فهرس الكتاب

الصفحة 1378 من 2431

الشهادة

أولًا: المعنى اللغوي:

تدل مادة (ش هـ د) على حضورٍ وعلمٍ وإعلامٍ، يقال: شهد يشهد شهادةً. كما يقال: شهد فلانٌ عند القاضي، إذا بين وأعلم ل‍من الحق وعلى من هو 1.

و «الشهادة خبرٌ قاطعٌ تقول منه: شهد الرجل على كذا، وربما قالوا: شهد الرجل بسكون الهاء. فالشهادة: الإخبار بما شاهده. والشاهد: العالم الذي يبين ما يعلمه ويظهره. والمشاهدة المعاينة، وشهده شهودًا: أي حضره، فهو شاهدٌ، وقومٌ شهودٌ: أي حضورٌ» 2.

قال الراغب الأصفهاني: «الشهود والشهادة الحضور مع المشاهدة، إما بالبصر أو البصيرة، وقد يقال للحضور مفردًا. قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام:73] . أي: ما يغيب عن حواس الناس وبصائرهم وما يشهدون بهما، ولكن الشهود بالحضور المجرد أولى والشهادة مع المشاهدة أولى» 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الموصلي الشهادة: هي «الإخبار عن أمرٍ حضره الشهود وشاهدوه، إما معاينةً كالأفعال نحو القتل والزنا، أو سماعًا كالعقود والإقرارات» 4.

وعرفها الرملي بأنها: «إخبار الشخص بحق على غيره بلفظٍ خاص» 5.

وقال البهوتي: «الشهادة: الإخبار بما علمه الشاهد بلفظٍ خاصٍ، كشهدت أو أشهد» 6.

فالشهادة إذن إخبارٌ عن علمٍ.

وردت مادة (شهد) في القرآن الكريم (160) مرة 7.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 19 ... {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:185]

الفعل المضارع ... 24 ... {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ} [النساء:166]

الفعل الأمر ... 10 ... {قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) } [المائدة:111]

اسم فاعل ... 21 ... {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} [الأحقاف:10]

اسم مفعول ... 3 ... {وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) } [هود:103]

مصدر ... 27 ... {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطلاق:2] ... {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) } [مريم:37]

صيغة مبالغة ... 56 ... {وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) } [آل عمران:98]

وجاءت الشهادة في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، الذي هو بمعنى: الحضور مع المشاهدة إما بالبصر أو بالبصيرة 8.

الخير:

الخبر لغة:

قال ابن فارس: الخاء والباء والراء أصلان: فالأول العلم، والثاني يدل على لينٍ ورخاوةٍ وغزرٍ 9.

الخبر اصطلاحًا:

هو الكلام المحتمل للصدق والكذب، والخبر: العلم بالأشياء المعلومة من جهة الخبر، وفي الاصطلاح القرآني: ما يعبر به عن واقعة معينة 10.

والخبر يكون من المخبر الأول ومن يليه، ويكون بالصدق والكذب، سارًا كان أو غير سارٍ 11.

الصلة بين الخبر والشهادة:

الخبر إما أن يكون عن خاص أو عام، فالخبر عن خاص منحصر في ثلاثة معاني: الإقرار والبينة والدعوى؛ لأنه إن كان بحق على المخبر فهو الإقرار، أو على غيره فهو الدعوى، أو لغيره فهو الشهادة 12.

قال العز بن عبد السلام «إن كان ضارًا لقائله فهو الإقرار، وإن لم يكن ضارًا به، فإما أن يكون نافعًا له، أو لا، والأول هو الدعوى، والثاني الشهادة» 13.

العلم:

العلم لغةً:

نقيض الجهل، والمعرفة، واليقين، والعلامة: النسابة، وهو من العلم 14، ويقال: «علمت الشيء أعلمه علمًا: عرفته» 15.

العلم اصطلاحًا:

عرفه الجرجاني: «العلم هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع ونقل عن الحكماء فقال: هو حصول صورة الشيء في العقل» 16.

وأنكر ابن العربي تعريف العلم لوضوحه وقال: «العلم أبين من أن يبين» 17،وأنكر على من تصدى لتعريف العلم.

الصلة بين العلم والشهادة:

العلم والشهادة في الأصل واحد، إلا أن الشهادة اختص بما كان بإخبار صحيح، والعلم اختص بما يكون بتكرير وتكثير حتى يحدث منه أثر في نفس المتعلم، قال تعالى: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف:76] 18، ولعلاقة العلم بالشهادة فقد ذكرها الله تعالى مقترنة في أكثر من عشرين موضعًا في القرآن العظيم.

الإقرار:

الإقرار لغةً:

«هو الاعتراف. يقال: أقر بالحق: إذا اعترف به، وقرره غيره بالحق حتى أقر به. وأقر الشيء أو الشخص في المكان: أثبته وجعله يستقر فيه» 19.

الإقرار اصطلاحًا:

«إخبار عن ثبوت حق للغير على نفسه» 20، فيجمع كلًا من الإقرار والشهادة أنها إخبارات.

الصلة بين الشهادة والإقرار:

«أن الإخبار إن كان عن حق سابق على لغيره على غيره فهو الشهادة، وإما أن يكون للمخبر نفع فيه: لأنه إخبار بحق له فهو إقرار بالدعوى» 21.

أكمل الشهادات شهادة الله عز وجل لنفسه أو لغيره، قال الله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [آل عمران:18] .

وقال تعالى: {وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران:98] .

وقال تعالى: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [الرعد:43] .

وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج:17] .

ففي فالآيات السابقة يؤكد الله تعالى أن الشهادة له وحده سبحانه، المحتوية على كل جانب من جوانب الشهادة.

أولًا: الله عالم الغيب والشهادة:

الغيب يطلق على كل ما غاب عن الحواس، و كان مستورًا و محجوبًا عنها، تسمى الغابة غابةً لأنها تغيب ما فيها و تسترها عن الأنظار لكثافة أشجارها. و أغابت المرأة فهي مغيبة، إذا غاب زوجها 22.

وعن شمر: «يقال: سمعت صوتًا من وراء الغيب، أي، من موضع لا أراه» 23.

وقوله تعالى: {وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ} [يوسف:10] .

الغيابة: بفتح الغين، أي: في قعره، سمي به لغيبوبته عن أعين الناظرين، و كل شيء غيب عنك، فهو غيابة 24.

والغيب في القرآن الكريم ضد الشهود والحضور، وقد تكرر استعمال لفظ «الغيب» وبعض مشتقاته في القرآن الكريم أربعًا وخمسين مرة بالمعنى المذكور.

ومن تلك الآيات قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام:73] .

وقوله تعالى: {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة:94] .

قال صاحب المنار: «الغيب هو ما حجب الله علمه عن الناس، بعدم تمكينهم من أسباب العلم به، لكونه مما لا تدركه مشاعرهم الظاهرة ولا الباطنة؛ كعالم الآخرة» 25.

وعرف ابن عاشور الغيب فقال: «والغيب ما غاب عن علم الناس، بحيث لا سبيل لهم إلى علمه، وذلك يشمل الأعيان المغيبة، كالملائكة والجن، والأعراض الخفية، ومواقيت الأشياء» 26.

والشهادة: ما شهدوه وأبصروه وعاينوه، فكل شيء يقع تحت حواسنا الخمس أو تدركه حواسنا فهو عالم مشهود، كالمرئيات، والمسموعات، و المشمومات، والعالم الذي خلقه الله عز وجل ينقسم إلى عالم الغيب وعالم الشهادة.

وينقسم الغيب إلى ثلاث أقسام:

أولًا: الغيب المطلق:

وهو الذي ليس للإنسان سبيل إلى العلم به عبر وسائل إدراكه أو حواسه، وهو نوعان:

النوع الأول: ما أعلم الله تعالى الناس به، أو ببعضه عن طريق الوحي إلى الرسل الذين يبلغونه إلى الناس.

ومن أمثله ذلك: الشياطين والجن، وما جاء من أخبارهم نحو قوله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) } [الجن:1 - 2] 27.

النوع الثاني: ما استأثر الله تعالى بعلمه، فلم يطلع عليه أحد من خلقه، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب.

ومن أمثلته العلم بوقت قيام الساعة، والموت من حيث زمانه ومكانه وسببه، وبعض ما سمى الله تعالى به نفسه.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) } [لقمان:34] .

وقال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) } [الأنعام:59] 28.

وقال صلى الله عليه وسلم في بعض دعائه: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) 29.

ثانيًا: الغيب المقيد النسبي:

وهو ما كان غائبًا عن البعض مثل الحوادث التاريخية، فإنها غيب بالنسبة لمن لم يعلم بها، لذلك قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر قصة آل عمران: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) } [آل عمران:44] .

ثالثًا: الغيب المقيد غير النسبي:

هو كل ما غاب عن الحس بسبب بعد الزمان (المستقبل) أو المكان أو غير ذلك حتى ينكشف ذلك الحجاب الزماني أو المكاني، كما في قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14) } [سبأ:14] .

وذلك في موت سيدنا سليمان عليه السلام 30.

وذكر العلماء أربعة مراتب اشتمل عليها علم الله تعالى مستنبطة من الآيات القرآنية وهي:

المرتبة الاولى: علمه بالشيء قبل كونه، وهو سر الله في خلقه، اختص الله به عن عباده.

وهذه المرتبة من العلم هي علم التقدير ومفتاح ما سيصير، ومن هم أهل الجنة؟ ومن هم أهل السعير؟ فكل أمور الغيب قدرها الله في الأزل، ومفتاحها عنده وحده، ولم يزل، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) } [لقمان:34] .

وقال تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل:65] .

المرتبة الثانية: علمه بالشيء، وهو في اللوح المحفوظ بعد كتابته وقبل إنفاذ أمره ومشيئته.

فالله عز وجل كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة، والمخلوقات في اللوح قبل إنشائها كلمات، وتنفيذ ما في اللوح من أحكام تضمنتها الكلمات مرهون بمشيئة الله في تحديد الأوقات التي تناسب أنواع الابتلاء في خلقه، وكل ذلك عن علمه بما في اللوح من حساب وتقدير.

قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) } [الحديد:22] .

المرتبة الثالثة: علمه بالشيء حال كونه وتنفيذه ووقت خلقه وتصنيعه، كما قال: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) } [الرعد:8 - 9] .

وقال تعالى: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2) } [سبأ:2] .

المرتبة الرابعة: علمه بالشيء بعد كونه وتخليقه وإحاطته بالفعل بعد كسبه وتحقيقه.

فالله عز وجل بعد أن ذكر مراتب العلم السابقة في قوله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) } [الأنعام:59] .

ذكر بعدها المرتبة الأخيرة فقال: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) } [الأنعام:60] .

وقال أيضًا: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) } [التوبة:78] 31.

ثانيًا: الشهادة على العباد برهم وفاجرهم:

شهادة الله على العباد برهم وفاجرهم شهادة على صدق الانسان وتقواه، أو كذبه وفسقه، وهذا يجعلنا نزداد مراقبة للذات، ومحاسبة للنفس، والتزامًا بالقيم، كما يجعل القلب يفرق بين الصدق والكذب، وبين الحق والباطل، فيسهم هذا الوعي في معرفة الحقائق.

صور شهادة الله في القرآن الكريم:

أولًا: شهادة الله على نبيه صلى الله عليه وسلم والعباد.

الله شهيد على أعمال النبي صلى الله عليه وسلم والعباد.

قال تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [يونس:61] .

أخبر الله سبحانه على شهادته على ما يجري في الضمائر، فذكر شهادة على أحوال العباد، وحال الرسول صلى الله عليه وسلم معهم ومجاهدته لهم، وتلاوة القرآن عليهم، وأنه تعالى شاهد على جميع أعمالهم، لا يخفى عليه جل شأنه شيء، ولا يغيب عنه عمل من الأعمال.

فقوله تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ} خطابان للرسول صلى الله عليه وسلم: الأول: عام يشمل شئون الرسول صلى الله عليه وسلم. والثاني: خاص؛ لكنه مندرج تحت عموم الأول. وإنما خص من العموم؛ لأن القرآن الكريم هو أعظم شؤونه عليه الصلاة والسلام.

والمراد: أنه تعالى شاهد على أهل الأرض جميعهم بما كان منهم، وبما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع، يحصي عليهم أعمالهم؛ وكأنه قيل: «وما كنت وتكون في شأن، وما تلوت، وما تتلو فيه من قرآن، وما عملتم، وما تعملون من عمل؛ إذ أفضتم وتفيضون فيه، إلا كنا عليكم شهودًا» .

وهناك خطاب عام للأمة كلها في كل شئونها وأعمالها، بعد خطاب رأسها وسيدها في أخص شئونه وأعلاها، فتذكرك الآية في أخصر الألفاظ وأقصرها بأفضل ما أتاك الله من هداية ونعمة، وتنتقل بك إلى كل عمل تعمله من شكر وكفر وإن كان كمثقال ذرة، فإن مجيء. (عمل) نكرة منفية يفيد العموم، ودخول (من) التبعيضية عليه يؤكد هذا العموم، فيشمل أدق الأعمال وأحقرها.

ومثله قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) } [الزلزلة:7 - 8] .

فكان الله شاهدًا عليهم رقيبًا مطلعًا إذ يفيضون فيه 32.

ثانيًا: شهادة الله على أهل الكتاب.

فشهادة الله تعالى يوم القيامة على أهل الكتاب وعلى إيمانهم بالمسيح عليه السلام.

قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) } [النساء:159] .

قال السعدي: «الضمير في قوله: {قَبْلَ مَوْتِهِ} راجع إلى عيسى عليه السلام، فيكون المعنى: وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بالمسيح عليه السلام قبل موت المسيح، وذلك يكون عند اقتراب الساعة وظهور علاماتها الكبار» 33.

وقال الرازي: «قوله: {قَبْلَ مَوْتِهِ} أي: قبل موت عيسى، والمراد أن أهل الكتاب الذين يكونون موجودين في زمان نزوله لا بد وأن يؤمنوا به. ثم قال تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} قيل: يشهد على اليهود أنهم كذبوه وطعنوا فيه، وعلى النصارى أنهم أشركوا به، وكذلك كل نبي شاهد على أمته» 34.

وجاء مصحف أبي بن كعب (قبل موتهم) ، ففي هذه القراءة تقوية لعود الضمير على الكتابي، وقرأ الفياض بن غزوان (وإن من أهل الكتاب) بتشديد «إن» والضمير المستتر في (يكون) هو لعيسى عليه السلام في جل الأقوال 35.

ثالثًا: شهادة الله على أهل النفاق.

وفي شهادة الله على أهل النفاق بين الله تعالى علاقة المنافقين مع الرسول صلى الله عليه وسلم إذ كانوا يدعون الايمان كذبًا.

والله تعالى فضحهم، فقال الله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) } [المنافقون:1] .

وشهد الله على المنافقين أنهم كانوا يحلفون للناس بأنهم إنما أرادوا الحسنى ببناء مسجد الضرار؛ ولكنهم كذبوا، والله شاهد على كذبهم.

قال الله تعالى: {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) } [التوبة:107] .

وشهد الله على علاقة المنافقين بالمؤمنين، وكذلك في علاقاتهم مع بعضهم ومع الكفار، فشهد على كذبهم، فقال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) } [الحشر:11] .

وشهادة الله على كذب المنافقين والفاسقين تتجلى في أنه يخذلهم في الدنيا، فلا تصح حساباتهم التي خدعوا الناس بها، وخدعوا أنفسهم، والله يفضحهم عاجلًا وآجلًا، وأن الله يلهم أهل التقوى من المؤمنين كذبهم، ولهم الفضيحة الكبرى يوم الفصل.

قال تعالى: {وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} [الأنعام:130] ، [الأعراف: 37] .

كشف القرآن الكريم ما أخفاه المنافقون في صدورهم تجاه الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى في شأن بعض المنافقين: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94) } [التوبة:94] .

ثالثًا: الشهادة على الوحي:

الوحي في اللغة هو الإعلام الخفي، وقد يضيف البعض قيدًا إلى ذلك، فيقول: هو الإعلام الخفي السريع 36.

واصطلاحًا: إعلام الله تعالى أنبياءه ورسله بشرع ليعملوا به ويبلغوه للناس، فنزلت شريعة التوراة على موسى، ونزل الإنجيل على عيسى، ونزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم 37.

وقد يطلق لفظ الوحي ويراد به المنزل من السماء، كما جاء عن عائشة رضي الله عنها: (أن الحارث بن هشامٍ سأل النبي صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحي؟ قال:(كل ذاك يأتيني الملك، أحيانًا في مثل صلصلة الجرس، فيفصم عني، وقد وعيت ما قال، وهو أشده علي، ويتمثل لي الملك أحيانًا رجلًا، فيكلمني، فأعي ما يقول) 38.

وكما في قول عائشة رضي الله عنها: (ولقد رأيته صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فينفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقًا) 39.

والله تبارك وتعالى يشهد على الوحي بأنه أنزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت