاله: مقاتل، وقيل: صالح بن كانوه، قاله الربيع: وقيل: صالح بن عبيد بن يوسف بن شالخ بن عبيد بن جاثر بن ثمود، قاله مجاهد: قال مجاهد: كان بينه وبين ثمود مائة سنة وكان في قومه بقايا من قوم عاد على طولهم وهيئاتهم 2.

أرسله الله تعالى إلى قومه ثمود، وهي قبيلة مشهورة، من العرب العاربة البائدة 3، سموا باسم جدهم ثمود أخي جديس من ذرية سام بن نوح، ويرى آخرون أن ثمود ابن عابرٍ، أو جاثر أو جائر بن إرم بن سام بن نوح 4، وعمروا الأرض بعد عاد، كما بين ذلك القرآن حيث يقول حاكيًا عن صالح يخاطب قومه: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ} [الأعراف:74] 5.

وديار ثمود بالحجر بين تبوك والمدينة 6، في وادي القرى بين بلاد الشام والحجاز 7،

ولهذا عرف قومه بأصحاب الحجر 8، قال سبحانه تعالى: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) } [الحجر:80] .

وتعرف الآن بمدائن صالح عليه السلام، وموقعها في شمال مدينة العلا، على بعد 365 كيلو متر من المدينة المنورة عن طريق خيبر.

وجاء في الأثر: عن نوف الشامي: (أن صالحًا النبي صلى الله عليه وسلم من العرب لما أهلك الله عادا، وانقضى أمرها عمرت ثمود بعدها، فاستخلفوا في الأرض فانتشروا، ثم عتوا على أمر الله، فلما ظهر فسادهم وعبدوا غير الله بعث الله إليهم صالحًا، وكانوا قومًا عربًا وهو من أوسطهم نسبًا وأفضلهم موضعًا، وكانت منازلهم الحجر إلى قرع - وهو وادي القرى ثمانية عشر ميلًا فيما بين الحجر إلى الحجاز - فبعثه الله إليهم غلامًا شابًا فدعاهم إلى الله حتى شمط 9 وكبر، ولا يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون، فهلكت عاد وثمود ومن كان منهم من تلك الأمم، وكانوا من ولد لاوذ بن سام بن نوح، ولم يكن بين نوح وإبراهيم نبي قبله، يعني: قبل إبراهيم إلا هود وصالح) 10.

ثانيًا: زمان سيدنا صالح عليه السلام:

وظاهر سياق القرآن أن ثمود كانوا بعد عاد، كما صرح بذلك الترتيب في سورة الأعراف، وعلى هذا فهم قبل إبراهيم عليه السلام، وقد ورثت ثمود قوم عاد، كما ورثت عاد قوم نوح، وهذا الترتيب لهؤلاء الأقوام ورد في قوله تعالى: {وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) } [هود:89] .

وقد وجدت بالحجاز أطلال، مدينة قديمة على بعد خمسة وأربعين ميلًا إلى الشمال الغربي من تبوك، ويظهر أن منشأ ثمود هو جنوب الجزيرة العربية، إلا أن مجموعة كبيرة منها انتقلت إلى الشمال في تاريخ مبكر واستقرت في منطقة الحجر. {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ} أي: بعد هلاكهم، وكانت ديار عاد بحضرموت جنوب الجزيرة العربية، وديار ثمود بالحجر شمال الجزيرة بمنطقة الحجر، يقول تعالى: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) } [الشعراء:149] .

تتخذون من سهولها قصورًا تسكنونها في الصيف، وتنحتون من الجبال بيوتًا تسكنونها في الشتاء 11.

ثالثًا: مكانة سيدنا صالح عليه السلام في قومه:

كان صالح عليه السلام معروفًا بالحكمة والنقاء وأفعال الخير، مرجوًا لدى قومه قبل أن يوحي الله إليه، يقول سبحانه وتعالى: {قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) } [هود:62] .

أي: قالوا: مؤملين برجاء خيرك؛ لعلمك وعقلك وصدقك وحسن تدبيرك، ثم خاب رجاؤنا فيك 12. أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟!. ما كنا نتوقع منك أن تعيب آلهتنا التي وجدنا آبائنا عاكفين عليها.

وهكذا يعجب القوم مما يدعوهم إليه. ويستنكرون ما هو واجب وحق، ويدهشون أن يدعوهم أخوهم صالحُ عليه السلام إلى عبادة الله وحده. وذلك لأن آباءهم كانوا يعبدون هذه الآلهة. فهم قوم يشركون بالله ويفسدون في الأرض ولا يصلحون، وقد دعاهم صالح عليه السلام إلى الإيمان بالله وإلى عبادة الله وحده لا شريك له بأسلوب جميل وحسن تأن، وطلب منهم أن يخلعوا عبادة الأصنام والأنداد، ولا يشركوا بربهم شيئًا، فآمنت به طائفة منهم، وكفر جمهورهم، ونالوا منه بالمقال والفعال.

