فهرس الكتاب

الصفحة 1818 من 2431

فوصف عباد الرحمن بأنهم يرغبون في أن تقر أعينهم بالزواج والولد، كما يرغبون في أن يكونوا قدوة وإماما، كما نبه رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم البشرية عمومًا إلى ما يتحمله كل من يؤثر في سلوك الآخرين، من النتائج حين يقلدونه بخير أو شر، قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو عمر، وجرير بن عبد الله: (من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) . وقد كان سبب ورود الحديث أنه جاء قوم مجتابي النمار يبدو عليهم الفقر، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة ليتصدقوا فلم يتقدم أحد، فأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعوة، حتى قال صحابي: فجاء بوسق من تمر، ثم قلده الصحابة، فتتابعوا يجلبون مما عندهم فذكر الحديث.

الثاني: الاستعداد للتقليد: في كل مرحلة من العمر استعدادات، وطاقات محدودة لذلك لم يأمر الإسلام الأطفال بالصلاة قبل سبع سنين، ولا يمنع ذلك من ترك الطفل يقلد أبويه بحركات الصلاة قبل أن يبلغ سبع سنين، ولكن لا يؤمر بكل أذكارها. وعلى العموم يجب أن نحسب حسابا لاستعداد الطفل، وطاقاته عندما نطلب منه تقليد أحد أو الاقتداء به. ومن الظروف التي تهب الناس عموما استعدادا للتقليد، والأزمات والآلام الاجتماعية والكوارث، هناك يخرج المجتمع مهيض الجناح، فيفتقد القائد القدوة ليجد فيه أبا عطوفا، وبطلا منقذا يحاكيه الناس في كل سلوك من حياته النفسية والاجتماعية، وفي آرائه وأفكاره ومن تلك الأسباب: الشعور بالضعف أمام القوة، فالمغلوب يقلد غالبه بعد أن يستكين ويخضع لحكمه، والمرؤوس يقلد رئيسه والطفل يقلد أباه، وقد نبه ابن خلدون على هذا المبدأ في مقدمته، وذكر أدلة ووقائع تاريخية على ذلك، بيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم حذرنا من مغبة هذا التقليد إذا كان بغير هدف، وكأنه انكشف له حجب الغيب، فتوقع الضعف الذي سينزل بهذه الأمة، فقال: (لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع) .

الثالث: الهدف. لكل تقليد هدف قد يكون معروفا لدى المقلد وقد لا يكون، والهدف الحيوي «الغامض» الأول من غريزة التقليد، والانقياد لدى الأطفال، والجماعات هو غرض دفاعي، إنه الدفاع عن الكيان الفردي وكأنه انضواء في ظل الشخص القوي المرموق، يقلده شخص أضعف منه، لعله يستمد من هذا التقليد قوة وبأسا، من جنس قوة الشخص الذي حاز إعجابه فراح يحاكيه في كل شيء. فإذا ارتقى الوعي عند المقلد، عرف الهدف من التقليد، فأصبح هذا التقليد عملية فكرية، يمزج فيها بين الوعي والانتماء، والمحاكاة والاعتزاز، ويصبح لهذا بصيرة أي: معرفة بالغاية والأسلوب، وفي هذا المعنى يقول الله تبارك وتعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) } [يوسف: 108] .

إن غياب القدوة الحسنة مدعاة لظهور الفساد والانحلال والبعد عن المنهج الحق. إن القدوة ترجمة عملية واقعية للمبادئ والأفكار تستطيع أن تجمع الناس حول المثل الأعلى، ولذا حين تفتقد المثل الأعلى، ويصبح الناس فرقا وجماعات ومذاهب، فيفقدون إرادة الفعل ويغرقون في التناطح، ويتترسون خلف متاريس الفكر، كل يحاول الانتصار لفكرته بالكلام والتراشق بالاتهامات، والتعصب الأعمى القائم على التقليد الأعمى 59.

إن مجتمعاتنا تشكو من فقر خلقي وعلمي وحضاري، وما ذلك إلا نتيجة لافتقادها للقدوة الصالحة ولو صحت عزائم الناس والعلماء منهم خاصة لأصبح كل واحد منهم قدوة حسنة في مجاله- فهو يملك مقوماتها- ولتحولت الأفكار والمبادئ إلى فعاليات سلوكية صحيحة، وهذا ما نحتاجه فعلا، ولكن- وللأسف- ما زلنا نعيش مرحلة اجترار المبادئ والأفكار بدون فعالية، فنحن في أمس الحاجة إلى القدوة الصالحة بكافة أشكالها وبشروطها السابقة، ويوم أن توجد تلك القدوة نستطيع أن نمتلك الفعالية، وننتج الحضارة، ويكون لنا مكاننا العالمي عطاء وإبداعا 60.

فنحن في هذا الزمان بحاجة ماسة إلى دعاة مخلصين صادقين يغلبون هم الدين على المصالح الشخصية والأهواء. فأمثال هؤلاء الذين يوافق قولهم فعلهم طريقهم سهلة إلى قلوب الناس، وهم على اقتدار أن يحدثوا فيها التغير.

وهي تشمل:

-الأخلاق الحسنة، وهي تشمل كل أخلاق القرآن الكريم تأسيا برسول الله عليه الصلاة والسلام الذي كان خلقه القرآن، ولا يقتصر على خلق دون خلق.

-أن تكون هذه الأخلاق الحسنة مستمدة من الشرع، فربما كانت أخلاق مستحسنة عند أقوام وفيها مخالفة للشرع.

-الموافقة التامة بين الأقوال والأفعال، وإتباع القول العمل.

-التضحية وحب الآخرين.

-الإخلاص في الأقوال والأفعال.

الآثار التربوية للقدوة الصالحة على الفرد والمجتمع:

وتتمثل أهم آثار القدوة الصالحة على الفرد في الآتي 61:

1.إن القدوة الصالحة تجعل المسلم على اتصال دائم بالخالق عز وجل؛ لأنه يذكره بالطاعة والإخلاص في النية والعمل، وإذا تمكن الإخلاص من القلب أصبح الإنسان يبتغي مرضاة الله ورضوانه في كل عمل يقوم به، ويجعل الله رقيبًا عليه في حركاته وسكناته، قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ? وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16] .

2.القدوة الصالحة تربي الشخصية المسلمة القوية ذات الشكيمة والإرادة الحديدية؛ لأنها تنشئ في روح الفرد العزة والكرامة ورفض الظلم والاحتلال، فلا تلين له قناة أمام الطغاة والمتجبرين؛ لأنه يعتز بقدوته التي جاءت بكل ما تملك من أجل تحقيق معاني الخير للمجتمع، فقدمت النفس والمال والنفيس في سبيل الله.

3.تنمي القدوة الحسنة الفضائل والأخلاق الحميدة في نفوس الأفراد، ويتضح ذلك من خلال حديثنا عن صفات القدوة الحسنة حيث وجدناها تتصف بصفات أخلاقية وقيم عليا إذا تحققت في الفرد المسلم أصبح في قمة سامقة ينظر نظرة إنسانية إلى جميع القضايا التي تواجه الناس جميعًا.

4.القدوة الحسنة تشحن الأفراد بالتقوى ومعرفة الله وتعزز في نفوسهم الثقة والأمل بالمستقل المستمد من نصر الله وثوابه للمؤمنين، فينطلق المؤمن بشحنات إيمانية مستمدة من قادته وقدواته يدفعه إلى فعل الخير والبر والإحسان وبالمقابل محاربة الفساد والمنكر وكل ضارٍّ في المجتمع.

5.التربية بالقدوة تعمل عملها في تكوين الإنسان الصالح الذي يظهر عليه ملامح التقوى والخشوع والحياء، وهو المؤمن القوي الذي لا يدخل الوهن إلى قلبه، الإنسان الذي يحب لأخيه كما يحب لنفسه الحب الخالص الذي لا ينتظر جزاءً ولا شكورًا ولا يهدف إلا لكسب الحب في الله سبحانه 62.

6.الاقتداء بالقدوة الصالحة ينشئ التوازن والاعتدال في سلوك الأفراد وشعوره؛ لأن طاقته في ظل المنهج الرباني كلها تعمل وتأخذ نصيبها من الحياة بحيث يصبح قوة فاعلة في المجتمع، فهو إيجابي واجتماعي حريص على مصلحة مجتمعه 63.

7.ومن آثار القدوة الصالحة أنه يبصرك بعيوبك ويرشدك إلى الأسلوب الأمثل في التخلص منها، من خلال مقارنة أعمالك وسلوكك بما عليه قدوتك الصالح فتتأسى به وتصلح تلك العيوب.

8.ومنها أن القدوة الصالح يعلم الإنسان ويرشده إلى فعل الخيرات، فيدلك على أمور واجبة كنت غافلًا عنها أو متكاسلًا عن أدائها، ويشجعك على المشاركة في مشروعات الخير والبر والإحسان.

9.إن القدوة الصالحة سببٌ في دخول الإنسان ضمن الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون يوم القيامة، وهي ضمانٌ لاستمرار الصحبة، قال تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ(67) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَھ) [الزخرف: 67 - 68] .

وإذا كانت التربية بالقدوة لها الدور الكبير في إعداد الفرد الصالح، فإن ذلك يؤدي إلى النجاح في تكوين المجتمع الصالح؛ لأن الفرد نواة الأسرة، والأسرة هي نواة المجتمع، وبذلك نستطيع حصر هذه الآثار في الآتي 64:

وعند النظر في واقع أمتنا، وفي الآيات التي تحدثت عن الاتباع والقدوة بشقيها، نجد أن أهم عوامل غياب القدوة الحسنة يتجلى في الآتي:

إن النماذج التي عرضها القرآن للقدوة الحسنة وللقدوة السيئة كثيرة، وكان عرض الصور الحسنة منها للحث على الاقتداء بها، وفي المقابل كان عرض الصور السيئة للتحذير من الاقتداء بها والسير على طريقها، وسيتم عرض الموضوع في النقاط الآتية:

أولًا: نماذج من القدوة الحسنة في القرآن الكريم ومعالم الاقتداء بهم:

قال الله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ?120?شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ ? اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ?121?وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ? وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ?122?) [النحل: 120 - 122] .

ومعنى «كان أمة» ، أي: إمامًا في الخير يقتدى به، ويتبع عليه 65.

قال ابن قتيبة: «أي: إماما يقتدي به الناس، لأنه ومن اتبعه أمة، فسمي أمة لأنه سبب الاجتماع.

وقد يجوز أن يكون سمي أمة: لأنه اجتمع عنده من خلال الخير ما يكون مثله في أمة. ومن هذا يقال: فلان أمة وحده، أي: هو يقوم مقام أمة» 66.

والأمة من (أم) ، أصلها في جميع تصريفاتها من القصد، يقال: أممت الشيء إذا قصدته، فمعنى الأمة في القرن من الناس: الذين يقصدهم مقصدًا واحدًا، ومعنى الأمة في الدين: إنما هو الشيء الذي يقصده الخلق ويطلبونه؛ ولذلك سميت النعمة أمة، ومعنى الأمة في الرجل: الذي لا نظير له: أن قصده منفرد من قصد سائر الناس 67.

وهو متميز ومنفرد عن غيره، وقد جاز تسمية الواحد باسم الجماعة لاجتماع أخلاق الخير الذي يكون في الجماعة المفرقة فيمن سماه بـ «الأمة» ، كما يقال: «فلان أمة وحده» ، أي: أنه بمفرده يقوم مقام الأمة 68.

وقد أمر رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام بالاقتداء بإبراهيم واتباع ملته.

قال الله تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ? وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [النحل: 123] .

بل إن الدعوة للاقتداء بإبراهيم عليه السلام لم تكن لمحمد عليه السلام وحدة بل كانت للناس جميعا بما فيهم عبدة الأوثان من العرب، قال الرازي عند قوله تعالى: (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ?) [البقرة: 130] .

«فكأنه تعالى قال للعرب إن كنتم مقلدين لآبائكم على ما هو قولكم: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى? أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى? آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) [الزخرف: 23] .

ومعلوم أن أشرف آبائكم وأجلهم قدرا هو إبراهيم عليه السلام فقلدوه في ترك عبادة الأوثان وإن كنتم من المستدلين فانظروا في هذه الدلائل التي ذكرها إبراهيم عليه السلام لتعرفوا فساد عبادة الأوثان وبالجملة فاتبعوا إبراهيم إما تقليدا وإما استدلالا» 69.

ومجالات القدوة بإبراهيم عليه السلام كثيرة جدا قال الفيروزآبادي: «وقد ذكر الله سبحانه إبراهيم بالتعريض والتصريح في كتابه بخمسين اسمًا» 70.

ومن الأسماء التي أوردها مع دليلها من القرآن الكريم:

••المبتلى بقوله:(وَإِذِ ابْتَلَى? إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [البقرة: 124] .

••والإمام بقوله: قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ?) [البقرة: 124] .

••والمطهر بقوله: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [الحج: 26] .

••والحنيف والمسلم بقوله: (وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا) [آل عمران: 67] .

••والصالح بقوله: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) [البقرة: 130] .

••والحليم، والأواه، والمنيب بقوله: (. إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) [هود: 75] .

وكثير مما ذكره الفيروزآبادي يصلح للاقتداء بإبراهيم عليه السلام، أذكر منه أنه عليه الصلاة والسلام كان:

••قانتا لله.

وهي الصفة الأولى التي تلت وصفه بأنه كان أمة، قال تعالى: كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّ). وقانتًا تعني أنه عليه السلام كان مطيعا لله، أوهو القائم بأوامر الله 71.

••حنيفًا.

أي: «مائلًا إلى ملة الإسلام ميلًا لا يزول عنه، وقيل حنيفًا: مستقيمًا على دين الإسلام. وقيل: مخلصًا» 72.

••شاكرًا لأنعم الله.

قال الله تعالى: (شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ?) يعني: أنه كان شاكرا لله على نعمه العظيمة التي أنعم بها عليه، فقد اجتباه ربه، أي: اختاره لنبوته واصطفاه لخلته وهداه إلى دين الإسلام؛ لأنه الصراط المستقيم والدين القويم 73.

••أوَّاهًا.

تعددت أقوال المفسرين في معنى الأواه: فعن ابن مسعودٍ، أن: الأواه: الرحيم، وعن ابن عباسٍ، ومجاهدٍ، أنه الموقن 74.

وأخرج الطبري عن جماعة أن الأواه هو كثير الدعاء 75 وأخرج عن ابن عباس قوله: «إن إبراهيم لأواه» ، يعني: المؤمن التواب 76. وذكر الرازي أنه الخاشع المتضرع، وقال: «واعلم أن اشتقاق الأواه من قول الرجل عند شدة حزنه أوه، والسبب فيه أن عند الحزن يختنق الروح القلبي في داخل القلب ويشتد حرقه، فالإنسان يخرج ذلك النفس المحترق من القلب ليخفف بعض ما به هذا هو الأصل في اشتقاق هذا اللفظ» 77.

ولخص ابن عاشور المعنى بقوله: إن الآية ثناء على إبراهيم. ولأواه يرجع إلى الشفقة إما على النفس فتفيد الضراعة إلى الله والاستغفار، وإما على الناس فتفيد الرحمة بهم والدعاء لهم.78

••حليمًا.

قال الله تعالى: (? إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) [التوبة: 114] .

وقال الله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ?75?) [هود: 75] .

«والحليم: صاحب الحلم. والحلم- بكسر الحاء-: صفة في النفس وهي رجاحة العقل وثباتة ورصانة وتباعد عن العدوان. فهو صفة تقتضي هذه الأمور، ويجمعها عدم القسوة. ولا تنافي الانتصار للحق لكن بدون تجاوز للقدر المشروع في الشرائع أو عند ذوي العقول» 79.

ومن أوائل من اقتدى بحلمه ابنه إسماعيل عليه السلام، وأي حلم يكون أعظم من ولد حين عرض عليه أبوه الذبح (? قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ? سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) [الصافات: 102] .

ثم استسلم لذلك، فتبين أن ولده موصوف بالحلم، وأنه قائم مقامه في صفات الشرف والفضيلة 80.

وقد ذكر أهل التفسير في إتباع (لأواه) بوصف (حليم) والعكس، أي التقديم والتأخير بين اللفظين

أنه لموافقة الفواصل، أو للروي في السورتين 81.

••كريمًا.

قال تعالى: (وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ) [الحجر:51] .

وقال تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ(24 ) ) [الذاريات: 24] .

جمعت هذه الآيات آداب وكرم الضيافة التي هي من أعظم وأشرف الآداب، وقد توسع الإمام ابن القيم رحمه الله في الكلام على آداب الضيافة لإبراهيم في هذه الآيات، فذكر لإبراهيم خمس عشرة منقبة في كرم الضيافة، وتابعه ابن كثير في إيراد معظمها، وهي تدل على آداب الضيافة؛ فإنه عليه السلام جاء بطعامه من حيث لا يشعرون بسرعة، ولم يمتن عليهم أولا فقال: «نأتيكم بطعام؟» بل جاء به بسرعة وخفاء، وأتى بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل فتي سمين مشوي، فقربه إليهم، ولم يقربهم إليه، بل وضعه بين أيديهم، ولم يأمرهم أمرا يشق على سامعه بصيغة الجزم، بل قال: (ألا تأكلون) على سبيل العرض والتلطف، كما يقول القائل اليوم: إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق، فافعل 82.

••صابرًا.

لقد ابتلي إبراهيم عليه السلام ابتلاءات عظيمة فصبر وشكر.

قال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى? إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ? قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ? قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ? قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) [البقرة: 124] .

قال ابن جرير: «وكان اختبار الله تعالى ذكره إبراهيم، اختبارا بفرائض فرضها عليه، وأمر أمره به. وذلك هو «الكلمات» التي أوحاهن إليه، وكلفه العمل بهن، امتحانا منه له واختبارا» 83. وقال الحسن: «ابتلاه بذبح ولده، وبالنار، والكواكب، والشمس والقمر» 84.

وقد كان إبراهيم عليه السلام معلما للصابرين ومنارا للمقتدين، ولأجل ذلك أمر الله تعالى نبيه عليه السلام بالاقتداء به في مجال الصبر، قال تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) [الأحقاف: 35] .

••متلطفا وبارا بوالده المشرك.

قص القرآن الكريم تلطف إبراهيم مع أبيه المشرك ومحاولاته المتكررة لهدايته إلى سواء السبيل رغم قسوة قلب أبيه وغلظته، وكان يخاطبه بأسلوب فيه تحبب وشفقة ومحبة: (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ?43?) [مريم: 43] .

ومع إظهار إبراهيم الخوف على أبيه من النار إلا أنه لم يجد من أبيه إلا القسوة والغلظة، فكان جواب والده له: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ? وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ?46?قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ? سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ? إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ?47?) [مريم: 46 - 47] .

وكان إبراهيم عليه السلام يستغفر له ما دام أبوه حيًا، وكان يرجو أن يهديه الله عز وجل، فلما مات كافرًا، ترك الاستغفار له 85.

وكذا شأن المؤمن فعليه أن يقتدي بإبراهيم عليه السلام في الحرص على دعوة أهل بيته وعشيرته الأقربين، فهم أولى الناس بدعوته.

••سليم القلب.

إن صفاء القلب وسلامة السريرة من أهم المعالم في الاقتداء، وكذا كان إبراهيم عليه السلام.

قال تعالى: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ?83? ?إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ?84?) [الصافات: 83 - 84] .

الشيعة من معنى المشايعة، يعنى: وإن ممن شايع نوحا على دينه وتقواه حين جاء ربه بقلب سليم لإبراهيم 86.

وقوله بقلبٍ سليمٍ: أي خالص من الشرك والمعاصي، وعلق الدنيا المتروكة وإن كانت مباحة كالمال والبنين 87.

••محاورًا ومربيًا لأبنائه.

ساق القرآن الكريم حوار إبراهيم مع ابنه إسماعيل في أحلك الظروف، إنه يعرض عليه همه بذبحه بأسلوب فيه تلطف: (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى? فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى? ? قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ? سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) [الصافات: 102] .

أراد إبراهيم أن يشرك ولده معه في تنفيذ أمر الله تعالى، قائلا له: (فانظر ماذا ترى) «لم يشاوره ليرجع إلى رأيه وإنما شاوره ليعلم ما عنده فيما نزل به من بلاء الله تعالى وليعلم صبره على أمر الله وعزيمته على طاعته ويثبت قدمه ويصبره إن جزع ويراجع نفسه ويوطنها ويلقى البلاء وهو كالمستأنس به ويكتسب المثوبة بالانقياد لأمر الله تعالى قبل نزوله» 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت