فهرس الكتاب

الصفحة 2425 من 2431

والثاني: شرٌ منزلة عند الله 120.

(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ) منا، من وصفنا بالسرقة، يعلم الله أنا براء منها 121.

6.عفوه عنهم.

ضرب يوسف عليه السلام أروع الأمثلة في العفو والصفح حتى صار مثالًا يحتذى به وذلك حين عفا عن إخوته وسامحهم، بالرغم من ما قاموا به تجاهه، وقد كان في موقف قوة وكان قادرًا على الانتفام لكنه لم يفعل.

لما صار يوسف عليه السلام في الملك وعلى خزائن الأرض، وجاء إخوته يطلبون الميرة وعرفهم بنفسه، قالوا مندهشين متعجبين - وقد ترددوا إليه مرارًا عديدةً وهم لا يعرفون أنه هو- {أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) } [يوسف:90] .

يعني: أنا يوسف الذي صنعتم معه ما صنعتم، وسلف من أمركم فيه ما فرطتم.

وقوله: {وَهَذَا أَخِي} تأكيدٌ لما قال، وتنبيهٌ على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد، وعملوا في أمرهما من الاحتيال.

ولهذا قال: {قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} أي: بإحسانه إلينا وجمعه بيننا بعد التفرقة وإيوائه لنا، وذلك بسبب الصبر والتقوى.

{إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ} أي: يتقِ فعل ما حرم الله ويصبر على الآلام والمصائب، وعلى الأوامر بامتثالها {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} فإن هذا من الإحسان، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا 122.

لم يخطر ببالهم ما صار إليه يوسف عليه السلام من المكانة والعظمة، فلهذا شعروا بالحرج واللوم وقالوا معترفين له بالفضل: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) } [يوسف:91] .

يقسمون له بأن الله فضلك علينا وأعطاك ما لم يعطنا، ونحن كنا خاطئين في إساءتنا إليك وما قمنا به تجاهك، فعفا عنهم وسامحهم {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [يوسف:92] .

يقول: لا تأنيب عليكم اليوم ولا عتب عليكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا، ثم زادهم على ذلك بأن دعا لهم بالمغفرة فقال: {يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف:92] 123.

وهذا نهاية الإحسان الذي لا يتأتى إلا من خواص الخلق وخيار المصطفين 124.

ولم يكتف بذلك بل قام بإيوائهم هم وجميع أفراد الأسرة حيث أمرهم أن يأتوا بأهلهم أجمعين، فلما دخلوا عليه وحيوه بالسجود خاطبهم بأسلوب تجنب فيه أي عبارة تجرح مشاعرهم؛ مما يدل على صدر كبير، وأن عفوه لم يكن باللسان فقط بل كان باللسان والجنان والفعال؛ حيث قال {يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) } [يوسف:100] .

يقول السعدي رحمه الله: وهذا من لطفه وحسن خطابه عليه السلام، حيث ذكر حاله في السجن، ولم يذكر حاله في الجب، لتمام عفوه عن إخوته، وأنه لا يذكر ذلك الذنب، وأن إتيانكم من البادية من إحسان الله إلي، فلم يقل: جاء بكم من الجوع والنصب، ولا قال: «أحسن بكم» بل قال: {أَحْسَنَ بِي} جعل الإحسان عائدا إليه، ثم قال: {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} فلم يقل: «نزغ الشيطان إخوتي» بل كأن الذنب والجهل، صدر من الطرفين 125.

أولًا: قصة مجيئه إلى مصر:

لما تآمر إخوة يوسف عليه وألقوه في البئر جاءت سيارة- أي: مسافرون- فأخرجوه منها وأخذوه معهم، فلما وصلوا بلاد مصر باعوه بثمن زهيد، كما قال تعالى {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) } [يوسف:20] .

وكان من لطف الله تعالى به أنه لم يقع في يد رجل من عامة الناس يهينه ويتعبه بالخدمة، بل هيأ الله له أن يشتريه عزيز مصر وأن ينشأ في قصره عزيزًا مكرمًا، كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} [يوسف:21] .

أي: أحسني إليه، وأكرمي موضع إقامته 126.

{عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا} أي: يكفينا بعض المهمات إذا بلغ.

{أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} أي: نتبناه؛ ولعل ذلك أنه لم يكن لهما ولد 127.

«وإنما قال ذلك لحسن تفرسه في ملامح يوسف عليه السلام المؤذنة بالكمال 128» .

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ} [يوسف:21] .

يقول عز وجل: وكما أنقذنا يوسف من أيدي إخوته وقد هموا بقتله وأخرجناه من الجب بعد أن ألقي فيه كذلك مكنا له في الأرض، أي: عطفنا عليه قلب الملك الذي اشتراه حتى تمكن من الأمر والنهي في البلد وصار على خزائنها 129.

{وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} تأويل الرؤيا وغيره.

{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} يفعل ما يشاء لا يغلبه شيءٌ ولا يرد عليه حكمه رادٌّ.

{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} أي: لا يعلمون أن الأمر كذلك، إذ لو علموا لفوضوا أمرهم إليه وتوكلوا عليه ولم يحاولوا معصيته بالخروج عن طاعته 130.

وبقي يوسف عليه السلام هناك حتى بلغ أشده كما قال تعالى {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} [يوسف:22] أي: كمال قوته البدنية والعقلية 131.

{آتَيْنَاهُ حُكْمًا} قيل: النبوة، أو الحكم بين الناس، أوالإصابة في القول.

{وَعِلْمًا} قيل: الفقه. وقيل: علم الرؤيا 132 وقد آتاه الله ذلك كله من النبوة والحكمة والعلم.

{وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} يقول تعالى ذكره: وكما جزيت يوسف فآتيته بطاعته إياي الحكم والعلم، ومكنته في الأرض، واستنقذته من أيدي إخوته الذين أرادوا قتله، كذلك نجزي من أحسن في عمله، فأطاعني في أمري، وانتهى عما نهيته عنه من معاصيٍ 133.

ثانيًا: قصة المراودة:

من أعظم الفتن والمحن التي مر بها يوسف عليه السلام فتنة المرأة، وهي من الفتن التي لا يقوى على دفعها إلا الأقوياء من أهل الإيمان والمروءات.

قال السعدي: «هذه المحنة العظيمة أعظم على يوسف من محنة إخوته، وصبره عليها أعظم أجرا؛ لأنه صبر اختيار مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوع الفعل، فقدم محبة الله عليها، وأما محنته بإخوته فصبره صبر اضطرار، بمنزلة الأمراض والمكاره التي تصيب العبد بغير اختياره وليس له ملجأ إلا الصبر عليها طائعا أو كارها» 134.

وذلك أن يوسف عليه الصلاة والسلام بقي مكرمًا في بيت العزيز، حتى بلغ أشده، وقدكان في غاية الجمال ففتنت به امرأة العزيز فتنةً شديدة وهمت بفعل الفاحشة معه وروادته عن نفسه وأخذت بكل الأسباب ولكن الله عصمه.

يقول تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ} [يوسف:23] .

أي: حاولته على نفسه، ودعته إليها «وأصل المراودة الإرادة والطلب برفقٍ ولينٍ» 135، وغلقت عليه الأبواب، ودعته إلى نفسها، {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} أي: هلم وأقبل وتعال، فامتنع من ذلك أشد الامتناع.

و {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ} أي: أعوذ بالله وأستجير به من فعل هذا القبيح الذي دعوتني إليه؛ لأنه مما يسخط الله ويبعد منه؛ ولأنه خيانة في حق سيدي الذي أكرم مثواي.

{إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} يعني زوجها صاحب المنزل بمعنى سيدي، وكانوا يطلقون «الرب» على السيد والكبير، أي: إن بعلك أحسن إلي وأكرم مقامي عنده وائتمنني، فلا يليق بي أن أقابله بالفاحشة في أهله، وهذا من أعظم الظلم، والظالم لا يفلح، {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف:23] 136.

«أشار إلى أن إجابتها لما راودته ظلمٌ؛ لأن فيها ظلم كليهما نفسه بارتكاب معصيةٍ مما اتفقت الأديان على أنها كبيرةٌ، وظلم سيده الذي آمنه على بيته وآمنها على نفسها» 137.

فمع أنه غلامها، وتحت تدبيرها، والمسكن واحد، يتيسر إيقاع الأمر المكروه من غير إشعار أحد ولا إحساس بشر، ومع أنها {وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ} وصار المحل خاليا، وهما آمنان من دخول أحد عليهما، وقد دعته هي إلى نفسها {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} ، ومع هذا فهو غريب، لا يحتشم مثله ما يحتشمه إذا كان في وطنه وبين معارفه، وهو أسير تحت يدها، وهي سيدته، وفيها من الجمال ما يدعو إلى ما هنالك، وهو شاب عزب، لكنه امتنع وصبر عن معصية الله مع وجود الداعي القوي فيه 138.

وللحافظ ابن كثير كلام متين في التعليق على هذه الآية حيث يقول 139: «يذكر تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام عن نفسه وطلبها منه ما لا يليق بحاله ومقامه، وهي في غاية الجمال والمال والمنصب والشباب، وكيف غلقت الأبواب عليها وعليه، وتهيأت له وتصنعت، ولبست أحسن ثيابها وأفخر لباسها، وهي مع هذا كله امرأة الوزير، وهذا كله مع أن يوسف عليه السلام شابٌ بديع الجمال والبهاء، إلا أنه نبيٌ من سلالة الأنبياء، فعصمه ربه عن الفحشاء، وحماه عن مكر النساء، فهو سيد السادة النجباء، السبعة الأتقياء، المذكورين في الصحيحين عن خاتم الأنبياء في قوله عليه الصلاة والسلام من رب الأرض والسماء: (سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم:(ورجلٌ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمالٍ فقال: إني أخاف الله) 140.

قال تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} [يوسف:24] أي: عزمت عليه في أن يواقعها يوسف.

{وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} أي: لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، ولكن لأنه رأى برهان ربه فلم يقع منه هم أصلًا، أو أن المراد بهم يوسف بها خاطرٌ قلبيٌّ صرفه عنه وازع التقوى 141.

والبرهان الذي رآه يوسف هو ما آتاه الله تعالى من العلم الدال على تحريم ما حرمه الله 142.

وقد قيلت في ذلك البرهان أقوال كثيرة «ولا حجة قاطعةٌ على تعيين شيءٍ من ذلك، فالصواب أن يطلق كما قال الله تعالى» 143.

والرؤية هنا علميةٌ؛ لأن البرهان من المعاني التي لا ترى بالبصر 144.

ولذلك أخبر الله تعالى عن عصمته له عن الفاحشة وأثنى عليه فقال: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف:24] .

أي: كما أريناه برهانًا صرفه عما كان فيه كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} أي: الذي اصطفاهم الله واجتباهم 145.

وقد قرئت (المخلصين) بقراءتين متواترتين: فقرئت بكسر اللام، وتأويلها: الذين أخلصوا طاعة الله.

وقرئت بفتح اللام، وتأويلها: الذين أخلصهم الله لرسالته، وقد كان يوسف صلى الله عليه وسلم بهاتين الصفتين، لأنه كان مخلصًا في طاعة الله تعالى، مستخلصًا لرسالة الله تعالى 146.

ولما امتنع من إجابة طلبها بعد المراودة الشديدة ذهب ليهرب عنها ويبادر إلى الخروج من الباب ليتخلص من الفتنة، فبادرت إليه ولحقته في أثناء ذلك،، وتعلقت بثوبه، فشقت قميصه من دبر، يعني: شقته من خلف لا من قدام؛ لأن يوسف كان هو الهارب وكانت هي الطالبة.

قال تعالى: {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ} [يوسف:25] أي: من ورائه.

فلما وصلا إلى الباب في تلك الحال {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} أي: وجدا زوجها لدى الباب، فعند ذلك خرجت مما هي فيه بمكرها وكيدها، وقالت لزوجها متنصلةً وقاذفةً يوسف بدائها: {قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا} أي: فاحشةً، {إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: يحبس، أو يعذاب عذابًا مؤلما بالضرب ونحوه 147.

فدافع يوسف عليه السلام عن نفسه ونفى التهمة عنه وقال: {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي} ، فمن الله في تلك اللحظة تبرئة لنبيه بشاهد من أهل بيتها يشهد بقرينة من وجدت معه فهو الصادق.

قال تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} أي: من قرابتها، أو من من خاصة الملك، وسمي الحكم بينهما شهادةً لما يحتاج فيه من التثبت والتأمل 148.

وقد اختلفوا في هذا الشاهد: هل هو صغيرٌ أو كبيرٌ، على قولين لعلماء السلف 149:

القول الأول: أنه كان رجلًا لا صبيا في المهد: قال أبو جعفرٍ النحاس: «والأشبه بالمعنى- والله أعلم- أن يكون رجلًا عاقلًا حكيمًا شاوره الملك فجاء بهذه الدلالة، ولو كان طفلًا لكانت شهادته ليوسف صلى الله عليه وسلم تغني عن أن يأتي بدليلٍ من العادة، لأن كلام الطفل آيةٌ معجزةٌ، فكادت أوضح من الاستدلال بالعادة، وليس هذا بمخالفٍ للحديث (تكلم أربعةٌ وهم صغارٌ) منهم صاحب يوسف، يكون المعنى: صغيرًا ليس بشيخٍ» 150.

القول الثاني: أنه كان صبيًّا في المهد؛ لحديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تكلم أربعةٌ وهم صغارٌ: ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريجٍ، وعيسى ابن مريم) 151.

جاء الشاهد بقرينة من وجدت معه فهو الصادق، فقال: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ} أي: من قدامه {فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} لأن ذلك يدل على أنه هو المقبل عليها المراود لها، وأنها أرادت أن تدفعه عنها فشقت قميصه من هذا الجانب.

{وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) } لأن ذلك يدل على هروبه منها، وأنها هي التي طلبته فشقت قميصه من هذا الجانب، وكذلك كان.

ولهذا قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ} [يوسف:28] .

عرف زوجها بذلك صدق يوسف وبراءته، وأنها هي الكاذبة فيما قذفته ورمته به.

فلما تحقق من ذلك {قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ} أي: إن هذا البهت الذي رميت به هذا الشاب هو من جملة كيدكن، والكيد: المكر والحيلة 152.

{إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} ؛ لعظم فتنتهن واحتيالهن في التخلص من ورطتهن. وهل أعظم من هذا الكيد، الذي برأت به نفسها مما أرادت وفعلت، ورمت به نبي الله يوسف عليه السلام 153.

ثم إن سيدها لما تحقق الأمر قال ليوسف عليه السلام آمرًا له بكتمان ما وقع: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} [يوسف:29] .

أي: اترك الكلام في هذا الأمر واضرب عنه صفحًا، فلا تذكره لأحدٍ؛ لأن كتمان مثل هذه الأمور هو الأليق والأحسن.

ثم قال لامرأته {وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ} [يوسف:29] . أي: من هذا الذي وقع منك، {إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} «ولم يقل من الخاطئات تغليبًا للمذكر، والمعنى: من القوم الخاطئين، مثل: {إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ} [النمل:43] . {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم:12] » 154.

فأمر يوسف بالإعراض، وهي بالاستغفار والتوبة، وأهل مصر وإن كانوا يعبدون الأصنام إلا أنهم يعلمون أن الذي يغفر الذنوب ويؤاخذ بها هو الله وحده لا شريك له في ذلك كحال كثير من المشركين 155.

انتشر الخبر وشاع في المدينة، وتحدث به النسوة فجعلن يلمنها على ما أقدمت عليه كما قال تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ} [يوسف:30] .

أي: تحاول غلامها عن نفسه، وتدعوه إلى نفسها، هذا أمر مستقبح، هي امرأة كبيرة القدر، وزوجها كبير القدر، ومع هذا لم تزل تراود فتاها الذي تحت يدها وفي خدمتها عن نفسه، ومع هذا فإن حبه قد بلغ من قلبها مبلغًا عظيمًا!!

{قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} أي: وصل حبه إلى شغاف قلبها، وهو باطنه وسويداؤه، أو هو غلافه فدخل تحته حتى غلب على قلبها، وهذا أعظم ما يكون من الحب.

ولهذا قلن: {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} أي: قلن: إنا لنرى امرأة العزيز في مراودتها فتاها عن نفسه وغلبة حبه عليها لفي خطأ من الفعل وجور عن قصد السبيل 156.

وقيل: كان هذا القول منهن مكرًا ليس المقصود به مجرد اللوم لها والقدح فيها، وإنما أردن أن يتوصلن بهذا الكلام إلى رؤية يوسف الذي فتنت به امرأة العزيز، ولهذا سماه مكرًا، فقال: {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} [يوسف:31] .

أي: لما سمعت بتشنيعهن عليها أحبت أن تبسط عذرها عندهن وتبين أن هذا الفتى ليس كما حسبن، ولتوقعهن فيما وقعت فيه.

فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها، {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} أي: أعدت لهن مجلسًا للطعام، وما يتكئن عليه من النمارق والوسائد، وكان في جملة ما أتت به وأحضرته في تلك الضيافة طعام يحتاج أن يقطع بالسكاكين كالأترج ونحوه، {وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} أي: وأمرته بالخروج عليهن في تلك الحال، فخرج وهو في غاية الجمال وقد أعطي شطر الحسن 157.

{فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} أي: فلما رأينه أعظمنه وأجللنه وهبنه، وما ظنن أن يكون مثل هذا في بني آدم، وبهرهن حسنه حتى اشتغلن عن أنفسهن، وجعلن يحززن في أيديهن بتلك السكاكين ولا يشعرن بالجراح.

{وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ} أي: معاذ الله {مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} 158.

فلما حصل من النسوة ما حصل من الإعجاب بيوسف والانبهار به تقوى موقف امراة العزيز فأقرت بمرادوته أمامهن، وازدادت إصرارًا على يوسف عليه السلام وهددته بالسجن والصغار إن لم يقبل، وتمالأ معها النسوة عليه وأشرن عليه بطاعتها {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} [يوسف:32] . أي: امتنع، {وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ} تقول: لئن لم يطاوعني على ما أدعوه إليه ليحبسن وليكونًا من أهل الصغار والذلة 159.

فعند ذلك أبى أشد الإباء، واستعاذ من شرهن وكيدهن، ودعا فقال في دعائه لرب العالمين: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف:33] . أي قال: يا رب، الحبس في السجن أحب إلي مما يدعونني إليه من معصيتك ويراودنني عليه من الفاحشة 160.

«وهذا يدل على أن النسوة جعلن يشرن على يوسف في مطاوعة سيدته، فاستحب السجن والعذاب الدنيوي على لذة حاضرة توجب العذاب الشديد» 161.

قال: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ} أي: تعصمني من المعصية {أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} أي: أمل إليهن، {وَأَكُنْ} إن صبوت إليهن {مِنَ الْجَاهِلِينَ} من الذين جهلوا حقك وخالفوا أمرك ونهيك 162.

فاستجاب له دعاءه ولطف به وعصمه عن الوقوع في الزنى، ولهذا قال تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) } [يوسف:34] .

أي: {السَّمِيعُ} لدعاء يوسف حين دعاه بصرف كيد النسوة عنه، ودعاء كل داع من خلقه {الْعَلِيمُ} بمطلبه وحاجته، وما يصلحه، وبحاجة جميع خلقه وما يصلحهم 163.

ثالثًا: براءته ونفي التهمة عنه:

لما تمالأ النسوة على يوسف عليه السلام وأمرنه بطاعة امرأة العزيز لجأ إلى الله في دفع السوء عنه وفضل السجن على المعصية في موقف يدل على عفة عظيمة ونفس كبيرة ومعدن أصيل: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) } [يوسف:33] .

قال ابن كثير: «وهذا في غاية مقامات الكمال: أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سيدته، وهي امرأة عزيز مصر، وهي مع هذا في غاية الجمال والمال والرياسة، ويمتنع من ذلك، ويختار السجن على ذلك، خوفًا من الله ورجاء ثوابه» 164.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت