أولًا: المعنى اللغوي:
الميم والكاف والراء أصل صحيح يدل على الالتفاف، ولذلك سمي الشجر الملتف مكرًا، وعلى هذا فإن المعنى اللغوي للمكر هو أحد أمرين: الاحتيال في خفية والخداع، والآخر: خدالة الساق، وامرأةٌ ممكورة الساقين. أي: مستديرة الساقين 1.
فمادة (مكر) الواردة في معاجم اللغة تدور حول الالتفاف، والفتل، والخداع، والتدبير 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
فرق كثير من العلماء بين المكر المضاف إلى الله تعالى، والمكر الواقع من الخلق، فأما المكر المضاف إلى الله تعالى يكون تعريفه، كما ذكر العلماء: «هو إرداف النعم مع المخالفة، وإبقاء الحال مع سوء الأدب، وإظهار الكرامات من غير جهد» 3، ومن المعلوم أن هذا الشرح هو توضيح لمعنىً ظاهر؛ لكن في حق الله تعالى فإن المكر صفة من صفاته، نؤمن بها بلا تكييف ولا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه.
يضاف إلى أن بعض العلماء ذكر أن إمهال الله تعالى للعبد وتمكينه من بعض أعراض الدنيا من مكره جل جلاله، ولذلك قال أمير المؤمنين رضي الله عنه: «من وسع عليه دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع عن عقله» 4.
وأما مكر العبد، فقد عرفه أكثر من واحد، منهم:
تعريف الراغب الأصفهاني بأنه: «صرف الغير عما يقصده بحيلة» 5.
وعرفه الجرجاني بأنه: «إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر» 6.
وردت مادة (مكر) في القرآن على صيغ متعددة، بلغت (43) مرة 7.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 11 ... {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا} [الرعد:42]
الفعل المضارع ... 11 ... {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (21) } [يونس:21]
المصدر ... 19 ... {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ} [الأعراف:99]
اسم الفاعل ... 2 ... {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) } [آل عمران:54]
وورد المكر في الاستعمال القرآني بمعنى: الاحتيال، ويكون بالقول والفعل، وهو ضربان:
-محمود، وهو: ما يتحرى به أمر جميل، وعلى ذلك قول الله عز وجل: (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [آل عمران: 54] .
-ومذموم وهو: ما يتحرى به فعل ذميم، ومنه قوله تعالى: (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ?) [فاطر: 43] .8.
الخيانة:
الخيانة لغةً:
الاحتيال والخداع. فالخيانة خلاف الأمانة 9.
الخيانة اصطلاحًا:
«مخالفة الحق بنقض العهد في السر» 10.
الصلة بين الخيانة والمكر:
الخيانة والمكر يشتركان في الاحتيال في الخفاء 11، ويختلفان في أن المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة، وقد يكون محمودًا، عندما يتحرى بذلك فعل جميل، وقد يكون مذمومًا، وهو: أن يتحرى به فعل قبيح، بينما الخيانة لا تكون إلا شرًا محضًا، فلا توجد خيانة محمودة؛ لذلك لا تضاف الخيانة إلى الله تعالى بأي حال من الأحوال.
الكيد:
الكيد لغةً:
هو المكر والخبث، والحيلة، والحرب 12.
الكيد اصطلاحًا:
«إرادة مضرة الغير خفية، وهو من الخلق: الحيلة السيئة، ومن الله سبحانه وتعالى: التدبير بالحق لمجازاة أعمال الخلق» 13.
الصلة بين الكيد والمكر:
بينهما تشابه من حيث إن المكر مثل الكيد في أنه لا يكون إلا مع تدبر وفكر.
ويفترقان في كون الكيد أقوى من المكر، والدليل أنه يتعدى بنفسه والمكر يتعدى بحرف، وأن المكر تقدير ضرر الغير من دون أن يعلم به، والكيد: اسم لإيقاع المكروه بالغير قهرًا سواء علم أم لا 14.
الاحتيال:
الاحتيال لغةً:
(احتال) من الحيلة. واحتال عليه بالدين من الحوالة 15.
الاحتيال اصطلاحًا:
استنفاذ طريقة أو طرق؛ لتحويل المرء عما يكرهه إلى ما يحبه 16.
الصلة بين المكر والاحتيال:
ذكر أبو هلال العسكري فرقين بينهما:
الأول: أن من الحيل ما ليس بمكر، وهو أن يقدر نفع الغير لا من وجهه، فيسمى ذلك حيلة مع كونه نفعًا، والمكر لا يكون نفعًا.
والآخر: أن المكر تقدير ضرر الغير من غير أن يعلم به وسواء كان من وجهه أو لا، والحيلة: لا تكون من غير وجهه 17.
الخديعة:
الخديعة لغةً:
« (خدع) خدعًا، تغير من حالٍ إلى حالٍ، يقال: خدع فلان، تخلق بغير خلقه» 18.
الخديعة اصطلاحًا:
تخلقٌ بغير الخلق السائد بين الناس؛ لجر المخدوع لما يريده المخادع.
الفرق بين المكر والخديعة:
الممكور به لا يحتسب أن يأتي من الماكر سوء، ولكن المخدوع عداوته ظاهرة، وتربصهما معلوم، ولكنه ينتظر السوء، ويتحسب له من طريق فيفاجئه من طريق أخرى 19.
يتحدث هذا العنوان عن أسباب المكر كما وردت في القرآن:
أولًا: إسناد المكر إلى الله:
جاء إضافة المكر إلى الله تعالى في العديد من الآيات، كما في قوله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف 99] .
وقوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران 54] .
وقوله تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال 30] .
واختلف المفسرون في هذه الإضافة وتوجيهها على أقوال:
الأول: إن ذلك من باب المشاكلة والمقابلة.
والمشاكلة: ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته 20. فإضافة المكر إلى الله من باب المشاكلة؛ لأن الله تقدس عن أن يستعمل في حقه المكر، وقد جاء هذا الأسلوب -المشاكلة- في مواضع كثيرة من القرآن.
فيكون المراد بمكر الله هو إهلاك الكفار من حيث لا يشعرون على سبيل الاستعارة المنضمة الى المشاكلة، وفيه تشبيه الإهلاك بالمكر في كونه إضرارًا في الخفاء؛ لأن حقيقة المكر هو الإيقاع بالآخرين.
قال البغوي في قوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران 54] .
فالمكر من المخلوقين: الخبث والخديعة والحيلة، والمكر من الله: استدراج العبد وأخذه بغتة من حيث لا يعلم، كما قال: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف 182] 21.
ويشكل على هذا أن المكر قد جاء في غير المشاكلة، كما في قوله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف 99] .
فقد ذكر الله تعالى هنا مكره وحده، ولم يذكر مكر عبده، كما قال هناك: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال 30] .
ذكر مكرهم ومكره، وهنا ذكر مكره وحده 22.
وقد رد على هذا الإشكال ابن عاشور، حيث قال: «وجاز إطلاق المكر على فعل الله تعالى دون مشاكلة، كما في قوله: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ} وبعض أساتذتنا يسمي مثل ذلك مشاكلة تقديرية 23.
فيكون المكر الوراد في آية الأعراف {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف 99] .
من باب المشاكلة التقديرية، وهو موافق لتعريف المشاكلة عند السيوطي، حيث يقول: المشاكلة: ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقًا أو تقديرًا 24.
الثاني: إن المكر أسند إلى الله على سبيل المجازاة.
فقوله: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ} [الأعراف 99] .
أي: جزاء مكرهم، وسمي جزاء المكر مكرًا كما سمي جزاء السيئة سيئة، وجزاء الاعتداء اعتداء، وإن لم يكن الثاني اعتداء ولا سيئة، فعلى ذلك تسمية جزاء المكر مكرًا وإن لم يكن الثاني مكرًا.
قال الماتريدي: «ألا ترى أنه لم يجز أن يسمى مكارًا ولو كان على حقيقة المكر لسمي بذلك؛ فدل أنه جزاء، وجائز أن يكون المراد من مكره جزاء مكرهم سمي الجزاء باسم المكر لأنه جزاؤه؛ كقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى 40] .
والثانية ليست بسيئة 25.
وقال الزجاج: مكر الله عز وجل مجازاته على مكرهم، فسمى الجزاء باسم الابتداء لأنه في مقابلته؛ كقوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة 15] .
وقوله: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء 142] 26. وكما قال عمرو بن كلثوم 27:
ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
والمقصود أن من الوجوه في إطلاق المكر على الله أن يكون ذلك من باب الجزاء؛ لأنه لا يجوز إضافة المكر والخداع والاستهزاء مبتدأً إلى الله؛ لأنه مذموم من الخلق إلا على المجازاة، فكيف من الله عز وجل؟! 28.
الثالث: إن إضافة المكر إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى خالقه.
قال ابن عطية: إضافة (مكر) إلى الله في قوله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ} [الأعراف 99] .
إضافة مخلوق إلى الخالق، كما تقول: ناقة الله، وبيت الله 29.
وكذا قال الحلبي: «ومعنى (مكر الله) أي إضافة المخلوق إلى الخالق؛ كقولهم: ناقة الله وبيت الله، والمراد به فعل يعاقب به الكفرة، وأضيف إلى الله لما كان عقوبة الذنب، فإن العرب تسمي العقوبة على أي جهة كانت باسم الذنب الذي وقعت عليه العقوبة، وهذا نص في قوله: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران 54] . قاله ابن عطية. قلت: وهو تأويل حسن» 30.
الرابع: إن إضافة المكر إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف.
قال الشنقيطي بعد أن ذكر قول من قال إن ذلك من باب المشاكلة: «والتحقيق: أن المكر صفة أطلقها الله على نفسه، ولا يجوز إطلاقها على الله إلا في الموضع الذي يطلقها هو على نفسه، أو رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع جميع العلماء أنه لا يجوز أن يشتق له منها اسم، فلا تقل: من أسمائه الماكر؛ لأن ذلك لا يجوز إجماعًا.
ومعنى (مكر الله) : أنه جل وعلا يستدرجهم، ويغدق عليهم النعم والصحة والعافية، حتى يكونوا أغفل ما كانوا، ثم يأخذهم بغتة، ويهلكهم في غاية الغفلة، وهذا فعل أحسن ما يكون وأبلغ ما يتصور، وقد ضربوا مثلًا -ولله المثل الأعلى- قالوا: لو فرضنا أن هنالك رجلًا شديد البلية على الناس، يقتل هذا، ويظلم هذا، وجميع الناس في غاية التأذي منه، ثم إن رجلًا صالحًا كريمًا طيبًا احتال عليه بحيلة شريفة حتى قتله، وأراح الناس منه، فكلهم يقول: جزاك الله خيرًا، والله إن قتلك له في صورة خفاءٍ إنه أحسن ما يكون، وعلى كل حال فالله لا يصف نفسه إلا بما هو في غاية الحسن والجمال واللياقة، فوصف نفسه هنا بأنه يهلك الكافرين بمكره، وأن كيده متين، كما قال: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف 183] » 31.
والمقصود أن المكر وصف لله، وصفات الله تعالى كلها صفات كمال، دالة على أحسن المعاني وأكملها.
قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النحل 60] .
وقال تعالى: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الروم 27] .
ومعنى المثل الأعلى أي: الوصف الأكمل، قال السعدي: «المثل الأعلى هو كل صفة كمال» 32.
فلا يجوز إذن وصف الله بالمكر على سبيل الإطلاق، أما وصف الله بالمكر في موضعه في مقابلة أولئك الذين يمكرون به وبرسله فإن هذا جائز؛ لأنه في هذه الحال يكون صفة كمال.
فعلى المسلم أن يعتقد بأن الله عز وجل منزه عن كل ما لا يليق به سبحانه من النقائض، وصفات المخلوقين، كما قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى 11] .
وتنزيه الله تعالى يكون وفق المنهج الرباني الذي ورد في النصوص الشرعية، بحيث لا يثبت الإنسان لله تعالى ما لم يثبته لنفسه ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا ينفي عنه ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما يقف مع النصوص الشرعية إثباتًا ونفيًا مع اعتقاد كمال الله.
ومن هذا القبيل لفظ: (المكر) حيث أضيف في القرآن إلى الله تعالى: ويتمثل الموقف الصحيح فيما قرره ابن القيم حيث قال: «وأما ما ورد بلفظ الفعل كقوله تعالى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران 54] .
{وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل 50] .
فهذا يطلق على الله كما ورد، ولا يجوز أن يشتق لله منه اسم، فلا يقال: من أسمائه (الماكر) ولا الكائد؛ لأنه لم يرد».
وقال: «وأما المكر الذي وصف به نفسه فهو مجازاته للماكرين بأوليائه ورسله فيقابل مكرهم السيئ بمكره الحسن، فيكون المكر منهم أقبح شيء ومنه أحسن شيء لأنه عدل ومجازاة، وكذلك المخادعة منه جزاء على مخادعة رسله أوليائه فلا أحسن من تلك المخادعة والمكر» 33.
والحاصل أن هذه الأفعال أطلقها الله تعالى على نفسه على سبيل الجزاء العدل والمقابلة، وهي فيما سيقت فيه مدح وكمال، لكن لا يجوز أن يشتق منها أسماء ولا تطلق عليه عز وجل في غير ما سيقت له من آيات.
قال صاحب المنار: «ولما كان المكر في الأصل: التدبير الخفي المفضي بالممكور به إلى ما لا يحتسب؛ وكان الغالب أن يكون ذلك في السوء؛ لأنه من العباد مراوغة وخداع للوصول إلى أهدافهم الخبيثة، غلب استعمال المكر في التدبير السيئ وإن كان في المكر الحسن والسيئ جميعًا.
قال تعالى: {اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر 43] .
ووجه الحاجة إلى المكر الحسن أن من الناس من إذا علم بما يدبر له من الخير أفسد على الفاعل تدبيره لجهله، فيحتاج مربيه أو متولي شئونه إلى أن يحتال عليه، ويمكر به ليوصله إلى ما لا يصح أن يعرفه قبل الوصول؛ إذ يوجد في الماكرين الأشرار والأخيار والله خير الماكرين، فإن تدبيره الذي يخفى على عباده إنما يكون لإقامة سننه، وإتمام حكمه، وكلها خير في نفسها، وإن قصر كثير من الناس في الاستفادة منها بجهلهم، وسوء اختيارهم» 34.
وهذه الأقوال كلها صواب، سواء من قال: إن ذلك من باب المشاكلة والمقابلة، أو إن المكر أطلق على الله على سبيل المجازاة، أو من باب إضافة المخلوق إلى خالقه أو إن إضافة المكر إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف.
ثانيًا: أسباب المكر:
المكر نوعان، مكر محمود، ومكر مذموم، ولكل نوعٍ أسباب.
من يتتبع أسباب المكر الحسن في القرآن الكريم يجدها على النحو الآتي:
مكر الله تعالى بأعداء دينه ورسله -بعد أن يستفرغوا كل أنواع الكيد والمكر في الصد عن دينه ومحاربة أوليائه- يأتي نصرة لأوليائه، وتأييدًا لعباده المؤمنين.
وقد وصف الله تعالى شدة مكر الأعداء بالمؤمنين، فقال: (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) [إبراهيم 46] .
قال ابن عطية: «تعظيم مكرهم وشدته، أي: أنه مما يشقى به، ويزيل الجبال عن مستقراتها لقوته، ولكن الله تعالى أبطله، ونصر أولياءه، وهذا أشد في العبرة» 35.
ومع أن مكرهم بالمؤمنين شديد إلا أن الله قد جعل مكرهم كأن لم يكن؛ إذ أضاف المكر كله له، فقال: (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا ?) [الرعد 42] .
ومعنى مكره تعالى: عقوبته إياهم، سماها مكرًا إذ كانت ناشئة عن المكر؛ وذلك على سبيل المقابلة 36.
ومن المهم معرفته في هذه القضية أن تحذير الله المؤمنين من الماكرين ليس من التخويف؛ وإنما لأخذ الحيطة، وبذل الأسباب في دفع مكر الماكرين؛ وللعلم في المقابل بأن مكرهم محدودٌ، ولن يبلغ مبلغه.
فالمسلم يعلم يقينًا أن سنة الله في الماكرين لا بد لها من أسباب، ومن أهم هذه الأسباب أن يعمل المسلمون الأعمال التي تمنع وقوع مكر المجرمين، أو تبطل وتزيل مكر المفسدين، أو تخفف ضرر مكر الماكرين، وكذلك سنن الله في نصر المؤمنين، والتمكين لهم، والدفاع عنهم، وحفظهم وتأييدهم وإظهارهم على عدوهم لا تحصل للمؤمنين إلا بالأعمال المحققة والجالبة لوجود هذه السنن بفضل الله ورحمته وإحسانه، ولن تحصل هذه السنن للبطالين، أو المقصرين في الأعمال الصالحة المناسبة لهذه السنن الربانية، كما بينها الله لنا في كتابه، وربط السنن بأسبابها.
ولهذا قال: (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا) أي: أن مكر جميع الماكرين له ومنه، أي: هو حاصل بتخليقه وإرادته؛ لأنه ثبت أن الله تعالى هو الخالق لجميع أعمال العباد، وأيضًا فذلك المكر لا يضر إلا بإذن الله تعالى، ولا يؤثر إلى بتقديره، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وأمان له من مكرهم، كأنه قيل له: إذا كان حدوث المكر من الله، وتأثيره من الممكور به أيضًا من الله، وجب أن لا يكون الخوف إلا من الله تعالى، وأن لا يكون الرجاء إلا في الله تعالى، وذهب بعض الناس إلى أن المعنى: فلله جزاء المكر؛ وذلك لأنهم لما مكروا بالمؤمنين بين الله تعالى أنه يجازيهم على مكرهم 37.
وقد أخبر الله تعالى في القرآن أنه أبطل مكر الماكرين، وكيد الكائدين بأوليائه، حيث قال عن كيد الكفار بإبراهيم: (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ?70?وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ?71?) [الأنبياء 70 - 71] .
وقال تعالى: (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا ? يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ? وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد 42] .
فحذر الله تعالى هؤلاء الكفار من سوء عاقبة مكرهم، وتكذيبهم للرسل، وعدم اعتبارهم بمن سبقهم، وبين أن هذا المكر سيجدون عاقبته مهما كان شديدًا ومحكمًا، فهو لا يساوي شيئًا أمام مكر الله الذي أعده لهم، انتصارًا لرسله، ووفاء بعهده لهم بالنصر والتمكين.
ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ?) [إبراهيم 47] .
بنجاتهم ونجاة أتباعهم وسعادتهم وإهلاك أعدائهم وخذلانهم في الدنيا، وعقابهم في الآخرة، فهذا لا بد من وقوعه؛ لأنه وعد به الصادق، قولًا على ألسنة أصدق خلقه وهم الرسل، وهذا أعلى ما يكون من الأخبار، خصوصًا وهو مطابق للحكمة الإلهية، والسنن الربانية، وللعقول الصحيحة، والله تعالى لا يعجزه شيء فإنه (عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) [إبراهيم 47] 38.
وهكذا سنة الله في الماكرين، فقد أهلك الله قريشًا حين مكرت بنبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، ونصره الله عليهم، ومن قبلها مكر فرعون فكان مكره وبالًا عليه، وحاق به العذاب في الدنيا بالغرق، وفي الآخرة بالحرق.
قال تعالى في قصة الرجل المؤمن بموسى من قوم فرعون: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ? وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ?45?النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ? وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ?46?) [غافر 45 - 46] .
وصدق الله تعالى بالقائل: (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ? فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ? فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ? وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) [فاطر 43] .
ثم ذكر بعد ذلك في الآيات اللاحقة أن الله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فقال تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر 51] .
فهذه سنة الله قديمًا وحديثًا، نصرة الحق وأتباعه، وإزهاق الباطل وأشياعه، وهذا الحكم وهذه السنة مما تقتضيه الحكمة الإلهية، وهو شأن الله المستمر بنصرة رسله وأتباعهم في الدنيا بالحجة والظفر، والانتقام لهم من الكفرة بالاستئصال والقتل والسبي، وغير ذلك من العقوبات، فضلًا عن عذاب الآخرة.
ومن أسباب المكر الحسن أن الله يمكر بالمتكبرين الظلمة، ويوقع بهم في شر أعمالهم، من حيث لا يشعرون، وحقيقة مكر الله جل وعلا أنه يستدرج العبد، ويملي له، حتى إذا أخذه لم يفلته، فييسر له الأمور حتى يظن أنه في غاية المأمن، فيكون ذلك استدراجًا في حقه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك له منه استدراج) 39.
وهذا ظاهر من معنى المكر؛ لأن في المكر والكيد وأمثالهما معنى الاستدراج.
والاستدراج من أكثر أنواع المكر الإلهي حيلة، فالله سبحانه وتعالى بحكمته يفتح على أهل المكر من نعيم الدنيا ما يشغلهم عن توقع العقوبة، ويمهلهم طويلًا، حتى إذا اطمأنوا، وفرحوا بما أوتوا، أخذهم بالعقوبة على حين غرة، فالاستدراج دنو من العقوبة شيئًا فشيئًا.
وأصل الاستدراج اغترار المستدرج بلطف من استدرجه، حيث يرى المستدرج أن المستدرج إليه محسنٌ، حتى يورطه مكروهًا 40.
وقد قال الجرجاني: الاستدراج: هو أن تكون بعيدًا من رحمة الله تعالى، وقريبًا إلى العقاب تدريجيًا، أو هو: الدنو إلى عذاب الله بالإمهال قليلًا قليلًا 41. وهذا هو مكر الله بالعبد، نسأل الله السلامة والعافية.
وعرفه المناوي بقوله: الاستدراج: تلوين المنة بغير خوف الفتنة، وقيل: انتشار الذكر بدون خوف المكر، وقيل: تعليل برجاء، وتأصيل بغير وفاء 42.