ورد ذكر صالح عليه السلام في القرآن الكريم (26) مرة، في (22) سورة.

وأما قصته عليه السلام فقد وردت في السور الآتية:

السورة ... الآيات

الأعراف ... 73 - 79

هود ... 61 - 68

الشعراء ... 142 - 159

النمل ... 45 - 53

أولًا: معالم دعوته عليه السلام:

تتفق دعوة الرسل لأقوامهم في أصلها، وهو توحيد الله جل وعلا بالعبادة، فهم جميعًا، متفقون في ذلك.

قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى:13] .

أما شرائعهم فإنها تختلف؛ كما قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة:48] .

وفي الحديث المتفق عليه: (أن الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد) . وفي رواية البخاري: (أولاد علات) 13.

ومعنى الحديث: أن الرسل متفقون في أصول الدين، وعبر عن ذلك بأنهم أولاد علات، وأولاد العلات الإخوة من الأب، وأصله أن من تزوج امرأة ثم تزوج أخرى كأنه عل منها، والعلل: الشرب بعد الشرب، فأولاد العلات الإخوة من الأب وأمهاتهم شتى، وفي بعض الروايات: أمهاتهم شتى ودينهم واحد، فكنى عن توحيد دينهم باشتراكهم في الأبوة، فأصل الدين الذي هو التوحيد واحد وإن اختلفت فروع الشرائع 14.

وكان صالح عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله، ويبين لهم نعم الله الكثيرة، وأنه يجب شكره وحمده عليها، فقالوا له: يا صالح ما أنت إلا بشر مثلنا، بل وذلك خطاب كل الأمم المكذبة لرسلهم الذين بعثوا إليهم: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} [يس:15] .

أي: كان هذا احتجاجهم في رد الرسالات يحتجون على الرسل فيقولون: إن الرسل في العادة إنما يجيئون من عند المرسل، وأنتم نشأتم بين أظهرنا لم تأتونا من عند أحد في الظاهر، ولا نرى لك خصوصية لا في الخلقة ولا في القدرة والمال وغيره وإذا كنت تدعي أنك رسول الله، فلابد أن تأتينا بمعجزة وآية.

قال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ} [الأعراف:73] .

وكان رد الرسل عليهم صلوات الله وسلامه: {إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} [إبراهيم:11] .

وقد أسس الله سبحانه وتعالى دعوة أنبيائه على منهج التوحيد وجعله مناط الدعوة، ووضح ذلك في خطابه لهم، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36] .

وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) } [الأنبياء:25] .

وإذا كان الخطاب في الآيات السابقة ورد مجملًا، فقد ورد تفصيله في الآيات الآتية.

يقول تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [المؤمنون:23] .

ويقول تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [هود:50] .

ويقول سبحانه وتعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [هود:84] .

ويقول تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61] .

فلما دعاهم لعبادة الله وترك الأوثان، وألح عليهم بالوعيد والعذاب الشديد. فهو هو هنا يذكر قومه، ويدعوهم مترفقًا بهم منوهًا بنعم الله عليهم وأفضاله من الإنشاء في الأرض بوراثتها وإعمارها، وبما هيأ لهم من سبل المهارة والقوة البدنية، ومما ملكهم من أساليب الفنون في البناء والزراعة والسقي، فهذه دعوة هادئة جميلة من هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.

فقد قال لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ} أي: هو خلقكم سبحانه من هذه الأرض، فقد كنتم ترابًا فأنشأكم منها وفوقها.

{وَاسْتَعْمَرَكُمْ} أي: جعلكم تعمرون هذه الديار.

{فَاسْتَغْفِرُوهُ} أي: عاملوا ربكم بما أنعم عليكم بأن تحسنوا عبادته، وأن تستغفروه سبحانه.

{إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} أي: إن ربنا العظيم سبحانه قريب منا، فإذا استغفرناه غفر لنا، وهو مجيب يستجيب الدعاء، فادعوا ربكم يستجب لكم.

وكذلك يذكرهم تذكير الرفيق الشفيق فيقول لهم: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) } [الأعراف:74] .

يقول الخازن: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ} يعني: أن الله أهلك عادًا، وجعلكم تخلفونهم في الأرض وتعمرونها، {وَبَوَّأَكُمْ} يعني: وأسكنكم فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا يعني: تبنون القصور من سهولة الأرض؛ لأن القصور إنما تبنى من اللبن والآجر المتخذ من الطين السهل اللين، {وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا} يعني: وتشقون بيوتًا من الجبال 15.

وقيل: كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء.

وهذا يدل على أنهم كانوا متمتعين مترهفين.

{فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ} أي: فاذكروا نعمة الله عليكم واشكروه عليها، {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} أي: ولا تسيروا في الأرض مفسدين فيها، والعثو أشد الفساد 16.

وقيل: أراد به عقر الناقة.

وقيل: هو على ظاهره، فيدخل فيه النهي عن جميع أنواع الفساد.

وفيه وجهان:

أحدهما: أنه السعي في الباطل.

والثاني: أنه الفعل المؤدي لضير فاعله.

وفي الإفساد الشديد وجهان أيضًا:

أحدهما: لا تعملوا فيها بالمعاصي.

والثاني: لا تدعوا إلى عبادة غير الله 17.

فسيدنا صالح عليه السلام يذكرهم وراثتهم لقوم عاد وما مكنهم الله فيه من البناء، ففي هذه الآية ذكرهم بوجوب إفراد الله تعالى بالعبادة.

يقول سبحانه وتعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) } [الأعراف:73] .

ويأتي ردهم: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) } [الأعراف:75] .

طلبوا منه أن يخرج لهم آية في عيدهم، دالة على صدقه عنادًا ونفاقًا، فآتاهم الله الناقة آية بينة، فأصروا على عنادهم، بل استمروا في غيهم حتى يؤمنوا به ويصدقون رسالته، فدعا الله فأخرج لهم الناقة مع فصيلها بالأوصاف التي طلبوها من صخرة 18.

وكانت مميزة بكثرة لبنها وشكلها رغم أنها آية من الله وحجة ظاهرة، أصروا على عنادهم، وعتوا من أمر ربهم وتجرؤوا على انتهاك حرمة الله فعقروا الناقة، فحق عليهم الهلاك، وحقت عليهم كلمة العذاب. و لما عقروا الناقة وعدهم سيدنا صالح بالهلاك بعد ثلاث أيام، قال تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) } [هود:65] .

وقد ذاقوا مرارة الترقب والانتظار خلال تلك الأيام، فلما اكتملت الأيام الموعودة آتاهم العذاب صبيحة يوم نحس، فأخذتهم رجفة شديدة زلزلت بهم الأرض، وصاعقة محرقة من فوقهم، وصيحة واحدة مفزعة قطعت نياط قلوبهم وتركتهم أجسادًا بلا أرواح، وبقيت مساكنهم وديارهم عبرة على من الأيام و العصور 19.

ثانيًا: أساليب دعوته عليه السلام:

1.أسلوب الترغيب.

كان صالح عليه السلام يخاطب قومه بأخلاق الداعي الكريمة، وآدابه الرفيعة ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة. ويجادلهم في موضع الجدال، مؤكدًا على أن عبادة الله هي الحق، والطريق المستقيم.

ولكن قومه تمادوا في كفرهم، وأخذوا يدبرون له المكائد والحيل حتى لا يؤمن به أكثر الناس، وحينما كان صالح عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله، ويبين لهم نعم الله الكثيرة، وأنه يجب شكره وحمده عليها، فقالوا له: يا صالح ما أنت إلا بشر مثلنا.

بل وذلك خطاب كل الأمم المكذبة لرسلهم الذين بعثوا إليهم: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} [يس:15] .

أي: كان هذا احتجاجهم في رد الرسالات يحتجون على الرسل فيقولون: إن الرسل في الشاهد إنما يجيئون من عند المرسل، وأنتم نشأتم بين أظهرنا لم تأتونا من عند أحد في الظاهر، ولا نرى لك خصوصية لا في الخلقة ولا في القدرة والمال وغيره، وإذا كنت تدعي أنك رسول الله، فلابد أن تأتينا بمعجزة وآية.

قال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ} [الأعراف:73] .

وكان رد الرسل عليهم صلوات الله وسلامه: {إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم:11] .

2.أسلوب الترهيب.

إن التدرج في الدعوة والتؤدة في الترغيب فضلًا عن الترهيب من أوليات المنهج السليم لدى الدعاة، وكان هذا شان الرسل والأنبياء مع أقوامهم {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [فاطر:43] .

أي: سنة الله في الأولين أنهم إذا كذبوا رسلهم أهلكهم {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر:43] .

ومن سنة الله تعالى في عباده أن من اقترح آية على الأنبياء وأتوه بها فلم يؤمن؛ عجل الله هلاكه.

أما منهج نبي الله صالح عليه السلام في أسلوب دعوته، فلا يختلف عن منهج وأسلوب أخويه نوح وهود عليهما السلام.

فقد دعا قومه إلى إفراد الله وحده بالعبادة دون سواه، وكان منهجه في دعوته لما بعثه الله رسولًا إلى قومه، دعاهم إلى التوحيد وإفراد الله بالعبادة وطرح عبادة الأوثان، وكان أسلوبه رقيقًا مهذبًا، لكن الكثير منهم رفض هذه الدعوة فآذوه، وهموا بقتله، وعقروا الناقة التي جعلها الله آية على صدقه، وقد كان حذرهم من قتلها، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) } [هود:61] .

{فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} أي: فاسألوه أن يغفر لكم ما أشركتم وما أجرمتم، ثم توبوا وارجعوا إليه كلما وقع منكم ذنب أو خطأ 20.

{قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا} أي: قد كنا نرجو أن يكون عقلك كاملًا قبل هذه المقالة، وهي دعاؤك إيانا إلى إفراد العبادة لله، وترك ما كنا نعبده من الأنداد، والعدول عن دين الآباء والأجداد. ولهذا قالوا: {أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) } [هود:62 - 63] .

وهذا تلطف منه لهم في العبارة، ولين جانب، وحسن تأن في الدعوة لهم إلى الخير، أي: فما ظنكم إن كان الأمر كما أقول لكم، وأدعوكم إليه، ماذا عذركم عند الله، وماذا يخلصكم من بين يديه، وأنتم تطلبون مني أن أترك دعائكم إلى طاعته. وأنا لا يمكنني هذا؛ لأنه واجب علي، ولو تركته لما قدر أحد منكم، ولا من غيركم، أن يجيرني منه ولا ينصرني، فأنا لا أزال أدعوكم إلى الله وحده لا شريك له، حتى يحكم الله بيني وبينكم. أو أي: غير أن تجعلوني خاسرًا بإبطال أعمالي وتعريضي لسخط الله تعالى، أو فما تزيدونني بما تقولون غير أن أنسبكم إلى الخسران وأقول لكم: إنكم الخاسرون، فالزيادة، على معناه، والفاء لترتيب عدم الزيادة على انتفاء الناصر المفهوم من إنكاره على تقدير العصيان مع تحقق ما ينفيه من كونه عليه الصلاة السلام على بينة من ربه وإيتائه النبوة 21.

وقالوا له أيضًا: {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} [الشعراء:153] .

أي: من المسحورين، يعنون مسحورًا لا تدري ما تقول في دعائك إيانا إلى إفراد العبادة لله وحده، وخلع ما سواه من الأنداد. و المراد بالمسحرين المسحورين المخدوعين 22.

وقولهم: {فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الشعراء:154] .

سألوا منه أن يأتيهم بخارق يدل على صدق ما جاءهم به وعينوا الآية التي يجب أن يخرجها لهم أمام أعينهم 23.

أولًا: خروج الناقة:

سأل قوم ثمود سيدنا صالح عليه السلام معجزة يخرجها لهم يريدونها، فقال لهم صالح عليه السلام: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم، أتؤمنون بي وتصدقونني وتعبدون الله الذي خلقكم؟

فقالوا له: نعم، وعاهدوه على ذلك، فقام صالح عليه السلام، وصلى لله تعالى، ثم دعا ربه أن يجيبهم إلى ما طلبوا.

وكانت الآية التي أوتيها سيدنا صالح عليه السلام هي الناقة.

يقول تعالى: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف:73] .

وكانت الناقة بطلب من قومه ولم يأت بها من تلقاء نفسه؛ كما جاء في القرآن قوله تعالى: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) } [الشعراء:153 - 154] .

و كذلك جاء في الحديث ما يصدق رأي طلبهم الناقة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر قال:(لا تسألوا الآيات، وقد سألها قوم صالح، فكانت أي ناقة ترد من هذا الفج 24، و تصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها) 25.

وذُكِرَ أن قوم صالح هم الذين حددوا نوع الآية أن تكون ناقة، وكيفية خروجها وشكلها وأن تخرج أمام أعينهم من الصخرة في قبيلتهم 26.

وذكر ابن عطية عن بعضهم: أنه جاء بها من تلقاء نفسه من غير طلب 27.

والرأي الأول هو الأرجح والأصوب؛ لما ظاهره من نص الآية والحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت