قال الراغب: «فتنبه قابيل لدفن أخيه، ووجه ذلك: أنه ما من صنعة يتعاطاها الإنسان بالتعلم إلا وقد سخر الله لمثل ذلك الصنعة حيوانًا يتعاطاه، وجعل الله تعالى ذلك سببًا لتعلم الناس ذلك منه، فمن الحيوان ما يسبح، ومنها ما يمشي، ومن عادة الغراب دفن الأشياء، فلما رأى قابيل ذلك تنبه لما يجب أن يفعل، فاستصغر نفسه لقصوره عن معرفة ما اهتدى إليه الغراب، فأخذ يتحسر، ويتولول وندم ندمًا لا يثنيه» 55.
وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ} أنه قال: جاء غراب إلى غراب ميت فحثى عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه: {يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ} 56.
قال أبو زهرة: «وقد فهم بعض المفسرين من الآية أنه لم يكن ثمة غراب قد مات، أو قتله صاحبه، ولكنه رأى الغراب يبحث في الأرض عن شيء من الأشياء ليدفنه؛ لأن من عادة الغربان حفر الأرض لدفن الأشياء، فلما رأى قاتل أخيه الغراب يحفر الأرض اهتدى إلى حفر الحفرة التي ألقى فيها جثة أخيه القتيل.
والحق أن الآية الكريمة نصت على أن الغراب قد أخذ يبحث في الأرض، حتى حفر حفرة، دفن فيها شيئًا أو طيرًا ميتًا، ولم تتعرض لكون المدفون طيرًا أو غير طير، ولا لكون الطير مات بقتل الدافن، أو مات بسبب آخر، والآية الكريمة بينة واضحة المقصد من غير فرض واحد من هذه الفروض بعينه، والفرض الواحد الذي يقتضيه بيان الغرض، والمغزى: هو أن نفرض أن الغراب أخذ يحفر في الأرض، حتى أتم حفرة وضع فيها شيئًا، فعلم القاتل الجهول أن ذلك هو الطريق لدفن أخيه» 57.
وفي الآية دلالة على أن الندم إذا لم يكن لقبح المعصية، لم يكن توبة، والآية أصل في دفن الميت 58، والله أعلم.
سأل إبراهيم عليه السلام ربه جل وعلا أن يريه كيف يحيي الموتى، فأجابه الله تعالى لما طلب، فكان هذا المشهد الذي حدثنا به الحق تبارك وتعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) } [البقرة:260] .
ذكر المفسرون لسؤال إبراهيم عليه السلام ربه جل وعلا أسبابًا منها:
وهو قول أكثر المفسرين: أنه رأى جيفة بساحل البحر تتناولها السباع والطير ودواب البحر، ففكر كيف يجتمع ما قد تفرق من تلك الجيفة، وتطلعت نفسه إلى مشاهدة ميت يحييه ربه، فقال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} [البقرة:260] 59، وهو قول الحسن وقتادة والضحاك وابن عباس 60.
وقال آخرون: بل كان سبب مسألته ربه ذلك: المناظرة والمحاجة التي جرت بينه وبين نمرود في ذلك، قاله ابن إسحاق 61،قال ابن كثير: لما قال إبراهيم عليه السلام لنمرود {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة:258] .
أحب أن يترقى من علم اليقين في ذلك إلى عين اليقين، وأن يرى ذلك مشاهدة، فقال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} 62.
وقد ذهب الجمهور إلى أن إبراهيم عليه السلام لم يكن شاكًّا في إحياء الموتى قط، وإنما طلب المعاينة لما جبلت عليه النفوس البشرية من رؤية ما أخبرت عنه 63.
فاستجاب الله تعالى لإبراهيم عليه السلام لما طلب له، حيث أمره الله جل وعلا أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحهن، ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن، وهو قول قتادة 64، وإنما خص الطير؛ لأنه أقرب إلى الإنسان وأجمع لخواص الحيوان والطير 65.
وجمهور المفسرين على أن الله أمر إبراهيم خليله بأن يذبح تلك الطيور ويقطع أجزاءها ويضع على كل مرتفع من الأرض جزءًا من تلك الأشلاء المتقطعة، ثم يدعوها فتكون طيرًا بإذن الله ويجيء إليه سعيًا، وعلى هذا النحو يكون ذلك العمل الحسي تقريبًا لمعنى الإحياء، وإن لم يكن بيانًا كاملًا للكيفية؛ لأن الكيفية عند الله العليم الخبير علمها، ويكون ذلك إظهارًا للإحياء بمظهر حسي، وإن لم يكن فيه بيان الكيفية 66.
قال السعدي في تفسير الآية: « {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ} ولم يبين أي الطيور هي، فالآية حاصلة بأي نوع منها، وهو المقصود، {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} أي: ضمهن، واذبحهن، ومزقهن {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ففعل ذلك، وفرق أجزاءهن على الجبال التي حوله، ودعاهن بأسمائهن، فأقبلن إليه، أي: سريعات، لأن السعي: السرعة، وليس المراد أنهن جئن على قوائمهن، وإنما جئن طائرات على أكمل ما يكون من الحياة، وخص الطيور بذلك؛ لأن إحياءهن أكمل وأوضح من غيرهن، وأيضًا أزال في هذا كل وهمٍ ربما يعرض للنفوس المبطلة، فجعلهن متعددات أربعة، ومزقهن جميعًا، وجعلهن على رؤوس الجبال، ليكون ذلك ظاهرًا علنًا، يشاهد من قرب ومن بعد، وأنه نحاهن عنه كثيرًا، لئلا يظن أن يكون عاملا حيلة من الحيل، وأيضًا أمره أن يدعوهن فجئن مسرعات، فصارت هذه الآية أكبر برهان على كمال عزة الله وحكمته، وفيه تنبيه على أن البعث فيه يظهر للعباد كمال عزة الله وحكمته وعظمته وسعة سلطانه، وتمام عدله وفضله» 67.
وجيء بمن للتبعيض في قوله تعالى: {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ} للدلالة على أن الأربعة مختلفة الأنواع، والظاهر أن حكمة التعدد والاختلاف زيادة في تحقق أن الإحياء لم يكن أهون في بعض الأنواع دون بعض، فلذلك عددت الأنواع، وفائدة الأمر بإدنائها في قوله تعالى: {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} حتى يتأمل أحوالها ويعلم بعد إحيائها أنها لم ينتقل جزء منها عن موضعه 68، والله أعلم.
وناهيك بالقصة دليلًا على فضل الخليل، ويُمْن الضراعة في الدعاء، وحسن الأدب في السؤال، حيث أراه الله تعالى ما سأل في الحال على أيسر ما يكون من الوجوه 69.
ثالثًا: يوسف عليه السلام وتأويل رؤيا الطير:
ذكر الله عز وجل ما جرى بين يوسف عليه السلام والفتيان اللذين كانا معه في السجن، حيث قال تعالى: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) } [يوسف:36] .
قال قتادة: وكان الفتيان غلامين من غلمان ملك مصر الأكبر، أحدهما صاحب شرابه، والآخر صاحب طعامه 70.
وكان يوسف عليه السلام قد اشتهر في السجن بالجود والأمانة وصدق الحديث وحسن السمت وكثرة العبادة، صلوات الله عليه وسلامه، ومعرفة التعبير والإحسان إلى أهل السجن، وعيادة مرضاهم والقيام بحقوقهم، ولما دخل هذان الفتيان إلى السجن، تآلفا به وأحباه 71، فسمياه محسنًا لذلك، وهذا تفسير لقوله تعالى: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} 72، وهو قول الضحاك وقتادة، وأولى بالصواب عند الطبري 73.
ثم إنهما رأيا منامًا، فرأى الساقي أنه يعصر خمرًا - يعني عنبًا - وقال الآخر - وهو الخباز: {إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ} والمشهور عند الأكثرين أنهما رأيا منامًا وطلبا تعبيره 74.
وفي قوله تعالى: {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} قال الماتريدي: وسمى التعبير تأويلًا؛ لأن التأويل: هو الإخبار عن العواقب؛ لذلك سموه تأويلًا، ثم خرج تأويل الذي كان خبازًا على ما ذكر، وهو إنما كان يخبز للناس، فلما رأى أنه حمل الخبز على رأسه، وأنه يأكل الطير علم أنه يخرج من الأمر الذي كان فيه، وخروجه يكون بهلاكه؛ لأنه كان من قبل يخبز للناس، فصار يخبز لغيرهم، فاستدل بذلك على خروجه من أمره وعمله، لكنه أخبر أنه يصلب؛ لأنه كان قائمًا منتصبًا، فأول على ما كان من أمره، واللّه أعلم 75.
وكلام الماتريدي في هذه الآية يعتبر تفسيرًا لقوله تعالى: {فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ} [يوسف:41] .
وفي هذه الآية يقول السعدي: «عبر عن الخبز الذي تأكله الطير بلحم رأسه وشحمه، وما فيه من المخ، وأنه لا يقبر ويستر عن الطيور، بل يصلب ويجعل في محل، تتمكن الطيور من أكله» 76.
وقال الزجاج في قوله تعالى: {قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} : «لما تأول لهما الرؤيا قال الذي أنبأه بأنه يصلب أنه لم ير شيئًا، فأعلمه أن ذلك واقع به وإن لم ير، كما أعلمهما بخبر ما يأتيهما من الطعام» 77، بقوله: {لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} [يوسف:37] .
وذكر ذلك بعض أهل التأويل، كما قال الماتريدي، ثم رد على ذلك بقوله: لكن هذا لا يعلم: قالا ذلك أم لم يقولا، سوى أن فيه أنه عبّر رؤياهما، وكان ما عبّر لهما، وقد علم ذلك بتعليم من اللّه إياه بقوله: {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} [يوسف:37] 78، والتعبير عنه بـ (الأمر) ، وعن طلب تأويله بـ (الاستفتاء) تهويلًا لأمره، وتفخيما لشأنه، إذ الاستفتاء إنما يكون في النوازل المشكلة الحكم، المبهمة الجواب 79.
رابعًا: داود عليه السلام والطير:
أخبر الله جل وعلا بما أنعم على عبده ورسوله داود عليه السلام، وبما أتاه من الفضل العظيم، ومن ذلك تسبيح الطير معه إذا سبح، حيث قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) } [سبأ:10] .
قال الزجاج: « {أَوِّبِي مَعَهُ} معناه رجعي معه، يقال: آب يؤوب، إذا رجع، ومعنى رجّعي معه: سبّحي معه ورجّعي التسبيح معه.
(والطيرَ) (والطيرُ) ، فالرفع من جهتين:
إحداهما: أن يكون نسقًا على ما في {أَوِّبِي} ، والمعنى {يَاجِبَالُ} رجّعي التسبيح أنت {وَالطَّيْرَ} .
ويجوز أن يكون مرفوعًا عل البدل، والمعنى: يا جبال ويا أيها الطير {أَوِّبِي مَعَهُ} » 80.
وقال ابن زيد في قوله تعالى: {يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} قال: سبحي معه، قال: والطير أيضًا 81.
والخلاصة في المعنى: أن الله أمر الطير تسبح مع داود عليه السلام إذا سبح.
وأما ابن كثير فيقول في تفسير هذه الآية: «يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود، صلوات الله وسلامه عليه، مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العدد والعدد، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به تقف له الطيور السارحات، والغاديات والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات، وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبي موسى الأشعري يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته» 82، ثم قال لأبي موسى: (لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود) 83.
والتأويب في اللغة: هو الترجيع، فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها، فمعنى قوله تعالى: {أَوِّبِي مَعَهُ} أي: رجعي معه مسبحة معه، والله أعلم 84.
وفي هذا الأسلوب الذي نظمت عليه الآية من الفخامة، وجلالة الخالق، وعظم شأن داود، مع وفرة المعاني، وإيجاز الألفاظ، ما لا يخفى من الدلالة على عزة الربوبية وكبرياء الإلهية، حيث جعلت الجبال بمنزلة العقلاء الذين إذا أمرهم بالطاعة أطاعوا وأذعنوا، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا، إشعارًا بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت، إلا وهو منقاد لمشيئته غير ممتنع على إرادته سبحانه وتعالى 85.
ونحو هذه الآية قوله تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) } [ص:18 - 19] .
قال ابن الجوزي: «قوله تعالى: {وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً} أي: مجموعة إليه، تسبّح الله معه {كُلٌّ لَهُ} في هاء الكناية قولان: أحدهما: ترجع إلى داود، أي: كلٌّ لداود أوّابٌ أي: رجّاعٌ إلى طاعته وأمره، والمعنى: كلٌّ له مطيع بالتسبيح معه، هذا قول الجمهور، والثاني: أنها ترجع إلى الله تعالى، فالمعنى: كلٌّ مسبّحٌ لله» 86.
وقال ابن كثير في هذه الآية: «كانت الطير تسبح بتسبيحه، وترجع بترجيعه إذا مر به الطير، وهو سابح في الهواء، لا تستطيع الذهاب، بل تقف في الهواء وتسبح معه، ولهذا قال: {وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً} أي: محبوسة في الهواء، {كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} أي: مطيع يسبح تبعًا له» 87.
خامسًا: الطير من جند سليمان عليه السلام:
ورث سليمان عليه السلام أباه في علمه ونبوته وملكه، وزاده الله ملكًا عظيمًا لم يحصل لأحد قبله ولا بعده، فقد سخر الله له الريح تجري بأمره، والجن والشياطين يعملون له من الأعمال ما يشاء، ومن الجنود الإنس والجن والطير، وقد وصف الله تعالى جنوده وهم منتظمون في سيرهم واجتماعهم بتدبير عجيب ونظام غريب، ومن تلك الجنود المنتظمة الطير.
قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) } [النمل:17] .
قال الطبري: وجمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير في مسير لهم، فهم يوزعون، واختلف أهل التأويل في معنى قوله: {فَهُمْ يُوزَعُونَ} فقال بعضهم: معنى ذلك: فهم يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا، قال ابن عباس: جعل على كل صنف من يرد أولاها على أخراها، لئلا يتقدموا في المسير، كما تصنع الملوك، وهذا القول أولى بالصواب، وذلك أن الوازع في كلام العرب هو الكاف، يقال منه: وزع فلان فلانًا عن الظلم: إذا كفه عنه، وإنما قيل للذين يدفعون الناس عن الولاة والأمراء: وزعة؛ لكفهم إياهم عنه 88.
فكأن سليمان عليه السلام لا يدعهم أن ينتشروا ويتفرقوا، ولكن يسيرهم مجموعين على كل صنف منهم وزعة من النقباء ترد أولهم على آخرهم، لئلا يتقدموا في المسير، وذلك من سيرة الملوك وأمراء العساكر: أن يسيروا جنودهم مجموعة غير منتشرة ولا متفرقة 89.
وقال السعدي: «جمع له جنوده الكثيرة الهائلة المتنوعة من بني آدم، ومن الجن والشياطين ومن الطيور، فهم منتظمون غاية التنظيم في سيرهم ونزولهم وحلهم وترحالهم، قد استعد لذلك وأعد له عدته، وكل هذه الجنود مؤتمرة بأمره لا تقدر على عصيانه ولا تتمرد عنه» 90.
وفي الآية دليل على اتخاذ الإمام والحكام وزعة يكفون الناس ويمنعونهم من تطاول بعضهم على بعض، إذ لا يمكن الحكام ذلك بأنفسهم 91.
وأما ابن عاشور فيقول: وفي الآية بيان للجنود فهي ثلاثة أصناف: صنف الجن ... وصنف الإنس ... وصنف الطير، وهو من تمام الجند، لتوجيه الأخبار وتلقيها، وتوجيه الرسائل إلى قواده وأمرائه، واقتصر على الجن والطير لغرابة كونهما من الجنود، فلذلك لم يذكر الخيل وهي من الجيش، وفي قوله تعالى: {فَهُمْ يُوزَعُونَ} إشارة إلى أن جمع الجنود وتدريبها من واجبات الملوك؛ ليكون الجنود متعهدين لأحوالهم وحاجاتهم، وليشعروا بما ينقصهم، ويتذكروا ما قد ينسونه عند تشوش الأذهان عند القتال وعند النفير 92.
ومن حسن نظامه عليه السلام وحزمه: أنه يتفقد الجنود بنفسه، حتى أنه تفقد الطير لينظر هل هي ملازمة لمراكزها وأماكنها أم لا، فقال تعالى مخبرًا عن ذلك: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) } [النمل:20] .
قال الماتريدي مبينًا السبب في ذلك: «وتفقده الطير لما كان عليه حفظهم جميعًا، ومنعه إياهم عن الانتشار في الأرض والتفرق، لما على كل ملك وأمير حفظ رعيته وحاشيته، والتفقد عن أحوالهم وأسبابهم» 93.
وقال السعدي: «والشاهد من الآية أن تفقد سليمان عليه السلام للطير، وفقده الهدهد يدل على كمال حزمه وتدبيره للملك بنفسه، وكمال فطنته حتى فقد هذا الطائر الصغير {فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} أي: هل عدم رؤيتي إياه لقلة فطنتي به، لكونه خفيًّا بين هذه الأمم الكثيرة؟ أم كان غائبًا من غير إذني ولا أمري؟» 94.
وهذا يدل على عظيم منزلة الهدهد، وأن غيبة غيره كانت بأمره عليه السلام 95.
وفي الآية: استحباب تفقد الملك أحوال رعيته، وأخذ منه بعضهم: تفقد الإخوان 96.
سادسًا: عيسى عليه السلام وخلق الطير:
أجرى الله عز وجل على يد عيسى عليه السلام الكثير من المعجزات والآيات الدالة على صدق رسالته، وأنه رسول الله تعالى إلى بني إسرائيل، وقد أخبر الله جل وعلا في محكم كتابه عن هذه الآيات، ومنها خلق الطير حيث كان يصنع من الطين شكلًا على هيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طيرًا حيًّا بإذنه سبحانه وتعالى.
قال جل شأنه حكاية عن عيسى عليه السلام مخاطبًا قومه: {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران:49] .
قال البيضاوي: « {أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ} أي: أقدر لكم وأصور شيئًا مثل صورة الطير، {فَأَنْفُخُ فِيهِ} الضمير للكاف، أي: في ذلك الشيء المماثل {فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} فيصير حيًّا طيَّارًا بأمر الله، نبه به على أن إحياءه من الله تعالى لا منه» 97.
وفي الآية دليل على أنه لولا الإذن من الله عز وجل لم يقدر على ذلك، وأن خلق ذلك كان بفعل الله سبحانه، أجراه على يد عيسى عليه السلام 98.
وقال ابن كثير في هذه الآية: كان عليه السلام يصور من الطين شكل طير، ثم ينفخ فيه، فيطير عيانًا بإذن الله عز وجل، الذي جعل هذا معجزة يدل على أن الله أرسله 99.
وأما أبو زهرة فقال في هذه الآية: «فهنا أعمال ثلاثة: اثنان منها لعيسى عليه السلام، والثالث لله تعالى جل جلاله وعظمت قدرته، أما اللذان لعيسى فهما: تصوير الطين كهيئة الطير، والنفخ فيه، وأما الثالث الذي هو من عمل الله تعالى وحده، فهو خلق الحياة في هذه الصورة التي صورها عيسى عليه السلام؛ ولذلك قال: {بِإِذْنِ اللَّهِ} أي: بأمره وإعلامه، والكون كله بأمره سبحانه وتعالى {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) } [يس:82] .
وهذا يدل على أنه لم يكن في عيسى ألوهية، ولا أي معنى من معانيها» 100.
وقد أكد الله جل وعلا هذه المعجزة في موضع آخر في كتابه الكريم، مخاطبًا عيسى عليه السلام، في معرض التذكير بنعمه التي أنعمها عليه، حيث قال جل شأنه: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي} [المائدة:110] .
قال ابن كثير: «وقوله: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي} أي: تصوره وتشكله على هيئة الطائر بإذني لك في ذلك {فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي} أي: فتنفخ في تلك الصورة التي شكلتها بإذني لك في ذلك، فتكون طيرًا ذا روح بإذن الله وخلقه» 101.
وهذه المعجزة باهرة قاطعة في أن الخالق لهذا الكون لا تحكمه الأسباب، إذ إن الناس يجدون أسباب الخلق هو التوالد بأن تحمل الأنثى من ذكر، وتلد، ثم يكون الحي من بعد ذلك، فيكون من خرق الأسباب أن يكون الحي بإجراء الحياة على يد مخلوق لله تعالى، فقد أذن لعيسى عليه السلام أن يصور من الطين كهيئة الطير، فمعنى (خلق) هنا: هو تصويره جسدًا من الطين، وجعله على شكل طائر، ثم نفخ فيه بإذنه سبحانه، فيكون طيرًا بإذن الله تعالى، وذكرت كلمة {بِإِذْنِي} عند تصوير شكل الطير، وعندما صار طيرًا؛ للإشارة إلى أن كل ذلك من عند الله، وأنه الخالق، وليس عيسى هو الخالق، ولكنه سبحانه وتعالى أجرى الخلق على يديه 102.
سابعًا: دروس من قصص الطير في القرآن: