فهرس الكتاب

الصفحة 2247 من 2431

النفاق

أولًا: المعنى اللغوي:

اختلف علماء اللغة في أصل النفاق، فقيل: إن ذلك نسبة إلى النفق وهو السرب في الأرض؛ لأن المنافق يستر كفره ويغيبه، فتشبه بالذي يدخل النفق يستتر فيه. وقيل: سمي به من نافقاء اليربوع، فإن اليربوع له جحر يقال له: النافقاء، وآخر يقال له: القاصعاء، فإذا طلب من القاصعاء قصع فخرج من النافقاء. كذا المنافق يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي يدخل فيه 1.

يقول ابن منظور رحمه الله: النفاق بالكسر فعل المنافق والنفاق الدخول في الإسلام من وجه والخروج عنه من آخر مشتق من نافقاء اليربوع. وقد نافق منافقةً ونفاقًا، وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، وهو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه وإن كان أصله في اللغة معروفًا يقال: نافق ينافق منافقة ونفاقًا وهو مأخوذ من النافقاء لا من النفق وهو السرب الذي يستتر فيه لستره كفره 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

النفاق في الاصطلاح الشرعي: هو إظهار القول باللسان أو الفعل بخلاف ما في القلب من القول والاعتقاد 3.

يقول الجرجاني رحمه الله في تعريف النفاق: هو إظهار الإيمان باللسان وكتمان الكفر بالقلب 4.

إذن فالمنافق في الشرع هو الذي يظهر غير ما يبطن. فإن كان الذي يخفيه التكذيب بأصول الإيمان فهو المنافق الخالص، وإن كان الذي يخفيه غير الكفر بالله وكتابه ورسوله، وإنما هو شيء من المعصية لله، فهو الذي فيه شعبة أو أكثر من شعب النفاق.

وردت مادة (نفق) في القرآن الكريم (111) موضعًا، يخص موضوع البحث منها (37) موضعًا 5.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 2 ... {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا} [آل عمران:167]

المصدر ... 3 ... {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ} [التوبة:77]

اسم الفاعل ... 32 ... {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ} [الحديد:13]

وجاءت كلمة النفاق في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: إظهار الإيمان وإخفاء الكفر 6.

الكفر:

الكفر لغة:

الستر والتغطية، يقال لمن غطى درعه بثوب: قد كفر درعه، والمكفر: الرجل المتغطي بسلاحه، وهو ضد الإيمان، لأنه تغطية للحق 7.

الكفر اصطلاحًا:

«الجحود بالوحدانية أو النبوة، أو الشريعة، أو بثلاثتها» 8.

الصلة بين الكفر والنفاق:

والكفر توأم النفاق، والكفر إذا ذكر مفردا في وعيد الآخرة دخل فيه المنافقون كقوله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136) } [النساء: 136] .

وأمثال هذه النصوص كثير في القرآن.

ثم قد يقترن «الكفر بالنفاق» في مواضع، مثل قوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) } [النساء: 140] .

والإيمان والنفاق ضدان لا يجتمعان، وليس بينهما نطاقٌ مشترك، بل يختلفان كل الاختلاف من حيث الأصل والطبيعة والأثر، فإن زادت مادة الإيمان في القلب قل معها أثر النفاق، كالكوب الفارغ يصب فيه الماء، فكلما زادت نسبته خرج الهواء الذي كان يملأ الكوب، حتى يمتلئ تمامًا. كذلك العلاقة بين الإيمان والنفاق، يتزود الإنسان بالعمل الصالح الذي يزكي نفسه، ويطهر روحه، فتخبو جمرة النفاق حتى تنطفئ وتتلاشى.

الرياء:

الرياء لغةً:

يقال: فلانٌ (مراءٍ) ، وقومٌ (مراؤون) ، والاسم (الرياء) يقال: فعل ذلك رياءً وسمعةً، إظهار غير ما في الباطن 9.

الرياء اصطلاحًا:

العمل لرؤية الناس والسمعة لأجل سماعهم 10.

وقيل الرياء: أن يعمل المرء العمل ظاهره أنه لله؛ ولكنه في الباطن يريد به مدح الناس له.

الصلة بين الرياء والنفاق:

أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر. والرياء إظهار الطاعة مع إبطان المعصية 11.

والرياء مدخل من مداخل الشرك، كما جاء في الحديث القدسي: (قال الله تبارك وتعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) 12.

قال النووي: «ومعناه أنا غني عن المشاركة وغيرها، فمن عمل شيئًا لي ولغيري لم أقبله، بل أتركه لذلك الغير. والمراد: أن عمل المرائي باطل لا ثواب فيه، ويأثم به» 13.

الإيمان:

الإيمان لغة:

الإيمان في اللغة يراد به معنيان، يظهر معناهما بحسب السياق وهما: الأمن وضده الخوف، والتصديق وضده التكذيب، والمعنيان متداخلان 14.

ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى معنًى لغويًّا آخر للإيمان؛ وهو أن يكون الإيمان بمعنى الإقرار؛ لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد 15.

الإيمان اصطلاحًا:

«التصديق الجازم، والاعتراف التام بجميع ما أخبر الله ورسوله عنه في القرآن والسنة، وأمر بالإيمان به؛ والانقياد له ظاهرًا وباطنًا» 16.

فهو قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية 17؛ «ويشمل عقائد الإيمان، وأخلاقه، وأعماله» 18.

الصلة بين الإيمان والنفاق:

لوجود صلة قوية بين الكفر والنفاق والإيمان، من حيث التقارب والتضاد، ذكر الله تعالى في صدر سورة البقرة وصفا مفصلا للمؤمنين والكفار والمنافقين. فذكر في المؤمنين أربع آيات. وفي الكفار آيتين. وفي المنافقين ثلاث عشرة آية. ولذلك أسبابه، فالمؤمن ظاهر الإيمان في نفسه وعمله، مخلص لله ورسوله لا يشك في أمره، والكافر قد جاهر بالعداء معلنا الحرب باليد واللسان من دون مواربة، أما المنافق فهو الذي يشكل أمره على الناس حين يظهر خلاف ما يبطن فتكاد صفاته تعمى على الناظر. فبين الإيمان والنفاق علاقة تضاد.

تتنوع شعب ودروب النفاق، وتكثر مسالك المنافقين، وتتعدد أحوالهم الخبيثة. ومع التحقيق والتدبر ندرك أن ذلك كله يرجع إلى نوعين أساسين، هما: النفاق العقدي، والنفاق العملي. وفيما يأتي نتناولهما بالتفصيل والبيان.

أولًا: النفاق العقدي:

وهو النفاق الأكبر، وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن بذم أهله وفضح كفرهم 19.

والمنافق: يظهر خلاف ما يبطنه، فظاهره مسلم، تجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة في الدنيا، ويعامل معاملة المسلمين؛ لأننا لم نؤمر بالشق عما في القلوب، وهذا في الأصل خارج عن نطاق وقدرة ابن آدم. لأن الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان الباطن الذي يكون صاحبه من المؤمنين حقًا 20.

ومن الآيات في نفي الإيمان عنهم وبيان مصيرهم في الآخرة قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) } [البقرة: 8] .

وقوله عز وجل {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) } [النساء: 138] .

وقوله سبحانه {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) } [النساء: 145] .

وقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68) } [التوبة: 68] .

وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (74) } [التوبة: 73 - 74] .

فهذه الآيات الكريمة تؤكد على كفر المنافقين، كما تبين مصيرهم المحتوم في الآخرة، وهو: الدرك الأسفل من النار، لأنهم زادوا على كفرهم، الكذب والمراوغة والخداع للمؤمنين، ولذلك فصل القرآن الحديث حولهم وحول صفاتهم لكي لا يقع المؤمنون في حبائلهم وخداعهم.

والنفاق إذا أطلق ذكره في القرآن فإن المراد به النفاق الأكبر المنافي للإيمان؛ بخلاف الكفر فإنه يأتي - أحيانًا - بمعنى الكفر الأصغر، وكذلك الظلم والفسق والشرك، أما في السنة النبوية فقد ورد النفاق الأصغر 21.

ثانيًا: النفاق العملي:

وهو النفاق الأصغر، واختلاف السر والعلانية في الواجبات، وذلك بعمل شيء من أعمال المنافقين؛ مع بقاء أصل الإيمان في القلب وصاحبه لا يخرج من الملة، ولا ينفي عنه مطلق الإيمان، ولا مسمى الإسلام، وهو معرض للعذاب كسائر المعاصي، دون الخلود في النار، وصاحبه ممن تناله شفاعة الشافعين بإذن الله.

وهذا النوع من النفاق مقدمة وطريق للنفاق الأكبر؛ لمن سلكه وكان ديدنه. وأمثلة ذلك: الكذب في الحديث، وإخلاف الوعد، وخيانة الأمانة، والفجور في الخصومة، والغدر بالعهود، وكالرياء الذي لا يكون في أصل العمل، وإظهار المودة للغير والقيام له بالخدمة مع إضمار عكسه في النفس 22.

وقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو وأبي هريرة وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان) 23.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) 24.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (كان منافقًا خالصًا) معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال، قال بعض العلماء هذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه، فأما من يندر ذلك منه فليس داخلًا فيه، فهذا هو المختار في معنى الحديث 25.

ولما تقرر عند الصحابة رضي الله عنهم أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية خشي بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع الذكر برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أن يكون ذلك منه نفاقًا، كما في صحيح مسلم عن حنظلة الأسدي أنه مر بأبي بكر وهو يبكي، فقال: (ما لك؟ قال: نافق حنظلة يا أبا بكر، نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا رجعنا، عافسنا الأزواج والضيعة فنسينا كثيرًا، قال أبو بكر: فالله إنا لكذلك، فانطلقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مالك يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة يا رسول الله، وذكر له مثل ما قال لأبي بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو تدومون على الحال التي تقومون بها من عندي، لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة 26.

ومما ورد في هذا المعنى - أي خوف الصحابة من النفاق - ما قاله ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه. ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منهم، بل ذلك على سبيل المبالغة منهم في الورع والتقوى رضي الله عنهم 27.

وخلاصة القول في النفاق الأصغر: أنه نوع من الاختلاف بين السريرة والعلانية مما هو دون الكفر، وذلك كالرياء الذي لا يكون في أصل العمل وكإظهار مودة الغير والقيام بخدمته مع إضمار بغضه والإساءة إليه، كالخصال الواردة في حديث شعب النفاق ونحو ذلك؛ فعلى المسلم الحذر من الوقوع في شيء من ذلك.

وقد حذر الله تعالى عباده المؤمنين من الوقوع في بعض السلوكيات الداخلة في أفعال المنافقين، مثل مخالفة القول للفعل؛ فقال جل شأنه {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) } [الصف: 2 - 3] .

أي: لم تقولون الخير وتحثون عليه، وربما تمدحتم به وأنتم لا تفعلونه؟ وتنهون عن الشر وربما نزهتم أنفسكم عنه، وأنتم متلوثون به ومتصفون به. فهل تليق بالمؤمنين هذه الحالة الذميمة؟ أم من أكبر المقت عند الله أن يقول العبد ما لا يفعل؟ 28.

قيل: إن سبب نزولها ما روي عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: (قعدنا نفرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكرنا، فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا؛ فأنزل الله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(1) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) } [الصف 1 - 2] .

قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله قال أبو سلمة: فقرأها علينا ابن سلام، قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة، قال ابن كثير: فقرأها علينا الأوزاعي، قال عبد الله: فقرأها علينا ابن كثير) 29.

وقال المفسرون: إن المؤمنين قالوا: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لعلمناه ولبذلنا فيها أموالنا وأنفسنا فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} [الصف:4] .

وأنزل الله: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ} [الصف:10] الآية. «فابتلوا بذلك يوم أحد، فولوا مدبرين، وكرهوا الموت وأحبوا الحياة؛ فأنزل الله تعالى: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ}

وقيل: لما أخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بثواب أهل بدر قالت الصحابة: لئن لقينا قتالًا لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم أحد، فعيرهم الله بهذه الآية. وقيل: نزلت في شأن القتال، كان الرجل يقول: قاتلت ولم يقاتل وأطعمت ولم يطعم وضربت ولم يضرب. فنزلت هذه الآية. 30

وهناك فروق بين النفاق الأكبر والنفاق الأصغر منها:

1.أن النفاق الأكبر يخرج من الملة، والنفاق الأصغر لا يخرج من الملة.

2.أن النفاق الأكبر اختلاف السر والعلانية في الاعتقاد، والنفاق الأصغر اختلاف السر والعلانية في الأعمال دون الاعتقاد.

3.أن النفاق الأكبر لا يصدر من مؤمن، وأما النفاق الأصغر فقد يصدر من المؤمن.

فالنفاق الأصغر هو المانع والمعوق للعمل الصالح الذي ينبغي على المسلم تجنبه ليقبل على الخيرات وفعل الصالحات وهو كما سبق النفاق العملي، فصاحبه يتصف ببعض صفات أهل النفاق الأكبر.

التعرف على صفات المنافقين أمر في غاية الأهمية وذلك حتى ينكشف هذا الصنف الخبيث من البشر، وحتى يحذر المؤمنون من أحوالهم ومكرهم.

يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: (نبه الله سبحانه وتعالى على صفات المنافقين؛ لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم وهم كفار في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار أن يظن بأهل الفجور خيرًا) 31.

وللمنافقين صفات كثيرة يمكن تقسيمها إلى صفات اعتقادية وصفات سلوكية على ما يأتي:

أولًا: صفات اعتقادية:

قال الله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ? أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَ?كِنْ لَا يَعْلَمُونَ) [البقرة: 13] .

يقول الله تعالى: وإذا قيل للمنافقين: (آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ) أي: كإيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار وغير ذلك، مما أخبر المؤمنين به وعنه، وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر (قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ) يعنون -لعنهم الله-أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة وعلى طريقة واحدة وهم سفهاء!!

وقد تولى الله سبحانه، جوابهم في هذه المواطن كلها، فقال: (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ) فأكد وحصر السفاهة فيهم. (وَلَ?كِنْ لَا يَعْلَمُونَ) يعني: ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل، وذلك أردى لهم وأبلغ في العمى، والبعد عن الهدى 32.

قال جل شأنه: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ? وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ?10?) [البقرة: 10] .

أي: في قلوبهم شك ونفاق. وأصل المرض الضعف. وسمي الشك في الدين مرضا لأنه يضعف الدين كالمرض يضعف البدن. (فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) لأن الآيات كانت تنزل تترى، آية بعد آية، كلما كفروا بآية ازدادوا كفرا ونفاقا 33.

كما أخبر الله عنهم بقوله: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) } [الفتح:6] .

فهم دائما يتهمون الله في حكمه، ويظنون بالرسول وأصحابه أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية؛ وقد جعل الله صفة المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات هي ظن السوء بالله. فالقلب المؤمن حسن الظن بربه، يتوقع منه الخير دائمًا. يتوقع منه الخير في السراء والضراء. ويؤمن بأن الله يريد به الخير في الحالين. وسر ذلك أن قلبه موصول بالله. وفيض الخير من الله لا ينقطع أبدًا. فمتى اتصل القلب به لمس هذه الحقيقة الأصيلة، وأحسها إحساس مباشرة وتذوق.

فأما المنافقون والمشركون فهم مقطوعو الصلة بالله. ومن ثم لا يحسون تلك الحقيقة ولا يجدونها، فيسوء ظنهم بالله؛ وتتعلق قلوبهم بظواهر الأمور، ويبنون عليها أحكامهم. ويتوقعون الشر والسوء لأنفسهم وللمؤمنين، كلما كانت ظواهر الأمور توحي بهذا؛ على غير ثقة بقدر الله وقدرته، وتدبيره الخفي اللطيف 34.

ثانيًا: صفات سلوكية:

كما قال سبحانه: (إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ? وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ) [التوبة:50]

وهذا نوع آخر من كيد المنافقين ومن خبث بواطنهم، والمعنى: إن تصبك في بعض الغزوات حسنة سواء كان ظفرًا، أو كان غنيمة، أو كان انقيادًا لبعض ملوك الأطراف، يسؤهم ذلك، وإن تصبك مصيبة من نكبة وشدة ومصيبة ومكروه يفرحوا به، ويقولوا: قد أخذنا أمرنا الذي نحن مشهورون به، وهو الحذر والتيقظ والعمل بالحزم 35.

قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ?11?أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَ?كِنْ لَا يَشْعُرُونَ ?12?) [البقرة: 11 - 12] .

ومعنى الآيتين الكريمتين:

(لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) بالنفاق وموالاة الكفرة، وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، فإنكم إذا فعلتم ذلك فسد ما في الأرض بهلاك الأبدان وخراب الديار.

ولما نهاهم الله عن الفساد الذي هو دأبهم أجابوا بهذه الدعوى العريضة، ونقلوا أنفسهم من الاتصاف بما هي عليه حقيقة وهو الفساد إلى الاتصاف بما هو ضد لذلك وهو الصلاح، ولم يقفوا عند هذا الكذب البحت والزور المحض حتى جعلوا صفة الصلاح مختصة بهم خالصة لهم، فرد الله عليهم ذلك أبلغ رد ... وردهم إلى صفة الفساد التي هم متصفون بها في الحقيقة ردا مؤكدا مبالغا فيه بزيادة على ما تضمنته دعواهم الكاذبة 36.

كما أخبر الله عنهم بقوله: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَ?كِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ) [التوبة: 56]

أي: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ) لكم أيها المؤمنون هؤلاء المنافقون كذبا وباطلا (إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ) في الدين والملة (وَمَا هُمْ مِنْكُمْ) أي: ليسوا من أهل دينكم وملتكم، بل هم أهل شك ونفاق (وَلَ?كِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ) يقول: ولكنهم قوم يخافونكم، فهم خوفا منكم يقولون بألسنتهم إنهم منكم؛ ليأمنوا فيكم فلا يقتلوا 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت