فهرس الكتاب

الصفحة 2291 من 2431

وكان هذا النداء قبل حدوث الغرق، ولكن ابنه أجاب على هذا النداء الذي يحمل معنى الرحمة والشفقة وعاطفة الأبوة، أجاب بكل عنادٍ وتكبرٍ وصلف، فقال: سأحتمي وأتحصن بجبل يمنعني ارتفاعه من وصول الماء إلي. فرد عليه أبوه نوح عليه السلام بأن هذا اليوم ليس كأي يوم عادي، بل هو يوم قد حق فيه العذاب، وهو واقع لا محالة، فليس هناك عاصم أو مانع من نفاذ أمر الله جل جلاله إلا من قدر الله تعالى له الهداية من قبل فكان من المؤمنين، وفي أثناء هذا الحوار بين الأب وابنه بدأ الماء بالارتفاع حتى حال الموج بينهما، فتعذر على نوح عليه السلام إقناعه بالركوب معه؛ ليخلص وينجو من الغرق، فكان ابنه من ضمن من أصابه الطوفان فغرق 113.

ويلاحظ من هذا أن ابن نوح كان عنده عجبٌ وغرور كبير بنفسه، والعجب كما عرفه الجرجاني بقوله: «هو عبارة عن تصور استحقاق الشخص رتبةً لا يكون مستحقًًّا لها» 114، كما عرفه الإمام الغزالي فقال: «هو استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم» 115.

فقد اغتر بنفسه، وأنه ابن نبي الله تعالى، ولكن هذا النسب لم ينفعه؛ لأنه خلا من الإيمان بالله تعالى والعمل الصالح، وفي المجتمع أناسٌ كثيرون يزعمون أنهم أفضل من العلماء والفقهاء، وهم جاهلون بكتاب ربهم جل وعلا.

وبعد انتهاء هذا الحدث الجسيم دفعت عاطفة الأبوة نبي الله نوحًا عليه السلام أن يسأل الله تعالى عن مصير ابنه الذي غرق، قال عز وجل: (وَنَادَى? نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) [هود:45] .

أي: يا رب إن ابني هذا من أهلي الذين وعدتني بنجاتهم عندما أمرتني بحملهم في السفينة، وذلك عندما قال الله عز وجل: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) [هود:40] .

فأجابه الله تعالى بقوله: قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ? إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ? فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ? إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [هود:46] .

أي: يا نوح، إنه ليس من أهلك الذين أمرتك بحملهم في السفينة؛ لإنجائهم، والسبب في ذلك أنه كان يعمل أعمالًا غير صالحة، فقد التزم الفساد منهجًا في حياته، وتنكب عن طريق الهداية والصلاح.

ثم نهاه الله تعالى عن سؤال ما ليس له به علم صحيح، فيكون من زمرة الجاهلين، فيسألون الله تعالى إبطال حكمته وتقديره في خلقه إجابةً لشهواتهم وأهوائهم.

وبعد هذا النهي الصريح طلب نوح عليه السلام المغفرة من ربه فقال: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ? وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [هود:47] .

أي: يا رب، إني ألجأ إليك وأحتمي بك من أن أسألك في المستقبل سؤالًا ليس لي به علم، وإن لم تغفر لي ذنب هذا السؤال الذي كان من باب شفقتي على ابني ومن باب طمعي في رحمتك أكن من الخاسرين فيما كان مني من محاولة إنجاء أبنائي كلهم 116.

ويلاحظ من هذا أن نوحًا عليه السلام اجتهد فأخطأ؛ لذلك لم يقره الله تعالى على خطئه، بل عاتبه وأرشده إلى الاستغفار. وقد يستعظم البعض نسبة الخطأ إلى الأنبياء، متوهمين أن الخطأ هو الإثم، أو الانحراف الذي يتنافى مع عصمة الأنبياء الثابتة لهم، فليس المقصود بالخطأ هذا المعنى، بل المقصود به هو عدم مطابقة اجتهاد النبي لما هو الكمال الثابت في علم الله جل جلاله 117.

ثانيًا: نوح عليه السلام وزوجته:

تحدث القرآن الكريم عن امرأة نوح عليه السلام في سياق الذم والإنكار لما بدر منها، فقال الله عز وجل:(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ? كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ?10? [التحريم:10] .

وحقيقة الخيانة هي: «عمل من اؤتمن على شيء بضد ما اؤتمن لأجله بدون علم صاحب الأمانة» 118.

وتفسير الآية ومعناها: أن الله عز وجل ضرب مثلًا للذين كفروا في مخالطتهم للمسلمين ومعاشرتهم، فإن هذه المخالطة والمعاشرة لا تجدي عن الكافرين شيئًا، ولن تنفعهم عند الله عز وجل إن لم تكن قلوبهم مليئة بالإيمان بالله جل جلاله، وذكر مثلًا على ذلك هما امرأتا نوح ولوط عليهما السلام فكانتا زوجتين لنبيين، يصاحبانهما في الليل والنهار، ويؤاكلانهما، ويعاشرانهما أشد المعاشرة والاختلاط، ولكنهما خانتا زوجيهما في الإيمان، حيث لم تؤمنا بنبوة ورسالة زوجيهما.

فهذه العشرة والصحبة للنبيين لم تجد عنهما شيئًا، ولم تدفع عنهما محذورًا؛ لأنهما كافرتان؛ لذلك قيل لهما: ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) . فلا يراد بالخيانة: الخيانة الزوجية، فإن نساء الأنبياء جميعًا -وإن كن كافرات- معصومات عن الوقوع في الفاحشة؛ لحرمة أزواجهن الأنبياء 119.

وذكر الرازي أن خيانة امرأة نوح ولوط -عليهما السلام- كانت في نفاقهما وإخفائهما الكفر، وكانتا تعينان قوميهما على زوجيهما الرسولين، فامرأة نوح قالت لقومه: إنه مجنون. وامرأة لوط كانت تدل قومها على ضيوف زوجها؛ لفعل الفاحشة بهم 120.

وأخيرًا يظهر من هذا المبحث أن عذاب الله عز وجل وعقابه لا يمكن أن يدفع بالوسيلة، لا بشفقة الأب على ابنه، ولا بكون المرأة زوجة لنبي، بل يدفع بطاعة الله جل جلاله وحده.

إن دعوة نوح عليه السلام معرضةٌ الآن للخطر والتهديد من قومه؛ فلهذا السبب أوحى الله تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن واستجاب. فلجأ نوح عليه السلام متضرعًا إلى الله عز وجل شاكيًا إياه ما أصاب دعوته، مناجيًا إياه أن ينصر دعوة الحق، ويهلك الظالمين، فاستجاب الله تعالى لنبيه نوح عليه السلام، وأمره بصناعة الفلك قائلًا: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ? فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ? وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ? إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ?27?) [المؤمنون:27] .

أي: أوحى الله تعالى إليه صناعة السفينة، والله تعالى حافظٌ له؛ لئلا يفسدها عليه قومه. وأثناء صناعته لها كان نوح عليه السلام يلاقي من قومه السخرية والاستهزاء، فلم يبال بصنيعهم هذا ولم يكترث له، بل ذكر لهم أنهم سوف يعلمون من الأولى بهذه السخرية عندما يحل عليهم عذاب الله عز وجل بالطوفان فيهلكوا ويغرقوا جميعًا. وبهذا يعد نوح عليه السلام أول من صنع السفينة؛ لذلك سخر منه قومه، ولو كان يصنع شيئًا عاديًّا معروفًا لما سخروا منه 121.

وأعطاه الله تعالى علامةً يعرف بها إرادة الله عز وجل عند وقوع العذاب على قومه، وهي فوران التنورالذي هو موضع الناربالماء. حينئذٍ أمره الله تعالى إذا رأى هذه العلامة أن يدخل في السفينة من كل حيوان موجود في عصره فردين مزدوجين، ذكرًا وأنثى؛ حتى لا ينقطع نسل ذلك الحيوان. كما أمره أن يدخل في السفينة من أهل بيته المؤمنين فقط، أما الكافرون منهم فمحكومٌ عليهم بالغرق والهلاك لا محالة، ويدخل كذلك الذين آمنوا معه وصدقوه من قومه 122.

وذكر الله تعالى أن سفينة نوح عليه السلام كانت مملوءةً بالمؤمنين، والحيوانات التي أمره الله تعالى بحملها معه 123، فقال: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) [الشعراء:119] .

وبعد أن تجهز نوح عليه السلام، واستعد لأمر الله تعالى عندها أمر الله عز وجل السماء أن تنزل المطر الكثير على غير العادة، والأرض أن تتفجر كلها حتى التنور الذي لم تجر العادة بوجود الماء فيه؛ لأنه موضع للنار وليس للماء، فالتقى ماء السماء مع ماء الأرض بأمر الله عز وجل بذلك، وكان قد كتب هذا الأمر منذ الأزل عقوبةً لهؤلاء الظالمين الطغاة 124، فقال تعالى مصورًا هذا المعجزة: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ?11?وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى? أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ?12?) [القمر:11 - 12] .

أما نوح عليه السلام ومن معه فقد قال الله تعالى في نجاتهم: (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى? ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ?13?تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ?14?) [القمر:13 - 14] .

أي: حمله الله تعالى ومن معه على السفينة، ووصف الله تعالى طريقة صناعتها، فهي ذات ألواح خشبية، مثبتة بالدسر، وهي المسامير التي سمرت بها الألواح وشد بها أسرها، ولكن مهما أحكمت هذه الألواح بالمسامير، فإنه لا بد أن يظل بينها مسام، ويتسرب منها الماء، فيؤدي إلى الغرق، فكيف السبيل إلى تفادي ذلك خصوصًا في تلك العصور البدائية؟! فقالوا: لا بد لصانع الفلك أن يجفف الخشب جيدًا قبل تصنيعه، فإذا ما نزل الخشب الماء يتشرب منه، فيزيد حجمه ويسد هذه المسام تمامًا، هذا بالإضافة إلى ربطها بالحبال وضم بعضها إلى بعض.

فمن علم نوحًا هذه الأمور الدقيقة؟ إنه الله جل جلاله، لم يترك نبيه يفعل ما يشاء في صناعتها، إنما تابعه ولاحظه، ووجهه إلى كيفية صناعتها، وحدد له المواد المستخدمة فيها 125.

وخلاصة القول: إن الله تعالى نجى نبيه نوحًا عليه السلام والمؤمنين معه بهذه السفينة التي صنعها بحفظ الله ورعايته، وكانت أيضًا تجري بأمره، وترسو كذلك بأمره، فلم يخافوا الغرق مع ما كان من أمواج هائلة، جزاءً من الله تعالى لنوح عليه السلام؛ لأنه هو المكفور به 126.

وبعد هلاك الكافرين تمامًا أمر الله تعالى الأرض والسماء فقال لهما: (. وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ? وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [هود:44] .

والمعنى: أمر الأرض أن تبلع الماء الذي عليها، وأمر السماء أن تقلع عن إنزال المطر، فنقص الماء حتى ذهبت زيادته عن الأرض، واستوت السفينة على جبل الجودي 127.

ثم خاطب الله تعالى نوحًا عليه السلام بقوله: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [المؤمنون:28] .

أي: إذا استقر بك المقام وبمن معك من المؤمنين في السفينة فاحمد الله تعالى أنت وهم أن أنقذكم ونجاكم من هؤلاء الكافرين المشركين الظالمين 128.

ثم أمره الله تعالى أن ينزل من السفينة ويدعو الله عز وجل دعاءً مقرونًا بالثناء، فقال: (. وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [المؤمنون:29] .

أي: أنزلني مكانًا تبارك لي فيه، وتعطيني الزيادة فيه لخير الدارين، وأنت يا رب خير من ينزل عباده الطائعين له المنازل الطيبة؛ لأنك تحفظه في سائر أحواله، وتدفع عنه المكاره حسب ما تقتضيه حكمتك العلية 129.

فنزل نوح عليه السلام بأمن وسلامة من الله تعالى وخيرات وبركات كثيرة عليه، فقال تعالى: (. قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى? أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ? وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [هود:48] .

ومن هذه الخيرات والبركات أن الله تعالى جعل ذريته هي الباقية إلى يوم القيامة، وهذه البركات أيضًا على ذرية أمم ممن كانوا معه في السفينة. أما الأمم الكافرة، فسوف يمتعها الله تعالى في الدنيا، ثم يجازيهم العذاب الأليم في الآخرة 130.

والحكمة من ذكر السفينة أن الله تعالى جعلها علامةً على قدرته ووحدانيته، فهو الأحق والأجدر بالعبودية، فقال جل جلاله: (فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ) [العنكبوت:15] .

أي: جعلها عبرة عظيمة لمن يعتبر. وفي كونها آية وجهان:

الأول: أنها باقية على جبل الجودي مدة طويلة.

الثاني: أن الله تعالى سلمها من الرياح المزعجة.

فالضمير في (وجعلناها) إما راجع إلى السفينة، أو إلى الواقعة أو الحادثة التي اشتملت على نجاة المؤمنين وهلاك الكافرين بالغرق 131. وقال الماتريدي عند تفسير قوله تعالى: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ) [هود:42] .

«هذا يدل على أنها كانت آية؛ لأن الأمواج تمنع من جريان السفينة وسيرها، فإذا أخبر أنها لم تمنع هذه من جريانها دل أنه أراد أن تصير آية لهم» 132.

وأخيرًا فإن الله تعالى يذكر الكافرين في عصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم بطغيان الماء وتجاوزه حده في زمن نوح عليه السلام حتى علا كل شيء وارتفع فوقه، فنجاهم وحملهم في السفينة؛ ليجعل هذه الحادثة عظةً للناس وعبرةً تدل على انتقام الله تعالى ممن كذب رسله، فتحفظها أذن واعية للمواعظ 133، فقال تعالى:(إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ [الحاقة:11] .

وإذا سأل سائلٌ: كيف يمتن الله عز وجل على كفار مكة بحملهم في سفينة نوح عليه السلام؟ والجواب: أنه في نجاة الذين كانوا في السفينة من المحمولين نجاة لذريتهم. فكأن الله تعالى حمل المخاطبين من قريش بحمل أولئك الناجين من هلاك الطوفان 134.

يقول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى? آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ?33?ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ? وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ?34?) [آل عمران:33 - 34] .

وتم الحديث عن معنى الاصطفاء ومسوغاته، وعن معنى قوله: (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ? وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، أي: كان الأنبياء والمرسلون من سلالة نوح عليه السلام، وتتابع المختارون بعده 135.

وفي سياق الثناء على إبراهيم عليه السلام من إعطائه الحجة الدامغة القوية التي أعطاها الله تعالى إياه؛ ليلزم بها قومه ويقنعهم به، فرفع بها درجته، حيث أعطاه النبوة التي هي أعلى الدرجات، فقال عز وجل معددًا نعمه على إبراهيم عليه السلام، حيث جعله أشرف الناس، و الأنبياء والرسل من ذريته، وأبقى له هذه الكرامة إلى يوم القيامة، فقال: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى? قَوْمِهِ ? نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ? إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ?83?وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ? كُلًّا هَدَيْنَا ? وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ ? وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى? وَهَارُونَ ? وَكَذَ?لِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ?84?) [الأنعام:83 - 84] .

فقد وهب الله تعالى لإبراهيم عليه السلام إسحاق، وجعله نبيًا، وجعل يعقوب عليه السلام من ذرية إسحاق عليه السلام. وقوله: (وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ) ، أي: هدينا جد إبراهيم عليه السلام، وهو نوح عليه السلام، إلى مثل ما هدينا به إبراهيم عليه السلام وذريته، فقد آتاه الله تعالى النبوة والحكمة وهداية الخلق إلى الطريق المستقيم، وإذا كان الله تعالى قد امتن على إبراهيم عليه السلام بجعل النبوة في ذريته فقد امتن عليه من قبل إذ أخرجه من أصلاب آباء طاهرين كنوح عليه السلام وإدريس عليه السلام، فإبراهيم عليه السلام من ذرية نوح عليه السلام، فهو كريم الآباء شريف الأبناء 136. فإذا علم هذا فإن النبوة كلها قد جعلت في ذرية نوح عليه السلام.

ويزيد هذا المعنى قوةً ما ورد في قوله عز وجل: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ? فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ ? وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد:26] .

أي: جعل الله تعالى النبوة والكتب السماوية في أولاد كلٍّ من نوح عليه السلام، وإبراهيم عليه السلام. فهودٌ وصالحٌ وشعيبٌ وإبراهيم ولوط من ذرية نوح عليه السلام، وإسماعيل وإسحاق، وباقي الأنبياء من ذرية إبراهيم عليه السلام 137.

وإذا كان إبراهيم عليه السلام من ذرية نوح عليه السلام فإبراهيم وذريته كلها من ذرية نوح عليه السلام.

إن قصة نوح عليه السلام من القصص القرآني الحق الذي قصه الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، حيث قال: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَ?ذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) [يوسف:3] .

وهي تحمل الكثير من الهدايات والعبر والمواعظ، ومنها:

الأول: الاستناد والركون إلى قوة الله القوي العزيز.

الثاني: أمر قومه بعبادة الله تعالى وحده.

الثالث: أمر قومه بالإيمان باليوم الآخر عندما خوفهم عذاب الله تعالى.

الركن الأول: الندم على ما فات، وهذا في قوله: (وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [هود:47] .

الركن الثاني: الإقلاع عن الذنب، وهذا مفهومٌ من قوله: (وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، فقد ندم على سؤاله، وأقلع عن ذنبه؛ ولذلك طلب المغفرة والرحمة من الله عز وجل.

الركن الثالث: العزم على الترك، وهذا في قوله: (إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ) [هود:47] .

فنوح عليه السلام يستعيذ بالله تعالى أن يسأله مرة أخرى شيئًا في المستقبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت