فهرس الكتاب

الصفحة 1601 من 2431

العدل

أولًا: المعنى اللغوي:

العدل مصدر عدل يعدل عدلًا، وهو مأخوذ من مادة «ع د ل» التي تدل على معنيين متقابلين: أحدهما يدل على الاستواء، والآخر على الاعوجاج 1، ويرجع لفظ العدل هنا إلى المعنى الأول، وإذا كان العدل مصدرًا، فمعناه: خلاف الجور، وهو ما قام في النفوس أنه مستقيم، وقد يستعمل هذا المصدر استعمال الصفات، ويرادفه في معناه المصدري العدالة والعدولة والمعدلة والمعدلة، يقال: فلان من أهل المعدلة، أي: من أهل العدل، وعدل عن الطريق عدولًا مال عنه وانصرف 2. والعَدل والعِدل والعَديل: النظير والمثيل 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يخرج العدل عن معنى الاستقامة على الحق، العدل هو الحكم بالحق، أو فصل الحكومة على ما في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا الحكم بالرأي المجرد 4.

وقيل: «بذل الحقوق الواجبة، وتسوية المستحقين في حقوقهم» 5.

وقال ابن حزم: «هو أن تعطي من نفسك الواجب وتأخذه» 6.

وقال الجرجاني: «العدل: الأمر المتوسط بين الإفراط والتفريط، فالعدالة في الشريعة: عبارة عن الاستقامة على طريق الحق بالاجتناب مما هو محظور دينًا» 7.

فالمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي فكلاهما يدلان على الاستواء والاستقامة، إلا أن المعنى الاصطلاحي خص بالاستقامة على الحق.

وردت مادة (عد ل) في القرآن الكريم (28) مرة، يخص موضوع البحث منها (27) مرة 8.

والصيغ التي وردت عليها هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل المضارع ... 11 ... {وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا} [الأنعام:70]

الفعل الأمر ... 2 ... {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة:8]

المصدر ... 14 ... {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} [النحل:90]

وجاء العدل في الاستعمال القرآني على أربعة أوجه 9:

الأول: الفداء: ومنه قوله تعالى: {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} [البقرة: 48] يعني: فداء.

الثاني: القيمة: ومنه قوله تعالى: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} [المائدة: 95] يعني: قيمة ذلك بصيام.

الثالث: الشرك: ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] يعني: يشركون.

الرابع: الإنصاف: ومنه قوله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا} [المائدة: 8] .

المساواة:

المساواة لغة:

مصدر سوي، والسوى: العدل، والسواء من المساواة تقول: بنو فلان سواء، إذا استووا في خير أو شر، فإذا قلت: سواسية لم يكن إلا في شر 10.

المساواة اصطلاحًا:

اتفاق الشيئين في الكمية 11.

الصلة بين العدل والمساواة:

إن المساواة هي الغاية التي تسعى العدالة إلى تحقيقها، وهي الغاية المرجوة منها، والعدل -في مجال الحكم- هو الحكم بالسوية 12، ولما كانت العدالة خلقًا أو هيئة نفسانية تصدر عنها المساواة؛ فقد اقترن الأمران، وارتبطا ارتباطًا وثيقًا؛ لأن العادل من شأنه أن يساوي بين الأشياء التي هي غير متساوية؛ ولما كان الأمر كذلك، فإن كليهما قد يستعمل استعمال الآخر تسامحًا 13، ولكنهما غالبًا ما يستعملان معًا.

الإنصاف:

الإنصاف لغة:

إعطاء الحق، وأنصف الرجل صاحبه إنصافًا، أي: عدل، وأنصف: إذا أخذ الحق، وأعطى الحق، والنصفة: اسم الإنصاف، وتفسيره: أن تعطيه من نفسك النصف، أي: تعطيه من الحق كالذي تستحق لنفسك. ويقال: انتصفت من فلان أخذت حقي كاملًا 14.

الإنصاف اصطلاحًا:

قال المناوي: «الإنصاف: هو العدل في المعاملة بأن لا يأخذ من صاحبه من المنافع إلا ما يعطيه، ولا ينيله من المضار إلا كما ينيله، وهو والعدل توأمان نتيجتهما علو الهمة، وبراءة الذمة باكتساب الفضائل، وتجنب الرذائل» 15.

الصلة بين العدل والإنصاف:

«إن الإنصاف إعطاء النصف، والعدل يكون في ذلك وفي غيره، ألا ترى أن السارق إذا قطع قيل: إنه عدل عليه، ولا يقال: إنه أنصف، وأصل الإنصاف: أن تعطيه نصف الشيء وتأخذ نصفه من غير زيادة ولا نقصان، وربما قيل: أطلب منك النصف، كما يقال أطلب منك الإنصاف» 16.

القسط:

القسط لغة:

القسط بالكسر: العدل، يقال أقسط يقسط فهو مقسطٌ: إذا عدل، وقسط يقسط فهو قاسطٌ: إذا جار، والقسط أيضًا: مكيال، وهو نصف صاع 17.

القسط اصطلاحًا:

«القسط بالكسر، النصيب بالعدل» 18.

الصلة بين العدل والقسط:

إن القسط هو: العدل البين الظاهر، ومنه سمي المكيال قسطًا، والميزان قسطًا؛ لأنه يصور لك العدل في الوزن حتى تراه ظاهرًا، وقد يكون من العدل ما يخفى ولهذا قلنا: إن القسط هو النصيب الذي بينت وجوهه، وتقسط القوم الشيء تقاسموا بالقسط 19.

تنوعت أساليب القرآن في الحث على العدل، وهي كما يأتي:

أولًا: أسلوب الطلب:

هناك آيات كثيرة تأمر بالعدل، جملة وتفصيلًا في مجالات كثيرة، ومنها:

قوله تعالى: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282] .

قال الطبري: «يعني بذلك جل ثناؤه: وليكتب كتاب الدين إلى الأجل المسمى بين الدائن والمدين {كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} يعني: بالحق والإنصاف في كتابه الذي يكتبه بينهما، بما لا يتحيف ذا الحق حقه، ولا يبخسه، ولا يوجب له حجة على من عليه دينه فيه بباطل، ولا يلزمه ما ليس عليه» 20.

وقال الماوردي: «وعدل الكاتب ألا يزيد فيه إضرارًا بمن هو عليه، ولا ينقص منه، إضرارًا بمن هو له» 21.

وقوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282] .

قال الزجاج: «ومعنى: {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} أي: الذي يقوم بأمره؛ لأن الله أمر ألا نؤتي السفهاء الأموال، وأمر أن يقام لهم بها، فقال: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ} [النساء: 5] .

فوليه الذي يقوم مقامه في ماله لو كان مميزًا» 22.

وقوله تعالى: {وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ} [النساء: 127] .

وعن عائشة رضي الله عنها في قول الله تعالى: {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} [النساء: 127] .

قالت: «هذا في اليتيمة التي تكون عند الرجل لعلها أن تكون شريكته في ماله، وهو أولى بها، فيرغب عنها أن ينكحها؛ فيعضلها لمالها، ولا ينكحها غيره كراهية أن يشركه أحد في مالها» 23.

وقوله تعالى: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 152] .

في هذه الآية يحذر المولى عز وجل النفوس الضعيفة التي تطبق ميزان العدل، وتشهد بالحق على الآخرين، وإذا كانت القضية تمسهم أو تمس أقاربهم فسرعان ما يميلون عن العدل، ويزيغون عن الحق.

قال ابن كثير: «يأمر الله تعالى بإقامة العدل في الأخذ والإعطاء، كما توعد على تركه في قوله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} [المطففين: 1] » 24.

وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90] .

في هذه الآية الكريمة إشارة إلى الفضل مع العدل، ففيما يتعلق بالعدل فإن الإحسان فوقه؛ لأنه إذا كان العدل يعني أن يأخذ الإنسان ما له، ويعطي ما عليه؛ فإن الإحسان يعني أن يأخذ الإنسان أقل مما له، وأن يعطي أكثر مما عليه، فالإحسان بذلك زائد على العدل، وإذا كان تحري العدل من الواجبات؛ فإن تحري الإحسان ندب وتطوع، وكلاهما مأمور به، فالعدالة لابد منها لضبط الأمور، وإنصاف بعضهم من بعض.

وعندما سأل عمر بن عبد العزيز محمد بن كعب القرظي: صف لي العدل، قال: بخ، سألت عن أمر جسيم، كن لصغير الناس أبًا، ولكبيرهم ابنًا، وللمثل أخًا، وللنساء كذلك! وعاقب الناس على قدر ذنوبهم، ولا تضربن في غضبك سوطًا واحدًا؛ فتكون من العادين، ذاك وصف العدل.

وقال ابن رجب الحنبلي: «فجوامع الكلم التي خص بها النبي صلى الله عليه وسلم نوعان: أحدهما: ما هو في القرآن، كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} [النحل: 90] .

قال الحسن البصري: «لم تترك هذه الآية خيرًا إلا أمرت به، ولا شرًا إلا نهت عنه» 25.

وقوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} [الأعراف: 29] .

هذا أمر بالعدل المطلق في الأحكام والأعمال، وهو الأصل العام لجميع الأحكام بين الناس 26.

وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [الأحزاب: 70] .

قال الطبري: «السديد من الكلام: هو العدل والصواب» 27.

وقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25] .

هذه الآية الكريمة تبين حرص الدعوة الإسلامية على بناء مجتمع العدل والقوة، وتوضح الأسس اللازمة لبناء مجتمع قوي متحضر يقوم على العدل والقوة، فالكتاب والميزان لإقامة العدل، والحديد لإيجاد القوة التي تحمي العدل، وتكفل استمراره، والعدل الشامل يمتد إلى المسلم والذمي والكافر، والأغنياء والفقراء، والأقوياء والضعفاء، والرجال والنساء، حيث تتحدد حقوق الجميع وفق موازين العدل دون احتكار، أو استغلال، أو استئثار، أو ظلم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «أخبر الله في كتابه أنه أنزل الكتاب والحديد؛ ليقوم الناس بالقسط، فقال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} [الحديد: 25] الآية.

ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بتولية ولاة الأمور عليهم، وأمر ولاة الأمور أن يردوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، وأمرهم بطاعة ولاة الأمور من طاعة الله تعالى» 28.

ثانيًا: أسلوب النهي عن ضده:

ضد العدل: الظلم، وأصله: وضع الشيء في غير موضعه، وكذلك ذكر غير واحد، قالوا: والعرب تقول: من أشبه أباه فما ظلم، أي: ما وضع الشبه في غير موضعه.

وأجمع العلماء سلفًا وخلفًا على تحريم الظلم، -ولو كان شيئًا يسيرًا-، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من اقتطع حق امرئٍ مسلمٍ بيمينه فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة) فقال له رجلٌ: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: (وإن قضيبًا من أراكٍ) 29.

قال الزرقاني: «لئلا يتهاون بالشيء اليسير، ولا فرق بين قليل الحق وكثيره في التحريم، أما في الإثم؛ فالظاهر أنه ليس من اقتطع القناطير المقنطرة من الذهب والفضة كمن اقتطع الدرهم والدرهمين، وهذا خرج مخرج المبالغة في المنع، وتعظيم الأمر وتهويله» 30. وقال الراغب الأصفهاني: «الظلم هو الانحراف عن العدل؛ ولذلك حد بأنه وضع الشيء في غير موضعه المخصوص به، وقد يسمى هذا الانحراف جورًا، ولما كانت العدالة تجري مجرى النقطة من الدائرة؛ فإن تجاوزها من جهة الإفراط عدوان وطغيان، والانحراف عنها في بعض جوانبها جور وظلم، والظلم أعم هذه الألفاظ استعمالًا» 31.

«وقال أبو بكر بن الأنباري: الظلم وضع الشيء في غير موضعه، يقال: ظلم الرجل سقاءه، إذا سقا منه قبل أن يخرج زبده، قال الشاعر 32:

وصاحب صدق لم تنلني شكاته

ظلمت وفي ظلمي له عامدًا أجر

أراد بالصاحب: وطب اللبن، وظلمه إياه: أن يسقيه قبل أن يخرج زبده، والعرب تقول: هو أظلم من حية؛ لأنها تأتي الحفر الذي لم تحفره فتسكنه، ويقال: قد ظلم الماء الوادي إذا وصل منه إلى مكان لم يكن يصل إليه فيما مضى 33.

وهناك آيات كثيرة قاضية بتحريم الظلم جملة وتفصيلًا، ومنها:

قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف: 33] .

قال الزمخشري: «البغي: الظلم والكبر، أفرده بالذكر كما قال: {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} [الأعراف: 33] .

فيه تهكم؛ لأنه لا يجوز أن ينزل برهانًا بأن يشرك به غيره» 34.

وقال الشوكاني: «قوله: {وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} أي: الظلم المجاوز للحد، وأفرده بالذكر بعد دخوله فيما قبله؛ لكونه ذنبًا عظيمًا، كقوله: {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} » 35.

وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90] .

قال الواحدي: «البغي: الكبر والظلم {يَعِظُكُمْ} ينهاكم عن هذا كله، ويأمركم أن تتحاضوا على ما فيه لله رضا؛ لكي تتعظوا» 36.

ولم يقتصر التحريم على ظلم الغير، بل نهانا ربنا سبحانه وتعالى عن ظلم النفس كذلك، فقال: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36] .

ومنع سبحانه كل سبب يؤدي إلى الظلم، فقال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى: 27] .

قال الزمخشري: «لبغوا من البغي، وهو الظلم، أي: لبغى هذا على ذاك، وذاك على هذا؛ لأن الغنى مبطرة مأشرة، وكفى بحال قارون عبرة» 37.

وكذلك هناك آيات كثيرة قاضية بوعيد الله للظالمين، ومنها:

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21] .

{يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ} أي: بالعدل 38.

وتكرير الفعل «يقتلون» للإشعار بما بين القتلين من التفاوت أو باختلافها في الوقت 39.

قال الطبري: «تأويل الآية إذًا: إن الذين يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير حق، ويقتلون آمريهم بالعدل في أمر الله ونهيه، الذين ينهونهم عن قتل أنبياء الله، وركوب معاصيه» 40.

وقال السعدي: «هؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية أشد الناس جرمًا، وأي جرم أعظم من الكفر بآيات الله التي تدل دلالة قاطعة على الحق الذي من كفر بها فهو في غاية الكفر والعناد، ويقتلون أنبياء الله الذين حقهم أوجب الحقوق على العباد بعد حق الله، الذين أوجب الله طاعتهم والإيمان بهم وتعزيرهم، وتوقيرهم، ونصرهم، وهؤلاء قابلوهم بضد ذلك، ويقتلون أيضًا الذين يأمرون الناس بالقسط، الذي هو العدل، وهو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر الذي حقيقته إحسان إلى المأمور، ونصحٌ له؛ فقابلوهم شر مقابلة فاستحقوا بهذه الجنايات المنكرات أشد العقوبات، وهو العذاب المؤلم البالغ في الشدة إلى غاية لا يمكن وصفها، ولا يقدر قدرها، المؤلم للأبدان والقلوب والأرواح.

وبطلت أعمالهم بما كسبت أيديهم، وما لهم أحد ينصرهم من عذاب الله، ولا يدفع عنهم من نقمته مثقال ذرة، بل قد أيسوا من كل خير، وحصل لهم كل شر وضير، وهذه الحالة صفة اليهود ونحوهم،-قبحهم الله- ما أجرأهم على الله وعلى أنبيائه وعباده الصالحين» 41.

وبين سبحانه وتعالى أن الظالمين لا ينتفعون بالقرآن الكريم؛ لفساد فطرتهم، فقال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82] .

قال قتادة: قوله: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه {وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ} به {إِلَّا خَسَارًا} أنه لا ينتفع به، ولا يحفظه، ولا يعيه 42.

وقال الشعراوي: «لأنهم بظلمهم واستقبالهم فيوضات السماء بملكات سقيمة، وأجهزة متضاربة متعارضة، فلم ينتفعوا بالقرآن، ولم يستفيدوا برحمات الله» 43.

ونهانا ربنا سبحانه وتعالى عن مجرد الميل اليسير إلى من تلبس بأي أنواع الظلم القليل، فقال: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 113] .

قال الزمخشري: «تأمل قوله: {وَلَا تَرْكَنُوا} ، فإن الركون هو الميل اليسير، وقوله {إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي: إلى الذين وجد منهم الظلم، ولم يقل: إلى الظالمين» 44.

وبين المولى أن عاقبة الظالمين وخيمة -وإن أمهلهم-، فقال: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج: 45] .

وقال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} [الحج: 48] .

وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102] .

فهذه الآية الكريمة تبين أن الله تعالى يمهل ولا يهمل، وقال عليه الصلاة والسلام: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) ، ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} 45.

وتزداد خيبة الظالم حسب حجم ظلمه ونوعه، قال تعالى: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} [طه: 111] .

قال الشنقيطي: «خيبة كل ظالمٍ بقدر ما حل من الظلم» 46.

فعذاب الظالمين ليس عذابًا عاديًا، فوصفه الله عز وجل أنه كبير، فقال: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} [الفرقان: 19] .

وقال تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18] .

وقال تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 29] .

وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47] .

وقال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان: 27] .

وقال تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [الروم: 57] .

وقال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر: 52] 47.

وغير ذلك من الآيات التي تبين حال أهل الظلم وموقفهم بين يدي الله تعالى يوم الفصل والقضاء.

ثالثًا: وصف الله تعالى بالعدل في صفاته وأفعاله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت