فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 2431

قال سبحانه وتعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) } [الواقعة:71 - 72] .

ثم لما اتسعت حاجات البشرية منه، فتح الله تعالى لهم بابًا جديدًا في إيجاده وتحصيله، فاكتشفوا الفحم الذي كان أصله نباتًا مطمورًا أو حيوانًا مطمورًا في الأرض؛ ثم اكتشف البترول والغاز.

وقد أعد سبحانه وتعالى كل شيء في الأرض، وقدر فيها الأقوات من قبل أن ينزل آدم عليه السلام إلى الأرض ليعمرها، ويكون خليفة فيها، هو وذريته إلى أن تقوم الساعة، فإذا اشتكى العالم من نقص في احتياجاته، فإنما مرجعه إلى التكاسل وعدم حسن استثمار ما خلقه الله وقدره من أرزاق في الأرض.

ونرى التعاسة في كوكب الأرض رغم التقدم العلمي والتقني؛ ذلك أننا نستخدم ما كنزه الحق سبحانه ليكون مجال سعادة لنا في الحروب والتنافر. ولو أن ما يصرف على الحروب؛ تم توجيهه إلى تنمية المجتمعات المختلفة لعاش الجميع في وفرة حقيقية.

ولكن سوء التنظيم وسوء التوزيع الذي نقوم به نحن البشر هو المسبب الأول لتعاسة الإنسان في الأرض 41.

وهكذا يبين الله تعالى لعباده ما أنعمه عليهم من موارد اقتصادية ومستلزمات الحياة، دون سؤال منهم أو طلب، بل إنعام منه وكرم، {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم:34] .

فهذه الآية وغيرها من الآيات التي بينت تلك الموارد والثروات دليل على تحقق كفاية حاجة الإنسان من تلك الموارد.

فالمشكلات الاقتصادية التي تحدث أحيانًا ليس سببها ندرة الموارد، وبخل الطبيعة، كما تصوره المذاهب الاقتصادية المنحرفة الأخرى؛ كالرأسمالية والشيوعية وغيرها.

وإنما سبب ذلك هو الإنسان نفسه، كما تقرره هذه الآية، في قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} فظلم الإنسان في توزيع الثروات، وكفرانه للنعمة بعدم استغلال جميع المصادر التي تفضل الله بها عليه الاستغلال الأمثل، هما السببان المزدوجان للمشكلة التي يعيشها الإنسان.

وبمجرد تفسير المشكلة على هذا الأساس الذي دل عليه القرآن، يصبح بالإمكان التغلب عليها، والقضاء على الظلم وكفران النعمة بإيجاد علاقات توزيع عادلة، وتعبئة كل القوى المادية لاستثمار الطبيعة، واستكشاف كل كنوزها 42.

ثم إن ظلم الإنسان ليس مقصورًا على سوء توزيع الثروات، بل يشمل أيضًا ظلمه بترك الطاعات وارتكاب المعاصي، وإذا كانت المعاصي سببًا في احتباس الرزق، ورفع النعمة، فإن الاستغفار سبب في نزول الغيث، وحصول الأرزاق 43.

إن العالم طافح بالخيرات، مشحون بالقوى بين يدي الإنسان، وتحت قدميه، غير أن سنة الله في الكون قضت أن على الإنسان السعي، فإن الأرض لا تنشق عن خيرها ولا يهبط النعيم من السماء دون سعي الإنسان. فلا حصاد دون غرس، ولا وفرة في الإنتاج دون كثرة في الجهود.

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة:29] .

«وهذه الآية ترشد إلى أن مواطن هذا النفع ليست خاصة بظواهر هذا الكون، وإنما هي مبثوثة في ظاهره الذي نحصل عليه بمجرد النظر، وفي باطنه الذي نحتاج إلى قوة في اقتحامه، وخوض غماره، وفي هذا إيحاء بالبحث عما استقر في باطن الأرض وطبقات الجبال، وقاع البحار، وما يحمل الماء والهواء من قوى الإنتاج، ومواد الصناعة والتعمير» 44.

ثانيًا: الموارد الاقتصادية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت