فهرس الكتاب

الصفحة 1371 من 2431

الشورى

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارسٍ: «الشين والواو والراء أصلان مطردان، والشورى مشتقة من مادة (شور) وشاوره واستشاره في الأمر مشاورة وشوارًا واستشارةً: طلب منه المشورة، أو طلب رأيه فيه، واشتار العسل، وشاره: اجتناه واستخرجه من خلاياه ومواضعه، وشار الفحل الناقة ونحوها: شمها لينظر أحائلٌ هي أم لاقحٌ. وهو مشتق من شور العسل، فكأن المستشير يأخذ الرأي من غيره، والشورى تدل على معنيين أصليين:

أحدهما: إبداء الشيء وإظهاره وعرضه.

والآخر: أخذ الشيء. والتشاور: استجماع الرأي، وهو تفاعل بين طرفين يفيد المشاركة.

الشورى هي الاسم من تشاور القوم واشتوروا، والشورى هي التشاور، والأمر الذي يتشاور فيه» 1.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الراغب الأصفهاني: «المشاورة والمشورة: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض» 2.

وعرفها ابن العربي المالكي بأنها: «عرض الأمر على الخيرة حتى يعلم المراد منه» 3.

وعرفها الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق بأنها: «استطلاع الرأي من ذوي الخبرة فيه؛ للتوصل إلى أقرب الأمور للحق» 4.

وقال الدكتور إسماعيل البدوي: «استخراج الصواب بعد التعرف على آراء الآخرين وإجالة النظر فيها» 5.

وردت مادة (شور) في القرآن الكريم (3) مرات 6.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

فعل الأمر ... 1 ... {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران:159]

المصدر ... 1 ... {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البقرة:233]

اسم المصدر ... 1 ... {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) } [الشورى:38]

وجاءت الشورى في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: طلب رأي الغير في الأمر 7.

الديمقراطية:

الديمقراطية لغة:

الديمقراطية (Democracy) كلمة مشتقة من لفظتين يونانيتين TheSans (الشعب) و TheSans (سلطة) ومعناها: الحكم الذي تكون فيه السلطة للشعب 8.

الديمقراطية اصطلاحًا:

حق الشعب المطلق في أن يشرع لجميع الأمور العامة بأغلبية أصوات نوابه 9.

الصلة بينها وبين الشورى:

إن الديمقراطية مذهب فكري بشري، ويلتقي مع الشورى في طلب المستشير الرأي من أهل الرأي، وإبداء الرأي وعرضه على من يطلبه في موضوع معين.

ويختلفان في أصل النشأة، وفي مجال العمل ونطاقه، فالشورى أصلها رباني، وهي مقيدة بعدم مخالفة المشروعية، وأما في الديمقراطية فإن سلطة المجلس النيابي مطلقة غير مقيدة إلا بإرادة الشعب، وأهل الشورى في الإسلام يشترط فيهم صفات وشروط لا تلقي لها الديمقراطية بالًا، ولا تعيرها اهتمامًا؛ لأن منطلقاتها غير منطلقات الإسلام في ذلك 10.

الاستفتاء:

الاستفتاء لغة:

هو تصويت الشعب في مسألة من المسائل 11.

الاستفتاء اصطلاحًا:

الاستفتاء هو عرض موضوع عام على الشعب؛ لأخذ رأيه فيه بالموافقة أو الرفض 12.

واستخدمت كلمة الاستفتاء في البلاد العربية استخدامًا واسعًا، جعلها تشمل أيضًا عرض شخص واحد على الشعب؛ للموافقة على تنصيبه أو بقائه رئيسًا للدولة 13.

الصلة بين الاستفتاء والشورى:

إن الشورى والاستفتاء يلتقيان في أنهما يتمثلان -بصفة عامة- في طلب الرأي من أهله في أمر من الأمور العامة.

ويختلفان في أمور ثلاثة:

أولها: من حيث أهل الرأي، فهم في الاستفتاء جميع الناخبين عادةً دون أي شرط، أما في الشورى فهم أهل الحل والعقد، أو أهل الشورى والاختيار بصفاتهم وشروطهم التي سيأتي الحديث عنها، فكأنهم الصفوة من الأمة.

ثانيهما: من حيث الموضوع، يشمل الاستفتاء أي موضوع عام يراد اتخاذ موقف بشأنه، أو قرار، أيًا كان موضوعه أو مجاله دون التقيد بأحكام سابقة أو قواعد لا يجوز المساس بها، أما الشورى فمجالها ونطاقها محدد فيما لا نص قاطع فيه، وفي الأمور المباحة والأمور التنظيمية.

وثالثها: من حيث حدود الرأي، فليس لصاحب الرأي في الاستفتاء عادة غير الموافقة أو الرفض دون مناقشة، وأما في الشورى فإن أهل الرأي لهم أن يبدوا آراءهم، وأن يناقشوا، وأن يبحثوا الموضوع بأكمله، ضمن القواعد والضوابط الشرعية 14.

استطلاع الرأي:

استطلاع الرأي لغة:

هو بحثٌ لمعرفة اتجاهات الناس واعتقاداتهم وآرائهم 15.

استطلاع الرأي اصطلاحًا:

دراسة يتم إجراؤها بشكل علمي، وتهدف إلى معرفة آراء المواطنين تجاه إحدى القضايا الهامة، أو أحد الأحداث المطروحة على الساحة 16.

الصلة بين استطلاع الرأي والشورى:

يتفقان في أن كليهما استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض، ويختلفان في جوانب أخرى تتصل بأصل المبدأ، وبالأخلاقيات الناظمة له، والوسيلة التي يجري بها أيضًا.

تنوعت أساليب الحث على الشورى، ونتناولها فيما يأتي:

أولًا: صيغة الطلب:

أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يشاور أصحابه رضوان الله عليهم، ففي أعقاب غزوة أحد، بعد أن أصيب المسلمون بما أصيبوا به، نزل الأمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما يطرأ عليهم من الشئون؛ ربطًا للقلوب وتقريرًا لما يجب أن يكون بين المؤمنين من حسن التضامن في سياسة الأمور، وتدبير الشئون، فقال سبحانه وتعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] .

قال شيخ المفسرين الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله: «إن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه ومكايد حربه؛ تألفًا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرة التي يؤمن عليه معها فتنة الشيطان، وتعريفًا منه أمته مأتى الأمور التي تحزبهم من بعده ومطلبها؛ ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه في حياته صلى الله عليه وسلم يفعله، فأما النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله كان يعرفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صواب ذلك، وأما أمته، فإنهم إذا تشاوروا مستنين بفعله في ذلك، على تصادقٍ وتأخٍ للحق 17، وإرادة جميعهم للصواب، من غير ميلٍ إلى هوىً، ولا حيدٍ عن هدى، فالله مسددهم وموفقهم» 18.

وقال ابن عطية الأندلسي رحمه الله: «أمر الله تعالى رسوله بهذه الأوامر التي هي بتدريج بليغ، وذلك أنه أمره بأن يعفو عليه السلام عنهم ما له في خاصته عليهم من تبعة وحقٍ، فإذا صاروا في هذه الدرجة، أمره أن يستغفر لهم فيما لله عليهم من تبعة، فإذا صاروا في هذه الدرجة كانوا أهلًا للاستشارة في الأمور، والشورى من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجبٌ، هذا ما لا خلاف فيه» 19.

وقال الشيح العلامة ابن سعدي رحمه الله: « {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} أي: الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفكر، فإن في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصره» 20.

ويرسم الأستاذ سيد قطب رحمه الله بقلمه البليغ صورةً لهذا الأمر ومقتضياته وبواعثه فيقول: «وبهذا النص الجازم: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} يقرر الإسلام هذا المبدأ في نظام الحكم حتى ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يتولاه، وهو نصٌ قاطع لا يدع للأمة المسلمة شكًا في أن الشورى مبدأ أساس، لا يقوم نظام الإسلام على أساسٍ سواه.

لقد جاء هذا النص عقب وقوع نتائج للشورى تبدو في ظاهرها خطيرة مريرة! فقد كان من جرائها ظاهريًا وقوع خلل في وحدة الصف المسلم! اختلفت الآراء؛ فرأت مجموعة أن يبقى المسلمون في المدينة محتمين بها، حتى إذا هاجمهم العدو قاتلوه على أفواه الأزقة، وتحمست مجموعة أخرى فرأت الخروج للقاء المشركين.

وكان من جراء هذا الاختلاف ذلك الخلل في وحدة الصف؛ إذ عاد عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش، والعدو على الأبواب -وهو حدث ضخم وخلل مخيف- كذلك بدا أن الخطة التي نفذت لم تكن -في ظاهرها- أسلم الخطط من الناحية العسكرية؛ إذ إنها كانت مخالفة «للسوابق في الدفاع عن المدينة» -كما قال عبد الله بن أبي- وقد اتبع المسلمون عكسها في غزوة الأحزاب التالية، فبقوا فعلًا في المدينة، وأقاموا الخندق، ولم يخرجوا للقاء العدو، منتفعين بالدرس الذي تلقوه في أحد! ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهل النتائج الخطيرة التي تنتظر الصف المسلم من جراء الخروج.

فقد كان لديه الإرهاص من رؤياه الصادقة التي رآها، والتي يعرف مدى صدقها، وقد تأولها قتيلًا من أهل بيته، وقتلى من صحابته، وتأول المدينة درعًا حصينة، وكان من حقه أن يلغي ما استقر عليه الأمر نتيجةً للشورى، ولكنه أمضاها وهو يدرك ما وراءها من الآلام والخسائر والتضحيات؛ لأن إقرار المبدأ، وتعليم الجماعة، وتربية الأمة، أكبر من الخسائر الوقتية.

ولقد كان من حق القيادة النبوية أن تنبذ مبدأ الشورى كله بعد المعركة، أمام ما أحدثته من انقسام في الصفوف في أحرج الظروف، وأمام النتائج المريرة التي انتهت إليها المعركة! ولكن الإسلام كان ينشيء أمة، ويربيها، ويعدها لقيادة البشرية، وكان الله يعلم أن خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة، أن تربى بالشورى، وأن تدرب على حمل التبعة، وأن تخطئ -مهما يكن الخطأ جسيمًا وذا نتائج مريرة- لتعرف كيف تصحح خطأها؟ وكيف تحتمل تبعات رأيها وتصرفها؟ فهي لا تتعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ، والخسائر لا تهم إذا كانت الحصيلة هي إنشاء الأمة المدربة المدركة المقدرة للتبعة» 21.

ثانيًا: صيغة الخبر:

جعل الله تعالى الشورى صفةً لازمة للمؤمنين في كل أمر من أمورهم الخاصة والعامة، فقال في السورة التي أعلى الله فيها مكانة فخصها بهذا الاسم (الشورى) إعلاءً لمكانتها، ورفعةً لمنزلتها، فهي السورة الوحيدة التي قررت الشورى عنصرًا من عناصر الشخصية الإيمانية الحقة 22: {فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى: 36 - 39] .

ففي هذه الآيات الكريمة جاءت كلمة «الشورى» والأمر بها وصفًا للذين آمنوا، في سياق رسم صورة مشرقة وضيئة للمؤمنين الذين تحققوا بالإيمان، وهذه صفاتهم التي مدحهم الله تعالى بها؛ لأنها تشكل عناصر الشخصية المؤمنة، وهي: الإيمان بالله تعالى، والتوكل على الله تعالى، واجتناب كبائر الإثم والفواحش، والعفو والصفح عن الناس، والاستجابة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم المبلغ عن ربه تبارك وتعالى، وإقامة الصلاة بحدودها وأوقاتها، وهي التي جعلها الله تعالى عنوان الإسلام والفارقة بين الإيمان والكفر، والشورى في كل أمورهم وشئونهم، يتشاورون فيها بينهم فلا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه، والإنفاق في سبيل الله، ورأسه الزكاة المفروضة، والقوة أو العزة التي تجعلهم قادرين على الانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم، وإن كانوا مع هذا إذا قدروا عفوا 23.

وقد جاءت صفة الشورى والتشاور في هذه الآيات الكريمة في جملة اسمية ضمن عدة صفات في جمل فعلية وصف بها رب العالمين عباده المؤمنين، فأفادت لزوم هذه الصفة لهم وثباتهم عليها 24.

وفي هذا يقول شهاب الدين الألوسي رحمه الله: «وجيء بالجملة اسميةً مع أن المعطوف عليه جملة فعلية للدلالة على أن التشاور كان حالهم -أي: الأنصار 25 - المستمرة قبل الإسلام وبعده، وفي الآية مدحٌ للتشاور، لاسيما على القول بأن فيها الإخبار بالمصدر» 26.

والجملة الاسمية تحمل من الدلالات ما لا تحمله الجملة الفعلية، ومن ذلك دلالة التأكيد مثلًا، وهي ما أشار إليه ابن الأثير في حديثه عن الخطاب بالجملة الفعلية والاسمية والفرق بينهما حيث يقول: «وإنما يعدل عن أحد الخطابين إلى الآخر لضربٍ من التأكيد والمبالغة» 27.

ويظهر من شواهده التي ساقها أنه يقصد بدلالة التأكيد والمبالغة الجملة الاسمية وما فيها من مؤكدات 28.

وفي هذا إشارة إلى الوجوب؛ لأن الله تعالى في كثير من المواضع يجعل الواجب من الواجبات في الأحكام، أو الركن من أركان الإيمان صفةً لازمةً للمؤمنين، ويمدح فاعل هذا الواجب والمتصف بتلك الصفة، ويعده بالفوز والفلاح، كما تقدم آنفًا 29.

قال الإمام المفسر القرطبي رحمه الله: «فمدح الله المشاورة في الأمور بمدح القوم الذين كانوا يمتثلون ذلك، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الآراء المتعلقة بمصالح الحروب؛ وذلك في الآراء كثيرٌ، ولم يكن يشاورهم في الأحكام؛ لأنها منزلة من عند الله على جميع الأقسام من الفرض والندب والمكروه والمباح والحرام» 30.

ثالثًا: اقتران الشورى بالصلاة والزكاة:

ومما يدل على مكانة الشورى وأهميتها اقترانها بصفاتٍ لازمة للمؤمنين، فمنها عبادات اعتقادية وقلبية، كالإيمان بالله تعالى والتوكل عليه، ومنها مباديء أخلاقية كاجتناب الكبائر من الذنوب والفواحش، وكالعفو عند الغضب، ومنها عباداتٌ ماليةٌ وبدنية، وهي من أركان الإسلام الواجبة، وقد توسطت الشورى هاتين العبادتين البدنية والمالية، فكانت واسطة العقد فيها.

ففي الآيات السابقة في سورة (الشورى) قال الله تبارك وتعالى: {فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى: 36 - 38] .

وهذا يدل على أهميتها والحث عليها، فإذا كانت الصلاة لها أهميتها في الإسلام، وهي عبادة بدنية تالية لكلمة التوحيد، وإذا كانت الزكاة عبادة مالية لها مكانتها، فهي ركن أيضًا من أركان الإسلام وأحد مبانيه العظام، فالشورى -وقد توسطتهما- لها هذه المكانة والأهمية وهذا الوصف.

قال أبو بكر الرازي الجصاص رحمه الله: «قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} يدل على جلالة موقع المشورة؛ لذكره لها مع الإيمان وإقامة الصلاة، ويدل على أنا مأمورون بها: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى: 39] .

يدل ظاهره على أن الانتصار في هذا الموضع أفضل، ألا ترى أنه قرنه إلى ذكر الاستجابة لله تعالى وإقامة الصلاة؟» 31.

وهذه الدلالة تسمى اصطلاحًا: دلالة الاقتران 32. وتعني: اجتماع شيئين أو أشياء في معنىً من المعاني، والمراد بها عند علماء أصول الفقه الذين يضعون قواعد استنباط الأحكام: أن يجمع الشارع بين شيئين في اللفظ فيشتركان في الحكم 33.

والحكمة في مجيء الشورى بعد إقامة الصلاة وقبل إيتاء الزكاة تظهر في جملة أمور، نشير إلى أهمها:

أولًا: إن الصلاة أقوال وأفعال، والشورى كذلك أقوال تعقبها أفعال، أما الزكاة فهي أفعال خالصة، فناسب أن تقترن الشورى بالصلاة؛ لمشاكلتها في صورتها، وأن تتقدم من أجل هذا على الزكاة.

وثانيًا: إن الصلاة يؤديها المؤمن منفردًا أو في جماعة، وهو في حال انفراده يؤديها على الصورة التي يراها، من حيث الطول والقصر في أفعالها، قيامًا وركوعًا وسجودًا، أما في حال أدائها في جماعة فإنه ليس له هذا الخيار، بعد أن يأخذ مكانه في الجماعة، وينتظم في عقدها، فهو والجماعة من وراء الإمام، الذي يجب أن يلزموا متابعته في كل حركاته وسكناته، والشورى صورة مقاربة للصلاة من هذا الوجه.

وثالثًا: إن الصلاة فريضة عامة تجب على كل مسلم ومسلمة وجوب عين، وكذلك التشاور بين المسلمين أمر ملزم لهم جميعًا، وحق يؤديه كل مسلم ومسلمة للجماعة الإسلامية، وإنه ليس لأحد أن يحول بين المسلم وبين أخذ مكانه بين الجماعة الإسلامية، وإبداء الرأي الذي يراه، في أي أمر يعرض لهم، كما أنه ليس لأحد أن يحول بين المسلم وبين أن يأخذ مكانه في صلاة الجماعة بين الصفوف المنتظمة في الصلاة، ففي تنكير الشورى دليل على إطلاقها وعمومها، وأنها ليست شورى على صفة خاصة معروفة بأهلها، فكل مسلم ومسلمة أهل للشورى، كما هو أهل للصلاة في جماعة.

ورابعًا: إن الصلاة يجب أن يسبقها من المسلم قبل الدخول فيها إعداد لها؛ وذلك بالتطهر، والوضوء، وكذلك الشورى، يجب أن تسبقها طهارة النفس من الهوى، وخلوها من الدخل.

وخامسًا: إن للصلاة وقتًا، فإذا جاء وقتها أذن المؤذن بها، ودعا المسلمين إليها، وكذلك للشورى وقتها، فإذا حزب المسلمين أمرٌ تنادوا به، واجتمعوا له، وتشاوروا فيه.

ذلك هو بعض السر في قرن المشورة بإقامة الصلاة، ووراء ذلك أسرار وأسرار لا تنتهي.

أما وصلها بالزكاة من طرفها الآخر فإنه يشير كذلك إلى أمور، منها:

أولًا: إن القرآن الكريم لم يعبر في هذا المقام عن الزكاة بلفظ الزكاة، بل جاء بها في هذا النظم الكريم: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى: 38] .

فجعلها إنفاقًا من رزق، وهذا الرزق من الله سبحانه وتعالى، وكذلك الشورى هي إنفاق من رزق، هو مما وهب الله من عقل، ومما رزق أهل العقل من علم ومعرفة، وهذا يعنى أن إبداء الرأي من ذوى الرأي أمر واجب عليهم، وهو الزكاة المطلوبة منهم في هذا المقام، لما آتاهم الله من فضله من علم وحكمة وحسن تدبير.

وثانيًا: لم يقيد النص القرآني هنا الإنفاق بالشيء الذي ينفق منه من مال أو نحوه بل، جعله إنفاقًا مطلقًا، يشمل كل ما يرزقه الله الإنسان من خير، فسماه سبحانه رزقًا؛ ليشمل المال وغير المال، من رأي وعلم وفن، فلا يستبد المؤمن وحده برزق رزقه الله إياه، وفيه فضل وسعة لغيره من المسلمين.

وثالثًا: كذلك لم يقيد النص القرآني ما ينفق من هذا الرزق بحد محدود كالزكاة، بل جعله إنفاقًا مطلقًا؛ لأنه في مقام الشورى لا يكون الإنفاق بقدر محدود مما يملك الإنسان من علم ومما عنده من معرفة، بل إنه مطلوب منه في تلك الحال أن ينفق كل ما لديه، وأن يبذل كل ما عنده، غير ممسك بشيء من رأيه، أو محتجز شيئًا من جهده واجتهاده 34.

رابعًا: صيغة التخيير ورفع الإثم أو الجناح:

ألمحنا في مفتتح هذه النقاط إلى أن القرآن الكريم تنوعت أساليبه وأدلته في بيان الأحكام الشرعية، ومستوى مشروعيتها، وكان منها نفي الجناح ونفي الإثم، وقد تكرر هذا في أكثر من موضع في الكتاب الكريم 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت