فهرس الكتاب

الصفحة 905 من 2431

ويدل على هذا حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا ل ه أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقالوا: يا رسول الله إنا كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، فقال: إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا) 62.

المرحلة الثانية: مرحلة الإذن بالجهاد من غير أمر به؛ وذلك أنه حين هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أذن الله للمؤمنين بقتال من قاتلهم من الكفار، كما جاء في قوله تعالى: (? ? ? ? ? پپ پ پ ? ?) [الحج: 39] .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم! إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن، فنزلت: (? ? ? ? ? پپ پ پ ? ?) فقال أبو بكر: فعرفت أنه سيكون قتال، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فهي أول آية نزلت في القتال» 63.

المرحلة الثالثة: مرحلة الأمر بقتال من قاتل المسلمين، والكف عن غيرهم، وقد جاء في هذه المرحلة نصوص كثيرة، وهي أطول المراحل في العهد المدني، ومما جاء فيها قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 190] .

وقوله تعالى: (ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 90] .

المرحلة الرابعة: مرحلة الأمر بجهاد الكفار، ونشر الدعوة الإسلامية، وفرض حكم الشريعة، وكان تشريع هذه المرحلة في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء فيها نصوص كثيرة، ومنها قوله تعالى: (چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ?) [التوبة: 29] .

وغيرها وسبق الحديث هذه المراحل.

الشبهة الرابعة:

العقوبة على الردة:

تعدّ عقوبة الردة في الإسلام -مع قضية الجهاد- من أكثر الموضوعات الاعتراضية التي يلوّح بها المخالفون للإسلام والساعون إلى نقده، فتراهم في كل حين وفي كل مناسبة يظهرونها على أنها تمثّل نقصًا وخللًا في بنية الإسلام وأحكامه، وأنها مؤشر ودليل على محاربة الإسلام للحرية الدينية في نظرهم.

والمراد بالردة: الخروج من الإسلام، وترك التدين به، سواء كان بالقول أو الفعل أو الاعتقاد.

والإسلام يحرّم هذا الخروج، ويعدّه جريمة من أكبر الجرائم وأفظعها، ويرتّب عليها عقوبة قاسية، هي عقوبة القتل والإعدام بعد الإصرار على ترك التدين به.

وفي بداية الحديث عن عقوبة الردة في الإسلام لابد من التأكيد على أن البحث فيها يكون على ثلاثة مستويات:

أما المستوى الأول: فهو العلة الموجبة للعقوبة، وهي -كما سيأتي الكشف عنه- الخروج من الإسلام، والكفر به، فمجرد أن يخرج الشخص من دائرة الإسلام، ويترك التدين به، فقد قامت به العلة التي توجب إلحاق العقوبة به.

وأما المستوى الثاني: فهو شروط إنزال العقوبة بالشخص المرتد، وفي هذا المستوى يشدّد الإسلام كثيرًا، ويحتاط غاية الاحتياط في إنزال عقوبة الارتداد بالمعيّن، وقد دلت النصوص الشرعية على أنه لا يجوز إنزال العقوبة بالمرتد مباشرة، وإنما لابد من توفر شروط ثلاثة أساسية، هي:

الشرط الأول: أن يظهر الارتداد من الشخص، ويعلنه للآخرين، وأن يثبت ذلك لدى القاضي الشرعي، أما إذا لم يظهره للآخرين، ولم يقم بإعلانه لهم، ولم يثبت لدى القاضي أنه ارتد عن الدين، فإنه لا يجوز إقامة الحد عليه، ويعامل معاملة المسلمين في الظاهر، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع المنافقين، فإنهم كانوا يقولون الكفر ويفعلونه، وسمع منهم بعض الصحابة كفرهم، ولكنهم لم يكونوا يظهرونه في المجتمع، وينكرونه أمام النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقم عليهم الحد، وحين أبلغ بعض الصحابة كفرهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام لم يأخذهم بمجرد ذلك؛ وإنما تحقق من الأمر، فأنكروا ما نسب إليهم.

ولا يجوز أيضًا التجسس على الأشخاص لمعرفة إذا وقعوا في الردة أو لا ما داموا لم يظهروها، ولا يباح القيام بحملات تفتيشية عنهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك مع المنافقين، مع علمه بوجودهم، وقد روي أن ابن مسعود رضي الله عنه قيل له: هذا فلان يعني الوليد بن عقبة، تقطر لحيته خمرًا -يقصد المتكلم المبالغة في وصف كثرة شربه للخمر- فلو بحثنا عن ذلك الآن وجدناه كذلك، فقال ابن مسعود رضي الله عنه: «إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به» 64.

ثم إن الحكم بثبوت الارتداد في حق شخص ما ليس متروكًا لكل أحد، وإنما هو راجع للعلماء والخبراء، وهو حكم قضائي لابد فيه من التأكد من كل الإثباتات الموجبة لثبوت وصف الارتداد في الشخص.

الشرط الثاني: أن يتم التحقق من انتفاء كل الإكراهات والضغوطات والأعراض النفسية والعقلية التي تؤثر على قرارات الشخص السوية، فلا يصح إقامة حد الردة على الشخص؛ حتى يتم التحقق من توفر جميع الشروط، وانتفاء جميع الموانع التي توصل إلى اليقين في ثبوت الكفر والردة في حقه.

الشرط الثالث: أن يراجع الشخص المعلن لردته ويناقش في موقفه الذي اتخذه؛ وذلك عن طريق ما يعرف عند الفقهاء بـ (الاستتابة) والمراد بها: أن يقوم المختصون بمراجعة من وقعت منه الردة، ومناقشته ومحاورته بالطريقة الصحيحة.

والصحيح أن الاستتابة واجبة، وأنه لا يجوز قتل المرتد قبل استتابته، وهو قول جمهور العلماء 65، وقد أجمع الصحابة على الأخذ بها 66.

الاعتراضات العقلية على عقوبة الردة في نظر المنكرين لها:

أخذ بعض المنكرين لحد الردة يورد اعتراضات عدة، أهمها:

أن العقوبة على الردة، والمنع من إبداء الآراء مهما كانت مخالفتها لنصوص الشريعة ولقطعياتها سيؤدي ذلك إلى ظهور النفاق والمراوغة خوفًا من العقوبة، والنفاق أمر مذموم وقبيح في الدين، بل هو أقبح من الكفر، ومن ثمّ فإن الأوفق للدين -في نظرهم- هو ألا يتعرض لأحد في رأيه، سواء تبنى الإسلام أو دينًا آخر، وسواء وافق قطعيات الدين أو خالفها؛ حتى لا يقع النفاق في المجتمع؛ فوجود الكفر الظاهر أخف من وجود النفاق.

وهذا النوع من الاستدلال لقي انتشارًا كبيرًا، وأمسينا نسمع به في كثير من الحوارات واللقاءات، ولكننا عند التأمل في مضمونه نجده مشتملًا على أخطاء منهجية واستدلالية عدة، تجعله لا يصلح دليلًا لبناء ما بني عليه من رؤى ومواقف 67، وبيان ذلك بالأمور الآتية:

الأمر الأول: أن وجود النفاق في مجتمع ما ليس دليلًا على فساد ذلك المجتمع، ولا على فساد أخلاقه ولا نظامه، فلا يشك مسلم في أن أكمل المجتمعات وأعلاها أخلاقًا، وأكثرها التزامًا بتعاليم الإسلام هو المجتمع النبوي، ومع هذا فقد وجد فيه النفاق والمنافقون، وهذا لا يعني أن الإسلام يقصد ويرحّب بوجود ذلك، أو أنه يحثّ عليه، وإنما هو نتيجة طبيعية لقوة نظام الإسلام، ولشدة تمسك المجتمع بشعائر الدين.

وقد تتالت تأكيدات العلماء على أن سبب وجود النفاق في المجتمع النبوي في المدينة راجع إلى خشية المنافقين من العقوبة، سواء كان من النبي صلى الله عليه وسلم، أو من المجتمع الذي تربى على يديه عليه الصلاة والسلام، وفي بيان هذا يقول ابن جرير الطبري عن المنافقين: «وطابقهم سرًّا على معاداة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وبغيهم الغوائل، قومٌ من أراهط الأنصار الذين آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروه، وكانوا قد عسوا في شركهم وجاهليتهم ... ، وظاهروهم على ذلك في خفاءٍ غير جهار، حذار القتل على أنفسهم، والسّباء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وركونًا إلى اليهود لما هم عليه من الشرك وسوء البصيرة بالإسلام، فكانوا إذا لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به من أصحابه قالوا لهم -حذارًا على أنفسهم-: إنا مؤمنون بالله وبرسوله وبالبعث، وأعطوهم بألسنتهم كلمة الحقّ، ليدرأوا عن أنفسهم حكم الله فيمن اعتقد ما هم عليه مقيمون من الشرك، لو أظهروا بألسنتهم ما هم معتقدوه من شركهم» 68.

وينقل ابن تيمية عن الإمام أحمد وغيره تفسيرهم لكون النفاق لم يظهر في مكة، فقال: «قال أحمد وغيره: لم يكن من المهاجرين منافق، وإنما كان النفاق في قبائل الأنصار؛ فإن مكة كانت للكفار مستولين عليها، فلا يؤمن ويهاجر إلا من هو مؤمن، ليس هناك داعٍ يدعو إلى النفاق، والمدينة آمن بها أهل الشوكة، فصار للمؤمنين بها عز ومنعة بالأنصار، فمن لم يظهر الإيمان آذوه، فاحتاج المنافقون إلى إظهار الإيمان مع أن قلوبهم لم تؤمن» 69.

فوجود النفاق إذن نتيجة طبيعية لظهور أحكام الإسلام، وقوة تمسك المجتمع به، ولتأكيد الإلزام بتعاليمه وشرائعه.

وقد حاول بعض المعاصرين أن يفسّر وجود النفاق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لم يكن نتيجة الخوف من العقوبة الشرعية، وإنما نتيجة الخوف من المجتمع.

ولكن هذا التفسير لا ينفعه؛ لأن ذلك المجتمع هو أشرف وأكمل وأنبل مجتمع عرف في تاريخ البشرية، وكان يعيش فيه الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام، فوجود النفاق فيه خشية العقوبة مع إقرار النبي صلى الله عليه وسلم له دليل على أنه ليس نقصًا في حد ذاته.

الأمر الثاني: أن الإسلام في تشريعه للحدود والتعزيرات لم يراع رضا كل الناس بتلك الأفعال التي تترتب عليها العقوبة، وإنما جعل الحدود متعلقة بمجرد الفعل، فقال سبحانه: (? ? ? ?) [المائدة: 38] .

وقال سبحانه: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ?) [النور: 2] .

وترتب على هذه العقوبة أن عددًا من الراغبين في السرقة والزنى يتخفى بأفعاله الشنيعة، وينافق المجتمع في حاله، فهل هذا يعني أن تلك التشريعات باطلة؛ لأنها أدت إلى حصول النفاق من بعض أفراد المجتمع؟!

الأمر الثالث: أنه لا يخلو نظام في العالم من مبدأ الإلزام، ولا من المعاقبة على المخالفة له، ومن المعلوم أنه ليس كل أفراد المجتمع سيكون راضيًا بما تضمنه النظام؛ ومع ذلك فبعضهم يلتزم به ولا يظهر في العلن مخالفته له، فهل يصح لنا أن نأخذ من هذا فساد فكرة النظام؛ لأنها أدّت إلى حدوث النفاق في المجتمع؟!

ومن يقول: يجب ألا نلزم الناس بشيء من أحكام الشريعة إلا من خلال القانون، ولا نعاقب أحدًا على مخالفته لتعاليم الدين إلا من خلاله هو في الحقيقة يدعو أيضًا إلى النفاق؛ لأن فكرة القانون قائمة على الإلزام، وكثير من أفراد المجتمع لم يرض بفكرة التصويت ولا الانتخاب ولا بالعملية الديمقراطية، فكيف يلزم بها؟! أليس في هذا دعوة إلى النفاق؟!

الأمر الرابع: أن العادة في المجتمعات المتمسكة بتعاليم دينها بشكل جيد أن تكون أعداد المخالفين لأحكام الشريعة فيها قليلة جدًّا، ويمثّلون دائمًا نسبة ضئيلة، وتزداد النسبة قلة في حالة الارتداد والخروج من الدين، فمنع هؤلاء ومعاقبتهم -وهم العدد الأقل- لأجل مصلحة العدد الأكبر والأكثر هو الأولى بالتقديم من جهة العقل ومن جهة الشرع، فحتى لو نافق أولئك العدد القليل من أجل خوفهم من العقوبة، فوقوعهم في النفاق أقل ضررًا في إعلانهم الكفر والردة والفساد في المجتمع المسلم المتمسك بتعاليم دينه.

ثم إن عدم الوقوف ضد الكفر الظاهر سيؤدي إلى انتشار الكفر في المجتمع، والتباس الرؤية على من كان ضعيف التصور من المسلمين، وأما تشريع المنع من انتشاره فإنه وإن كان يؤدي إلى وجود المنافقين، فإن أعدادهم ستكون قليلة، ووجود نفاق قليل أخف بكثير من انتشار الفكر الظاهر في المجتمع المسلم.

ولعل من المستغرب من خلال طرح البعض لهذا الاعتراض أنه يصوّر لك بأن هناك أعدادًا كبيرة في المجتمع المسلم تريد الردة والخروج من الدين، ولكنها امتنعت خوفًا من العقوبة، وأن هذا تسبّب في إحداث النفاق بصورة كبيرة! ولكن الحقيقة أن هذا مجرد تهويل لهذا الاعتراض؛ فإن من يرغب في الخروج من الدين عدد قليل جدًّا، وكلما ازداد المجتمع تمسكًا بالدين وظهرت معالمه قلّت نسبة تلك الفئة؛ فلماذا التهويل إذن؟! 70.

••أولًا: مجال العقيدة:

لقد دعا الرسل جميعًا أقوامهم إلى عبادة الله دون إجبار، فسيدنا نوح عليه السلام أول أولي العزم من الرسل الذي لبث في قومه يدعوهم إلى التوحيد ألف سنة إلا خمسين عامًا.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) [العنكبوت: 14] .

استهزأ به قومه وعيّروه بأنه لم يتبعه إلا من هم ينظرون إليهم بازدراء وسخرية، وكذّبوا به؛ لأنه بشر مثلهم.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [هود: 27] .

خاطبهم عليه السلام بخطاب الداعية الذي يريد الخير.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [هود: 28] .

قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي، والبينة: البرهان والشاهد بصحة دعواه، «وقيل: الرحمة والنبوة، وقيل: الهداية، وقيل: النبوة والحكمة» 71.

ولا مانع من أن تكون كل هذه المعاني من البينة، فقد كان نبيًّا وجاءهم بالبرهان على ذلك، وبما يشهد له صحة دعواه، وبالرحمة التي ينالونها لو اتبعوه، وبالحكمة، ولكن هذا البرهان وهذه الرحمة.

(? ?) بضم العين وتشديد الميم على قراءة حمزة والكسائي وخلف وحفص، وبفتح العين وتخفيف الميم على قراءة الباقين، وهما بمعنى واحد «لأن العرب تقول: عمّى على الأمر بالتشديد، وعَمِيَ بالتخفيف بمعنى واحد» 72، والتشديد يفيد المبالغة في الأمر، فإذا كانت الحجة واضحة ولكنكم لم تهتدوا ماذا نفعل بكم بعد ذلك؟ أنلزمكموها وأنتم لها كارهون؟ أي: أنكرهكم على قبولها، ونجبركم على الاهتداء بها «وهذا الاستفهام للإنكار، أي: لا نفعل ذلك؛ لأنه لا إكراه في الدين» 73.

وقد روى الطبري عن قتادة «أنه قال: أما والله لو استطاع نبي الله لألزمها قومه، ولكنه لم يستطع ذلك، ولم يملكه» 74.

فهذا الأمر من الأمور التي تتفق فيه الشرائع الدينية الإلهية، فلم يستطع الأنبياء السابقون إكراه أقوامهم لا بسبب قلة العدد أو العدة؛ إذ إن الله قادر على أن يمدهم بالملائكة حتى لا يبقوا على الأرض أحدًا غير مؤمن بهم ... ، ولكن دعاهم وألان لهم القول، وعاش سنوات عديدة يدعوهم، ولعل نوحًا هو أكثر من عانى؛ إذ دعا قومه ألف سنة إلا خمسين، وهم يزدادون عنادًا وكفرًا وتكذيبًا، فعاقبهم الله سبحانه وتعالى بعد ذلك بالعذاب في الدنيا، ولهم عذاب عظيم في الآخرة، وليس هذا إكراهًا في الدين؛ إذ إنه لو كان إكراهًا لعذّبهم منذ الوهلة الأولى، ولم يستمر نبيهم يدعوهم هذه الفترة الطويلة.

وقال تعالى: (ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ کک ک ک گگ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ?ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [مريم: 41 - 47] .

ففي هذه الآيات من لطف العبارة في النصح ما يكون نبراسًا للداعية؛ إذ إنه عليه السلام خاطب أباه بالأبوة الدالة على توقيره، ثم أخرج الكلام مخرج السؤال، ولم يقل له: إنك جاهل، بل قال: إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك، ونسب الخوف إلى نفسه دون أبيه، كما يفعل الشفيق الخائف على من يشفق عليه؛ وهذا هو خطاب الأنبياء لأممهم في القرآن، إذا تأملته وجدته ألين خطاب وألطفه 75.

فهذه نماذج من دعوات الأنبياء السابقين عليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم لا يريدون تنفير أقوامهم، ولا يخاطبونهم بالشدة والإكراه.

ولقد خلق الله الإنسان وجعل له القدرة على فعل الخير والشر، وجعل له عقلًا يميّز به بين الخير والشر، وحثّه على اختيار الخير، وحذّره من اختيار الشر.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک) [الكهف: 29] .

فهذه الآية تعطي الخيار للإنسان أن يختار الطريق الذي يميل إليه قلبه، وتترجم هذا الميل جوارحه، يعمل العمل الصالح الذي يسعد به، أو عمل السوء الذي يشقى به في الدنيا والآخرة.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ?) [فصلت: 40] .

وهذه السور كلها مكية، فهي تخاطب كفار قريش المعاندين المستكبرين، وتخاطب من يأتي بعدهم، ويسير على مناهجهم من المشركين، ولا يدل هذا على استحسان القرآن لما يختارونه، سواء أكان حقًّا أم باطلًا، ولكن فيه تحذير لمصيرهم إذا اختاروا السوء، فلا أحد يجبرهم على شيء، وفي هذه الآيات دليل على ذلك، فهي «تنفي مطلق الإكراه، وتكرّس تكريسًا أبديًّا للحرية التي قام عليها الإسلام» 76.

وقد عبّرت هذه الآية بهذا التخيير بعد ما بيّنت أن الحق هو «ما يكون من جهة الله، لا ما يقتضيه الهوى» 77، أو هو القرآن 78.

وهو أمر للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يرد على قومه، ويخاطبهم بهذا الأسلوب «أيها الناس الحق من ربكم، ليس إلي من ذلك شيء، ولست بطارد لهواكم من كان للحق متبعًا، وبالله وما أنزل علي مؤمنًا، فإن شئتم فآمنوا، وإن شئتم فاكفروا، فإنكم إن كفرتم فقد أعد لكم ربكم على كفركم نارًا أحاط بكم سرادقها، وإن أمنتم به، وعملتم بطاعته، فإن لكم ما وصف الله لأهل طاعته» 79.

حقًّا إنه تخيير وحرية، لا جبر ولا إكراه، حدد مصير المؤمن، ومصير الكافر، ثم وضع كل ذلك تحت مشيئة الإنسان، والتي لابد أن تتعلق مشيئته بمشيئة الله، فهو ليس له مشيئة منفصلة، وقد اقتضت مشيئة الله هذه الحرية بهذا الشرط والجزاء، من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، ومع هذا فقد قدّم الإيمان؛ حثًّا للناس على اختياره، وأما في التحذير وبيان مصير الطرفين فقد قدّم مصير الكافر حتى يصاب بالخوف والقشعريرة، ويقر طالبًا بيان الطريق الثاني ومصيره، فلا يدعه عقله إلا اتباعه، والاستقامة على الحق الذي هو من عند الله؛ كي لا تحيط بهم سرادق النار، ولا يشوي وجوههم المهل.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ?) [الإسراء: 18 - 19] .

فالعاجلة هي الحياة الدنيا، بدليل قوله: (? ? ٹ) والذي يريدها سوف ينالها بلا شك، ولكن بالقدر الذي يريده الله سبحانه وتعالى، ولمن يريد سبحانه وتعالى منهم أن يعطيه، أو من يريد التعجيل له. ثم في الآخرة يندم على هذا الاختيار السيئ؛ إذ يلقى في جهنم مذمومًا مدحورًا، وأما الذي يريد الآخرة، ويعمل لتحقيق هذه الرغبة مع توفر الإيمان، فإن الله لا يضيع عمله.

وقد أيدت هذه المنهجية الكثير من الآيات، ومنها الآية الأربعون من سورة فصلت: (? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [فصلت: 40] .

يقال: بأنها نزلت في أبي جهل المشرك الطاغية كبير كفار قريش، وعمار بن ياسر الصحابي المستضعف في الجاهلية، أعزه الله بالإسلام «فعمار خير؛ لأنه يأتي آمنًا يوم القيامة، وأبو جهل شر؛ لأنه يلقى في النار» 80.

وهناك آيات تبيّن نعم الله سبحانه وتعالى على عباده، وما رزقهم به من الخير، سواء أكان خيرًا معنويًّا، وهو الرشد والهداية والدين الحنيف، أو خيرًا ماديًّا كتسخير الليل والنهار الذي جعلهما الله سبحانه وتعالى خلفة.

قال تعالى: (? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے) [الفرقان: 62] .

«يخلف هذا إذا ذهب هذا جاء هذا، أي: خلفه، أو يخالف أحدهما صاحبه» 81.

كل هذا خلقه الله سبحانه وتعالى للإنسان؛ لكي يتفكر فيه للوصول إلى معرفة الخالق سبحانه، والإيمان به.

«ومن هذه الآيات آيات تذكّر الناس بما أعدّ لهم يوم القيامة، وبهول الحشر والنشر، وأنه إذا ماتوا فلن يتركوا سدى، بل هناك جنة ونار، نعيم وجحيم، رضوان وسخط، وتذكّرهم كذلك بمصائر الأقوام التي سبقتهم، وما آلوا إليه، ثم تطلق لهم حرية العمل بعد أن توسع آفاقهم بالمعرفة، وتنير ضمائرهم الشخصية الكامنة في الاختيار المناسب، وتحقيق مشيئتهم (? چ چ) [المدثر: 55] .

أي: هذا القرآن قد بلغ في العظمة إلى هذا الحد العظيم، فأي حاجة به إلى أن يقبله هؤلاء الكفار سواء قبلوه أو لم يقبلوه، فلا تلتفت إليهم، ولا تشغل قلبك» 82.

(? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الإنسان: 39، والمزمل: 19] .

(ژڑ ڑ ک ک ک) [النبأ: 39] .أي: مرجعًا.

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «فمن شاء الله به خيرًا هداه حتى يتخذ إلى ربه مآبًا» 83.

(? ? ? ? ?) [التكوير: 28] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت