روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يتضرّع عند الدعاء حتى يكاد يسقط رداؤه، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لمّا كان يوم بدرٍ نظر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألفٌ، وأصحابه ثلاث مائةٍ وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم القبلة، ثمّ مدّ يديه، فجعل يهتف بربّه: (اللّهمّ أنجز لي ما وعدتني، اللّهمّ آت ما وعدتني، اللّهمّ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) فما زال يهتف بربّه مادًّا يديه مستقبل القبلة حتّى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكرٍ فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثمّ التزمه من ورائه وقال: يا نبيّ اللّه كفاك مناشدتك ربّك، فإنّه سينجز لك ما وعدك، فأنزل اللّه عز وجل: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ?) [الأنفال: 9] . فأمدّه اللّه بالملائكة 45.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه، وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلّف عنه أثره، إمّا لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله؛ لما فيه من العدوان، وإمّا لضعف القلب، وعدم إقباله على الله، وجمعيته عليه وقت الدعاء، وإمّا لحصول المانع من الإجابة، من أكل الحرام، ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو واللهو وغلبتها عليها» 46.
فلابد للمسلم في دعائه من أن يحضر قلبه مع الله عز وجل، ونعني به أن يفرّغ الدّاعي قلبه عن غير ما هو ملابس له ومتكلم به، فيكون العلم بالفعل والقول مقرونًا بهما، ولا يكون الفكر جائلًا في غيرهما، ومهما انصرف في الفكر عن غير ما هو فيه وكان في قلبه ذكر لما هو فيه، ولم يكن فيه غفلة عن كل شيء، فقد حصل حضور القلب، وهذا أعظم شروط قبول الدعاء 47.
رابعًا: تحري أوقات ومواطن الإجابة:
من الأسباب الداعية الى استحضار القلب تحري الأحوال المختصة بالإجابة؛ فإجابة الدعاء علم قد اختص الله تعالى به، لا شأن للعبد فيه، فمن تأمل نصوص الكتاب الكريم يلاحظ أنّ الأوقات ليست كلّها سواء، فمنها ما تفتح فيها أبواب السماء، ولا يحجب فيها الدعاء، ومنها ما تستنزل فيها الرحمة أكثر من غيرها، وفيما يلي ذكر لبعض هذه الأوقات والأحوال، والأماكن التي ترجى فيها الإجابة:
وقد مدح الله المستغفرين بالأسحار، فقال عز وجل: (ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ) [الذاريات: 17 - 18] .
قال ابن زيد في قوله تعالى: (گ گ گ) قال: هم المؤمنون، وبلغنا أن نبي الله يعقوب حين سألوه أن يستغفر لهم (ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يوسف: 97 - 98] .
قال بعض أهل العلم: إنه أخّر الاستغفار إلى السحر، وهي الساعة التي تفتح فيها أبواب السماء، قال ابن زيد: السحر هو السدس الأخير من الليل 48.
وقت اجتماع الهمم، وتعاون القلوب على استدرار رحمة الله (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الجمعة: 9 - 10] .
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہ ہھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 185 - 186] .
فقد ذكر سبحانه إجابة الدعاء عقب ذكره فريضة الصيام، وقال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم) 49.
وهي أكثر الليالي أهمية في استجابة الدعاء، قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [القدر: 1 - 5] .
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) 50، فعلى المؤمن أن يتحرى هذه الليلة، ويحييها بالصلاة والدعاء.
قال تعالى: (? ? ? ? ?) [العلق: 19] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء) 51.
ويظهر ذلك فيما ورد عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم؛ فعن حبيب بن صهبان قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطوف بالبيت وهو يقول بين الباب والركن أو بين المقام والباب: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 201] 52.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 29] .
وأما قوله: (? ? ? ? ?) [الأعراف: 29] .
فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معناه: وجّهوا وجوهكم حيث كنتم في الصلاة إلى الكعبة، وقال آخرون: بل عنى بذلك: واجعلوا سجودكم لله خالصًا، دون ما سواه من الآلهة والأنداد، قال أبو جعفر: وأولى هذين التأويلين بتأويل الآية أن القوم أمروا أن يتوجهوا بصلاتهم إلى ربهم لا إلى ما سواه من الأوثان والأصنام، وأن يجعلوا دعاءهم لله خالصًا، لا مكاءًا ولا تصديةً 53.
وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النور: 36 - 38] .
وفي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعية طيبة مرتبطة بالمسجد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهمّ افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهمّ إني أسألك من فضلك) 54.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال: (بسم الله والسّلام على رسول الله، اللّهمّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: بسم الله، والسّلام على رسول الله، اللّهمّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك) 55.
خامسًا: الدعاء وقت الشدة والضرورة:
لابدّ للداعي أن يتوجه إلى الله تعالى توجّه المضطر الذي لا يرجو غيره، وأن يرجع في كلّ حوائجه إلى ربه، ولا ينزلها بغيره من الأسباب التي لا تملك ضرًا ولا نفعًا، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الإسراء: 56] .
فإذا لجأ الداعي إلى ربه بقلب سليم، وكان دعاؤه حقيقيًا صادقًا جادًا، تحقق الانقطاع الصادق بالاضطرار الحقيقي إلى الله تعالى الذي هو شرط في قبول الدعاء، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النمل: 62] .
ينبه تعالى أنه هو المدعو عند الشدائد، المرجو عند النوازل، كما قال: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ?) [الإسراء: 67] .
وقال تعالى: (? ? ? ? ? ?) [النحل: 53] .
وهكذا قال ها هنا: (? ? ? ? ?) أي: من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه 56.
المضطر المكروب هو ذو الضرورة المجهود الذي أحوجه مرض أو شدة، أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر إلى التضرع إلى الله تعالى واللجإ إليه تعالى من الاضطرار، وقال السدي: «الذي لا حول له ولا قوّة، وقيل: المذنب إذا استغفر، وهو إفتعال من الضرورة، واللام فيه للجنس، لا للاستغراق، فلا يلزم منه إجابة كل مضطر، ويكشف السّوء الضر، ويدفع عن الإنسان ما يسوءه» 57.
وقد ضمن الله تعالى إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه؛ فأما قوله تعالى: (? ?) فهو كالتفسير للاستجابة، فإنه لا يقدر أحد على كشف ما دفع إليه من فقر إلى غنى، ومرض إلى صحة، وضيق إلى سعة إلا القادر الذي لا يعجز، والقاهر الذي لا ينازع 58.
والسبب في ذلك أنّ الضرورة إليه بالالتجاء تنشأ عن الإخلاص، وقطع القلب عمّا سواه، وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمة وجد من مؤمن أو كافر، طائع أو فاجر، كما قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ) [يونس: 22] .
وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) [العنكبوت: 65] .
أجابهم عند ضرورتهم ووقوع إخلاصهم، مع علمه أنّهم يعودون إلى شركهم وكفرهم، وقال تعالى: (? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ?) [العنكبوت: 65] .
فيجيب المضطر لموضع اضطراره وإخلاصه 59.
فمن اعتقد أن لله شريكًا لم يحصل له الاضطرار؛ لأنه يقول: إن كان هذا المعبود لا ينصرني فذاك الآخر ينصرني، وإن لم يحصل في قلبه الاضطرار لم تحصل الإجابة ولا النصرة 60.
والحق أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله تعالى في جلب مصالحهم، ودفع مضارهم، في أمور دينهم ودنياهم، قال تعالى: (? ہ ہ ہ ہ ھھ ھ ھ ے ے) [فاطر: 15] .
«يقول -تعالى ذكره-: يا أيها الناس أنتم أولو الحاجة والفقر إلى ربكم فإياه فاعبدوا، وفي رضاه فسارعوا، يغنكم من فقركم، وتنجح لديه حوائجكم (ھ ھ ے) عن عبادتكم إياه وعن خدمتكم، وعن غير ذلك من الأشياء؛ منكم ومن غيركم، (ے) يعني: المحمود على نعمه؛ فإن كل نعمة بكم وبغيركم فمنه، فله الحمد والشكر بكل حال» 61.
قوله: (ہ ھھ) إعلام بأنه لا افتقار إلا إليه، ولا اتكال إلا عليه، وهذا يوجب عبادته؛ لكونه مفتقرًا إليه، وعدم عبادة غيره لعدم الافتقار إلى غيره 62.
وهذا يقتضي أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله تعالى في جلب مصالحهم، ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم، وأن العباد لا يملكون لأنفسهم شيئًا من ذلك كله، وأن من لم يتفضل الله عليه بالهدى والرزق، فإنه يحرمها في الدنيا، ومن لم يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه أوبقته خطاياه في الآخرة 63.
والعبد يسأل ربه كل شيء يحتاجه في أمر دينه ودنياه؛ لأن الخزائن كلها بيده سبحانه وتعالى، قال سبحانه: (چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحجر: 21] .
أي: وما من شيء إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه، فضرب الخزائن مثلًا لاقتداره أو شبه مقدوراته بالأشياء المخزونة، التي لا يحوج إخراجها إلى كلفة واجتهاد، وما ننزّله من بقاع القدرة إلّا بقدرٍ معلومٍ حده الحكمة وتعلقت به المشيئة، فإن تخصيص بعضها بالإيجاد في بعض الأوقات مشتملًا على بعض الصفات والحالات لابد له من مخصص حكيم 64.
سادسًا: خفض الصوت في الدعاء:
من آداب الدعاء خفض الصوت، وجعله بين المخافتة والجهر؛ لقوله عز وجل: (ژ ژڑ ڑ ک کک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ?) [الإسراء: 110] .
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كانوا يجهرون بالدعاء، فلما نزلت هذه الآية أمروا أن لا يجهروا ولا يخافتوا، وتأويل الكلام -كما ذكر الطبري-: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيًا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى، ولا تجهر يا محمد بقراءتك في صلاتك ودعائك فيها ربك ومسألتك إياه، وذكرك فيها، فيؤذيك بجهرك بذلك المشركون، ولا تخافت بها، فلا يسمعها أصحابك (ں ں ? ?) 65.
و «المراد بالصلاة: الدعاء، وهذا قول عائشة رضي الله عنها، وأبي هريرة، ومجاهد، وروي هذا مرفوعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية: إنما ذلك في الدعاء والمسألة، لا ترفع صوتك فتذكر ذنوبك فيسمع ذلك، فتعيّر بها، فالجهر بالدعاء منهي عنه، والمبالغة في الإسرار غير جائزة، والمستحب من ذلك التوسّط وهو أن يسمع نفسه» ، كما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «لم يخافت من أسمع أذنيه» .
وروي عن الإمام مالك أنه قال: «إنما أنزلت هذه الآية: (? ? ? ? ? ? ں ں ? ?) في الدعاء» 66.
وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 205] .
قوله: (? ? ? ?) ، المراد منه: أن يقع ذلك الذكر بحيث يكون متوسطًا بين الجهر والمخافتة، كما قال تعالى عن زكريا عليه السلام: (پ ? ? ? ?) [مريم: 3] .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: وتفسير قوله: (? ? ? ?) ، المعنى: أن يذكر ربه على وجه يسمع نفسه، فإن المراد حصول الذكر اللساني، والذكر اللساني إذا كان بحيث يسمع نفسه فإنه يتأثر الخيال من ذلك الذكر، وتأثر الخيال يوجب قوة في الذكر القلبي الروحاني، ولا يزال يتقوى كل واحد من هذه الأركان الثلاثة، وتنعكس أنوار هذه الأذكار من بعضها إلى بعض، وتصير هذه الانعكاسات سببًا لمزيد القوة والجلاء والانكشاف والترقي من حضيض ظلمات عالم الأجسام إلى أنوار مدبر النور والظلام 67.
كما أنّ الدعاء مع هذه الهيئة يكون كما قال الله تعالى: (ھھ) لأنّ ذلك يكون أبعد من الرياء؛ ذلك أنّ الشريعة مقرّرة أنّ السر فيما يعترض من أعمال البر أعظم أجرًا من الجهر، قال الحسن بن أبي الحسن: لقد أدركنا أقوامًا ما كان على الأرض عمل يقدرون على أن يكون سرًا فيكون جهرًا أبدًا 68.
ويبيّن العلامة ابن القيم فوائد لإخفاء الدعاء، فيقول:
أولها: أنّه أعظم إيمانًا؛ لأنّ صاحبه يعلم أنّ الله يسمع دعاءه الخفي.
ثانيها: أنّه أعظم في الأدب والتعظيم؛ ولهذا لا تخاطب الملوك ولا تسأل برفع الصوت، وإنّما تخفض عندهم الأصوات، ويخفت عندهم الكلام بمقدار ما يسمعونه، ومن رفع صوته لديهم مقتوه، ولله المثل الأعلى، فإذًا ربنا يسمع الدعاء الخفي، فلا يليق بين يديه إلا خفض الصوت.
ثالثها: أنه -يعني الإخفاء- أبلغ في التضرّع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه ومقصوده، فإنّ الخاشع الذليل الخاضع إنّما يسأل مسألة ذليل قد انكسر قلبه، وذلت جوارحه، وخشع صوته.
رابعها: أنه أبلغ في الإخلاص.
خامسها: أنه أبلغ في جمعه القلب على الله في الدعاء، فإنّ رفع الصوت يفرّقه ويشتّته، فكلّما خفض صوته كان أبلغ في حمده، وتجريد همته، وقصده للمدعو سبحانه وتعالى.
سادسها: أنه دالٌّ على قرب صاحبه من الله، وأنّه لاقترابه منه وشدة حضوره يسأله أقرب شيء إليه، فيسأله مسألة مناجاة القريب للقريب، لا مسألة نداء البعيد للبعيد.
سابعها: أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال، فإن اللسان لا يمل، والجوارح لا تتعب، بخلاف ما إذا رفع صوته، فإنّه يكلّ لسانه وتضعف بعض قواه 69.
ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا يرفعون أصواتهم بالدعاء أنكر عليهم قائلًا: (أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا) 70.
سابعًا: عدم الاعتداء في الدعاء:
ومن آداب الدعاء عدم الاعتداء فيه؛ فالاعتداء فيه من أسباب موانع إجابته، قال سبحانه وتعالى: (ہ ہ ھ ھھ ھ ے ے ?) [الأعراف: 55] .
وقد فسّر الاعتداء -في معنى الآية- بتكلف السجع في عبارات الدعاء، أو التفصيل فيه بتكلف 71.
وكذلك فسّر برفع الصوت به؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما لعكرمة رحمه الله: «فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك» 72. يعني: لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب.
والتعجل من صور الاعتداء في الدعاء، والإنسان خلقه الله تعالى وأوجد فيه غرائز وفطر فيكون أحيانًا في غاية السرور والفرح من نفسه أو من أحد أقاربه وأصدقائه، وقد يتغيّر الحال تمامًا فيصير القريب عدوًا، والعدو صديقًا، بل قد يدعو الإنسان أحيانًا على نفسه وولده، ثم يندم بعد قليل، فلو استجيبت الدعوة لدام حزن هذا الإنسان إلى الأبد، قال عز وجل: (ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ گ) [يونس: 11] .
قال أبو جعفر: «يقول -تعالى ذكره-: ولو يعجل الله للناس إجابة دعائهم في الشر، وذلك فيما عليهم مضرة في نفس أو مال (ک ک) ، يقول: كاستعجاله لهم في الخير بالإجابة إذا دعوه به (ک گ گ) ، يقول: لهلكوا، وعجّل لهم الموت، وهو الأجل» 73.
ينقسم الدعاء في القرآن إلى دعاء ممدوح ودعاء مذموم، وسوف نعرضها في النقاط الآتية:
أولًا: الدعاء الممدوح:
إن أعظم الأدعية الممدوحة هي تلك التي أثرت عن الأنبياء عليه السلام.
وقدسجّلت آيات القرآن الكريم كثرة من أدعية الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين، والنظر فيها يعلّم المسلم كثيرًا من آداب الدعاء، ويهبه كثيرًا من أوجه الخير؛ إذ يعرف كيف يدعو، وبم يدعو، ويتجدد وعيه بسير الأنبياء والمرسلين ممن يؤمن المسلم بهم، وهم لديه في مقام القدوة والاحتذاء.
وقد اهتم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم من عباد الله الصالحين بالدعاء، فاستجاب الله دعاءهم، وهذا كثير في القرآن ومن أمثلته:
ذكر القرآن الكريم ما كان من وسوسة الشيطان لآدم عليه السلام: (? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 36] .
وما ترتب على ذلك من ندمه عليه السلام وزوجه؛ آنئذٍ اتجها إلى الله في ذل وانكسار واعتراف بالذنب؛ مما يسجّله قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ?) [الأعراف: 23] .
وذلك عندما «قال آدم: أي ربّ أرأيت إن تبت واستغفرت؟! قال: إذًا أدخلك الجنة، فقالا قولهما السابق، وهي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه» 74.
وكانت الاستجابة للدعاء والاستغفار؛ فغفر الله لهما، كما قال سبحانه: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 37] .
ثم أكرمه الله بالاصطفاء، فقال عز وجل: (ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ?) [آل عمران: 33] .
وخصّه بالاجتباء، فقال عز وجل: (? ? ? ? ? ?) [طه: 122] .
فقد سجّل القرآن ما كان من حرص نوح عليه السلام على دعوة قومه ليلًا ونهارًا، لكن ذلك كله لم يغيّر من إعراضهم وصدهم شيئًا، بل استمروا في كفرهم حينها انقطعت الحجة، واستحقوا العذاب، فدعا عليهم عليه السلام بقوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [نوح: 26 - 28] .
وسبب الدعاء عليهم هو إضلالهم لعباد الله سبحانه وتعالى، وأنه لن يخرج من أصلابهم إلا الكفار، ولا شك أن هذا من علم الغيب، ولكن الله سبحانه وتعالى أطلع عليه نوحًا بما أوحى إليه، قال الطبري: «قال قتادة: أما والله ما دعا عليهم حتى أتاه الوحي من السماء (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [هود: 36] . فعند ذلك دعا عليهم نبي الله نوح» 75.
وقال القاضي أبو بكر ابن العربي: «لما استنفذ الله سبحانه وتعالى من في الأصلاب والأرحام من المؤمنين، أوحى الله إليه» 76.
وقال السعدي: «وإنما قال نوح ذلك لأنه مع كثرة مخالطته إياهم، ومزاولته لأخلاقهم علم بذلك نتيجة أعمالهم؛ فلهذا استجاب الله دعوته، فأغرقهم أجمعين، ونجى نوحًا ومن معه من المؤمنين» 77.
وقد استجاب الله عز وجل دعاء نوح عليه السلام على قومه فأغرقهم بالطوفان، وأنجاه ومن آمنوا معه؛ قال تعالى: (? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک ک) [القمر: 9 - 14] .
وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الصافات: 75 - 76] .
وقال: (چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ کک ک ک گ گ گ گ) [الأنبياء: 76 - 77] .
وكان خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام معروفًا بالدعاء والمناجاة؛ قال ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: (ژڑ ڑ ک) [التوبة: 114] .
إنه كان يكثر من الدعاء 78.
قال الله تعالى عن دعائه: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ?) [الشعراء: 83 - 85] .
فاستجاب الله له؛ قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? چ چ) [النساء:؟ 54] .
وقال في قوله: (? ?) [يوسف: 101] .
(گ ? ? ? ?) [البقرة: 130] .
وكانت الاستجابة لدعائه عليه السلام الذي ورد في قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ) مذكورةً في قوله سبحانه: (پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الصافات: 78 - 80] .
وقد أشرك ولده إسماعيل في الدعاء كما أشركه في البناء، قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ) [البقرة: 127 - 128] .
وقوله تعالى كذلك: (ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ?) [إبراهيم: 35] .
وقوله أيضًا: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ?) [الشعراء: 83 - 85] .
ويدل دعاؤه لأبيه رغم كفره وإعراضه على شفقته وعطفه، قال تعالى: (? ? ? ? ? ?) [الشعراء: 86] .
وذلك لأنه قد وعده بالاستغفار له، كما جاء في قوله: (? ? ? ? ? ? ?) [مريم: 47] .
وقد تضرع هود عليه السلام لربه حين كذّبه قومه، وخالفوه وتنقصوه قائلًا: (? ? ? ? ?) [المؤمنون: 39] .
أما لوط عليه السلام فأخذ يدعو قومه، ولكنهم لم يجيبوا داعي الله، وهمّوا بإخراجه قال تعالى على لسانهم: (پ ? ? ? ? ? ?) [النمل: 56] .
«فلما طال تماديهم في غيّهم ولم ينزجروا دعا عليهم لوطٌ، وقال: (? ? ? ? ? ?) [العنكبوت: 30] » 79.
وقد اشتد البلاء بيعقوب عليه السلام، قال تعالى: (چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک) [يوسف: 18] .
وقال الله تعالى عنه: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ?) [يوسف: 64] .