فهرس الكتاب

الصفحة 1053 من 2431

وأما حفظ النسل: وإن لم يبد جليًّا فإننا بعد التأمل نجد أن كثيرًا من المفاسد الاجتماعية من الزنا والطلاق والتفريط في حقوق الأهل والذرية والأقارب مرده إلى الخمر وآثارها، وهو أيضًا من الإثم الكبير الذي نصت عليه الآية.

وأما حفظ المال: فإن شارب الخمر يفسد ماله في ما يضره ولا ينفعه، بل في ما فيه هلاك نفسه وبدنه فضلًا عن ذهاب ماله وعقله. ورغم أن الخمر تجلب لمن يعصرها ويبيعها ويحملها مالًا {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} إلا أن الشرع أبطل هذه المصلحة لأن ما يقابلها من المفاسد أعظم منها بكثير: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة:219] .

ولذلك أصبحت هذه المصلحة في حكم المعدومة، وذلك أن مصالح الدنيا ومفاسدها ليست مصالح ومفاسد خالصة، بل ما من مصلحة إلا تشوبها مفسدة: فإن كانت المصلحة غالبة روعيت وكانت المفسدة في حكم المعدومة كما في القصاص، وإن كانت المفسدة غالبة روعيت وكانت المصلحة في حكم المعدومة كما في الخمر، وإن تساوتا فدرأ المفاسد أولى من جلب المصالح كما تقرر ذلك عند علماء الأصول والمقاصد.

ويشهد لما سبق ما روى البيهقي عن عثمان بن عفان، رضي الله عنه قال: (اجتنبوا الخمر، فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل ممن خلا قبلكم يتعبد ويعتزل الناس، فعلقته امرأة غوية، فأرسلت إليه جاريتها فقالت: إنا ندعوك لشهادة، فدخل معها فطفقت كلما دخل بابًا أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر، فقالت: إني والله ما دعوتك لشهادة، ولكن دعوتك لتقع علي، أو تقتل هذا الغلام، أو تشرب الخمر، فسقته كأسًا، فقال: زيدوني، فلم يرم حتى وقع عليها وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر، فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبدًا إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه) 73.

فقد جمعت الخمر جميع المفاسد ولذلك كانت أم الخبائث: من عاقرها استسهل كل فاحشة ووقع في كل إثم.

لما جمعت الخمر المفاسد كلها، فقد حرم الإسلام شربها ووضع لشاربها عقوبة رادعة، وحرم كل وسيلة إليها.

أولًا: بيع الخمر:

للنصوص الصريحة الواردة في تحريم بيع الخمر، اتفق العلماء على تحريم بيعها وشرائها بل وما اتصل بذلك من عصرها ونقلها وسقايتها ونحوها.

قال الخازن: «أجمعت الأمة على تحريم بيع الخمر والانتفاع بها وتحريم ثمنها» 74.

ومن النصوص الواردة في ذلك ما روى البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنه: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول عام الفتح وهو بمكة: (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة والخنزير والأصنام) ، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: (لا، هو حرام) ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: (قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه) 75.

فقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة والخنزير والأصنام) صريح في تحريم بيع الخمر وشرائها.

وعند مسلم عن ابن عباس: (أن رجلًا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:(هل علمت أن الله قد حرمها؟) قال: لا، فسار إنسانًا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بم ساررته؟) ، فقال: أمرته ببيعها، فقال: (إن الذي حرم شربها حرم بيعها) ، قال: ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها) 76.

والحديث أيضًا نص على تحريم بيعها وشرائها، ولحقت الهدية بالبيع والشراء ولولا ذلك لقبلها النبي صلى الله عليه وسلم: ففيه دليل أيضًا على تحريم إهدائها وأخذها.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقترأهن على الناس، ثم نهى عن التجارة في الخمر) 77.

وقد وردت النصوص بتحريم حملها وسقيها وأكل ثمنها وسوى ذلك مما اتصل بها: أخرج أبو داود عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه) 78.

ورواه ابن ماجه بلفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعنت الخمر على عشرة أوجه: بعينها، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها، وشاربها، وساقيها) 79.

وقد تضمن الحديث تحريم كل فعل ساهم في نشر الخمر وقربها ممن يشربها ولو لم يباشر فاعله شربها، حتى لعن آكل ثمنها سدًّا لكل ذريعة وحيلة تفضي إلى الانتفاع بها.

ثانيًا: شرب الخمر:

وأما تحريم شرب الخمر فشيء يعلمه عموم المسلمين، وقد دلت عليه نصوص كثيرة منها قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) } [المائدة:90 - 91] .

ففي قوله سبحانه: {فَاجْتَنِبُوهُ} نص على الحرمة كما فهم ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: انتهينا. «وقد اجتمعت أنواع من التأكيد «على الحكم» في الآية منها التصدير بإنما، وقران الخمر والميسر بالأصنام إذا فسرنا الأنصاب بها، وفي الحديث (مدمن الخمر كعابد وثن) 80، والإخبار عنها بقوله: {رِجْسٌ} ، وقال تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج:30] .

ووصفه بأنه من عمل الشيطان والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت، والأمر بالاجتناب، وترجية الفلاح -وهو الفوز- باجتنابه فالخيبة في ارتكابه، وبدئ بالخمر؛ لأن سبب النزول إنما وقع بها من الفساد؛ ولأنها جماع الإثم» 81.

وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الذي حرم شربها حرم بيعها) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه) .

وورد الوعيد الشديد لمدمن الخمر:

فمن ذلك ما روى أبو داود عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل مخمر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب مسكرًا بخست صلاته أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال) ، قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: (صديد أهل النار، ومن سقاه صغيرًا لا يعرف حلاله من حرامه، كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال) 82.

وفي حديث أسماء بنت يزيد عند الإمام أحمد الخوف عليه أن يموت كافرًا، ولفظه: عن أسماء بنت يزيد، أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من شرب الخمر، لم يرض الله عنه أربعين ليلة، فإن مات، مات كافرًا، وإن تاب، تاب الله عليه، وإن عاد، كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال) قالت: قلت: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: (صديد أهل النار) .83

وفي المستدرك عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر وقاطع الرحم ومصدق بالسحر، ومن مات مدمن الخمر سقاه الله من نهر الغوطة) ، قيل: وما نهر الغوطة؟ قال: (نهر يخرج من فروج المومسات يؤذي أهل النار ريح فروجهم) 84.

ولكون هذه النصوص وغيرها صحيحة صريحة، فقد انعقد الإجماع على تحريم شرب الخمر وصار معلومًا من الدين بالضرورة، قال في البحر: «وقد أجمع المسلمون على تحريم القليل والكثير من خمر العنب التي لم تمسها نار ولا خالطها شيء، والأكثر من الأمة على أن ما أسكر كثيره فقليله حرام، والخلاف فيما لا يسكر قليله ويسكر كثيره من غير خمر العنب مذكور في كتب الفقه» 85.

ثالثًا: حد الخمر:

اتفق الفقهاء على أن من شرب الخمر متعمدًا مختارًا -سكر أم لم يسكر- وجب عليه الحد.

قال ابن رشد: «فأما الموجب فاتفقوا على أنه شرب الخمر دون إكراه قليلها وكثيرها. واختلفوا في المسكرات من غيرها، فقال أهل الحجاز: حكمها حكم الخمر في تحريمها وإيجاب الحد على من شربها قليلًا كان أو كثيرًا، أسكر أو لم يسكر. وقال أهل العراق: المحرم منها هو السكر، وهو الذي يوجب الحد» 86.

وروى مالك عن السائب بن يزيد: (أن عمر بن الخطاب، خرج عليهم فقال: إني وجدت من فلان ريح شراب. فزعم أنه شراب الطلاء 87 وأنا سائل عما شرب. فإن كان يسكر جلدته فجلده عمر الحد تامًّا) 88.

قال ابن عبد البر: «وفي هذا الحديث من الفقه وجوب الحد على من شرب مسكرًا أسكر أو لم يسكر، خمرًا كان من خمر العنب أو نبيذًا، لأنه ليس في الحديث ذكر الخمر ولا أنه كان سكران، وإنما فيه من قول عمر: أن الشراب الذي شرب منه إن كان يسكر جلده الحد، وهذا يدل على أنه كان شرابًا لا يعلم أنه الخمر المحرم قليلها وكثيرها ولو كان ذلك ما سأل عنه.

وقد أجمعوا على أن قليل الخمر من العنب فيه من الحد مثل ما في كثيرها ولا يراعى السكر فيها وإنما اختلفوا في ما سواها من الأنبذة المسكرة» 89.

ومع الحد يحكم بفسق الشارب أيضًا، قال في بداية المجتهد: «وأما الواجب فهو الحد والتفسيق إلا أن تكون التوبة، والتفسيق في شارب الخمر باتفاق وإن لم يبلغ حد السكر، وفيمن بلغ حد السكر فيما سوى الخمر. واختلف الذين رأوا تحريم قليل الأنبذة في وجوب الحد، وأكثر هؤلاء على وجوبه» 90.

ومبنى هذه المسألة على تعيين الخمر ما هي؟ هل هي ما كان من العنب خاصة ويقاس عليها بعلة الإسكار كل مسكر، فلا يكون للقليل غير المسكر حكم الكثير، أم هي حقيقة في كل مسكر، فيكون حينئذ للقليل حكم الكثير كما تقدم.

وقد ثبت حد الخمر بالسنة، وكان الخلفاء الراشدون الأربعة يفعلونه بحضور الصحابة وجمهور الناس فلم ينكر عليهم أحد، بل تشاوروا حتى في تغليظه حين استهتر الناس به، وكان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر أربعين جلدة فجعلوها بعد مشاورة ثمانين قياسًا على حد القذف: روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم (ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين) 91.

وعن السائب بن يزيد، قال: (كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإمرة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين) 92.

ففي هذين الخبرين أن الحد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر أربعين، وشاور عمر الصحابة رضوان الله عليهم فأشاروا عليه بأن يزيدها، كما روى مسلم عن أنس بن مالك: (أن نبي الله صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر بالجريد، والنعال) ، ثم جلد أبو بكر أربعين، فلما كان عمر، ودنا الناس من الريف والقرى، قال: (ما ترون في جلد الخمر؟) فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود، قال: (فجلد عمر ثمانين) » 93.

وهذا الذي فعله عمر أمضاه علي بحضرة عثمان وابنه الحسن وابن أخيه عبد الله بن جعفر رضي الله عنهم ثم قال: (جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي) 94.

ولذلك قال الجمهور بأن الحد في الخمر ثمانون جلدة، قال ابن رشد: «اختلفوا في مقدار الحد الواجب، فقال الجمهور: الحد في ذلك ثمانون، وقال الشافعي، وأبو ثور، وداود: الحد في ذلك أربعون.

فعمدة الجمهور تشاور عمر والصحابة لما كثر في زمانه شرب الخمر، وإشارة علي عليه بأن يجعل الحد ثمانين قياسًا على حد الفرية؛ فإنه كما قيل عنه رضي الله عنه: «إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى» .

وعمدة الفريق الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحد في ذلك حدًّا، وإنما كان يضرب فيها بين يديه بالنعال ضربًا غير محدود 95.

وأن أبا بكر رضي الله عنه شاور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم «كم بلغ ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لشراب الخمر؟ فقدروه بأربعين» 96.

وروي عن أبي سعيد الخدري (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر بنعلين أربعين) ، فجعل عمر مكان كل نعل سوطًا 97.

وروي من طريق آخر عن أبي سعيد الخدري ما هو أثبت من هذا، وهو (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر أربعين) 98.

وروي هذا عن علي عن النبي عليه الصلاة والسلام من طريق أثبت 99، وبه قال الشافعي» 100.

ويرى القرطبي أنه لا زيادة على الثمانين لاتفاق الصحابة رضوان الله عليهم عليها، إلا أن يقع الاستهتار بحدود الله فيجوز عند ذلك التشديد والزيادة في العقوبة، قال: «نص الله تعالى على عدد الجلد في الزنى والقذف، وثبت التوقيف في الخمر على ثمانين من فعل عمر في جميع الصحابة ... فلا يجوز أن يتعدى الحد في ذلك كله. قال ابن العربي 101: وهذا ما لم يتتابع الناس في الشر، ولا احلولت لهم المعاصي، حتى يتخذوها ضراوة، ويعطف الناس عليهم بالهوادة، فلا يتناهوا عن منكر فعلوه؛ فحينئذ تتعين الشدة، ويزيد الحد؛ لأجل زيادة الذنب.

وقد أتي عمر بسكران في رمضان، فضربه مائة: ثمانين حد الخمر، وعشرين لهتك حرمة الشهر؛ فهكذا يجب أن تتركب العقوبات على تغليظ الجنايات، وهتك الحرمات.

وقد لعب رجل بصبي، فضربه الوالي ثلاثمائة سوط، فلم يغير ذلك مالك حين بلغه، فكيف لو رأى زماننا هذا بهتك الحرمات والاستهتار بالمعاصي، والتظاهر بالمناكر، وبيع الحدود، واستيفاء العبيد لها في منصب القضاة؛ لمات كمدًا، ولم يجالس أحدًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

قلت: ولهذا المعنى -والله أعلم- زيد في حد الخمر حتى انتهى إلى ثمانين» 102.

نص القرآن الكريم على أن في الجنة أنهارًا جارية من ماء ولبن وخمر وعسل: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15) } [محمد:15] .

«أي: مثل الجنة التي أعدها الله لعباده، الذين اتقوا سخطه، واتبعوا رضوانه، أي: نعتها وصفتها الجميلة. {فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} أي: غير متغير، لا بوخم ولا بريح منتنة، ولا بمرارة، ولا بكدورة، بل هو أعذب المياه وأصفاها، وأطيبها ريحًا، وألذها شربًا. {وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} بحموضة ولا غيرها، {وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ} أي: يلتذ به شاربه لذة عظيمة، لا كخمر الدنيا الذي يكره مذاقه ويصدع الرأس، ويغول العقل. {وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى} من شمعه، وسائر أوساخه. {وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} من نخيل، وعنب، وتفاح، ورمان، وأترج، وتين، وغير ذلك مما لا نظير له في الدنيا، فهذا المحبوب المطلوب قد حصل لهم. ثم قال: {وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ} يزول بها عنهم المرهوب، فأي هؤلاء خير أم من هو خالد في النار التي اشتد حرها، وتضاعف عذابها، {وَسُقُوا} فيها {مَاءً حَمِيمًا} أي: حارًّا جدًّا، {فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} فسبحان من فاوت بين الدارين والجزاءين، والعاملين والعملين» 103.

وكون خمر الجنة جارية في أنهار يدل على كثرتها ووفرتها، واطمئنان المنعّم بها إلى عدم زوالها وانقطاعها، كما قيل في الفاكهة: {وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) } [الواقعة:32 - 33] .

وقد وصفت هذه الخمر مع كثرتها ووفرتها بأنها «لذة للشاربين» ، وتكرر هذا الوصف مع أوصاف أخرى في قوله تعالى: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47) } [الصافات:45 - 47] .

ومعنى «لذّةٍ» : لذيذة، يقال: شراب لذاذ: إذا كان طيّبًا. أو ذات لذّة 104. ومن تمام لذتها أنها تمزج بالكافور وتختم بالمسك.

قال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) } [الإنسان:5 - 6] : «أي: تمزج الخمر بالكافور وقيل: المعنى أنه كافور في طيب رائحته كما تمدح طعامًا فتقول: هذا مسك» 105.

وقال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) } [المطففين:22 - 28] .

و «الرحيق: الخمر الصافية، والمختوم فسره الله بأن ختامه مسك» 106.

وقوله سبحانه {مَخْتُومٍ} : «يحتمل أن يختم على كؤوسه التي يشرب بها تهممًا وتنظيفًا، والأظهر أنه مختوم شرابه بالرائحة المسكية حسبما فسر قوله تعالى: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} ، واختلف المتأولون في قوله: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} فقال علقمة وابن مسعود معناه: خلطه ومزاجه، وقال ابن عباس والحسن وابن جبير معناه: خاتمته أن يجد الرائحة عند خاتمته الشرب رائحة المسك، وقال أبو علي: المراد لذاذة المقطع وذكاء الرائحة مع طيب الطعم، وكذلك قوله: {كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا} ، وقوله تعالى: {زَنْجَبِيلًا} أي: يحذي اللسان، وقد قال ابن مقبل:

مما يفتق في الحانوت ناطقها

بالفلفل الجوز والرمان مختوم

قال مجاهد معناه: طينه الذي يختم به مسك بدل الطين الذي في الدنيا، وهذا إنما يكون في الكؤوس؛ لأن خمر الآخرة ليست في دنان إنما هي في أنهار» 107.

وفي بعض التفسيرات أن {كَافُورًا} اسم عين تمزج بها الكأس من الخمر لمن سمتهم الآية « {عِبَادُ اللَّهِ} : وصفهم بالعبودية، وفيه معنى التشريف والاختصاص، كقوله: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان:63] .

{يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} أي: يفجرونها حيث شاؤوا من منازلهم تفجيرًا سهلًا لا يصعب عليهم، وفي الأثر أن في قصر النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة عينًا تفجر إلى قصور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمؤمنين» 108، روي أن «معهم قضبان ذهب يفجرون بها تتبع قضبانهم» 109.

وعلى كونها تجري في أنهار، فإن «عباد الله» المنسوبين إليه تشريفًا يفجرونها حيث شاؤوا تفجيرًا، ويطاف عليهم بها في آنية كما نصت على ذلك الآية السابقة: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ} : أي «يدار عليهم وهم في مجالسهم. والكأس (بهمزة بعد الكاف) : إناء الخمر، مؤنث، وهي إناء بلا عروة ولا أنبوب واسعة الفم، أي: محل الصب منها، تكون من فضة ومن ذهب ومن خزف ومن زجاج، وتسمى قدحًا وهو مذكر. وجمع كأس: كاسات وكؤوس وأكؤس. وكانت خاصة بسقي الخمر حتى كانت الكأس من أسماء الخمر تسمية باسم المحل، وقد قيل: لا يسمى ذلك الإناء كأسًا إلا إذا كانت فيه الخمر وإلا فهو قدح.

والمعني بها في الآية الخمر؛ لأنه أفرد الكأس مع أن المطوف عليهم كثيرون، ولأنها وصفت بأنها من معين» 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت