فهرس الكتاب

الصفحة 1806 من 2431

إنه يحرم الاحتجاج على الله تعالى بالقدر؛ كأن يقول الزاني مثلًا: ما زنيت من تلقاء نفسي! وإنما قدر الله علي الزنا! أو يقول المريض مثلًا: لماذا يا رب قدرت علي هذا المرض! فإن الله سبحانه لم ولن يكلف أحدًا من خلقه ما لا طاقة له به، كما قال سبحانه: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:233] .

وقال: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] .

فقد أرشدنا القرآن إلى أن المؤمن إن أصابه بلاء أو مصيبة صبر وقال: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة:156] .

وإن وقع في معصية لله تعالى قال: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص:16] .

وأما الاحتجاج على الله تعالى بالقدر فإنما هو من سنن إبليس اللعين، حيث قال لله جل وعلا: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) } [الأعراف:16] .

مع أنه هو الذي أبى أن يسجد لآدم - مختارًا - كما أمره الله! وهذا الاحتجاج بالقدر هو أيضًا من سنن المشركين الذين حكى الله نبأهم أنهم قالو: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) } [الأنعام:148] .

وهذه شبهة تشبث بها المشركون في شركهم وتحريم ما حرموا؛ فإن الله مطلع على ما هم فيه من الشرك والتحريم لما حرموه، وهو قادر على تغييره بأن يلهمنا الإيمان، أو يحول بيننا وبين الكفر، فلم يغيره، فدل على أنه بمشيئته وإرادته ورضاه منا ذلك؛ ولهذا قال: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} كما في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} [الزخرف:20] .

وكذلك الآية التي في «النحل» مثل هذه سواء، قال الله تعالى: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أي: بهذه الشبهة ضل من ضل قبل هؤلاء، وهي حجة داحضة باطلة؛ لأنها لو كانت صحيحة لما أذاقهم الله بأسه، ودمر عليهم، وأدال 29 عليهم رسله الكرام، وأذاق المشركين من أليم الانتقام، {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ} أي: بأن الله تعالى راض عنكم فيما أنتم فيه {فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} أي: فتظهروه لنا وتبينوه وتبرزوه، {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} أي: الوهم والخيال، والمراد بالظن هاهنا: الاعتقاد الفاسد {وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} أي: تكذبون على الله فيما ادعيتموه 30.

لقد قال الله سبحانه عن أمثال هذا الصنف: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [الأنعام:25] .

فبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه جعل على قلوب الكفار أكنة -وهو ما يستر الشيء ويغطيه ويكنه- لئلا يفقهوا القرآن، أو كراهة أن يفقهوه، لحيلولة تلك الأكنة بين قلوبهم وبين فقه القرآن؛ أي: فهم معانيه فهمًا ينتفع به صاحبه، وأنه جعل في آذانهم وقرًا؛ أي صممًا وثقلًا لئلا يسمعوه سماع قبول وانتفاع.

وحتى لا يكون لهؤلاء الضلال حجة على الله في إضلالهم؛ بين سبحانه في مواضع أخر سبب الحيلولة بين القلوب وبين الانتفاع به، وأنه هو كفرهم، فجازاهم الله على كفرهم بطمس البصائر، وإزاغة القلوب، والطبع والختم والأكنة المانعة من وصول الخير إليها، كقوله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف:5] .

وقوله: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء:155] .

وقوله: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام:110] .

وقوله: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} [البقرة:10] .

وقوله: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125) } [التوبة:125] .

إلى غير ذلك من الآيات 31.

إن الاحتجاج بالقدر يتضمن تنزيه الجاني نفسه، وتنزيه ساحته، وهو الظالم الجاهل! ولو علم هذا الظالم الجاهل أن بلاءه من نفسه ومصابه منها، وأنها أولى بكل ذم وظلم، وأنها مأوى كل سوء، و {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) } [العاديات:6] .

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: كفور جحود لنعم الله. وقال الحسن: هو الذي يعد المصائب، وينسى النعم.

فهو الغيم المانع لإشراق شمس الهدى على القلب، فما عليه أضر منه، ولا له أعداء أبلغ في نكايته وعداوته منه.

يحتج على ربه بما لا يقبله من عبده وامرأته وأمته إذا احتجوا به عليه في التهاون في بعض أمره، فلو أمر أحدهم بأمر ففرط فيه، أو نهاه عن شيء فارتكبه، وقال: القدر ساقني إلى ذلك؛ لما قبل منه هذه الحجة، ولبادر إلى عقوبته.

فإن كان القدر حجة لك أيها الظالم الجاهل في ترك حق ربك؛ فهلا كان حجة لعبدك وأمتك في ترك بعض حقك؟! بل إذا أساء إليك مسيء، وجنى عليك جانٍ، واحتج بالقدر لاشتد غضبك عليه، وتضاعف جرمه عندك، ورأيت حجته داحضة، ثم تحتج على ربك به، وتراه عذرا لنفسك؟! فمن أولى بالظلم والجهل ممن هذه حاله؟!» 32.

وبعد: فإن «الله خلق الإنسان من نطفة ثم جعل له سمعًا وبصرًا، ونصب الأدلة على وجوده وقدرته على بعث الموتى، ومن ثم مجازاتهم على أعمالهم، وأرسل إليه رسله، وهداه النجدين، ثم هو بعد ذلك إما شاكرٌ وإما كفورٌ، ولو احتج إنسانٌ في الدنيا بالقدر لقيل له: هل عندك علم بما سبق في علم الله عليك؟» 33.

فإن قال: نعم! فقد كذب، وإن قال: لا، قيل له: إذن فابذل الأسباب التي تجعلك من الفائزين بالجنة الناجين من النار.

ولا يعني ما سبق أن الاحتجاج بالقدر محرمٌ مطلقًا؛ بل المحرم ما كان فيه اعتراض على قدر الله تعالى، أو فيه دعوة للعاصي ليستمر في معصيته، لذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احتج آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، ثم تلومني على أمرٍ قدر علي قبل أن أخلق) ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فحج آدم موسى) مرتين 34.

قال ابن عثيمين رحمه الله: «لهذا فإن الاحتجاج بالقدر على المصائب لا بأس به، أرأيت لو أنك سافرت سفرًا وحصل لك حادث، وقال لك إنسان: لماذا تسافر؟! لو أنك بقيت في بيتك ما حصل لك شيء!

فستجيبه: إن هذا قضاء الله وقدره، أنا ما خرجت لأجل أن أصاب بالحادث، وإنما خرجت لمصلحة، فأصبت بالحادث» 35.

رابعًا: ثمرات الإيمان بالقدر:

من تأمل في عقيدة القدر التي جاء بها الإسلام وجد لها ثمارًا كبيرة طيبة، كانت ولازالت سببًا في صلاح الفرد والأمة، وسأحاول أن أذكر هنا بعض ثماره التي ظهرت خلال آيات القرآن الكريم:

1.تجنب الأسى والفرح المذمومين.

فالإيمان بالقدر يري الإنسان أن كل شيء في الوجود إنما يسير وفق حكمة عليا، فإذا مسه الضر فإنه لا يجزع، وإذا حالفه التوفيق والنجاح فإنه لا يفرح فرحًا يوصله للبطر والفخر.

وهذا هو معنى قول الله سبحانه: (ےمَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ? إِنَّ ذَ?لِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ?22?لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى? مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ? وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ?23?) [الحديد:22 - 23] .

قال السعدي رحمه الله: «وهذا شامل لعموم المصائب التي تصيب الخلق، من خير وشر، فكلها قد كتبت في اللوح المحفوظ، صغيرها وكبيرها، وهذا أمرٌ عظيم لا تحيط به العقول، بل تذهل عنده أفئدة أولي الألباب، ولكنه على الله يسير.

وأخبر الله عباده بذلك لأجل أن تتقرر هذه القاعدة عندهم، ويبنوا عليها ما أصابهم من الخير والشر، فلا يأسوا ويحزنوا على ما فاتهم، مما طمحت له أنفسهم وتشوفوا إليه، لعلمهم أن ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، لا بد من نفوذه ووقوعه، فلا سبيل إلى دفعه، ولا يفرحوا بما آتاهم الله فرح بطر وأشر، لعلمهم أنهم ما أدركوه بحولهم وقوتهم، وإنما أدركوه بفضل الله ومنه، فيشتغلوا بشكر من أولى النعم ودفع النقم، ولهذا قال: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) أي: متكبر فظٍ غليظٍ، معجب بنفسه، فخور بنعم الله، ينسبها إلى نفسه، وتطغيه وتلهيه، كما قال تبارك وتعالى: (ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى? عِلْمٍ ? بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [الزمر:49] » 36.

وهذا لا يعني أن الفرح بالنعم والحزن على المصائب محرم بإطلاق! بل يفرح بنعم الله فرحًا يقوده لشكر ربه، ويحزن على المصائب حزنًا لا يخرجه إلى الاعتراض على القدر أو سب الدهر.

2.طمأنينة القلب.

قال الله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ? وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) [التغابن:11] .

قال ابن جني: قرأ عكرمة وعمرو بن دينار: (ٹ يَهْدِ قَلْبَهُ) مهموزًا 37 عن علقمة في هذه الآية قال: «هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم» 38.

«وقوله: (ٹ يَهْدِ قَلْبَهُ) أي: للتسليم لأمر الله، ونظيره قوله: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ(155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَ?ئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة:155 - 157] .

قال أهل المعاني: يهد قلبه للشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء» 39.

وفي ضوء هذه الآية يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «اليقين عند المصائب بعد العلم بأن الله قدرها سكينة القلب وطمأنينته وتسليمه، وهذا من تمام الإيمان بالقدر خيره وشره» 40.

3.طريقٌ لشكر الله تعالى.

فحينما يعلم المسلم أن النعم التي يتقلب فيها هي من فضل الله تعالى قدرها وبسطها له؛ يدعوه ذلك لشكر ربه على تلك النعم، كما حكى الله تعالى عن عبده الملك الصالح ذي القرنين بعد أن وفقه الله لبناية سد عظيم على يأجوج ومأجوج فقال: (قَالَ هَ?ذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي) [الكهف:98] .

«فلما فعل هذا الفعل الجميل والأثر الجليل؛ أضاف النعمة إلى موليها وقال: (قَالَ هَ?ذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي) أي: من فضله وإحسانه علي، وهذه حال الخلفاء الصالحين إذا من الله عليهم بالنعم الجليلة، ازداد شكرهم وإقرارهم، واعترافهم بنعمة الله كما قال سليمان عليه السلام، لما حضر عنده عرش ملكة سبأ مع البعد العظيم، قال: (هَ?ذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي) [النمل:40] بخلاف أهل التجبر والتكبر والعلو في الأرض؛ فإن النعم الكبار تزيدهم أشرًا وبطرًا.

كما قال قارون -لما آتاه الله من الكنوز، ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة- قال: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى? عِلْمٍ عِنْدِي) [القصص:78] » 41.

وشكرهم هذا لله تعالى إنما هو نابع عن إيمانهم الراسخ بأن الله تعالى هو الذي قدر لهم تلك النعم وأقدرهم عليها، ومعلوم أن الشكر هو طريق المزيد، كما قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ? [إبراهيم:7] .

4.معرفة سعة علم الله تعالى وعظيم قدرته.

فإن الله تعالى كثيرًا ما يختم آيات الخلق والقدر والمشيئة باسميه: العليم والقدير، من ذلك على سبيل المثال:

قوله تعالى: (لِّلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ? يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ(49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ? وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ? إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50 ) ) [الشورى:49 - 50] .

«والذرية مظهر من مظاهر المنح والمنع والعطاء والحرمان، وهي قريبة من نفس الإنسان، والنفس شديدة الحساسية بها، فلمسها من هذا الجانب أقوى وأعمق.

والتقديم بأن لله ملك السماوات والأرض هو التقديم المناسب لكل جزئية بعد ذلك من توابع هذا الملك العام، وكذلك ذكر: (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) فهي توكيد للإحياء النفسي المطلوب في هذا الموضع. ورد الإنسان، المحب للخير، إلى الله الذي يخلق ما يشاء مما يسر وما يسوء ومن عطاء أو حرمان.

ثم يفصل حالات العطاء والحرمان: فهو (يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا) وهم كانوا يكرهون الإناث، (وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ) ، ويهب لمن يشاء أزواجا من هؤلاء وهؤلاء، ويحرم من يشاء فيجعله عقيما -والعقم يكرهه كل الناس-، وكل هذه الأحوال خاضعة لمشيئة الله، لا يتدخل فيها أحد سواه، وهو يقدرها وفق علمه وينفذها بقدرته: (إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) » 42.

وقوله سبحانه: فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ? ذَ?لِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [الأنعام:96] .

قال الرازي: «والعزيز إشارة إلى كمال قدرته والعليم إشارة إلى كمال علمه، ومعناه أن تقدير أجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة وهيئاتها المحدودة، وحركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة في البطء والسرعة لا يمكن تحصيله إلا بقدرة كاملة متعلقة بجميع الممكنات وعلم نافذ» 43.

وقوله جل وعلا: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ? يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ? وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) [الروم:54] .

قال السعدي: «يخبر تعالى عن سعة علمه وعظيم اقتداره وكمال حكمته، ابتدأ خلق الآدميين من ضعف؛ وهو الأطوار الأول من خلقه من نطفة إلى علقة إلى مضغة، إلى أن صار حيوانًا في الأرحام إلى أن ولد، وهو في سن الطفولية وهو إذ ذاك في غاية الضعف وعدم القوة والقدرة، ثم ما زال الله يزيد في قوته شيئًا فشيئًا حتى بلغ سن الشباب، واستوت قوته، وكملت قواه الظاهرة والباطنة، ثم انتقل من هذا الطور ورجع إلى الضعف والشيبة والهرم.

(يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) بحسب حكمته، ومن حكمته أن يري العبد ضعفه وأن قوته محفوفة بضعفين، وأنه ليس له من نفسه إلا النقص، ولولا تقوية الله له لما وصل إلى قوة وقدرة، ولو استمرت قوته في الزيادة لطغى وبغى وعتا.

وليعلم العباد كمال قدرة الله التي لا تزال مستمرة يخلق بها الأشياء، ويدبر بها الأمور ولا يلحقها إعياء ولا ضعف ولا نقص بوجه من الوجوه» 44.

5.مواجهة الصعاب والأخطار بقلب ثابت 45.

يبين هذه الثمرة بجلاء: ما حكى الله تعالى من حال المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم كانوا يفرحون بما يصيبه من بلاء، ويحزنون لما يصيبه من نصر وخير، فقال سبحانه: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) } [التوبة:50] .

وهنا يدل الله تعالى نبيه -وهو تعليم لجميع أمته- للتصرف الأمثل مع هؤلاء وأمثالهم فيقول سبحانه: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) } [التوبة:51] .

«أي: قدره وأجراه في اللوح المحفوظ» 46.

قال ابن الجوزي في (المقتبس) : سمعت الوزير يقول في قوله تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} ، قال: إنما لم يقل: «ما كتب علينا» لأنه أمرٌ يتعلق بالمؤمن، ولا يصيب المؤمن شيءٌ إلا وهو له، إن كان خيرًا، فهو له في العاجل، وإن كان شرا فهو ثواب في الآجل 47.

ويشير سيد قطب رحمه الله للفتة أخرى فيقول في قوله تعالى: {إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} : والله قد كتب للمؤمنين النصر، ووعدهم به في النهاية، فمهما يصبهم من شدة، ومهما يلاقوا من ابتلاء؛ فهو إعداد للنصر الموعود، ليناله المؤمنون عن بينة، وبعد تمحيص، وبوسائله التي اقتضتها سنة الله، نصرًا عزيزًا لا رخيصًا، وعزة تحميها نفوس عزيزة مستعدة لكل ابتلاء، صابرة على كل تضحية» 48.

فانظر كيف علمهم الله أن يواجهوا الأزمات والمحن والصعاب بذلك الإيمان الراسخ العظيم بقدر الله تعالى وقضائه، وهكذا فليكن أهل الإيمان في كل زمان ومكان.

الخلق هو المرتبة الرابعة من مراتب القدر، والخلق صفة من صفات الله تعالى الفعلية، فهو سبحانه يقول للشيء: (كن) فيكون كما يريده الله سبحانه، وفي الزمن الذي يريده، وبالكيفية التي يريدها، لا يتخلف عن قدرته سبحانه شيء في الأرض ولا في السماء.

أولًا: القدر سرٌ من أسرار الله تعالى:

قضية القدر من أخطر القضايا وأغمضها، قال الله سبحانه: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) } [الأنبياء:23] .

قال الطحاوي: «فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيمًا، وأحضر للنظر فيه قلبًا سقيمًا، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرًا كتيمًا» 49 أي: طلب بوهمه في البحث عن الغيب سرًا مكتومًا، إذ القدر سر الله في خلقه، فهو يروم ببحثه الاطلاع على الغيب، وقد قال تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل:65] .

وصح عن نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم قوله: (إذا ذكر القدر فأمسكوا) 50. قال طاووس رحمه الله لرجل: «القدر سر الله تعالى، فلا تدخلن فيه» 51.

ولكن على المسلم النظر فيما بينه الله تعالى في كتابه ورسوله عليه الصلاة والسلام في سنته في شأن القدر، ولا يسترسل مع عقله في هذا الباب العظيم، ولا يطلق لنفسه العنان بالقراءة في كتب أهل الكلام أو غيرهم ممن لم يلتزموا الوحي في حديثهم عن القدر.

قال الطحاوي رحمه الله: «وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه 52، ونهاهم عن مرامه 53، كما قال تعالى في كتابه: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) } [الأنبياء:23] .

فمن سأل - سؤال تكذيب وتعنت: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين» 54، أما من سأل سؤال راغبٍ في المعرفة طالبٍ للحق فنعم ما صنع؛ فقد أمر الله سبحانه بسؤال أهل العلم.

ثانيًا: شمولية القدر لجميع المخلوقات:

قال الله تعالى: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق:3] .

«وهذا نص صريح أنه تعالى قد جعل لكل شيء من الأشياء -أيًا كان هو- قدرًا لا يتعداه لا بزيادة ولا بنقص، ولفظ (شيء) أعم العمومات.

وقد جاءت آيات كثيرة دالة على هذا العموم عامة وخاصة:

فمن الآيات العامة قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) } [القمر:49] ».

وهذا شامل للمخلوقات والعوالم العلوية والسفلية، أن الله تعالى وحده خلقها لا خالق لها سواه، ولا مشارك له في خلقها، وخلقها بقضاء سبق به علمه، وجرى به قلمه، بوقتها ومقدارها، وجميع ما اشتملت عليه من الأوصاف، وذلك على الله يسير، فلهذا قال بعدها: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) } [القمر:50] » 55.

وقوله: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد:8] .

وقوله: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان:2] .

«قدر حجمه وشكله، وقدر وظيفته وعمله، وقدر زمانه ومكانه، وقدر تناسقه مع غيره من أفراد هذا الوجود الكبير.

وإن تركيب هذا الكون وتركيب كل شيء فيه، لما يدعو إلى الدهشة حقًا، وينفي فكرة المصادفة نفيًا باتًا.

ويظهر التقدير الدقيق الذي يعجز البشر عن تتبع مظاهره، في جانب واحد من جوانب هذا الكون الكبير.

وكلما تقدم العلم البشري فكشف عن بعض جوانب التناسق العجيب في قوانين الكون ونسبه ومفرداته؛ اتسع تصور البشر لمعنى ذلك النص القرآني الهائل: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} .

يقول (أ. كريسي موريسون) رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك في كتابه بعنوان: «الإنسان لا يقوم وحده» 56، «ومما يدعو إلى الدهشة أن يكون تنظيم الطبيعة على هذا الشكل، بالغًا هذه الدقة الفائقة، لأنه لو كانت قشرة الأرض أسمك مما هي بمقدار بضعة أقدام لامتص ثاني أكسيد الكربون الأوكسجين، ولما أمكن وجود حياة النبات، ولو كان الهواء أرفع كثيرًا مما هو فإن بعض الشهب التي تحترق الآن بالملايين في الهواء الخارجي كانت تضرب جميع أجزاء الكرة الأرضية! وهي تسير بسرعة تتراوح بين ستة أميال وأربعين ميلا في الثانية، وكان في إمكانها أن تشعل كل شيء قابل للاحتراق، ولو كانت تسير ببطء رصاصة البندقية لارتطمت كلها بالأرض، ولكانت العاقبة مروعة!

أما الإنسان فإن اصطدامه بشهاب ضئيلٍ يسير بسرعة تفوق سرعة الرصاصة تسعين مرة كان يمزقه إربًا من مجرد حرارة مروره!» 57.

ومن التقدير الخاص قوله: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) } [يس:38 - 40] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت