أولًا: المعنى اللغوي:
هي صيغة مبالغة من لفظة خسر: «الخاء والسين والراء أصل واحد، يدل على النقص، فمن ذلك الخسر والخسران، كالكفر والكفران، والفرق والفرقان، ويقال: خسرت الميزان وأخسرته، إذا نقصته» 1.
والخسر والخسران انتقاص رأس المال، وينسب ذلك إلى الإنسان فيقال: خسر فلان، وإلى الفعل فيقال: خسرت تجارته 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرّفه الشنقيطي قائلًا: «والخسران في اصطلاح الشرع: هو غبن الإنسان في حظوظه من ربه جل وعلا؛ لأن الإنسان إذا غبن في حظوظه من ربه جل وعلا فقد خسر الخسران المبين» 3.
ومن خلال المعنى اللغوي السابق، ومعاني الآيات التي وردت فيها لفظة الخسران يمكن أن يقال في التعريف الاصطلاحي لكلمة الخسران: «هو ضلال السعي وفقدان الأموال والأهل في الدنيا والآخرة، والوقوع في الهلاك والضلال» ، أو «هو فقدان الأعمال والأموال والأهل والأجر والثواب في الدنيا والآخرة، بسبب ضلال السعي والانحراف عن دين الله» .
ورد الجذر (خ س ر) في القرآن الكريم (65) مرة 4.
والصيغ التي جاءت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 15 ... {فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) } [النساء:119]
الفعل المضارع ... 3 ... {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27) } [الجاثية:27]
المصدر ... 9 ... {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) } [العصر:2]
اسم فاعل ... 34 ... {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) } [الزمر:15]
اسم تفضيل ... 4 ... {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) } [النمل:5]
وجاء الخسران في القرآن على خمسة أوجه 5:
الأول: النقص، ومنه قوله: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [المطففين:3] أي: ينقصون.
الثاني: الغبن، ومنه قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) } [الزمر:15] أي: الغبن المبين.
الثالث: العجز، ومنه قوله تعالى: {قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14) } [يوسف:14] أي: إذًا لعجزة.
الرابع: الضلال، ومنه قوله تعالى: {فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) } [النساء:119] أي: ضل ضلالًا مبينًا.
الخامس: العقوبة، ومنه قوله تعالى: {وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر:65] . أي: في العقوبة.
الضلال:
الضلال لغة:
مصدر (ضلّ) ، والذي يعني الضياع والذهاب والغياب، وكل من زاغ عن المطلوب والقصد يسمى (ضالًّا) ، و (يضلّ ويضلّ) لغتان عند العرب 6.
الضلال اصطلاحًا:
«كل عدول عن النهج عمدًا أو سهوًا قليلًا كان أو كثيرًا» 7.
الصلة بين الضلال والخسران:
العدول عن الطّريق المستقيم يبعد المرء عن الوصول لمقصده أكثر فأكثر، وبالتالي لا يحقق المرء غايته أبدًا، وهذا من الخسران.
الفلاح:
الفلاح لغة:
«الفاء واللام والحاء أصلان صحيحان، أحدهما يدل على شق، والآخر يدل على فوز وبقاء، فلح فلاحًا: ظفر بما يريد» 8.
الفلاح اصطلاحًا:
اسمٌ جامع للظّفر بالمطلوب، والنّجاة من المرهوب 9.
الصلة بين الفلاح والخسران:
العلاقة بينهما التضاد؛ إذ الضلال العدول عن الطريق المستقيم، والابتعاد عن الوصول للمقصود والغاية، وأما الفلاح فهو الظفر بالمطلوب.
معلوم أن أسباب الخسران عديدة، وأحببنا أن نبرزها ونوضحها من أجل أخذ الحيطة والحذر من الوقوع فيها؛ وذلك لأجل النجاة يوم القيامة من عذاب الله، والفوز برضوانه والجنة، ولم لا نكون مثل حذيفة بن اليمان الذي كان يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشر، مخافة أن يصيبه؟ فقد روى أبو إدريس الخولاني أنّه سمع حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم) 10.
وسوف نورد هذه الأسباب في النقاط الآتية:
أولًا: الكفر بالله تعالى:
حياة الإنسان قائمة في الحياة الدنيا على الإيمان بالله بكل ما أمرنا به، ونهانا عنه، ومن يحقق الإيمان فقد نجا وفاز يوم القيامة بالجنة ورضوان الله، وأما من يكفر بالله، ويجحد بالإيمان فقد باء بغضب من الله، وضل ضلالًا بعيدًا، لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136) } [النساء:136] .
وقوله تعالى أيضًا: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (52) } [العنكبوت:52] .
فأي خسران بعد خسران الإيمان؟! إنه أعظم مصيبة على الناس في هذا الوجود؛ فالكفر والإشراك بالله يعدّ من أعظم الكبائر التي حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم منها، فعن أنس رضي الله عنه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أعظم الكبائر فقال:(الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور) 11.
ويعدّ ذلك أيضًا من السبع الموبقات التي تلقي صاحبها في نار جهنم، وبهذا باء بالخسارة في الآخرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله!، وما هن؟ قال: الشرك بالله .. ) 12.
ولكن من يكفر بالله وينكر وجوده ولقاءه يوم القيامة فقد خسر خسرانًا مبينًا؛ لأنه كفر بأهم ركن، ألا وهو الإيمان بالله وبلقائه؛ لقوله تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) } [الأنعام:31] .
وقوله تعالى: {وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) } [السجدة:10] ؛ وبهذا خسروا الدنيا والآخرة؛ لأنهم لم يعملوا ليوم البعث وكفروا به، وقصروا أمرهم على الحياة الدنيا، فضيّعوا أنفسهم وحظهم من الآخرة؛ لقوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) } [الزمر:65] .
وبهذا فقد بطلت وخابت كل الأعمال التي يقوم بها الكافر، حيث لا تنفع صاحبها يوم القيامة؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) } [النور:39] .
وسوف يتناول البحث الآيات التي تبيّن الخسران الذي يناله هؤلاء الكافرون بربهم، وذلك فيما يأتي.
قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) } [البقرة:121] .
وأشار الطبري إلى اختلاف أهل التأويل في الذين عناهم الله جل ثناؤه بقوله: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} فقال بعضهم: هم المؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، ذكر ذلك عن قتادة في قوله: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} قال: هؤلاء أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم آمنوا بكتاب الله وصدّقوا به.
وقال آخرون: بل عنى الله بذلك علماء بني إسرائيل الذين آمنوا بالله، وصدّقوا رسله، فأقرّوا بحكم التوراة، فعملوا بما أمر الله فيها من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به، والتصديق بما جاء به من عند الله، ذكر ابن زيد في قوله: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} قال: من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم من يهود فأولئك هم الخاسرون.
ورجّح الطبري هذا القول، مستدلًّا بأن الآيات قبلها مضت بأخبار أهل الكتابين، وتبديل من بدل منهم كتاب الله، وتأويلهم إياه على غير تأويله، وادّعائهم على الله الأباطيل، ولم يجر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الآية التي قبلها ذكر، فيكون قوله: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} موجهًا إلى الإخبار عنهم، وليس لهم بعدها ذكر في الآية التي تتلوها، وبالتالي فالذي هو أولى بمعنى الآية أن يكون موجهًا إلى أنه خبر عمن قصّ الله جل ثناؤه في الآية قبلها والآية بعدها، وهم أهل الكتابين: التوراة والإنجيل 13.
وأما قوله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} فقال بعضهم: معنى ذلك: يتبعونه حق اتباعه، وقال آخرون: يقرءونه حق قراءته.
والمعنى: الذين آتيناهم الكتاب يا محمد من أهل التوراة الذين آمنوا بك وبما جئتهم به من الحق من عندي، يتبعون كتابي الذي أنزلته على رسولي موسى صلوات الله عليه فيؤمنون به، ويقرون بما فيه من نعتك وصفتك، وأنك رسولي، فرض عليهم طاعتي في الإيمان بك، والتصديق بما جئتهم به من عندي، ويعملون بما أحللت لهم، ويجتنبون ما حرمت عليهم، ولا يحرفونه عن مواضعه، ولا يبدّلونه، ولا يغيّرونه عما أنزلته عليهم بتأويل ولا غيره، وقيل: مراعاة اللفظ عن التحريف، والتدبر في معناه، والعمل بمقتضاه 14.
وأما قوله تعالى: {أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي: هؤلاء الذين أخبر عنهم يتلون ما آتاهم من الكتاب حق تلاوته، فيصدّقون به، ويذعنون لما أمر به ونهى عنه، ويعملون بموجبه، وهؤلاء من الذين قال الله تعالى فيهم: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) } [آل عمران:113 - 115] .
وقال أيضًا: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) } [القصص:52 - 54] .
هذا التفسير على أساس أن الكتاب، هو كتاب أهل الكتاب الذي آمنوا به ولم يحرّفوه عن مواضعه، ولم يكتبوه بأيديهم، ويلووا به ألسنتهم، ويقولوا هو من عند الله، وما هو من عند الله.
ولكن من المفسرين من قالوا: إنه القرآن الكريم، وإطلاق اسم الكتاب عليه من غير ذكر أنه القرآن؛ للدلالة على كماله وأنه لا يماثله من الكتب كتاب، ولو كان سماويًّا؛ لأنه الكتاب الكامل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه 15.
وأما قوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) } [البقرة:121] أي: ومن يكفر بهذا ويجحد بما أنزل إليك، وينكر البشارة فيك، وذلك بتحريف كتبهم لتوافق أهواءهم، ويجحد بآياته وإنكار أحكامه، وما فيه من فرائض الله، أولئك هم الذين خسروا علمهم وعملهم، فبخسوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله، واستبدلوا بها سخط الله وغضبه.
وقيل: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} أي: الضالون الهالكون الذين خسروا سعادة الدنيا، ونعيم الآخرة؛ ذلك لأنهم اشتروا الضلالة بالهدى والكفر بالإيمان، وقيل: بتجارتهم التي كانوا يعملونها بأخذ الرشا على التحريف، وحكم سبحانه عليهم بالخسران مؤكدًا بضمير الفصل «هم» ، وبالجملة الاسمية 16.
وقوله: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} أي: المغبونون في صفقتهم؛ حيث اشتروا الكفر بالإيمان، والآية من قبيل المجادلة بالتي هي أحسن، حيث لم يصرح بنسبة الإيمان بالباطل، والكفر والخسران إليهم، بل بالإبهام 17.
وهناك الكثير من الآيات والأحاديث الدالة على خسران هؤلاء الكافرين في الدنيا والآخرة، والمحذرة من الكفر بالله سبحانه وتعالى.
فمن ذلك قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (45) } [يونس:45] .
وقوله: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85) } [غافر:85] .
وقوله أيضًا: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (52) } [العنكبوت:52] .
قال سيد قطب: «الخاسرون على الإطلاق، الخاسرون لكل شيء، الخاسرون للدنيا والآخرة، الخاسرون لأنفسهم وللهدى، والاستقامة، والطمأنينة، والحق والنور.
إن الإيمان بالله كسب، كسب في ذاته، والأجر عليه بعد ذلك فضل من الله، إنه طمأنينة في القلب، واستقامة على الطريق، وثبات على الأحداث، وثقة بالسند، واطمئنان للحمى، ويقين بالعاقبة، وإن هذا في ذاته لهو الكسب؛ وهو الذي يخسره الكافرون» 18.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: (الطهور شطر الإيمان) ، وفي آخر الحديث (كل الناس يغدوا، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) 19.
ثانيًا: التكذيب:
إن التكذيب والجحود سواء أكان بالله أم بآياته أم برسله أم بالبعث من أقبح أنواع التكذيب، وهو سبب رئيس للخسران في الدنيا والآخرة، ونبين خطورة هذا السبب فيما يأتي:
1.التكذيب بالله تعالى.
إن التكذيب بالله تعالى وعدم طاعته فيما أمر لهو أكبر خسران يناله الإنسان في حياته.
أما أولئك الذين حسبوا أنهم خلقوا لغير طاعة ولا عبادة، فينكر الله عليهم ذلك بقوله: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) } [المؤمنون: 115 - 116] .
وإن ترك العبادة والطاعة لله يوقع الإنسان في خسران لا يحمد عقباه في العاجل والآجل.
قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9) } [الطلاق:8 - 9] .
يخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية عن كثير من أهل القرى الذين خالفوا أمر ربهم، يعني: أبت وعصت عن أمر ربها، وقيل: العتو المعصية، وقيل: العتو مجاوزة الحد في المعصية، وقيل: أعرضت عنه على وجه العتو والفساد، وقيل: تمردت وطغت واستكبرت عن اتباع أمر الله ومتابعة رسله، فكذّبوهم ولجوا في طغيانهم يعمهون.
فحاسبها الله حسابًا عسيرًا، أي: جازاها الله بعملها، ويقال: حاسبناها في الآخرة حسابًا شديدًا، وقيل: بالاستقصاء والمناقشة، وعذّبها عذابًا نكرًا، وعبّر بالماضي عن المستقبل: دلالة على التحقيق 20.
ثم بيّن الله سبحانه وتعالى أن هذا جزاء ما كسبت أيديهم، فقال: {فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9) } أي: فجنت ثمار ما غرست أيديها، ولا يجنى من الشر إلا الشر، كما جاء في أمثالهم: «إنك لا تجني من الشوك العنب» 21، «فكان عاقبة أمرها الخسران والنكال الذي لا يقدر قدره» 22.
وقيل: «المراد: حساب الآخرة وعذابها، وما يذوقون فيها من الوبال، ويلقون من الخسر» 23.
2.التكذيب بآيات الله.
إذا أردنا التعرف على المقصود بآيات الله، ترى هل يقصد بها كلام الله الموحى به إلى رسله ليبلغوا عنه شرعه ودينه عليهم الصلاة والسلام فقط؟
لا شك أن هناك معنى آخر للآيات، فإن آيات الله قد تشمل العلامات، والأدلة، والبراهين التي أبرزها الله لعباده من أجل هدايتهم؛ لقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) } [فصلت:53] .
ولكن هناك من ختم الله على قلوبهم فجحدوا بهذه الآيات، وكفروا بها، بل أنكروها وكذبوا من أتى بها أو أبرزها لهم؛ لقوله تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) } [الأنعام:4] .
وقوله تعالى: {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا} [الأنعام:25] .
فكانت عاقبتهم الضياع والهلاك، بخسران أنفسهم وأهليهم، وخسران كل شيء من رحمة الله، ومغفرته، والفوز بجنته يوم القيامة؛ لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4) } [آل عمران:4] .
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) } [آل عمران:19] .
وسنتناول الآيات التي تبرز الخسران الذي سوف ينالونه من وراء كفرهم بآيات الله، وذلك فيما يأتي.
قال تعالى: {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (95) } [يونس:95] .
الخطاب في هذه الآية موجه للنبي صلى الله عليه وسلم، لكن المراد به غيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم على يقين مما جاء به أنه الحق، فبعد أن اشتد الموقف وتأزم في مكة بعد حادثة الإسراء، وبعد وفاة خديجة رضي الله عنها، وأبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشتداد الأذى على الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه، وبعد تعثر الدعوة في مكة بسبب عناد قريش.