ثم يتكرر الأمر بالقراءة فهي مفتاح العلوم وطريق المعرفة وسبيل الهداية {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} كما تكرر ذكر الربّ جل وعلا مرتين: مرةً في معرض الامتنان على الإنسان بنعمة الوجود، ومرةً في بيان نعمةٍ من أجل النعم، وهي نعمة العلم، غذاء الأرواح، وقوت القلوب، وروح الأمم والشّعوب.
ومن هذه الآيات نخلص إلى ما يلي:
عناية القرآن بالإنسان، فالإنسان هو محور هذا الكتاب العظيم.
أول ما نزل من القرآن دار حول بيان نعمة الله على الإنسان.
أول أمر للإنسان أن يقرأ ويتعلم فالقراءة طريقه للعلم، والعلم سبيل الهداية والرقي.
تكرر الأمر بالقراءة؛ لأهميتها ومزيتها فهي مفتاح العلوم وباب المعارف.
التعبير بصفة الربوبية لبيان عناية الخالق بالإنسان فهو تعالى الذي خلقه ورزقه وعلمه.
كرّم الله الإنسان بالعلم، فينبغي أن يحسن الانتفاع به فهو سبيل النجاة وطريق الفلاح في الدارين.
من دلائل تكريم الله تعالى للإنسان ومن تمام إنعامه عليه: أن جعل الكون كلَّه مسخَّرًا لمنفعته؛ السماء والأرض، والشمس والقمر والنجوم، والليل والنهار، والماء واليابس، والبحار والأنهار، والنبات والحيوان والجماد، كلّها مسخّرةٌ لمصلحة الإنسان، تكريمًا له وتفضّلًا عليه.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحج: 65] .
وفي سورة لقمان: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [لقمان: 20] .
وفي سورة الجاثية: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 12 - 13] .
فالإنسان مع ضعفه وضآلة حجمه: سخّرت له هذه المخلوقات، وتلك العوالم مع عظمها وقوتها وامتدادها إلا أن الله عز وجل طوّعها له وهيّأها لخدمته وانتفاعه رحمةً منه ولطفًا.
لقد سلك بنا القرآن مسلكًا لطيفًا، فأرانا من هذا الكون مشاهد متعددة متنوعة، أوقفنا على عظمة خلقها وتكوينها وعلى نظامها ودقتها وانتقل بنا منها إلى خالقها ومنظمها ومدبّرها وآيات القرآن الكريم تجلّي لنا هذا الكون المشهود، وتبرز روائعه وتصف بدائعه، وتحكي اتساقه وتكشف حقائقه وتبرهن على عظمة خالقه، وعن شمول وعمق تلك النظرة القرآنية يقول د. المبارك رحمه الله: «إن هذه النظرة إلى الكون كما جاء بها القرآن تحتوي على نظرة الماديين إلى الكون، من حيث استخراج السنن والقوانين وارتباط الحوادث بعضها ببعض بروابط مطردة دائمة، ولكنها تزيد عليها، فالماديون يقفون هنا عند هذه المرحلة، والمؤمن بالله يتجاوزها إلى الإيمان بقوة أوجدتها من العدم وبعثت الحياة في أحيائها وقدرت لها نظمها ورسمت لها طريقها {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] .
أما المادي فلا يفكر في البداية ولا في النهاية، بل يبحث فيما بينهما ويشاركه المؤمن على طريقة القرآن في الإيمان بالله وفي نظرته فيما بينهما، ولكنه يتجاوز هذه النظرة ويصعد من الكون إلى خالقه، إن الماديّ ضيق الأفق محدوده، والمؤمن واسع الأفق، لا يقف عند حدوده، والمادي ينظر للكون نظرة جافة جامدة، والمؤمن ينظر إليه من خلال نظرته إلى عظمة الله ورحمته وفضله، فيتصل بالكون والطبيعة اتصالًا ربَّانيًّا يشعر خلاله بنبضة الحياة وخفقة الروح ويستشعر العظمة والرحمة في نظراته، إنه أوسع عقلًا وأيقظ قلبًا وأرهف ضميرًا وحِسًّا» 19.
هناك حقائق كبرى يدركها الإنسان حين يتخلّص من قيود العقليّة المادّيّة الضّيّقة ويفتح قلبه وبصيرته لهذا الكون العريض فيتدبّره بنظرةٍ واسعة الأفق، وإيمان بكلّ القوى المذخورة فيه وسيجد حينئذٍ ظواهر عجيبة في حياة الإنسان، لا يمكن تفسيرها إلّا على فرض وجود الرّوح.
إن في الكون حقائق كبرى، لا يمكن للإنسان أن يدركها ومباهج لن يذوق حلاوتها ولن يتنسم عبيرها ما لم يتخلّص من القيود المادية التي أثقلته ويتجرّد من تلك النظرة الضيّقة إلى أن يفتح قلبه وبصيرته لهذا الكون الرحيب فيتأمله بعين بصيرته، ويستكشفه بنور إيمانه حينئذٍ ستنكشف له أسرار وتنجلي أمام ناظريه دقائق ولطائف.
قال تعالى: {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ} [يونس: 6] .
وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75] .
وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 185] .
إن تقدّم الإنسان وتحضّره مرتبطٌ بنظرته للكون وعلاقته به وعمق معرفته واعتدال سلوكه في هذا الكون، وبقدر معرفته بنواميس هذا الكون وسننه ودقائقه بقدر تقدّمه وتمكّنه وتحقيقه لواجبات الخلافة، لكنّ معرفة الإنسان بالكون لا تتناسب مع طموحاته وآماله، وهناك حجبٌ كثيفة وحواجز تحول دون انطلاق الإنسانية في عالم المعرفة منها بعده عن المنهج الرباني، وتشبّث كثير من البشر بالأساطير والأوهام التي ترسّبت في عقولهم، وانصرافهم عن العلم والمعرفة بإشباع الشهوات وتحقيق المكاسب المادية، «وقد صرح العالم إينشتاين أن كلّ ما جمعه من معلومات عن هذا الكون لم يقدّم له عنه إلا لغزًا مقفلًا يستعصي على الحل» 20.
رسالة الإنسان في هذا الكون: خُلِق الإنسان لأسمى غاية وأسنى مقصد وهو إخلاص العبادة لله رب العالمين الذي خلقه ورزقه وأكرمه وفضله على كثير من المخلوقات، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 56 - 58] .
فمهمة الإنسان وغايته ومحور وجوده هو عبادة الله وحده، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (كنت ردف النّبيّ صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرّحل. فقال:(يا معاذ بن جبلٍ) قلت: لبيك رسول اللّه وسعديك ثمّ سار ساعةً، ثمّ قال: (يا معاذ بن جبلٍ) قلت: لبّيك رسول اللّه وسعديك. ثمّ سار ساعةً، ثمّ قال: (يا معاذ!) قلت: لبّيك رسول اللّه وسعديك، قال: (هل تدري ما حقّ الله على العباد؟) قال قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنّ حقّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا) ثمّ سار ساعةً، ثمّ قال: (يا معاذ بن جبلٍ!) قلت: لبّيك رسول اللّه وسعديك، قال: (هل تدري ما حقّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟) قال قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (أن لا يعذّبهم) 21.
فمهمّة الإنسان: عبادة الله عز وجل، والقيام بحقّ الخلافة في الأرض، بتعميرها وإصلاحها وإقامة موازين العدل وأركان الرحمة في أرجائها، والمحافظة على مواردها وحسن استغلالها، ورعاية البيئة وحمايتها، وهذه المسئولية يتحمّلها كلّ إنسانٍ مكلفٍ.
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] .
وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [الأنعام: 165] .
ومن مقتضيات مهمة الاستخلاف في الأرض: المحافظة على ثرواتها وكنوزها، وخيراتها، والسعي إلى إصلاحها والنهوض بها وبأهلها، وفق منهج الله تعالى، فهو تعالى خالق هذا الكون ومدبِّره. والاستخلاف يعني: أن الإنسان وصيٌّ على هذا الكون لا مالكًا له، إنه مستخلفٌ على إدارته واستثماره وإعماره أمينٌ عليه.
والإنسان موكّلٌ بعمارة الأرض مخوّلٌ بريادتها، فضلًا عن كونه جزءًا من هذه البيئة التي أمر بحمايتها ورعايتها؛ فهو مخلوقٌ من الأرض، قد اشتمل تركيبه على جميع عناصرها، فهو جزءٌ منها وصلاحه مقترنٌ بصلاحها وحاضره ومستقبله مرتهنٌ بحاضرها ومستقبلها، وحين يعي ذلك يسعى إلى التدابير الواقية من المفاسد الناتجة عن الإضرار بها.
قال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (54) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55) } [طه: 53 - 55] .
وقال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61] .
«استخلفكم فيها، وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة، ومكّنكم في الأرض، تبنون، وتغرسون، وتزرعون، وتحرثون ما شئتم، وتنتفعون بمنافعها، وتستغلون مصالحها» 22.
إن للإنسان دوره المنشود في هذا الكون فهو قوةٌ إيجابيةٌ، خلقه الله تعالى ليعمّر ويطوّر، وليصلح وينمّي، والله سبحانه في عونه بتسخير كثيرٍ من المخلوقات له ومنحه كنوز هذه الأرض وخيراتها، وهو معانٌ من الله كذلك بما وهبه من القوى والاستعدادات الذاتية.
ورسالة الإنسان في الكون رسالة إصلاح وبهذا أنزل الله الكتب وأرسل الرسل.
قال تعالى: {قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 87 - 88] .
وقال تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] .
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [الأعراف: 170] .
ولقد دعا الإسلام إلى معرفة قيمة ما حولنا من مخلوقاتٍ والبحث عن دورها وطبيعتها، فكم تعلّم الإنسان من الكائنات من حوله، وكم هداه الله بسببها إلى مخترعاتٍ أفادت الإنسانية، وكم كانت ولا تزال سببًا في هدايته إلى خفايا غابت عنه فلم يصل إليها علمه المحدود.
تأمل في قصة هابيل وأخيه قابيل: كيف كان الغراب معلّمًا للإنسانية - أول دروسٍ في حماية البيئة - كيف تدفن موتاها في أولّ حالة وفاةٍ إنسانية {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة: 31] .
من هنا كانت المخلوقات الأخرى مصدرًا من مصادر المعرفة الإنسانية فضلًا عن أهميتها البيئية، لذلك فإنه من الأخطاء التي نبّه الإسلام عليها محذّرًا من الوقوع فيها أن يحتقر الإنسان بجهلٍ منه بعض المخلوقات، أو يتطاول عليها بلسانه فيسبّها لأذًى أصابه منها، ويغفل عما تحمله من خيرٍ.
ثالثًا: الغاية:
الغاية من الحضارة الإنسانية الرائدة التي يسعى إليها الإسلام تنسجم مع الغاية من وجود الإنسان في هذا الكون، وهي غاية يسعى الإنسان لتحقيقها كفرد، وفي إطار المجتمع الذي يعيش فيه.
ولقد استخلف الله تعالى آدم وذريّته في الأرض، وأعلم بذلك ملائكته الكرام.
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] .
فمهمّة الإنسان: عبادة الله عز وجل، والقيام بحقّ الخلافة في الأرض، بتعميرها وإصلاحها وإقامة موازين العدل وأركان الرحمة في أرجائها، والمحافظة على مواردها وحسن استغلالها، ورعاية البيئة وحمايتها. وهذه المسئولية يتحمّلها كلّ إنسانٍ مكلفٍ، ومن مقتضيات مهمة الاستخلاف في الأرض: المحافظة على ثرواتها وكنوزها، وخيراتها، والسعي إلى إصلاحها والنهوض بها وبأهلها، وفق منهج الله تعالى، فهو تعالى خالق هذا الكون ومدبّره.
ورسالة الإنسان هي رسالة الإصلاح والتعمير، ولقد سخّر الله للإنسان كل ما يعينه ويذلل له الصعاب كي يقوم بواجبه ويؤدي رسالته.
ورضا الله عز وجل غاية وجود الإنسان لن يتحقق إلا باتباع منهجه وابتغاء وجهه الكريم في كل عمل يقوم به الإنسان، وهذا يدعوه إلى اختيار الأعمال الصالحة النافعة، وجودة العمل وإتقانه، ومراقبة خالقه جل وعلا، وسعيه إلى إرضائه بإخلاص النية وإتقان العمل.
تلك الغاية الكبرى هي التي توحّد بين المؤمنين وتجمع كلمتهم وتؤلف قلوبهم، بينما لو ترك للإنسان تحديد غايته لوجدنا أنفسنا أمام غايات متباينة وأهواء متفرقة ومصالح متناقضة، تؤدّي إلى التنافر والصّدام بين أفراد المجتمع مما يشيع الفوضى ويعطل الجهود ويبدد الطاقات ويعدد الوجهات، ولا يمكن لغاية ما أن تفرض على المجتمع فرضًا، ويؤطّر الناس عليها أطرًا؛ فإنه إن خنع لذلك فترة من الوقت فسرعان ما ينتفض على قاهريه ويثور على مغتصبي إرادته، كما حدث في الشيوعية التي فرضت أهدافها وأفكارها الخبيثة بالحديد والنيران، وإزهاق الأرواح، وحرب الأديان حتى تهاوت عروشها وخرّت سقوفها على رؤوس سدنتها وحماتها وقادتها، وكفرت بها الشعوب، وهذا هو الفرق بين الغاية في الإسلام والغاية في غيره من الملل والنحل والنظم، الغاية في الإسلام واضحةٌ محددةٌ، غايةٌ صادقةٌ عادلةٌ، غايةٌ تلبي نداء الفطرة الإنسانية وتحقق المصالح العليا للإنسانية، كما أنها تلبي المطالب الفردية العادلة، وتجمع شتات القلوب، وتوثّق عراها، تلك الغاية الأسمى هي التي تحمل المؤمن على الصدق والتجرّد والتفاني والتسامي على أعراض الدنيا. إن توحيد المنهج ينبثق عن توحيد الغاية، وتوحيد الغاية يترتب عليه توحيد الرؤى والتوجّهات والسلوك، ونبل الغاية يفضي إلى نبل الوسائل المحققة لتلك الغاية.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) } [الرعد: 22] .
وقال تعالى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الروم: 38] .
وقال تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39] .
فلا يراد وجه الله تعالى إلا بصالح الأعمال ومحاسن الآداب ومكارم الأخلاق ومحامد الخصال، وبهذا ترقى المجتمعات وتنهض الأمم وتتحد كلمتها حين تسمو غايتها.
ويرشدنا القرآن إلى أن كل الغايات ذاهبة أدراج الرياح، لكنّ غاية واحدة هي الباقية وهي النافعة، حين نقصد وجه الله تعالى.
قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) } [الرحمن: 26 - 27] .
وقال تعالى: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88] .
إن الصلة وثيقةٌ بين الغاية والمنهج والثمرة؛ فالغاية: وجه الله، والمنهج: التسليم القلبي والإحسان العملي، والثمرة: الأجر العظيم الذي ينتظره من ربه فضلًا عن الأمن والسعادة التي يحظى بها في الدارين.
وقال تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 52] .
وقال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] .
إن المؤمن يجعل من ابتغائه لمرضاة ربه حافزًا ودافعًا للتسابق إلى الخيرات والتنافس في ميادين البر، مع ضبط عمله وسلوكه بهذه الغاية المنشودة.
قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207] .
وقال تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 265] .
وقال تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114] .
وقال تعالى: {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) } [آل عمران: 162] .
إن وحدة الغاية تورث انسجامًا تامًّا وتجاوبًا بين طموح الإنسان ورغباته وأفكاره وأحواله، بين عقله وقلبه، بين ضميره ووجدانه، ووحدة الغاية تنتج تجاوبًا وانسجامًا وألفة بين أفراد المجتمع.
ومن أكبر مزايا تلك الغاية أنها إذا تحققت، تحقق بالتبع كل ما للإنسان في هذه الحياة الدنيا من الآمال والأماني، من الناحية الفردية، أو الاجتماعية دون أن يجعلها الإنسان غايات مقصودة لذاتها، والقرآن الكريم في كثير من آياته قد عدد الآمال والأماني، والنعم والمقاصد التي تتحقق بنفسها إذا نال الإنسان مرضاة ربه، إن أكبر ما يتمناه الإنسان ويرغب فيه في حياته الدنيوية هو الأمن والسلام، والسكينة والطمأنينة القلبية.
يقول تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112] .