قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 43] .
فبين تعالى أن التوراة هدى ونورٌ، وشرعةٌ ومنهاجٌ، وأنها بصائر للحق، وميزانٌ له، حكم بها الأنبياء، وقضى بها الربانيون والأحبار، وامتثل لها الصالحون، فهي بصائر بما اشتملت عليه من حجج وبينات، بصائر بما حوته من حكمٍ وأحكام، بصائر بما اشتملت عليه من مواعظ ورقائق، وقصص وأمثالٍ، وبشارات ونبوءات، بصائر بما حوته من علوم ومعارف تضيء الطريق وترشد إلى سبل الهدى.
وقال جل وعلا: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) } [الأنعام: 154] .
فمن مقاصد التوراة، نزولها تماما وتفصيلا، وهدى ورحمة، فهي منهاجٌ تامٌ، وشريعةٌ كاملةٌ، وهدايةٌ جامعةٌ، ورحمةٌ عامةٌ، آتاها الله موسى جزاءً لإحسانه في الطاعة والعبادة وتبليغ الرسالة، ومثوبةً لمن أحسن من قومه؛ فهي من تمام الامتنان على أهل الإحسان، من الأنبياء والصالحين أي: أتممنا فضلنا عليهم بالكتاب.
قال الطبري بعد سرده لأقوال السلف: «وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: معناه: ثم آتينا موسى الكتاب تمامًا لنعمنا عنده، على الذي أحسن موسى في قيامه بأمرنا ونهينا؛ لأن ذلك أظهر معانيه في الكلام، وأن إيتاء موسى كتابه نعمةٌ من الله عليه ومنة عظيمة. فأخبر جل ثناؤه أنه أنعم بذلك عليه لما سلف له من صالح عمل وحسن طاعة 22.
ومن مقاصد نزولها كما في الآية: دعوتهم للإيمان باليوم الآخر وترسيخه في قلوبهم {لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} فآتاه الله التوراة هدايةً ورحمةً وتماما وتفصيلا ووفاءً لجميع ما يحتاج إليه في شريعته، كما قال: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) } [الأعراف: 145] .
وقوله تعالى: {وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ} : «عامٌ في بابه، أي: مفصلًا لكل شيءٍ من أحكام الشريعة كالعبادات والمعاملات» 23.
{لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} فالتوراة جامعةٌ للأحكام الشرعية والعقدية.
وبين تعالى من مقاصد التوراة: التفرقة بين الحق والضلال، قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) } [الأنبياء: 48] .
فالتوراة هي الفرقان، لأنها منهاجٌ للتفرقة بين الهدى والضلال، وهي ضياء وذكرى للمتقين الذين ينتفعون بهديها، ويستنيرون بضيائها.
ومن مقاصدها: إمامة الناس للهدى والخير.
قال تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً} [هود: 17] .
فالتوراة شاهدٌ وبرهانٌ وسائقٌ ودليل إلى الإيمان بالقرآن، أنزله الذي أنزل التوراة على موسى إماما للمتقين ومنارة للسائرين ورحمة للمؤمنين.
قال ابن عاشور: «وعبر عن التوراة بـ (كتاب موسى) بطريق الإضافة دون الاسم العلم وهو التوراة لما تؤذن به الإضافة إلى اسم موسى من التذكير بأنه كتاب أنزل على بشر كما أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم تلميحا إلى مثار نتيجة قياس القرآن على كتاب موسى بالمشابهة في جميع الأحوال.» 24.
وتقديم (إماما) على (رحمة) ؛ لأن الإمامة بمثابة الوسيلة أو الطريقة إلى الشيء، والرحمة بمثابة الغاية والثمرة، والغاية تقدم على الوسيلة، فالتوراة تقود إلى الرحمة، اقتدى بها الأنبياء والصالحون من بني إسرائيل فنالوا الرحمات.
مضمونها:
جاءت التوراة بالمواعظ والأحكام المفصلة، فهي في عمومها هدى ورحمة وبصائر.
قال جل وعلا {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43) } [القصص: 43] .
وقال سبحانه في سورة المائدة: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) } [المائدة: 44] .
فاشتملت التوراة على الهداية والبيان، والنور والرحمة، والبصائر والمواعظ. وقد بين القرآن بيانا مفصلا بعضا مما ورد في التوراة من عقائد وأحكام، وقصص وأمثال، وبشارات.
1.العقيدة.
ومن ذلك بيان التوحيد.
قال تعالى: (ٹ ٹ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا) [الإسراء: 2] .
فمن مقاصد ومعاني التوراة الأمر بالتوحيد، قال الشنقيطي رحمه الله: «فجعل التوراة هدى لبني إسرائيل مفسر بنهيهم عن اتخاذ وكيل من دون الله؛ لأن الإخلاص كله في عبادته هو ثمرة الكتب المنزلة على الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه.» 25.
وقوله تعالى: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى? ?36?وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى? ?37?أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى? ?38?وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى? ?39?وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى? ?40?ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى? ?41?وَأَنَّ إِلَى? رَبِّكَ الْمُنْتَهَى? ?42?وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى? ?43?وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ?44?وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى? ?45?مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى? ?46?وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى? ?47?وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى? وَأَقْنَى? ?48?وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى? ?49?) [النجم: 36 - 49] .
فقد اشتملت صحف موسى وهي التوراة على أصول الإيمان: الإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر، فضلًا عن الإيمان بالرسل والكتب والملائكة والقدر.
ومن ذلك وعده تعالى لعباده المؤمنين بالجنة.
قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى? مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ? يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ? وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ? وَمَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ? فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ? وَذَ?لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ?111?) [التوبة: 111] .
2.الأحكام.
إذ جميع الكتب المنزلة متفقة في أصول التشريع كالصلاة والصيام والزكاة، وإن اختلفت في فروعها وجاءت شريعة القرآن مسك الختام وغاية التمام.
تأمل قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى? ?14?وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى? ?15?بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ?16?وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى? ?17?إِنَّ هَ?ذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى? ?18?صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? ?19?) [الأعلى: 14 - 19] .
ففيها بيان اشتمال صحف إبراهيم وكذلك صحف موسى أي: التوراة على الترغيب في الزكاة والصلاة والتحذير من الافتتان بالدنيا وإيثارها على الآخرة.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: (مِنْ أَجْلِ ذَ?لِكَ كَتَبْنَا عَلَى? بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ? وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَ?لِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ?32?) [المائدة: 32] .
(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ? فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ? وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ?45) [المائدة: 44 - 45] .
فكشف الله تعالى لنا عن شيءٍ مما تضمنته التوراة، في جانب الأحكام الشرعية العادلة التي نزلت لحماية الإنسان وحفظ دينه، وروحه، وعقله، وبدنه، وماله، وعرضه.
3.البشارات.
مما تضمنته التوراة كما بين القرآن البشارة بخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ? فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ?157?) [الأعراف: 157] .
فلقد جاءت أوصاف نبينا صلى الله عليه وسلم مكتوبةً في التوراة والإنجيل وعلى إثرها وفي ضوئها آمن من آمن من علماء أهل الكتاب، وكان اليهود والنصارى يترقبون مجيء هذا النبي الأمي الذي يبعث بالرحمة ويرفع الله به الحرج ويضع عنهم الآصار التي أرهقتهم، ويحط الأغلال التي أثقلتهم، وكانوا يتواصون ويتعاهدون على نصرته ومؤازرته، فلما بعث آمن منهم من تجرد للحق وأخلص له، وأعرض من خاب وخسر.
4.ضرب الأمثال.
جاءت الكتب الثلاثة بالأمثال التي تقرب المعاني إلى الأذهان وترسخها في النفوس، وتصورها في صورٍ حية، قال تعالى: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ? وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ? تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ? سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ? ذَ?لِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ? وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى? عَلَى? سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ? وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الفتح: 29] .
فلم يقتصر الحديث في التوراة والإنجيل عن أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم، بل ورد الحديث كذلك عن أوصاف أصحابه ومناقبهم، كما أشارت الآية الكريمة، أن الله تعالى ضرب لنبيه صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم أروع الأمثلة في التوراة والإنجيل، حيث بدأت دعوة الإسلام غريبةً، ولم تلبث أن قوي عودها وانتشر عبيرها وأورقت شجرتها وأينعت ثمارها بجهود الصحابة ومساعيهم.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى? مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ? يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ? وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ? وَمَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ? فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ? وَذَ?لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ?111?) [التوبة: 111] .
وعد الله تعالى في كتبه الثلاث المجاهدين الصادقين الذين نالوا شرف الجهاد والاستشهاد بأن لهم الجنة.
أنزل الله الزبور على نبيه داود عليه السلام فكان من أعظم النعم وأجلها؛ إذ اشتمل على معانٍ سامية وأحكام راشدة ومواعظ وبشارات، وقد تحدث القرآن عنه في عدة مواضع بما عرفه لنا، وكشف لنا عن شيء مما ورد فيه.
وأصل كلمة الزبور: في اللغة العربية: من (ز ب ر) ، والزبر: الكتابة في الحجر، وقيل: الزبر أي: الزجر، لأن الزبور والزبر: الكتب التي اشتملت على زواجر، أي: مواعظ تزجر عن الباطل، وقيل: هو من الفخامة والعظمة، ومنه زبر الحديد، أي: قطعه الكبيرة، وقيل: من الإتقان؛ لأنه كتابٌ محكمٌ 26.
وقد وردت بعض مشتقات هذه المادة في القرآن الكريم: فجاءت بمعنى: القطعة من الشيء. قال تعالى: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ? حَتَّى? إِذَا سَاوَى? بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ? حَتَّى? إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) [الكهف: 96] .
وزبر الحديد أي: قطعه الكبيرة. وجاءت بمعنى: التقطع والتفرق.
قال تعالى في سورة المؤمنون: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ? كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ(53 ) ) ، أي: تفرقوا إلى فرقٍ وأحزابٍ شتى. وجاءت بمعنى: الكتب والمواعظ والزواجر التي نزلت على الأنبياء 27.
قال تعالى: (وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ(25 ) ) .
فالبينات هي: الحجج والمعجزات، والزبر هي: المواعظ والزواجر، والكتاب المنير: اسم جنس «يشمل جميع الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه لهداية الناس وإرشادهم 28.
وقال تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ(192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى? قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) [الشعراء: 192 - 197] .
والزبر: الكتب لأنها زبرت أي: رقمت، ومنه قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) : أي: في كتب المتقدمين من الأنبياء، لأنها بشرت به، أو لأنه تضمن ما ورد فيها، وجاء مصدقًا بها.
وجاء الزبر: بمعنى اللوح المحفوظ أو كتاب الأعمال: قال تعالى: (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ?52?وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ?53?) [القمر: 52 - 53] .
قال الطبري: «يعني في الكتب التي كتبتها الحفظة عليهم وقد يحتمل أن يكون مرادًا به في أم الكتاب» 29.
وفي عدة مواضع تحدث القرآن عن الزبور: الكتاب الذي أنزله الله تعالى على داود عليه السلام.
قال تعالى: (? إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى? نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ? وَأَوْحَيْنَا إِلَى? إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى? وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ? وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا(163 ) ) [النساء: 163] .
أوحى الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم كما أوحى لمن قبله من الأنبياء، والزبور وحيٌ من الله تعالى ومنةٌ على نبيه داود عليه السلام، والذي يؤمن بالزبور يلزمه الإيمان بالقرآن لأن مصدرهما واحدٌ، فحريٌ بأهل الكتاب الذين يؤمنون بالزبور أن يؤمنوا بالقرآن ختام الكتب وآخر الرسالات، والذي جاء مصدقا بما قبله.
وقال سبحانه: (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى? بَعْضٍ ? وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) [الإسراء: 55] .
فقد فضل الله داود عليه السلام بهذا الكتاب العظيم، وفي تكرار هذه العبارة في سورتين تقريرٌ لها، وتذكيرٌ بها، وبيانٌ لفضل داود عليه السلام، ودليلٌ على التفاضل بين الأنبياء، وبرهانٌ على وحي الله لأنبيائه، والزبور الموجود بين يدي أهل الكتاب المسمى عندهم بمزمور داود يشهد للنبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأمته، وهذا ردٌ على أهل الكتاب الذين ينكرون نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، ببيان أن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، كما تفضل الله على النبيين من قبل عامةً وعلى نبيه داود عليه السلام خاصةً.
مقاصد الزبور:
أنزل الله الزبور على داود عليه السلام كما أنزل سائر الكتب على الأنبياء هداية وتذكرة وبيانا وبشارةً، وحجةً على الخلق.
قال الله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى? نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ? وَأَوْحَيْنَا إِلَى? إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى? وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ? وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) [النساء: 163] .
ويفهم من سياق هذه الآية أيضًا أن نزول الزبور نعمة وفضيلة لنبي الله داود عليه السلام.
والبشارة في الزبور كما أخبر القرآن.
قال جل وعلا: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ?105?إِنَّ فِي هَ?ذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ?106?وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ?107?) [الأنبياء: 105 - 107] .
وهنا يكشف لنا المولى جل وعلا قبسا مما جاء في الزبور، حيث اشتمل على هذه البشارة العظيمة بالتمكين لعباد الله الصالحين، الذين يرثون الأرض وينشرون الرحمة في أرجائها.
والذكر: هو اللوح المحفوظ، وفيه أقدار الله وسننه، أو التوراة وفيها بشاراتٌ عديدةٌ لأمة الإسلام، وفي التنويه على وجود هذه البشارة في اللوح أو في التوراة تقريرٌ لها وتفخيمٌ لشأنها، والمتأمل في ما يدعى عند أهل الكتاب بمزامير داود يدرك هذه المعجزة القرآنية! وقد جاء في المزمور السابع والثلاثين من المزامير المنسوبة لداود عليه السلام ما نصه: «والذين ينتظرون الرب هم يرثون الأرض، 10 بعد قليل ٍلا يكون الشرير، تطلع في مكانه فلا يكون، 11 أما الودعاء فيرثون الأرض، ويتلذذون في كثرة السلامة.
وتعقيب هذه البشارة بقوله تعالى: (إِنَّ فِي هَ?ذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ) . لفتةٌ بليغةٌ كي نقف خاشعين أمام إعجازٍ قرآني وبلاغٍ ربانيٍ.
ثالثًا: الإنجيل:
تحدث القرآن عن الإنجيل بما كشف لنا عن نزوله ومقاصده وفضائله، وما ورد فيه من أحكام وبشارات، فالإنجيل كلام الله تعالى الذي نزله على نبيه عيسى عليه السلام هداية وتذكرة لبني إسرائيل وامتدادا للتوراة وتصديقا بها ونسخا لبعض ما ورد فيها.
وأما تعريفه: فالإنجيل: علمٌ على الكتاب الذي أنزله الله على عيسى عليه السلام 30.
أوصافه ونزوله وفضائله ومقاصده:
وصفه الله تعالى بأنه هدى ونورٌ، هدى للناس، ونورٌ يضيء لهم الدروب، وبين تعالى أنه مصدقٌ لما بين يديه من التوراة، فنزوله دليلٌ على صدقها، وامتدادٌ لها، ونسخٌ لبعض ما ورد فيها من أحكام، كذا كل نبيٍ وكل كتابٍ يصدق بما قبله.
قال تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ?2?نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ?3?مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ? إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ? وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ?4?) [آل عمران: 2 - 4] .
فالتوراة والإنجيل كلاهما نزل من عند الله هدايةً للناس، وكذلك الفرقان.
وبينما صرح القرآن وأكد نزول الإنجيل من عند الله تعالى؛ لم أعثر في الأناجيل الأربعة على عبارةٍ واحدةٍ تصرح بنزولها من عند الله! فمن فضائل عيسى عليه السلام ومناقبه الجليلة أن أنزل الله عليه الإنجيل هدى وموعظة وحياة للقلوب.
قال تعالى: (وَقَفَّيْنَا عَلَى? آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ? وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ?46?) [المائدة: 46] .
وهذه الآية تصرح بأن الإنجيل وحي من الله تعالى أكرم به عيسى عليه السلام، وكذلك قوله تعالى: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى? آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ) [الحديد: 27] .
فالإنجيل من أشرف الكتب التي أنزلها الله تعالى بدليل حديث القرآن عنه في مواضع كثيرة، واقتران ذكره بأوصاف جليلة ومقاصد عظيمة، فهو هدايةٌ ونورٌ، وموعظةٌ وذكرى، وقد ورد ذكره في اثني عشر موضعا من كتاب الله تعالى، وفي هذا أعظم دليلٍ على مزيته، سيما إذا قارنا ذلك بعدد ورود الإنجيل في الأناجيل الأربعة، حيث لم ترد كلمة الإنجيل إلا في سبعة مواضع: مرة في إنجيل متى، والباقي في إنجيل مرقص، بينما لم ترد في إنجيل يوحنا، ولا لوقا، ومع ذلك لم يقترن ذكره بالحديث عن مصدره أو فضائله أو مقاصد نزوله، أو الدعوة إلى تحكيمه، أو انتظامه في سلك ما سبقه من كتبٍ.
والإنجيل نعمةٌ عظيمةٌ أنعم الله تعالى به على عيسى عليه السلام ومن آمن به قال تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى? وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ? وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) [المائدة: 110] .
فالإنجيل نعمةٌ ومنحةٌ جليلةٌ من الله تعالى، وقال سبحانه: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى? آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ) [الحديد: 27] .
وفي ذكر الإنجيل خاصةً في هذا السياق؛ تنويهٌ بشرفه وتذكيرٌ بعظمته، وبيان كونه حلقةً في سلسلة الكتب التي أنزلها الله على رسله لهداية الإنسانية. نزل الإنجيل هدايةً للحائرين ونورًا للسائرين.
قال تعالى: (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) [المائدة: 46] .
فالإنجيل هدى ونورٌ، ومصدقٌ لما بين يديه من التوراة، وموعظةٌ للمتقين، وتكرار وصفه بالهدى، لتقرير هذا المعنى، ولبيان كونه هدايةً عامةً لبني إسرائيل، هداية بيانٍ وإرشادٍ، فوق أنه هدايةٌ خاصةٌ لمن انتفع به من المتقين، كذلك قال أولا: (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ) أي: اشتمل على الهداية والنور، ثم وصفه ثانيةً، بأنه كله هدى (ٹ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) لأنهم وحدهم هم الذين ينتفعون بهديه ويعتبرون بمواعظه.
قال الرازي: معنى: «أن الإنجيل هدًى أنه اشتمل على الدلائل الدالة على التوحيد والتنزيه، وبراءة الله تعالى عن الصاحبة والولد والمثل والضد، وعلى النبوة وعلى المعاد، فهذا هو المراد بكونه هدًى، وأما كونه نورًا: فالمراد به كونه بيانًا للأحكام الشرعية ولتفاصيل التكاليف، وأما كونه مصدقًا لما بين يديه: فيمكن حمله على كونه مبشرًا بمبعث محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وبمقدمه، وأما كونه هدًى مرةً أخرى: فلأن اشتماله على البشارة بمجيء محمدٍ صلى الله عليه وسلم سببٌ لاهتداء الناس إلى نبوته» 31.
وقال ابن كثير: «أي: هدًى إلى الحق ونورٌ يستضاء به في إزالة الشبهات، وحل المشكلات» 32.
اشتماله على جملةٍ من الأحكام:
قال تعالى: (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ?46?وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ? وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ?47?) [المائدة: 46 - 47] .
فقد أنزل الله الإنجيل مشتملا على جملة من الأحكام أوجبها على أهل الإنجيل.
تصديقه للتوراة ونسخه لبعض ما جاء فيها:
قال تعالى في قصة عيسى عليه السلام مع قومه: (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ? وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ?50?) [آل عمران: 50] .
فأمر أتباع عيسى بالعمل بالتوراة باستثناء ما نسخ منها، تخفيفا وتيسيرا عليهم، فكم حرم الله على اليهود من طيباتٍ بظلمهم وعنادهم وتعنتهم وقسوة قلوبهم.
قال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا(160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ? وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [النساء: 160 - 161] .
وقال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ? وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ? ذَ?لِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ ? وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ?) [الأنعام: 146] .
قال ابن كثير: «والمشهور من قول العلماء أن الإنجيل نسخ بعض أحكام التوراة 33.
بشارته بخاتم الرسل وآخر الكتب:
كما جاء الإنجيل مصدقا بالتوراة التي سبقته فقد جاء مبشرا بخاتم النبيين والمرسلين الذي سيأتي بعده.
قال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ? فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ?157?) [الأعراف: 157] .
فبينت الآية كيف جاءت التوراة وكذا الإنجيل بالبشارات الصريحة الجلية الدالة على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباعه. فلقد بشرت التوراة والإنجيل بهذا النبي الأمي، وبينت أوصافه وأحواله ومناقبه صلى الله عليه وسلم، وأنه جاء لهم بالرحمة والتيسير، والخير والصلاح، ودعت إلى الإيمان به واتباعه، ومؤازرته ومناصرته، فذلك هو سبيل الفلاح.
رابعًا: القرآن:
حوى القرآن الكريم لب الكتب المنزلة، وأوعى معانيها، ونزل موائمًا لها، متممًا لمقاصدها، وانفرد بأحكامٍ ومعانٍ زيادةً على ما ورد فيها مع كونه من جنسها؛ لأنه رسالةٌ عامةٌ ودعوةٌ عالميةٌ باقيةٌ إلى يوم الدين، ومن ثم فمن وجوه هيمنته: استيعابه لما سبقه من الكتب بما يغني عنها، في حين أنها لا تغني عنه. وجاء القرآن الكريم ناسخا لما سبقه من كتب انتهى العمل بما تبقى فيها من أحكام بنزول القرآن الذي ليس بعده كتابٌ، وقد اتفق القرآن مع الكتب التي نزلت قبله في الأصول.
قال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: 48] .
ووقع الاختلاف في بعض الفروع، مراعاةً لاختلاف الزمان والمكان، ومراعاةً لعالمية دعوة القرآن وشمولها وقيامها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
قال تعالى: (. تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى? عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) [الفرقان: 1] .
كما جاء القرآن ناسخا لما قبله من الكتب؛ فهو الحجة وهو المنهاج الذي يجب على البشرية أن تحتكم إليه، وتقتفي أثره، قال تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَ?ذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ?ٹ) [الأنعام: 19] .