فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 2431

الإصلاح

أولًا: المعنى اللغوي:

الإصلاح لغة مأخوذ من الفعل (صلح) ، فالصاد واللام والحاء أصل واحد يدل على خلاف الفساد، وصلح كصلح لغتان؛ فالصلاح والصُلُوح بمعنى واحد، يقال: صَلَحَ يَصْلَحُ ويَصْلُحُ صلاحًا وصُلُوحًا فهو صالحٌ وصليحٌ، والجمع صُلَحاءُ وصُلُوحٌ 1.

والصلاح: الحصول على الحالة المستقيمة النافعة، والإصلاح جعل الشئ على تلك الحالة، فالإصلاح نقيض الإفساد، وهو يدل على إزالة الفساد، والاستصلاح ضد الاستفساد، وأصلحه ضد أفسده، وقد أصلح الشيء بعد فساده: أقامه، ومصلح اسم فاعل من أصلح، يقال: رجل صالح في نفسه، ومصلح في أعماله 2.

ويغلب استخدام (الإصلاح) في إصلاح ذات البين؛ يقال: أصلح بينهما أو ذات بينهما: أي: أزال ما بينهما من عداوة وشقاء، وإصلاح ذات البين يكون برأب ما تصدع منها، وإزالة الفساد الذي دب إليها بسبب الخصام والتنازع على أمر من أمور الدنيا 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

يخضع تعريف الإصلاح اصطلاحًا لنوع الإصلاح المراد؛ فتعريف الإصلاح بأنه ضد الإفساد يختلف عن تعريف الإصلاح بين المتخاصمين، وعن تعريف الإصلاح بمعنى البناء والتقويم، وكذلك يختلف عن تعريف إصلاح دين الناس ومعاشهم، ولذلك ذكر لمصطلح (الإصلاح) تعريفات عديدة، ولا يعنينا هنا جمع تلك التعريفات؛ ويكفي الإشارة إلى بعضها:

فالإصلاح هو: «هو إزالة الخلل والفساد الطارئ على الشيء» 4.

والإصلاح هو: «إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله بإزالة ما طرأ عليه من الفساد» 5.

وكل هذه التعريفات تدور حول معنى إزالة الفساد الذي يطرأ على الشيء، وإعادته إلى ما كان عليه من الصلاح والاعتدال والنفع.

وردت مادة (ص ل ح) في القرآن (180) مرة، يخص موضوع البحث منها (42) مرة 6.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 14 ... {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) } [البقرة:182]

الفعل المضارع ... 8 ... {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} [البقرة:224]

فعل الأمر ... 6 ... {وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) } [الأعراف:142]

المصدر ... 9 ... {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} [البقرة:220]

اسم الفاعل ... 5 ... {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} [البقرة:220]

وجاء الإصلاح في الاستعمال القرآني بمعنى: إقامة الشيء وتغيير ما به من اعوجاج، والإحسان فيه 7.

الصلح:

الصلح لغة:

الصلح بالضم هو السلم -بكسر السين وفتحها- من تصالح القوم بينهما، والصلح أيضًا: اسم جماعةٍ متصالحين، يقال: هم لنا صلحٌ، أي: مصالحون 8.

الصلح اصطلاحًا:

عبارة عن عقد وضع لرفع المنازعة بالتراضي 9.

الصلة بين الصلح والإصلاح:

الصلح يختص بإزالة النفار بين الناس، يقال منه: اصطلحوا وتصالحوا؛ وعلى هذا فإن الصلح إحدى ثمرات الإصلاح بين الناس، وكذلك فإن الإصلاح أعم وأشمل من الصلح.

الصلاح:

الصلاح لغة:

مأخوذ من الفعل (صلح) ، والصلاح ضد الفساد 10.

الصلاح اصطلاحًا:

الصلاح: استقامة الحال وانعدالها، وهو مما يفعله العبد لنفسه 11. وهو معنى عام يشمل استواء الخلق والاستقامة على ما توجبه الشريعة، وحصول على الحالة المستقيمة النافعة.

الصلة بين الصلاح والإصلاح:

الصلاح يخص الفرد في ذاته، أما الإصلاح فمتعدِ، يصلح العبد نفسه، ثم يسعى في إصلاح غيره، فقد يكون الرجل صالحًا في نفسه فقط، وقد يكون صالحًا في نفسه ومصلحًا لغيره، ولا شك أن الأخير أعظم.

الفساد:

الإفساد لغة:

هو ضد الإصلاح 12.

الإفساد اصطلاحًا:

هو جعل الشيء فاسدًا خارجًا عما ينبغي أن يكون عليه وعن كونه منتفعًا به. وفي الحقيقة هو إخراج الشيء عن حالة محمودة لا لغرض صحيح 13.

الصلة بين الإفساد والإصلاح:

إن الإفساد ضد الإصلاح، وإن الفساد هو موضع الإصلاح، ومحوره الذي يتوجه إليه المصلحون؛ لإصلاح الأرض ومن عليها؛ حتى ينعم الإنسان بخيراتها، ويحقق وظيفته في الاستخلاف في الأرض، والوصول إلى الكمال الإنساني المقدر له؛ فالمصلح هو الذي يسعى لإزالة الفساد، ويحارب الإفساد وأهله.

تتعدد مجالات الإصلاح كما عرضها القرآن، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي:

أولًا: الإصلاح في العقيدة:

معالم الإصلاح في العقيدة تظهر من خلال عدد من الأمور:

أولًا: إن العقيدة هي ما يجزم به الإنسان، ويعتقده ويتيقنه في قرارة نفسه يسمى عقيدة، فإن كان هذا الاعتقاد موافقًا للحق، مطابقًا للواقع فهي عقيدة صحيحة، وإن كان مخالفًا للواقع فهي عقيدة فاسدة، والعقيدة هي أساس بناء المجتمعات، فإن كانت عقيدة أفراد المجتمع سليمةً صار مجتمعًا قويًا متماسكًا، وإن كانت عقيدة أفراده منحرفةً صار مجتمعًا متفككًا منهارًا.

ثانيًا: العقيدة السليمة الصحيحة تعصم الدم والمال، والعقيدة الفاسدة تهدر الدم والمال.

قال الله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65] .

وقال سبحانه: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88] .

وقال عليه الصلاة والسلام: (من بدل دينه فاقتلوه) 14.

وقال عليه الصلاة والسلام: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة) 15.

فلا يحل دمه ولا ماله ما دام اعتقاده صحيحًا إلا إذا ارتكب واحدة من ثلاث: الزاني بعد الإحصان، والقاتل عمدًا، والمرتد الذي فارق دينه.

ثالثًا: إذا كانت العقيدة صحيحة صحت الأعمال كلها بشروطها، وجميع العبادات صحيحة؛ صحت الصلاة، والزكاة، وصح الصوم، والحج، وإذا فسدت العقيدة فسدت جميع الأعمال، وجميع العبادات؛ إذا دعا الإنسان غير الله، أو ذبح لغير الله، أو نذر لغير الله، أو طاف بغير بيت الله؛ تقربًا لذلك الغير، أو فعل ناقضًا من نواقض الإسلام، أو اعتقد عدم وجوب الصلاة، أو عدم وجوب الزكاة، أو عدم وجوب الحج، أو اعتقد حل الزنا، أو حل الخمر، أو حل الربا، أو حل عقوق الوالدين فسدت العقيدة، وبطلت الأعمال كلها، فلا تصح الصلاة ولا الزكاة ولا الصوم ولا الحج، فكلها تكون باطلة، كما قال سبحانه: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23] .

رابعًا: الشعائر التي يفرضها الله على الخلق إنما يريد بها إصلاح قلوبهم ومشاعرهم؛ لإصلاح حياتهم وواقعهم، فالله الواحد القهار في غنى عن العالمين؛ فهو سبحانه لا يريد منهم إلا التقوى والصلاح والعمل والعمارة -وفق منهجه- فيعد لهم هذا كله عبادة.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15] .

خامسًا: العقيدة الصحيحة هي الأساس الذي يقوم عليه الدين، كما قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] .

وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر: 2 - 3] .

وقال بعدها بآيات: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65] .

فأرسل رسله دعاة إلى التوحيد وإخلاص الدين {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] .

سادسًا: بين الله سبحانه مقومات الأمن، وأسبابه التي يتحقق بتوفرها، ويزول بزوالها، وأولها: إصلاح العقيدة؛ بإخلاص العبادة لله، وترك عبادة ما سواه، والبراءة منها، ومن أهلها، وملازمة العمل الصالح.

قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] .

فربط سبحانه حصول هذه المطالب العالية: الاستخلاف في الأرض، والتمكين من الدين، وإبدال الخوف بالأمن بتحقق شيئين، وهما: عبادة الله سبحانه، وترك الإشراك به.

سابعًا: اتجهت جهود الأنبياء والمصلحين إلى إصلاح عقائد المجتمعات قبل كل شيء، كل نبي أرسله الله يدعو قومه إلى إصلاح العقيدة، فأول ما يخاطب قومه: {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59، 65، 73، 85، هود: 50، 61، 84، المؤمنون: 23، 32] .

وكما أخبر الله عن نوح، وهود، وصالح، وشعيب، وغيرهم، {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] .

ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم مكث في مكة ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس إلى إصلاح العقيدة، ويقول لقومه: (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) 16.

ثم لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وثبتت العقيدة نزلت بقية التشريعات.

جاء ذلك صريحًا في حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل؛ فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا، لقد نزل بمكة على محمد، وإني لجارية ألعب: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46] .

وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده» 17.

وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا) 18.

ثانيًا: الإصلاح في الأخلاق:

إن الإسلام يدعو إلى إصلاح النفس، والتخلص من أمراضها، وهذا يحتاج إلى جهد يبذل، كما يحتاج إلى صبر على مشقات الطريق، أما اتباع الهوى، وما تميله النفس الأمارة بالسوء فإنه سهل ميسور، فالأول مثله مثل: من يصعد بصخرة إلى أعلى الجبل، ومثل الثاني: كمن يهوي من أعلى الجبل إلى أسفله؛ ولذلك كانت الاستجابة للشيطان كثيرة، ووجد دعاة الحق صعوبة في الدعوة إلى الله تعالى.

وأهل الإسلام في باب إصلاح النفس مخالفون للأمم الذين لم يعتنوا بإصلاح الأخلاق؛ وللذين غلوا فابتدعوا طرقًا في إصلاح النفس والأخلاق.

وكلمة (الأخلاق) هذه كلمة عامة، والمقصود منها الصورة الباطنة؛ لأن الخلق هو الإيجاد، من خلق يخلق خلقًا، وهذا المخلوق له صورتان، صورةٌ ظاهرة وهي الخلق، خلقه خلقته، وصورة باطنة وهي خلقه.

المسألة الأولى: تعظيم الشارع الحكيم حسن الخلق في صورٍ وأساليب كثيرة.

أولًا: قال الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] .

وصح حديث عائشة رضي الله عنها عن خلق المصطفى عليه الصلاة والسلام قالت: (كان خلقه القرآن) 19.

وقال سعد بن هشام رحمه الله قلت: «يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن. قال: فهممت أن أقوم ولا أسأل أحدًا عن شيء حتى أموت» 20.

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) 21.

ثانيًا: قال الله عز وجل في حقه صلى الله عليه وسلم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] .

ثالثًا: وإن تصدير الآية الكريمة بالنداء {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ} [البقرة: 282] .

يشير إلى أمرين:

أحدهما: أنه ليس من مقتضى الإيمان أن تلزموا المساجد والصوامع، بل إن الإيمان أن تهذبوا نفوسكم، وترهفوا وجدانكم وتشعروا بمراقبة ربكم؛ لتكون دنياكم فاضلة، ويكون تعاملكم، وإدارة المال بينكم على نهج ديني فاضل، فالمال ليس طلبه ممنوعًا، بل إنه من طريقه الحلال مشروع ومطلوب.

الأمر الثاني: أن الإسلام ليست أوامره مقصورة على العبادات، بل جاء لتنظيم المعاملات، بل إن العبادات فيه طريق لإصلاح التعامل الإنساني وكذلك كل الأديان السماوية، فإنه من الجهل الادعاء بأن الأديان جاءت لتنظيم العلاقة بين العبد والرب فقط، ولا تتدخل في العلاقة بين الإنسان والإنسان 22.

رابعًا: وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57] .

جمعت هذه الآية «بين خطاب جميع العالم، وبين توبيخ عرب الجاهلية على التحليل والتحريم بسبب الأهواء والمزاعم، أما الخطاب العام لجميع البشر فمضمونه: يا أيها الناس، قد جاءكم كتاب جامع لكل المواعظ التي يراد بها إصلاح الأخلاق والأعمال، والزجر عن الفواحش، وشفاء الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد، والهداية إلى الحق واليقين والطريق القويم المؤدي إلى سعادة الدنيا والآخرة.

وسمي القرآن الكريم موعظة لأن الوعظ إنما هو بقول يأمر بالمعروف، ويزجر، ويرقق النفوس، ويوعد ويعد، وهذه صفة الكتاب العزيز، وهي موعظة من ربكم لم يختلقها محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره، بل هي من عند الله عز وجل» 23.

«وإن من الأعمال العريقة في الخير إنشاء المعاهد لتحفيظ القرآن وتعليم العلم، فإذا اتجه الخيرون إلى إنشاء هذه المعاهد فإن ذلك يكون دليلًا على الأخذ بأسباب الإصلاح المثمرة.

وأحب أن أقول للعاملين على الإصلاح: إن من وسائل الإصلاح الأخلاقي الحاسمة أن ينتشر الوعي الديني في استفاضة، ولن يتأتى ذلك إلا إذا أكثرنا من المعاهد الدينية» 24.

المسألة الثانية: الواجب تجاه إصلاح الأخلاق.

«وقد اتفق الحكماء الذين أكرمهم الله تعالى بوظيفة الأخذ بيد الأمم في بحثهم عن المهلكات والمنجيات على أن فساد الأخلاق يخرج الأمم عن أن تكون قابلة للخطاب، وأن معاناة إصلاح الأخلاق من أصعب الأمور وأحوجها إلى الحكمة البالغة، والعزم القوي، وذكروا أن فساد الأخلاق يعم المستبد وأعوانه وعماله، ثم يدخل بالعدوى إلى كل البيوت، ولاسيما بيوت الطبقات العليا التي تتمثل بها السفلى، وهكذا يغشو الفساد، وتمسي الأمة يبكيها المحب، ويشمت بها العدو، وتبيت وداؤها عياء يتعاصى على الدواء.

وقد سلك الأنبياء عليه السلام في إنقاذ الأمم من فساد الأخلاق مسلك الابتداء أولًا بفك العقول من تعظيم غير الله، والإذعان لسواه؛ وذلك بتقوية حسن الإيمان المفطور عليه وجدان كل إنسان، ثم جهدوا في تنوير العقول بمبادئ الحكمة، وتعريف الإنسان كيف يملك إرادته؛ أي حريته في أفكاره، واختياره في أعماله، وبذلك هدموا حصون الاستبداد، وسدوا منابع الفساد.

ثم بعد إطلاق زمام العقول صاروا ينظرون إلى الإنسان بأنه مكلف بقانون الإنسانية، ومطالب بحسن الأخلاق، فيعلمونه ذلك بأساليب التعليم المقنع وبث التربية التهذيبية.

والحكماء السياسيون الأقدمون اتبعوا الأنبياء عليه السلام في سلوك هذا الطريق وهذا الترتيب؛ أي بالابتداء من نقطة دينية فطرية تؤدي إلى تحرير الضمائر، ثم باتباع طريق التربية والتهذيب بدون فتورٍ ولا انقطاع» 25.

ثالثًا: الإصلاح بين الناس:

قال ابن حجر رحمه الله: «والصلح أقسام: صلح المسلم مع الكافر، والصلح بين الفئة الباغية والعادلة، والصلح بين المتغاضبين كالزوجين، والصلح في الجراح كالعفو على مال، والصلح لقطع الخصومة إذا وقعت المزاحمة في الأملاك» 26.

وقال ابن قدامة: «والصلح يتنوع أنواعًا: صلح بين المسلمين وأهل الحرب، وصلح بين أهل العدل وأهل البغي، وصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما» 27.

وهذا الإصلاح قد يكون فرديًا وجماعيًا:

فالفردي مثلًا: كالإصلاح بين اثنين (صديقين أو زوجين أو أخوين أو أختين) ونحو ذلك.

ومن الإصلاح الجماعي مثلًا: الإصلاح بين قبيلتين أو حزبين أو جماعتين، وقد يكون بين شعبين أو دولتين.

وقد يجمع بينهما مثل: الإصلاح بين الإمام والمأمومين، والإصلاح بين الراعي والرعية، فيكون أحد الطرفين فرديًا والآخر جماعيًا.

وسيتم هنا تناول مجموعة من أنواع الإصلاح:

النوع الأول: الإصلاح بين الزوجين.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] .

وقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21] .

إن السعادة الأسرية والاستقرار العائلي مطلب ضروري من ضروريات هذه الحياة، وهو سنة الله سبحانه وتعالى في الأرض، فالهدف من الأسرة هو السكن والمودة والرحمة بكل ما تحمله هذه الكلمات من معاني.

ولقد كثر وقوع المنازعات والخلافات الأسرية والعائلية التي تؤدي إلى الفرقة والشقاق خصوصًا في هذا الوقت الذي بعد فيه الناس عن شرع الله وأوامره، وليس هذا في المجتمعات الإسلامية فحسب، بل لا يكاد يسلم مجتمع من هذه الخلافات التي تؤدي في أسوأ الأحوال إلى حل رابطة الرحم، فيتفرق أفراد الأسرة والعائلة، فيترتب على ذلك كراهية وخصام بين العوائل والأسر المختلفة، وتشيع القطيعة بين أفراد الأسرة جميعًا.

وهنا نعرض منهج القرآن في الإصلاح بين أفراد الأسرة والعائلة، محاولة للدعوة للإصلاح وفق منهج رباني متكامل مستنبط من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك من خلال المحاور التالية:

المحور الأول: طرق القرآن في الإصلاح بين الزوجين.

لقد أمر الله سبحانه بالإصلاح، وحث عليه، وشرع الله سبحانه وتعالى بعض التنظيمات التي تكفل الحفاظ على الحياة الزوجية قبل حدوث الخلاف، وفي أثناء الخلاف، وحتى بعد فراق الزوجين لبعضهما؛ فقد شرع الله بعض التوجيهات والأوامر التي هي محاولة لرد الزوجين إلى حياتهما الطبيعية في المجتمع.

ويمكن عرض المنهج القرآني في الإصلاح بين الزوجين في النقاط التالية:

1.الإصلاح بين الزوجين عند نشوز المرأة.

إن أشهر آيتين في كتاب الله في الإصلاح بين الزوجين آيتا سورة النساء:

قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى? بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ? فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ? وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ? فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) [النساء: 34 - 35] .

النشوز هو: «استعلاء النساء على أزواجهن، وارتفاعهن عن فرشهم بالمعصية منهن، فالنشوز هو: البغض ومعصية الزوج، وإرادة فراق الزوج» 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت