فهرس الكتاب

الصفحة 1855 من 2431

وفي هذا تنبيه على عظم إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه يؤدي إلى الكفر وزيغ القلوب عن الهدى 90.

يقول العلامة الفخر: «اعلم أن تطهير القلب عما لا ينبغي مقدم على تنويره بما ينبغي، فهؤلاء المؤمنون سألوا ربهم أولًا أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الباطل والعقائد الفاسدة، ثم إنهم ابتغوا ذلك بأن طلبوا من ربهم أن ينور قلوبهم بأنوار المعرفة وجوارحهم وأعضائهم بزينة الطاعة 91.

ثالثًا: القلب الميت.

ويتصف هذا القلب المريض بعدة صفات، منها:

من أمراض القلوب العمى، والعمى كما يقول الراغب: يقال في افتقاد البصر والبصيرة، ويقال في الأول: أعمى، وفي الثاني: أعمى وعمٍ، فمن الأول: (أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى?) [عبس:2] .

ومن الثاني: ما ورد من ذم العمى في القرآن، نحو قوله سبحانه وتعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) [البقرة:18] .

وقوله: (فَعَمُوا وَصَمُّوا) [المائدة:71] .

بل لم يعد افتقاد البصر في جنب افتقاد البصيرة عمى، وجمع أعمى: عميٌ وعميان، وهو يحتمل لعمى البصر والبصيرة معًا 92.

وعند ابن فارس: «العين والميم والحرف المعتل أصل واحد يدل على ستر وتغطية 93.

وقد ورد العمى مقترنا بالقلب في الاستعمال القرآني في قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ? فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَ?كِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ?46?) [الحج:46] .

يخاطب المولى تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة أهل مكة، وكل من على شاكلتهم، فيقول: أفلم يسيروا: أي: يسافروا ويرتحلوا ويسيحوا في الأرض؛ ليشاهدوا ما حل بالكافرين من هلاك ودمار فيعتبروا بهم وبما حل بديارهم، وهلا عقلوا ما يجب أن يعقل من الإيمان والتوحيد فتكون لهم آذان يسمعون بها المواعظ الزاجرة، فليس العمى على الحقيقة عمى البصر، ولكن العمى عمى البصيرة. فكم من مبصر حسيًا كزرقاء اليمامة 94 حدة في الإبصار، ولكنه أعمى في ذات الوقت فلا يرى الحق فيهتدي ولا الباطل فيجتنب.

ويعبر الإمام الغزالي بعباراته المتفردة عن العمى فيقول: «المعاصي دخان مظلم يتصاعد إلى مرآة القلب، ولا يزال يتراكم عليه مرة بعد أخرى إلى أن يسود ويظلم ويصير بالكلية محجوبًا عن الله.

ومهما تراكمت الذنوب طبع على القلوب، وعند ذلك يعمى القلب عن إدراك الحق وصلاح الدين، ويستهين بأمر الآخرة ويستعظم أمر الدنيا، ويصير مقصور الهم عليها، فإذا قرع سمعه أمر الآخرة وما فيها من الأخطار دخل من أذن وخرج من أذن، ولم يستقر في القلب، ولم يحركه إلى التوبة والتدارك أولئك (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) [الممتحنة:13] » 95

أقوال العلماء في عمى القلب، أعاذنا الله منه.

يقول المحقق الألوسي أثناء تفسيره آية الحج السالفة: «لا يعتد بعمى الأبصار، وإنما يعتد بعمى القلوب، فكأن عمى الأبصار ليس بعمى بالإضافة إلى عمى القلوب، فالكلام تذييل لتهويل ما أبهم من عدم فقه القلب، وأنه العمى الذي لا عمى بعده، بل لا عمى إلا هو.

أو المعنى: أن أبصارهم صحيحة سالمة لا عمى بها، وإنما العمى بقلوبهم، فكأنه قيل: أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب ذات بصائر، فإن الآفة ببصائر قلوبهم لا بإبصار عيونهم، وهي الآفة التي كل آفة دونها، فكأنه يحثهم على إزالة المرض، وينعي عليهم تقاعدهم عنها» 96.

قال قتادة: البصر الناظر جعل بلغةً ومنفعة، والبصر النافع في القلب.

وقال مجاهد: لكل عين أربع أعين [يعني لكل إنسان أربع أعين] عينان في رأسه لدنياه، وعينان في قلبه لآخرته، فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه فلم يضره عماه شيئًا، وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه فلم ينفعه نظره شيئًا.

نتابع الكلام حول قوله سبحانه وتعالى: (وَمَن كَانَ فِي هَ?ذِهِ أَعْمَى? فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى? وَأَضَلُّ سَبِيلًا) [الإسراء:72] .

سبق تفسير هذه الآية بما قاله الإمام القرطبي «من أن من كان في هذه الدنيا أعمى بقلبه عن الإسلام وإبصار الحق فهو في الآخرة في النار، وهذا عين الإنصاف؛ لأنه لا ذنب للأعمى فيما حل به.

قال عكرمة: جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عباس فسألوه عن هذه الآية فقال: اقرؤوا ما قبلها: (رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ? إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ?66?وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ? فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ? وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا ?67?أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا ?68?أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى? فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ? ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا ?69?وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ?70?) [الإسراء:66 - 70] .

قال ابن عباس رضي الله عنه: من كان في هذه النعم والآيات التي رأى أعمى فهو عن الآخرة التي لم يعاين أعمى وأضل سبيلًا.

قال الحسن: من كان في هذه الدنيا أعمى عن حجج الله البالغة بعثه الله يوم القيامة أعمى، كما قال سبحانه: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى? ?124?قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى? وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ?125?قَالَ كَذَ?لِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ? وَكَذَ?لِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى? ?126) [طه:124 - 126] .

وقيل: فهو في الآخرة أعمى: أي: أشد عمى؛ لأنه من عمى القلب، ولا يقال مثله في عمى العين 97.

بقيت فائدة تخص ذكر الصدور وكونها مكان القلوب قوله سبحانه وتعالى: (تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) ومعلوم أن القلب مكانه الصدر بداهة، فما الفائدة المترتبة على ذكر (الَّتِي فِي الصُّدُورِ؟

والجواب على ذلك يكفينيه جار الله الزمخشري طيب الله ثراه، فيقول:

«الذي قد تعورف عليه واعتقد أن العمى على الحقيقة مكانه البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها، واستعماله في القلب استعارة، فلما أريد إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الإبصار احتاج هذا التصوير إلى زيادة تعيين وفضل تعريف؛ ليتقرر أن مكان العمى هو القلوب لا الأبصار، كما يقول: ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك، فقولك: الذي بين فكيك تقرير لما ادعيته للسانه وتثبيت؛ لأن محل المضاء هو هو لا غير، وكأنك قلت: ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك فلتة ولا سهوًا مني ولكن تعمدت به إياه بعينه تعمدًا» 98.

إذن فذكر الصدر جاء على سبيل التأكيد وزيادة التعيين والتعريف، كما في قوله تعالى: (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ) [آل عمران:167] .

وقولك: «نظرت بعيني رأسي» .

نخلص إلى حقيقة الحقائق، وهي أن العمى على سبيل الحقيقة الشرعية هو في القلب، ويكون حسيًا في العين، ولكن لا أثر له مع نور القلب، أعاذنا الله من العمى والعمه، ونسأله أن ينور بصائرنا بنوره.

وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ?) [النور:40] .

مما يميت القلب ـ والعياذ بالله ـ تغشيه بالران، وللإمام الفخر الرازي تفصيلات تخص معنى الران ذكرها من خلال أهل اللغة وأهل التفسير فيقول: «ولأهل اللغة في تفسير لفظة الرين وجوه، ولأهل التفسير وجوه أخر.

أما أهل اللغة فقال أبو عبيدة: ران على قلوبهم: غلب عليها، والخمر ترين على عقل السكران، والموت يرين على الميت فيذهب به.

قال الليث: ران النعاس والخمر في الرأس إذا رسخ فيه، وهو يرين رينًا وريونًا.

قال أبو زيد: يقال: رين بالرجل يران به رينًا إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه.

قال أبو معاذ النحوي: الرين: أن يسود القلب من الذنوب، وهو كالصدأ يغشى القلب، ومثله العينين.

والطبع: أن يطبع على القلب، وهو أشد من الرين.

والإقفال: أشد من الطبع، وهو أن يقفل على القلب.

وأما أهل التفسير فلهم وجوه: منها: أنه هو الذنب على الذنب حتى تحيط الذنوب بالقلب وتغشاه، فيموت القلب.

ومنها أن القلب كالكف فإذا أذنب الذنب انقبض، وإذا أذنب ذنبًا آخر انقبض وضم أخرى ـ حتى ضم أصابعه كلها ـ ثم يطبع عليه، وهو الرين.

والإنسان إذا واظب على الإتيان ببعض أنواع الذنوب حصلت في قلبه ملكة نفسانية على الإتيان بذلك الذنب، ولا معنى للذنب إلا ما يشغلك بغير الله، وكل ما يشغلك بغير الله فهو ظلمة فإذن الذنوب كلها ظلمات وسواد، ولكل واحد من الأعمال السالفة التي أورث مجموعها حصول تلك الملكة أثرٌ في حصولها، فذلك هو المراد من قولهم: كلما أذنب الإنسان حصلت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود القلب، ولما كانت مراتب الملكات في الشدة والضعف مختلفة لا جرم كانت مراتب هذا السواد والظلمة مختلفة، فبعضها يكون رينًا، وبعضها يكون طبعًا، وبعضها إقفالًا.

قال القاضي الباقلاني: ليس المراد من الرين أن قلبهم قد تغير وحصل فيه منع، بل المراد أنهم صاروا لإيقاع الذنب حالًا بعد حال متجرئين عليه، وقويت دواعيهم إلى ترك التوبة وترك الإقلاع فاستمروا وصعب الأمر عليهم؛ ولذلك بين أن علة الرين لا تمنع من الإقلاع والتوبة 99.

ولقد فسرت السنة النبوية المطهرة الران بالسواد الذي يعلو القلب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله(كَلَّا ? بَلْ رَانَ عَلَى? قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) ) 100.

إذن فالران ظلمة وسواد تحول بين القلب ومعرفة الحق أو الاعتراف به. نسأل الله العافية.

والران في الاستعمال القرآني جاء في معرض الحديث عن الفجار في قوله تعالى (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ?7?وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ?8?كِتَابٌ مَرْقُومٌ ?9?وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ?10?الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ?11?وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ?12?إِذَا تُتْلَى? عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ?13?كَلَّا ? بَلْ ? رَانَ عَلَى? قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ?14?) [المطففين:7 - 14] .

تتحدث هذه الآيات عن الأشقياء الفجار، وتصور جزاءهم في الآخرة، فيقول الله عز وجل ردعًا وزجرًا للمطففين: (كَلَّا) وهي للردع والزجر لهم عن غفلتهم عن البعث والجزاء، إن كتاب الأشقياء لفي مكان ضيق سحيق (لَفِي سِجِّينٍ) وهو مأخوذ من السجن، وهو الضيق (?وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ) وهل تعلم ما هو سجين؟ استفهام في غاية التهويل والتعظيم. ثم يجيب سبحانه وتعالى (كِتَابٌ مَرْقُومٌ) ومكتوب لا ينسى ولا يمحى.

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) أي: هلاك ودمار للمكذبين الذين يكذبون بيوم الجزاء والحساب؛ لأنه لا يكذب به إلا كل متجاوز للحد في الكفر والضلال مبالغ في العصيان والطغيان.

هذا المكذب إذا تتلى عليه آيات القرآن قال: (أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) أي: حكايات وأقاصيص وخرافات الأوائل سطروها وحبروها في كتبهم، ثم يأتي الردع لهذا المعتدي الأثيم عن قوله المتجرئ فيه على ربه تكذيبًا له: (كَلَّا ? بَلْ ? رَانَ عَلَى? قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) بيان ما أدى بهم إلى التفوه بتلك المقالة الباطلة: أي: ليس في آياتنا ما يصح أن يقال في شأنها مثل تلك المقالة الباطلة، بل ركب قلوبهم وغلب عليها ما استمروا على اكتسابه من الكفر والمعاصي حتى صار كالصدأ في المرآة، فحال ذلك بينهم وبين معرفة الحق؛ فلذلك قالوا ما قالوا 101.

نسأل الله معافاته.

من أخطر أسباب موت القلب الكفر.

وقد وردت مادة الكفر في القرآن العزيز مرتبطة بالقلب في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ? قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ? قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [البقرة:93] .

هذه آية من آيات كثيرة في القرآن الكريم تتحدث عن بني إسرائيل وفظائعهم الفاضحة، فقد أخذ الله عليهم العهد المؤكد ـ عن طريق رسله وأنبيائه ـ على العمل بما في التوراة، وقد تهددهم الله تعالى برفع الطور فوقهم فعلًا، قائلًا: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ) أي: بعزم وحزم، وإلا طرحنا الجبل فوقكم (وَاسْمَعُوا) سماع طاعة وقبول، فكان جوابهم: سمعنا قولك، وعصينا أمرك (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) أي: خالط حب العجل قلوبهم حتى امتزج بدمائهم، ودخل السويداء، كما يدخل الصبغ في الثوب، والماء في العود الأخضر، كل ذلك بسبب (بِكُفْرِهِمْ) قل لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم: (بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) كما تزعمون 102.

يقول الألوسي: «وذكر القلوب لبيان مكان الإشراب، وذكر المحل المتعين يفيد المبالغة في الإثبات.

وأشربوا من الشراب، ومن عادة العرب أنهم إذا عبروا عن مخامرة حب أو بغض استعاروا له اسم الشراب، إذ هو أبلغ منساغ في البدن؛ ولذا قال الأطباء: الماء مطية الأغذية والأدوية ومركبها الذي تسافر به إلى أقطار البدن 103.

وقريب منه «السلك» في الآية الأخرى، في قوله سبحانه وتعالى: (كَذَ?لِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) [الحجر:12] .

والسلك: إدخال الشيء في الشيء، كإدخال الخيط في المخيط.

والمعنى: كذلك نسلكه -أي: الضلال والكفر والاستهزاء والشرك- في قلوب المجرمين من قومك، قاله الحسن وقتادة، أو نسلك القرآن في قلوبهم فيكذبون به.

وأعظم أنواع الكفر: جحود الوحدانية، أو النبوة، أو الشريعة، وهو ما ينطبق على الآية التي نحن بصددها، وعلى كلٍ فالكفر من أحط أمراض القلوب، فليس بعد الكفر ذنب، أعاذنا الله والمؤمنين منه 104.

من الأمراض التى تقضي على القلب فتؤدي به إلى الموت: النفاق، والنفاق يطلق على الدخول في الشرع من باب والخروج عنه من باب، وعلى ذلك نبه سبحانه وتعالى بقوله: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [التوبة:67] .

أي: الخارجون من الشرع، وجعل الله المنافقين شرًّا من الكافرين. فقال: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) [النساء:145] 105.

وقد وصف النفاق في الاستعمال القرآني بالمرض، والمرض يعرف بأنه: حالة خارجة عن الطبع ضارة بالفعل، وقد يطلق المرض لغة على أثره، وهو الألم، وعلى ضعف القلب وفتوره، وعلى كل ما يعرض للمرء مما يخل بكمال نفسه، كالبغضاء، والغفلة، والغل، والحسد، وسوء الاعتقاد والهوى، وغير ذلك من موانع الكمالات المشابهة لاختلال البدن المانع عن الملاذ، والمؤدية إلى الهلاك الروحاني، الذي هو أعظم من الهلاك الجسماني.

والمنقول عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة وسائر السلف الصالح: حمل المرض في الآية على ما يخل بكمال النفس، ولا شك أن قلوب المنافقين كانت ملأى من تلك الخبائث التي منعتهم مما منعتهم، وأوصلتهم إلى الدرك الأسفل من النار 106.

فالمرض: إما آفة في الإدراك، كسوء الاعتقاد والكفر، وإما الهيئة الباعثة على ارتكاب الرذائل، كالغل والحسد والبغض، أو المانعة عن اكتساب الفضائل، كالضعف والجبن والخور.

وكل ذلك كائن موجود في المنافقين، حيث تأصل فيهم سوء الاعتقاد الذي أدى إلى ارتكاب الرذائل، الذي يؤدي بدوره إلى المنع من اكتساب الفضائل، ففساد اعتقادهم أدى بهم إلى الحقد والغل والحسد لدرجة أن صدورهم كانت تغلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين غلًا وحنقًا، فهم الذين وصفهم الله سبحانه وتعالى بقوله: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) [آل عمران:120] .

(ڑ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ) [آل عمران:118] .

ومن أفدح أنواع الأمراض وأخطرها مرض النفاق، وقد جاء في الاستعمال القرآني مقترنا بالقلب في آيات منها قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ?8?يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ?9?فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ? وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ?10?) [البقرة:8 - 10] .

هذه الآيات من سورة البقرة جاءت عقب ذكر صنفين من الناس.

يقول القاضي البيضاوي: «لما افتتح الله تعالى بشرح حال الكتاب، وساق بيانه، ذكر المؤمنين الذين أخلصوا دينهم لله، وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم، وثنى بأضدادهم الذين محضوا الكفر ظاهرًا وباطنًا، وثلث بالمذبذبين بين القسمين، وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم تكميلًا للتقسيم، وهم أخبث الكفرة، وأبغضهم إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم موهوا الكفر وخلطوا به خداعًا واستهزاءً؛ ولذلك طول في بيان خبثهم وجهلهم واستهزأ بهم، وتهكم بأفعالهم، وسجل عليهم عمههم وطغيانهم، وضرب لهم الأمثال، وأنزل فيهم: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) [النساء:145] » 107.

فوائد مهمة متعلقة بالنفاق:

الفائدة الأولى: المرض جاء منونا في قوله تعالى: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) [البقرة:10] .

فما الحكمة من ذلك؟ قلت: قال المحقق الألوسي: «جاءت كلمة (مَرَضٌ) بالتنوين: للدلالة على أنه نوع غير ما يتعارفه الناس من الأمراض» 108 وقد زاد الله مرضى القلوب بآفة النفاق مرضا (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) فما سبب هذه الزيادة؟ قلت: الجواب: أنه كلما نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعوه كفروا به فازدادوا كفرًا إلى كفرهم، أو كلما نصر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ازدادوا حسدًا وغلًا وبغضًا، وازدادت قلوبهم ضعفًا وخورًا، وهذا زيادة في المرض 109

الفائدة الثانية: معلوم أن مرض النفاق مجمع على ظهوره بالمدينة، فكيف تناوله القرآن المكي؟

قال سبحانه وتعالى في سورة المدثر المكية: وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَ?ذَا مَثَلًا ? كَذَ?لِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ? وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) [المدثر:31] .

والجواب: أن الله تعالى أخبر في هذه الآية المكية عما سيقع من المنافقين، وعلى هذا نعتبر هذه الآية معجزة؛ لأنه إخبار عن غيب سيقع، وقد وقع على وفق الخبر، فيكون معجزًا، ويجوز أن يراد بالمرض: الشك؛ لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين، وبعضهم كانوا قاطعين بالكذب. 110 ويمكن أن يكون المراد بالمرض ما هو مترتب على عداوة الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم من كراهية وغل وحقد وحسد وضغينة وحبٌ، لأن يغلب فكل هذه أمراض لا مانع من وجودها في القلب مع الكفر.

الفائدة الثالثة: كثيرًا ما يفسر النفاق بالشك في حين أن آية النور يقول منطوقها: (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) [النور:50] ومعروف أن المرض مرض النفاق، فكيف نوفق بين حمل القرآن للمرض على أنه النفاق (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي: نفاق، وبين تفسير النفاق بالشك مع وجود هذه الآية الكريمة؟

يقول الألوسي: «هذا ترديد لسبب الإعراض المذكور، فمدار الاستفهام ما يفهم من الكلام كأنه قيل: أسبب إعراضهم عن المحاكمة إليه صلى الله عليه وسلم أنهم مرضى القلوب لكفرهم ونفاقهم، أم سببه أنهم ارتابوا وشكوا في أمر نبوته صلى الله عليه وسلم مع ظهور حقيقتها، أم سببه أنهم يخافون أن يحيف ويجور الله تعالى شأنه عليهم ورسوله صلى الله عليه وسلم والاستفهام إنكاري» 111.

ويقول الرازي: (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) إشارة إلى النفاق (ارتابوا) إشارة إلى أنه حدث هذا الشك والريب بعد تقرير الإسلام في القلب 112.

ففسر المرض بمرض يقوم بأعيانهم، أو المرض: الكفر، والريب: النفاق، أو المرض: الكفر، والريب شيء حدث بعد تقرير الإسلام في القلب.

الفائدة الرابعة: ما معنى ذكر النفاق والمرض في موضع واحد؟

قال سبحانه وتعالى: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) [الأحزاب:12] .

وقال أيضًا: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:60] .

وظاهر العطف أن الذين في قلوبهم مرض قوم لم يكونوا منافقين، فقيل: هم قوم كان المنافقون يستميلونهم بإدخال الشبهة عليهم، وقيل: قوم كانوا ضعفاء الاعتقاد لقرب عهدهم بالإسلام.

وجوز أن يكون المراد بهم المنافقين أنفسهم، والعطف لتغاير الوصف كقولهم: «إلى الملك القرم وابن الهمام» سواء جعل العطف تفسيريًا، أو فسر مرض القلوب بالإحن والعداوات والشك مما هو غير النفاق، وعلى هذا فهم فريق واحد إلا أن لهم اعتبارات متعددة: المرض، الإرجاف، الارتياب، التردد.

وهذا نظير قوله سبحانه وتعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ [الأحزاب: 35] .

حيث ذكر أصنافًا عشرة كلهم يوجد في واحد منهم واحد بالشخص كثير بالاعتبار 113.

خلاصة القول: أن المرض من أعظم آفات القلوب فتكًا بمن تمكن منه، وأكثر ما يفسر بالنفاق والشك والشهوة، وغير ذلك، ولكنه غلب على النفاق نسأل الله معافاته.

أولًا: سنة الله في أصحاب القلوب السليمة:

تناولنا فيما سبق صفات القلوب في الاستعمال القرآني من حيث السلامة والمرض والموت، ومما لا شك فيه أن القلوب ليست هي الغايات بل أصحابها بنص القرآن الكريم.

قال تعالى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ?88?إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ?89?) [الشعراء:88 - 89] .

فالذي يحمل قلبا مخلصا لا شرك فيه ولا شبهة ينتفع به في الآخرة.

من هنا يجدر بنا أن نبين سنة الله وعادته في أصحاب القلوب على اختلاف أوصافها ليعيش المسلم بين الخوف والرجاء، الخوف من هلاك القلب وخسران صاحبه، والرجاء في مزيد من الطاعة ليفوز فوزًا عظيمًا.

وبناء على ما تقدم نستطيع استجلاء سنة الله وعادته مع أصحاب القلوب السليمة، وكونه سبحانه وتعالى يرزقهم من عطاياه الجزيل في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيهبهم:

••الطمأنينة وسكون النفس وراحة البال.

••ويرزقهم الله عز وجل الخوف منه، فلا يقدمون على معصيته، ولا يجترئون على منكر.

••ويغرس فيهم الرأفة والرحمة والشفقة.

••ويمنحهم الله الطهر والنقاء وصفاء السريرة.

••كما يرزقهم الله الإخبات والخشوع والتذلل لجناب الحق ـ جل وعلا ـ ويغرس في قلوبهم الإيمان غرسًا.

••كما يحبوهم الله ألفة، وما أدراك ما الألفة؟ إنه سمت المسلم وسمته.

••كما يعطيهم الله التقوى والإنابة وكثرة الرجوع إليه سبحانه.

••كذلك الهدى والرشاد، وكفى بهما ظفرًا لصاحبهما.

••كذلك يرزقهم الله القوة في الصدع بالحق، فلا يخافون من مخلوق البتة.

••كذلك يرزقهم الله ليونة وطواعية تجعل صاحب القلب السليم حيًا يتأثر بالمواقف وينفعل بها.

••كذلك الفقه، ونعمة الفهم، وأجزل بهما من عطاء لصاحب القلب السليم المستقيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت