ومما يرغب في الأمانة أنها من صفات أشرف الملائكة المقربين، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فقد أخبر الله تبارك وتعالى أن مما اتصف به جبريل من الصفات صفة الأمانة، فقال: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الشعراء:193] .
ففي قوله: {الْأَمِينُ} دلالة على أنه مؤتمن على ما أرسل به، لا يزيد فيه ولا ينقص منه؛ فإن الرسول الخائن قد يغير الرسالة، ويدل هذا على أنه لم يقع فيه تغيير ولا تبديل في طريق إنزاله؛ لأن الرسول المؤتمن على إنزاله قوي لا يغلب عليه حتى يغير فيه، أمين لا يغير ولا يبدل.
وفي هذه الآية إشادة بنزول القرآن من عند الله تعالى بواسطة جبريل الأمين، وحققت صدقه بأنه نزل به {الرُّوحُ} ويطلق لفظ: {الرُّوحُ} على الملك الذي ينزل بالوحي على الرسل، وهو جبريل عليه السلام.
وسمي روحًا من حيث إنه خلق من الروح، فهو روح كله، لا كالناس الذين في أبدانهم روح 30. أو لأن نجاة الخلق في باب الدين متوقف على ما جاء به، فهو كالروح الذي تثبت معها الحياة، أو لأن الدين يحيى به، وقيل: سمي روحًا على المجاز لمحبته وتقريبه، كما تقول لحبيبك: روحي 31.
وسماه أمينًا؛ لأنه مؤتمن على وحيه لأنبيائه 32. فهو مقبول القول، مصدقٌ بقوله، مؤتمن على ما يرسل به، ويؤدي من وحي، وامتثال أمر 33.
وقد كان لجبريل عليه السلام من الصفات الحميدة العظيمة من الكرم، والقوة، والقرب من الله تعالى، والمكانة والاحترام بين الملائكة، والأمانة، والحسن، والطهارة ما جعله أهلًا لأن يكون رسول الله تعالى بوحيه إلى رسله ... ، وقد بين الله تعالى لنا هذه الأوصاف في القرآن، وهي تدل على عظم القرآن وعنايته تعالى، فإنه لا يرسل من كان عظيمًا إلا بالأمور العظيمة.
قال عز وجل في صفته في الآية الأخرى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} [التكوير:19 - 21] .
فنجد في هذه الآيات أن الله تعالى وصف جبريل عليه السلام بست من صفات الكمال، أحدها: كونه رسولًا لله، وثانيها: كونه كريمًا على الله تعالى، وثالثها: كونه ذا قوة عند الله، ورابعها: كونه مكينًا عند الله، وخامسها: كونه مطاعًا في عالم السموات، وسادسها: كونه أمينًا في كل الطاعات، مبرءًا عن أنواع الخيانات ... ، وكما وصف جبريل عليه السلام هاهنا بهذه الصفات الست وصف محمدًا صلى الله عليه وسلم أيضًا بصفات، وهي قوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب:45 - 46] .
فالوصف الأول: كونه شاهدًا، والثاني: كونه مبشرًا، والثالث: كونه نذيرًا، والرابع: كونه داعيًا إلى الله تعالى بإذنه، والخامس: كونه سراجًا منيرًا.
والمقصود أن جبريل عليه السلام قوي شديد أمين كريم، لا يمكن أبدًا أن يفرط بهذا الوحي الذي نقله إلى محمد صلى الله عليه وسلم.
وهذه الصفات في مجموعها توحي بكرامة هذا القول وضخامته، وسموه كذلك وارتفاعه، كما توحي بعناية الله سبحانه بالإنسان؛ حتى إنه ليختار هذا الرسول صاحب هذه الصفة؛ ليحمل الرسالة إليه، ويبلغ الوحي إلى النبي المختار منه، وهي عناية تخجل هذا الكائن الذي لا يساوي في ملك الله شيئًا، لولا أن الله سبحانه يتفضل عليه، فيكرمه هذه الكرامة!
وكأن المعنى: هذه صفة الرسول الذي حمل القول وأداه، فأما الرسول الذي حمله إليكم فهو {صَاحِبُكُمْ} [التكوير: 22] .
عرفتموه حق المعرفة، عمرًا طويلًا، فما لكم حين جاءكم بالحق تقولون فيه ما تقولون، وتذهبون في أمره المذاهب، وهو صاحبكم الذي لا تجهلون؟! وهو الأمين على الغيب الذي يحدثكم عنه عن يقين 34.