فهرس الكتاب

الصفحة 1265 من 2431

السعي

أولًا: المعنى اللغوي:

يأتي السعي في اللغة على معان هي:

الأول: المشي، قال الله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} [الصافات:102] يعني: المشي 1.

الثاني: الإسراع في المشي، ومنه قوله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى} [القصص:20] . أي: يسرع في مشيه 2.

الثالث: السعي: الجد، ومنه قال تعالى: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} [سبأ:5] . أي: اجتهدوا في أن يظهروا لنا عجزًا فيما أنزلناه من الآيات 3.

الرابع: العمل والتصرف والكسب في أي عمل كان، ومنه قوله تعالى: {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} [طه:15] . أي: تكسب 4، وأصل السعي التصرف في كل عمل وعليه قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) } [النجم:39] .أي: إلا ما عمل 5.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

السعي اصطلاحًا هو: العمل والفعل، وهذا مروي عن كثير من المفسرين منهم عكرمة ومجاهد، وزيد بن أسلم، وابن شهاب قال مالك: وإنما السعي في كتاب الله عز وجل العمل والفعل 6.

ويمكن صياغة تعريف للسعي في القرآن بأنه: العمل والفعل الجاد الذي يقوم على النية والقصد سواءً أكان ذلك في الخير أو الشر.

وردت مادة (سعى) في القرآن الكريم (30) مرة 7.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 7 ... {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا} [البقرة:205]

الفعل المضارع ... 12 ... {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى} [القصص:20]

فعل الأمر ... 1 ... {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة:9]

المصدر ... 10 ... {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} [الصافات:102]

وجاء السعي في القرآن الكريم على وجهين، وهما 8:

الأول: المشي، أو الإسراع في المشي: قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) } [عبس:8] . يعني: يمشي، أو يسرع.

الثاني: العمل: قال تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) } [الإسراء:19] . يعني: وعمل لها عملًا وهو مؤمن، كان عملهم مقبولًا.

العمل:

العمل لغة:

المهنة والفعل، قال ابن فارس: « (عمل) العين والميم واللام أصل واحد صحيح، وهو عام في كل فعل يفعل» 9.

العمل اصطلاحًا:

كل فعل كان بقصد وفكر سواءً كان من أفعال القلوب كالنية أم من أفعال الجوارح كالصلاة 10.

الصلة بين العمل والسعي:

العمل هو المعنى الرئيس في القرآن للسعي ويقوم على القصد والإرادة.

الشغل:

الشغل لغة:

(شغل) الشين والغين واللام أصل واحد، يدل على خلاف الفراغ، تقول: شغلت فلانًا فأنا شاغله، وهو مشغول، وجمع الشغل أشغال، وقد جاء عنهم: اشتغل فلان بالشيء، وهو مشتغل 11.

الشغل اصطلاحًا:

لا يختلف معنى الشغل في الاصطلاح عن معناه في اللغة.

وقال الراغب: الشّغل والشّغل: العارض الذي يذهل الإنسان، قال عز وجل: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) } [يس:55] 12.

الصلة بين الشغل والسعي:

يشتركان في العمل الذي ينشغل به الإنسان، فهو سعي وشغل، وقد يكون الشغل بغير عمل، وقد يراد بالسعي غير العمل.

أقسم الله تعالى على أن سعي الناس أنواع مختلفة، وذلك في قوله: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) } [الليل:1 - 4] .

أي: إن عملكم لمختلف أيها الناس؛ لأن منكم الكافر بربه، والعاصي له في أمره ونهيه، والمؤمن به، والمطيع له في أمره ونهيه، ومنكم من سعيه في طلب دنياه، ومنكم من سعيه في شهوات نفسه واتباع هواه، ومنكم من سعيه في طلب جاهه ومناه، وآخر في طلب عقباه 13.

أولًا: السعي الممدوح:

إن السعي في الطاعات التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى من السعي الممدوح الذي يكسب به الساعي رضى الله تعالى، وثناء الناس.

وقد أمر الله تعالى بالسعي إلى الطاعات في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) } [الجمعة:9] .

وفي الآية أمر من الله تعالى للمؤمنين بالسعي إلى صلاة الجمعة عند قعود الإمام على المنبر للخطبة، وأصل السعي في هذا الموضع العمل، والسعي لذكر الله تعالى يتضمن جميع الطاعات، وهذا أولى لأنه أوفق لعموم اللفظ 14.

ومثله السعي في الحج في جميع المشاعر وبين الصفا والمروة كما في قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) } [البقرة:158] 15.

كما أخبر سبحانه وتعالى أن من يسعى إلى عمل الآخرة أن سعيهم مشكور.

قال تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) } [الإسراء:19] .

وقوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (94) } [الأنبياء:94] .

وهذه الآيات مشتملة على الأعمال التي بواسطتها يحصل الفوز بسعادة الآخرة وهي تشمل جميع الطاعات 16.

كذلك يدل على هذا المعنى الآيات التي ذكر فيها عمل الصالحات، ومنها قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) } [البقرة:277] .

وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) } [النساء:124] .

وقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) } [الإسراء:9] .

وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار) 17، وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله -وأحسبه قال- وكالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر) 18.

والمراد بالساعي في الحديث: الكاسب لهما، العامل لمؤنتهما، والأرملة من لازوج لها سواء كانت تزوجت أم لا، وقيل هي التي فارقت زوجها، وسميت أرملة لما يحصل لها من الإرمال وهو الفقر وذهاب الزاد بفقد الزوج، يقال: أرمل الرجل إذا فني زاده، والمسكين الذي لا شيء له 19.

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة) ، وفي رواية (وأنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئًا 20.

وأما كافل اليتيم فهو: القائم بأموره من نفقة وكسوة وتأديب وتربية وغير ذلك وهذه الفضيلة تحصل لمن كفله من مال نفسه أو من مال اليتيم بولاية شرعية 21.

إن السعي في نصرة الحق وأهله من السعي الممدوح فاعله.

قال تعالى عن العبد الصالح الذي نصر الحق ودافع عن المرسلين: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) } [يس:20] 22.

فقد جاء هذا الرجل من أقصى المدينة، وفي ذلك بلاغة باهرة؛ لأن ذلك يدل على أنه تحمل المشقة والبعد من أجل نصرة الحق وأهله، والمدينة هي أنطاكية، وهي كانت كبيرةً شاسعةً، قائلا لهم: {قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} ، أي: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لكم السبيل 23، حتى وإن ضحى الساعي في نصرة الحق بنفسه فقد جاء قتادة في قوله: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} قال: بلغني أنه رجل كان يعبد الله في غار واسمه حبيب فسمع بهؤلاء النفرالذين أرسلهم عيسى إلى أهل انطاكية فجاءهم فقال: تسألون أجرًا فقالوا: لا، فقال لقومه {يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) } حتى بلغ {فَاسْمَعُونِ} قال: فرجموه بالحجارة فجعل يقول: رب اهد قومي فإنهم لا يعلمون {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} حتى بلغ {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} قال: فما نوظروا بعد قتلهم إياه حتى أخذتهم {صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} 24.

وكذلك ذكر القرآن الكريم مؤمن آل فرعون حين نصر الحق.

قال تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) } [غافر:28] .

فقد كتم هذا الرجل الإيمان من أجل الدعوة والدفاع عنها، وفي مرحلة الضعف خوفا على النفس، مما أباحه الشرع، وقد ذكر الله تعالى في معرض المدح رجلًا مؤمنًا من آل فرعون كان يكتم إيمانه 25، وأظهر الرجل إيمانه حين رأى أن ذلك من مصلحة الدعوة، ومواجهة خطر فرعون، قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) } [غافر:26] .

فأخذت الرجل غضبة لله عز وجل وقام بواجبه بالجهاد بالكلمة عند سلطان جائر والتي هي أفضل الجهاد، كما قال صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) 26.

ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون، وهي قوله تعالى: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} [غافر:28] أي: لأجل أن يقول ربي الله 27.

واختلف المفسرون أيضًا: هل كان إسرائيليًا أو قبطيًا من آل فرعون؟ والتحقيق أن الرجل المؤمن المذكور في هذه الآية هو من جماعة فرعون، كما هو ظاهر قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} 28، دون أن يذكر القرآن اسمه، وإنما أشار إلى خاصته، وذوي قرابته، فهو إنسان ذو شأن في المجتمع الفرعوني، ومع هذا لم يكشف القرآن عن اسمه.

ويكون السعي في نصرة الحق وأهله بكل الوسائل الممكنة بالقول والبيان كما في هذه الآيات السابقات، أومن خلال الجهاد الشرعي المضبوط بضوابطه الفقهية المعروفة عند الفقهاء.

قال تعال: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8) } [الأنفال:5 - 8] .

إن السعي في طلب العلم من أفضل الأعمال التي توازي الجهاد في سبيل الله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) } [التوبة:122] .

أي: فهلا خرج إلى الغزو من كل قبيلة جماعة ويبقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة، ليتفقهوا في الدين، يعني: فرقة القاعدين يتعلمون القرآن والسنن والفرائض والأحكام، فإذا رجعت السرايا أخبروهم بما أنزل الله بعدهم على نبيه من القرآن 29.

وقد عاتب الله تعالى نبيه الكريم في الإعراض عن الذين يسعون في طلب العلم، قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) } [عبس:8] أي: لطلب العلم، ويخشى الله فأنت عنه تتلهى، وتتشاغل ... وهذا كله من قبيل العتاب للنبي صلى الله عليه وسلم 30.

وقد بين الله تعالى أنه اصطفى من عباده من يحمل الكتاب وهم: علماء الأمة من الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم، أو الأمة بأسرهم، فإن الله اصطفاهم على سائر الأمم فمنهم ظالم لنفسه بالتقصير في العمل به، ومنهم مقتصد يعمل به في غالب الأوقات، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله بضم التعليم والإرشاد إلى العمل، وقيل الظالم الجاهل والمقتصد المتعلم والسابق العالم، وقيل الظالم المجرم والمقتصد الذي خلط الصالح بالسيء والسابق الذي ترجحت حسناته بحيث صارت سيئاته مكفرة.

قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) } [فاطر:32] 31.

وروى الترمذي من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من سلك طريقا يلتمس فيه علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر) 32.

وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه) 33.

ومعنى الحديث: من سلك طريقا: حسية أو معنوية، ونكره ليتناول أنواع الطريق الموصلة إلى تحصيل أنواع العلوم الدينية، والمعنى سهل الله له بسبب العلم طريقًا من طرق الجنة، وذلك لأن العلم إنما يحصل بتعب ونصب، فمن تحمل المشقة في طلبه سهلت له سبل الجنة سيما إن حصل المطلوب.

قال ابن جماعة: «والأظهر أن المراد أن يجازيه يوم القيامة بأن يسلك به طريقًا لا صعوبة له فيه ولا هول إلى أن يدخله الجنة سالمًا، فأبان أن العلم ساعد السعادة وأس السيادة والمرقاة إلى النجاة في الآخرة والمقوم لأخلاق النفوس الباطنة والظاهرة فهو نعم الدليل والمرشد إلى سواء السبيل، وتقديم الظرفين (فيه - له) للاختصاص؛ لأن تسهيل طريق الجنة خاص بالله وغيره في مقابلته كالعدم؛ لأنه في حقه غير مفيد، وكذا بالنسبة لسببه فإن غير هذا السبب من أسباب التسهيل كالعدم؛ لأنه أقوى الأسباب المسهلة وفيه حجة باهرة على شرف العلم وأهله في الدنيا والآخرة لكن الكلام في العلم النافع لأنه الذي يترتب عليه الجزاء المذكور كما تقرر» 34.

وهناك أحاديث نبوية صحيحة عديدة فيها تنويه بالعلم وحثّ عليه وتنويه بالعلماء وفضلهم ومسؤولياتهم، يصح أن يساق في هذا المقام، من ذلك حديث رواه البخاري ومسلم عن معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدّين) 35.

وسلوك طريق العلم مما تعترضه المشقات والسفر والبعد عن الأوطان.

وقد قال الله تعالى عن نبيه موسى: {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) } [الكهف:62 - 69] .

يخبر تعالى عن قول موسى عليه السلام لذلك الرجل العالم، وهو الخضر، الذي خصه الله بعلم لم يطلع عليه موسى، كما أنه أعطى موسى من العلم ما لم يعطه الخضر قال له موسى: هل أتبعك؟ سؤال تلطف لا على وجه الإلزام والإجبار، وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم 36.

إن السعي في عمارة المساجد من السعي المحمود الذي يقوم به المؤمنون

قال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18) } [التوبة:17 - 18] .

إن عمارة المسجد هي: لزومه، والإقامة فيه، وعبادة الله فيه، وبناؤه وترميمه، وهي نوعان: حسية، ومعنوية:

فالحسية: بالتشييد والبناء والترميم والتنظيف والفرش والتنوير بالمصابيح والدخول إليها والقعود فيها.

والمعنوية: بالصلاة وذكر الله، والاعتكاف، والزيارة للعبادة فيها، وذلك يشمل العمرة، ومن الذكر: درس العلم، بل هو أجله وأعظمه وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث الدنيا، فضلا عن فضول الحديث 37.

والمعنى في هذه الآية إنما يعمر مساجد الله بالحق لهم والواجب، ولفظ هذه الآية الخبر وفي ضمنها أمر المؤمنين بعمارة المساجد، وقد قال بعض السلف: إذا رأيتم الرجل يعمر المسجد فحسنوا به 38، {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ} ، وعمارتها رمّ ما استرم منها، وقمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث الدنيا؛ لأنها بنيت للعبادة والذكر، ومن الذكر درس العلم 39.

ثم بين سبحانه أن المؤمنين الصادقين هم الجديرون بعمارة مساجد الله، فقال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} أي: ليس المشركون أهلًا لعمارة مساجد الله وإنما الذين هم أهل لذلك المؤمنون الصادقون الذين آمنوا بالله إيمانًا حقًّا، وآمنوا باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، وآمنوا بما فرضه الله عليهم من فرائض فأدوها بالكيفية التي أرشدهم إليها نبيهم صلى الله عليه وسلم فهم في صلاتهم خاشعون وللزكاة معطون بسخاء وإخلاص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت