هذا وقد اختلف المفسرون في تأويل هذه الآية. فقال النحاس: «ومن أحسن ما قيل في معناه: أن من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف، ومن أمسك عن طاعة الله عز وجل فهو الإقتار، ومن أنفق في طاعة الله تعالى فهو القوام» ، وقال ابن عباسٍ: «من أنفق مائة ألفٍ في حقٍ فليس بسرفٍ، ومن أنفق درهمًا في غير حقه فهو سرفٌ، ومن منع من حقٍ عليه فقد قتر» . وقاله مجاهدٌ وابن زيدٍ وغيرهما. وقال عون بن عبد الله: «الإسراف أن تنفق مال غيرك» 61.
ولكن هذه التأويلات ونحوها غير مرتبطٍ بالآية؛ وخلط الطاعة والمعصية بالإسراف والتقتير فيه نظر؛ ولأن الإسراف هو مجاوزة كل أمر سواء أكان محمودًا أو مذمومًا؛ ولأن النفقة في معصية أمرٍ قد حظرت الشريعة قليله وكثيره، وكذلك التعدي على مال الغير، وهؤلاء الموصوفون منزهون عن ذلك، ولكن أظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة أن الله يمدح عباده الصالحين بتوسطهم في الإنفاق، فلا يجاوزن الحد بالإسراف في الإنفاق ولا يقترون، أي: ولا يضيقون فيخلون بإنفاق القدر اللازم، والإسراف وضده الإقتار مذمومان، والاستواء هو التوسط؛ ولذلك قيل: دين الله بين القصور والغلو.
قال ابن عطية: «والوجه أن يقال: إن النفقة في معصية أمرٍ قد حظرت الشريعة قليله وكثيره وكذلك التعدي على مال الغير، وهؤلاء الموصوفون منزهون عن ذلك، وإنما التأديب في هذه الآية هو في نفقة الطاعات في المباحات، فأدب الشرع فيها ألا يفرط الإنسان حتى يضيع حقًا آخر أو عيالًا ونحو هذا، وألا يضيق أيضًا ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشح، والحسن في ذلك هو القوام، أي: العدل، والقوام في كل واحدٍ بحسب عياله وحاله، وخفة ظهره وصبره وجلده على الكسب» 62.
قال ابن كثيرٍ رحمه الله: « {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} الآية، أي: ليسوا مبذرين في إنفاقهم، فيصرفوا فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم، فيقصروا في حقهم فلا يكفوهم بل عدلًا خيارًا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا» 63.
وكأن المعنى: من أراد أن يكون في وصف هؤلاء المؤمنين الموصوفين بعبوديتهم للرحمن فعليه أن لا يسرف في الإنفاق ولا يقتر، بل عليه بالقوام وهو الوسط بين الإسراف والإقتار.
ويؤيد صحة هذا التفسير قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29] .
فنهاه عن البخل بقوله: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} ونهاه عن الإسراف بقوله: {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} ، فيتعين الوسط بين الأمرين، كما بينه سبحانه وتعالى بقوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] .
فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير، وبين البخل والاقتصاد. فالجود غير التبذير، والاقتصاد غير البخل. فالمنع في محل الإعطاء مذمومٌ. وقد نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} ، والإعطاء في محل المنع مذمومٌ أيضًا وقد نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} . كما قال الأديب أبو بكر الخوارزمي في الوزير الصاحب بن عباد 64:
لا تمدحن ابن عبادٍ وإن هطلت
يداه كالمزن حتى تخجل الديما
فإنها فلتاتٌ من وساوسه
يعطي ويمنع لا بخلًا ولا كرم
وقد بين تعالى في مواضع أخر: أن الإنفاق المحمود لا يكون كذلك، إلا إذا كان مصرفه الذي صرف فيه مما يرضي الله. كقوله تعالى: {قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 215] .
وصرح بأن الإنفاق فيما لا يرضي الله حسرةٌ على صاحبه في قوله: {فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} [الأنفال: 36] 65.
فالتوازن هو القاعدة الكبرى في المنهج الإسلامي، والغلو كالتفريط يخل بالتوازن، وهذه سمة الإسلام التي يحققها في حياة الأفراد والجماعات ويتجه إليها في التربية والتشريع، يقيم بناءه كله على التوازن والاعتدال، والإسراف والتقتير يحدثان اختلالًا في المحيط الاجتماعي، والمجال الاقتصادي، وحبس الأموال يحدث أزمات ومثله إطلاقها بغير حساب، ذلك فوق فساد القلوب والأخلاق، والإسراف مفسدة للنفس، والمال والمجتمع، والتقتير مثله حبس للمال عن انتفاع صاحبه به، وانتفاع الجماعة من حوله، فالمال أداة اجتماعية؛ من أجل تحقيق خدمات اجتماعية 66.
ثانيًا: الدعاء بطلب المغفرة لما بدر منهم:
فالمؤمن يعيش دائمًا بين الخوف والرجاء، يخشى عذاب الله تعالى ويرجو رحمته، فالخوف والرجاء للمؤمن كالجناحين للطائر، لايستطيع أن يطير في الهواء بدونهما، وكذلك المؤمن لايستطيع العيش إلا بهما.
وقد ضرب الله لنا مثلًا لحال أوليائه المؤمنين الذين يطلبون من الله تعالى أن يغفر لهم إسرافهم من أمرهم وزلاتهم.
فيقص القرآن علينا خبر قوم من الربانيين المجاهدين الصابرين يلجأون إلى الله، ويدعونه أن يغفر لهم ذنوبهم، وإسرافهم في أمرهم.
قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 146 - 148] .
طلبهم التثبيت بتقديم الاستغفار حريًا بالإجابة، وذنوبنا وإسرافنا متقاربان من حيث المعنى، فجاء ذلك على سبيل التأكيد. وقيل: الذنوب ما دون الكبائر، والإسراف الكبائر. وقال أبو عبيدة: «الذنوب هي الخطايا، وإسرافنا أي: تفريطنا» . وقال الضحاك: «الذنوب عامٌ، والإسراف في الأمر الكبائر خاصةً» 67.
وقال ابن عاشور: «ويجوز عندي أن يكون المراد بالإسراف في الأمر التقصير في شأنهم ونظامهم فيما يرجع إلى أهبة القتال، والاستعداد له، أو الحذر من العدو، وهذا الظاهر من كلمة أمرٍ، بأن يكونوا شكوا أن يكون ما أصابهم من هزيمتهم في الحرب مع عدوهم ناشئًا عن سببين: باطنٍ وظاهرٍ، فالباطن هو غضب الله عليهم من جهة الذنوب، والظاهر هو تقصيرهم في الاستعداد والحذر، وهذا أولى من الوجه الأول» 68.
فالذنوب والإسراف في الأمور من أسباب البلاء والخذلان، وأن الطاعة والثبات والاستقامة من أسباب النصر والفلاح؛ ولذلك سألوا الله أن يمحو من نفوسهم أثر كل ذنبٍ وإسرافٍ، وأن يوفقهم إلى دوام الثبات 69.
«فهذا هو حال أهل الإيمان يضيفون الذنب لأنفسهم هضمًا لها؛ خشية أن يصيبهم العجب بحالهم؛ فهم قالوا ذلك القول وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين، هضمًا لها واستقصارًا. والدعاء بالاستغفار منها مقدمًا على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على العدو؛ ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاء وطهارة وخضوع، وأقرب إلى الاستجابة فآتاهم الله ثواب الدنيا من النصرة والغنيمة والعز، وطيب الذكر» 70.
ثالثًا: عدم طاعة المسرفين:
يذكر لنا الله تعالى في كتابه موقفًا آخر لمواقف المؤمنين من أهل الإسراف، وهو التحذير من أهل الإسراف وعدم طاعتهم فيما يأمرون به، وكان ذلك الموقف من نبي الله صالح عليه السلام لقومه في تحذيره لقومه أن لايطيعوا أمر المسرفين.
فقد جاء في معرض حديث القرآن عن قوم صالح في قوله تعالى: {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} [الشعراء: 151 - 152] .
أي: ولا تطيعوا أمر المسرفين الكافرين المجاوزين الحد في الكفر والطغيان، ولا تنقادوا لأمرهم، ولا تتبعوا رأيهم، وهم الذين يفسدون في الأرض بالإسراف في الكفر والمعاصي، ولا يصلحون بالإيمان والطاعة. فهولاء القوم فسادهم خالص، لا يشوبه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح. فالدعوة إلى الكفر والشرك ومخالفة الحق من أعظم الفساد في الأرض، وفسادهم هذا فسادٌ مصمتٌ ليس معه شيء من الإصلاح، وجعل عملهم كله الإفساد في الأرض 71.
والمراد بالمسرفين أئمة القوم وكبراؤهم الذين يغرونهم بعبادة الأصنام ويبقونهم في الضلالة استغلالًا لجهلهم وليسخروهم لفائدتهم. والإسراف: الإفراط في شيءٍ، والمراد به هنا: الإسراف المذموم كله في المال وفي الكفر، ووصفهم بأنهم يفسدون في الأرض، فالإسراف منوطٌ بالفساد. وعطف {وَلَا يُصْلِحُونَ} على جملة: {يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} تأكيدٌ لوقوع الشيء بنفي ضده، مثل قوله تعالى: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى} [طه: 79] .
ولأن نفي الإصلاح عنهم يؤكد إثبات الإفساد لهم، فيتقرر ذلك في الذهن، ويتأكد معنى إفسادهم بنفي ضده 72.
فهذا هو حال الأنبياء وأهل الإيمان يحذرون قومهم من طاعة أهل الإسراف والكفر والمعاصي، الذين وصفهم ودأبهم الإفساد في الأرض بعمل المعاصي والدعوة إليها إفسادًا لا إصلاح فيه، وهذا أضر ما يكون؛ لأنه شر محض، وكأن أناسًا عندهم مستعدون لمعارضة نبيهم موضعون في الدعوة لسبيل الغي فنهاهم صالح عليه السلام عن الاغترار بهم، وطاعة أمرهم 73.
الأصل في الإنسان عدم العصمة، ولا تكون العصمة إلا لمن عصمه الله من جنس الذنوب، وليس جميع الذنوب؛ ولذلك قد يخطئ الإنسان ويقع في أخطاء تتطلب اللجأ إلى الله لطلب التوبة والمغفرة، روى مسلم بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقومٍ يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم) 74.
وقد نادى الله تعالى في كتابه هذا الصنف من الناس بقوله تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] .
وكان سبب نزول هذه الآية ما جاء عن سعيد جبير، عن ابن عباس: «أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسنٌ لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة. فنزلت: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] » 75.
فسبب نزول هذه الآية يوضح لنا سعة رحمة الله تعالى وعظيم هذا النداء من الله تعالى لكل من أسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي وغيرهما؛ فنزلت في أناس من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا.
ففي هذه الآية نداءٌ من الله لكل مسرفٍ أن يرجع عن غيه ومعصيته، ويتوب إلى الله وينيب إليه قبل أن يصيبه الله بالعذاب، ويا له من نداءٍ عظيم لو سمعه العصاة المصرون على معاصيهم، ورجعوا إلى الله، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ما في القرآن آية أوسع من هذه الآية» 76.
{قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} ، أي: قل أيها الرسول: يا عباد الله الذين أفرطوا في المعاصي واستكثروا منها، لا تيأسوا من مغفرة الله تعالى، فإن الله يغفر كل ذنب إلا الشرك الذي لم يتب منه صاحبه، لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] .
إن الله كثير المغفرة والرحمة، فلا يعاقب بعد التوبة. وقال ابن كثير: «هذه الآية الكريمة دعوةٌ لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبارٌ بأن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر. ولا يصح حمل هذه الآية على غير توبةٍ؛ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه» 77.
وقال الشوكاني: «واعلم أن هذه الآية أرجى آيةٍ في كتاب الله سبحانه لاشتمالها على أعظم بشارةٍ، فإنه أولًا أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم، ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي، والاستكثار من الذنوب، ثم عقب ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى، وبفحوى الخطاب، ثم جاء بما لا يبقي بعده شكٌ ولا يتخالج القلب عند سماعه ظنٌ، فقال: إن الله يغفر الذنوب فالألف واللام قد صيرت الجمع الذي دخلت عليه للجنس الذي يستلزم استغراق أفراده» 78.
وقوله: {لَا تَقْنَطُوا} ، القنوط هو: اليأس، كما في قوله تعالى: {فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ} [الحجر: 55] .
وجملة {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} هي تعلليل للنهي عن اليأس من رحمة الله 79.
«وقرأ الجمهور {يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا} بفتح ياء المتكلم، وقرأه أبو عمرٍو وحمزة والكسائي ويعقوب بإسكان الياء» 80. ولعل وجه ثبوت الياء في هذه الآية دون نظيرها وهو قوله تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ} [الزمر: 10] .
«فالخطاب هنا للذين أسرفوا، وفي مقدمتهم المشركون، وكلهم مظنة تطرق اليأس من رحمة الله إلى نفوسهم، فكان إثبات (يا) المتكلم في خطابهم زيادة تصريحٍ بعلامة التكلم تقويةً لنسبة عبوديتهم إلى الله تعالى إيماءً إلى أن شأن الرب الرحمة بعباده، والإسراف: الإكثار. والمراد به هنا: الإسراف في الذنوب والمعاصي» 81.
للمسرفين عاقبة وخيمة في الدنيا والآخرة نتناولها فيا يلي:
أولًا: عاقبة المسرفين في الدنيا:
فلقد ذكر الله تعالى لنا في القرآن الكريم عن أنواع العذاب الذي يلحق أهل الإسراف، وهذا العذاب في الدنيا والآخرة.
1.حرمان الهداية للحق والصواب.
«إن إضلال أهل الإسراف وحرمانهم الهداية للحق والصواب، من أحد العقوبات التي يعاقب الله تعالى بها أهل الإسراف، وفي هذا النوع من العقاب يخبرنا الله سبحانه وتعالى فيقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28] .
أي: إن الله لا يوفق للحق من هو متعدٍ إلى فعل ما ليس له فعله، كذابٌ عليه يكذب، ويقول عليه الباطل وغير الحق. {كَذَّابٌ} بنسبته ما أسرف فيه إلى الله، فهذا لا يهديه الله إلى طريق الصواب، لا في مدلوله ولا في دليله، ولا يوفق للصراط المستقيم، أي: وقد رأيتم ما دعا موسى إليه من الحق، وما هداه الله إلى بيانه من البراهين العقلية والخوارق السماوية، فالذي اهتدى هذا الهدى لا يمكن أن يكون مسرفًا ولا كاذبًا» 82.
«وقد اختلف المفسرون في معنى الإسراف الذي ذكره الله تعالى في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني به الشرك، وأراد: إن الله لا يهدي من هو مشركٌ به مفترٍ عليه. فعن قتادة: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} : مشرك أسرف على نفسه بالشرك. وقال السدي: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} قال: المسرف: هو صاحب الدم، ويقال: هم المشركون. والصواب من القول في ذلك، وهو اختيار ابن جرير الطبري أن يقال: إن الله أخبر عن هذا النوع من الإسراف أنه عم جميع أهل الإسراف بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} فالشرك من الإسراف، وسفك الدم بغير حق من الإسراف، وقد اجتمعا في فرعون الأمران كلاهما، فالحق أن يعم» 83.
فهذه هي سنة الله تعالى قد اقتضت أنه سبحانه لا يهدي إلى الحق والصواب من كان مسرفًا في أموره، متجاوزًا الحدود التي شرعها الله تعالى، ومن كان مسرفًا أو كذابًا لايهديه الله تعالى للحق والصواب.
2.تزيين الباطل.
قال الله تعالى: {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [يونس: 12] .
أي: زين للمسرفين ما كانوا يعملون من الانهماك في الشهوات والإعراض عن العبادات، فهم قد نسوا حال خلقهم وتكوينهم والإيمان بربهم، وزين لهم الغرور والإسراف فيه ما كانوا يعملونه من شرور وآثام وظلم للعباد وطغيان في أنفسهم، وإسرافهم في الشر يجترعونه اجتراعًا، وعبر الله عنهم بالمسرفين لأنهم أسرفوا على أنفسهم فاعتقدوا الباطل، واعتقدوا أن الحياة الدنيا هي الوجود كله، وأسرفوا على الناس فطغوا، وبغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد، وهكذا التزيين الشيطاني زين لهم ما كانوا يعملون من أعمالهم في ماضي أزمانهم في الدعاء وغيره من ضلالاتهم 84.
قال الشوكاني: «والتزيين هو إما من جهة الله تعالى على طريقة التحلية وعدم اللطف بهم، أو من طريق الشيطان بالوسوسة، أو من طريق النفس الأمارة بالسوء. والمعنى: أنه زين لهم الإعراض عن الدعاء، والغفلة عن الشكر، والاشتغال بالشهوات» 85.
3.الهلاك.
هذا وقد حكم الله على أهل الإسراف بالهلاك.
قال تعالى: {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ} [الأنبياء: 9] .
«والمراد بالمسرفين: المجاوزون للحد المفرطون في التكذيب والكفر والمعاصي، وبالإصرار والاستمرار على إسرافهم؛ حتى حل بهم العذاب، ولذلك يكثر في القرآن إطلاق المسرفين على الكفار والمشركين» 86.
«فإن الله تعالى أرسل رسله من البشر وصدقهم وعده فنصرهم على المكذبين، وأنجاهم ومن آمن معهم، وأهلك الذين أسرفوا على أنفسهم بتكذيب رسل الله» 87؛ ولهذا جاء بعد هذه الآية خبر إهلاك الكفار المسرفين في كفرهم وعصيانهم، فقال تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الأنبياء: 11] .
فبين جل وعلا أنه أرسل الرسل إلى الأمم فكذبوهم، وأنه وعد الرسل بأن لهم النصر، وأهلك المسرفين وهم الكفار المكذبون للرسل.
«فهذه هي سنة الله تعالى في إهلاك أهل الإسراف الذين كانوا يسرفون عليهم، ويتجاوزون الحد معهم، فهذه السنة يخوف الله بها المشركين الذين كانوا يواجهون الرسول صلى الله عليه وسلم بالإسراف عليه، وتكذيبه، وإيذائه والمؤمنين معه» 88.
هذا وقد بين الله تعالى في كتابه في موضع آخر الطريقة التي قد أهلك الله تعالى بها المسرفين، وكان ذلك الموضع مختصًا بالمسرفين من قوم لوط عليه السلام، فقال تعالى: {قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ} [الذاريات: 32 - 34] .
والحجارة: اسم جمعٍ للحجر، ومعنى كون الحجارة من طينٍ: أن أصلها طينٌ، وهي في غاية الشدة والقوة. والمسومة: التي عليها السومة، أي: العلامة، كما قال ابن عباس في قوله: {مُسَوَّمَةً} قال: «المسومة: الحجارة المختومة، يكون الحجر أبيض فيه نقطةٌ سوداء، أو يكون الحجر أسود فيه نقطةٌ بيضاء» 89. أي: عليها علاماتٌ من ألوانٍ تدل على أنها ليست من الحجارة المتعارفة. والدليل على قوتها وشدتها: أن الله ما عذبهم بها في حالة غضبه عليهم إلا لأن النكال بها بالغٌ شديدٌ 90.
فهذه هي نهاية الذين أسرفوا على أنفسهم بفعل الفاحشة؛ فأهلكهم الله تعالى واستأصلهم في الدنيا؛ من أجل ما ارتكبوه من فعل الفواحش.
ثانيًا: عذاب أهل الإسراف في الآخرة:
1.المسرفون يعذبون في قبورهم ويحشرون عميًا.
-تعذيبهم في القبور.
فقد أخبرنا تعالى في كتابه أن من عقوبة المسرفين في الأخرة بأن لهم معيشةً ضنكًا؛ وذلك نتيجة إسرافهم في معصية الله تعالى والإعراض عن أمر الله تعالى، وعدم طاعة رسله.