فهرس الكتاب

الصفحة 351 من 2431

ولا يشترط أن يكون الكدح في عملٍ جسديٍ، بل قد يكون في حركاتٍ نفسيةٍ ذات مشقةٍ على النفس أكثر من حركات الكد الجسدي، فمن الكدح ما يعانيه الإنسان من أمراضٍ، وأوجاع، وآلامٍ، جسديةٍ ونفسيةٍ. ومن الكدح ما يعانيه الإنسان من آلام المصائب في الأموال والأنفس، وفقد الأحبة.

ويستمر كدح الإنسانٍ حتى اللحظات الأخيرة من حياته، وملاقاة ربه بالموت، وبعد ملاقاته ربه بالموت تبدأ مرحلة ملاقاة حسابه، وفصل القضاء بشأنه، ومجازاته على ما كسبه بإرادته في رحلة امتحانه، وأكبر ذلك ما يكون يوم الدين 215.

وما دام الإنسان في ظروف الحياة التي تتطلب منه أن يكون كادحًا في الخير أو في الشر، فإن العقل السديد والرأي الرشيد يوجبان عليه أن يكدح كدحًا يحقق له النجاح في الدنيا، وأكبر حظٍ من سعادة النفس فيها، ثم يحقق له مرضاة الله والسعادة الخالدة عنده يوم الجزاء الأكبر 216.

وقد فصًل الحق سبحانه وتعالى الإجمال الذي في قوله: {إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) } مبينًا أحوال الإنسان عندما يلاقي ربه، {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) } [الانشقاق: 7 - 9] .

أي: وهناك في موقف الحساب، يؤتى كل إنسانٍ كتابه: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) } [13 - 14: الإسراء] .

فأما من أوتى كتابه بيمينه، فهو من أهل السلامة والنجاة. إنه يحاسب حسابًا يسيرًا، لا رهق فيه، لا عسر. فما هو إلا أن يعرض في موقف الحساب، حتى يخلى سبيله. ففترة العرض والانتظار، هي هذا الحساب اليسير. ففي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حوسب يوم القيامة عذب) . قالت: فقلت: يا رسول الله: أليس قد قال الله: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) } [الانشقاق: 7 - 8] . فقال: (ليس ذلك الحساب، إنما ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب) 217.

ثم ينقلب من هذا الحساب- وقد برئت ساحته- يزف إلى أهله من إخوانه المؤمنين بشرى نجاته وسلامته، وقد غمره السرور، وفاض عليه البشر فلا يملك إلا أن يهتف بكل من يلقاه من أهل المحشر: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) } [19: الحاقة] 218.

يلحظ مما سبق أن النداء بـ {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ} لم يأت إلا في موضعين؛ الموضع الأول: في سورة الانفطار، والموضع الثاني: في سورة الانشقاق، وقد جاء النداء فيهما بعد الحديث عن أهوال القيامة وبداية اللقاء الأخروي، وتذكيره بأمره وبمصيره الذي هو صائر إليه، وهذا يدل على الرعاية الحانية للإنسان كي يتنبه قبل فوات الأوان، وهذا واضحٌ جدًا من أسلوب الخطاب في الموضعين. كما يلحظ أن (الإنسان) عندما ينادى في القرآن فهو وإن كان عامًا إلا أن ملاحظة معنى الإنسانية مراد ومطلوب، بخلاف (الناس) فإن ملاحظة الجنس هي المطلوبة أولًا. وكلا النداءين يقتربان في أن المطلوب من الإنسان فيهما أن يعلم أنه ملاقٍ ربه فعليه أن لا يغتر بكرمه فيعمل ليوم الدين، كما ترشد إلى ذلك آية الانفطار، كذلك آية الانشقاق تلتقي مع أختها في ضرورة أن يعمل الإنسان في سعيه خيرًا فهو لا محالة ملاقٍ ربه.

ثانيًا: وصايا الله للإنسان:

الوصية كما عرفها الراغب الأصفهاني: «التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنًا بوعظٍ، من قولهم: أرضٌ واصيةٌ: متصلة النبات، ويقال: أوصاه ووصاه، قال: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} [البقرة: 132] .

وقرئ: (وأوصى) قال الله عز وجل: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [النساء: 131] .

{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ} [العنكبوت: 8] .

{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا} [النساء: 12] .

{حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ} [المائدة: 106] .

ووصى: أنشأ فضله، وتواصى القوم: إذا أوصى بعضهم إلى بعضٍ، قال: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } [العصر: 3] .

{أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) } [الذاريات: 53] » 219.

والوصية شأنها في نفس من تربى على الإيمان أعمق وأبعد أثرًا، لاسيما حينما تكون من صاحب نعمة، ومن صاحب الأمر والتدبير وموجد الخلق أجمعين، فهي تحمل معنى الأمر وتحمل معنى الالتزام.

والفرق بين الأمر الصريح والوصية، أن آخر ما استقر الأمر عليه الوصية، وبهذا تكون الوصية خالدة مخلدة، وهي أيضًا في قوتها أقوى من الأمر وفي أثرها أبلغ منه. ومن هنا كان أسلوب الإيصاء أقوى في البعث على الامتثال من أسلوب الأمر والتكليف.

وإذا كان هذا هو شأن الوصية، فقد وصى الله عز وجل الإنسان بالإحسان إلى والديه؛ لأنهما سبب وجوده، ولهما عليه غاية الفضل والإحسان، وذلك في ثلاثة مواضع من الكتاب العزيز:

الموضع الأول: قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) } [العنكبوت: 8]

الموضع الثاني: قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) } [لقمان: 14 - 15]

الموضع الثالث: قوله جل شأنه: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16) } [الأحقاف: 15 - 16]

وجاءت وصية الله عز وجل للإنسان بالفعل (وصى) المشدد فقال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ} للدلالة على المبالغة والتكثير، ووصية الله عز وجل للإنسان- في هذه المواضع الثلاثة- هي أمرٌ وعزيمةٌ وتكليفٌ.

ذكر بعض المفسرين: أن هذه المواضع الثلاثة التي ورد فيها توصية الله عز وجل الإنسان بوالديه نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص 220. والراجح- والله أعلم- أن الآيات عامة في جميع الناس، وإن كانت نزلت في شأن شخص عين، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي نزلت الآية من أجله. ويكون المراد بالإنسان في قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ} جنس الإنسان.

فهي وصيةٌ صادرةٌ من خالق الإنسان لجنس الإنسان كله، قائمةٌ على أساس إنسانيته، وهي وصية بالإحسان إلى الوالدين مطلقة من كل شرطٍ ومن كل قيدٍ، فصفة الوالدية تقتضي هذا الإحسان بذاتها، دون الحاجة إلى أية صفة أخرى.

ولا ترد وصية الوالدين بالأولاد إلا نادرة، ولمناسبة حالات معينة؛ ذلك أن الفطرة وحدها تتكفل برعاية الوالدين للأولاد، رعاية تلقائية مندفعة بذاتها لا تحتاج إلى مثير 221.

ونلحظ أن الآيات في الموضعين الأول والثالث جاءت منوهة بالحسن في وصيتها بلفظ {حُسْنًا} في الموضع الأول، وبلفظ {إِحْسَانًا} في الموضع الثالث، أما الموضع الثاني فقد تركت الوصية مفتوحة.

فما المراد بالإحسان؟ وهل هناك فرق بين لفظي {حُسْنًا} و {إِحْسَانًا} ؟

قال الراغب الأصفهاني: «الإحسان يقال على وجهين: أحدهما: الإنعام على الغير، يقال: أحسن إلى فلانٍ، والثاني: إحسانٌ في فعله، وذلك إذا علم علمًا حسنًا، أو عمل عملًا حسنًا، وعلى هذا قول أمير المؤمنين رضي الله عنه: (الناس أبناء ما يحسنون) أي: منسوبون إلى ما يعلمون وما يعملونه من الأفعال الحسنة» 222.

ومعنى {حُسْنًا} أي: وصيناه فعلًا ذا حسن، أو ما هو في ذاته حسن لفرط حسنه، والحسن خلاف القبح، ثم أقام الصفة مقام الموصوف؛ وهو الأمر، ثم حذف المضاف وهو (ذا) وأقام المضاف إليه مقامه، وهو (حسن) ؛ من: حسن يحسن حسنًا، ومعنى {إِحْسَانًا} :أي تحسن إليهما إحسانًا، من: أحسن يحسن إحسانًا، والإحسان خلاف الإساءة 223.

وقد جاءت الوصية من الله عز وجل مباشرةً بالوالدين بالإحسان إليهما، فقال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت: 8] .

يأمر الحق سبحانه وتعالى الإنسان بالإحسان إلى الوالدين؛ لأنهما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق، والوالدة بالإشفاق.

ومع هذه الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما، في مقابلة إحسانهما المتقدم، قال: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} [العنكبوت: 8] .

أي: وإن حرصا عليك أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين، فإياك وإياهما، لا تطعهما في ذلك، {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) } فإن مرجعكم إلي يوم القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما، وصبرك على دينك، وأحشرك مع الصالحين لا في زمرة والديك، وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا 224.

وفي الموضع الثاني تأتي الوصية مفتوحة أو مطلقة ففي قوله: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} ذكر عز وجل ضعف الأم بصفة الوهن، والوهن: الضعف وقلة الطاقة على تحمل شيءٍ 225.كأنه عز وجل لما ذكر ضعف الأم بوصفه {وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} ترك الوصية مطلقةً فلم يحددها بالقول إحسانًا أو حسنًا، فإن مراتب هذه المفردات على سموها لا تفي حق الوالدين، وإن كان ذكر الأم على التخصيص دون الأب مع أن الوصية بكليهما؛ لأنه ادعى للشفقة، فهو لمما يدر هذه الشفقة تجاه الوالدين. كما أن هذا الحمل أظهر وأوضح في وقوعه، وهو أيضًا من الأشياء التي تنسى بسهولةٍ بعد حصولها، كما أنها هي الأصل الظاهر في وجود هذا الإنسان، وإن كان للأب لا شك دورٌ جوهريٌ، أضف إلى ذلك عملية تعميق دور الأم ورسالتها بذكر الحمل ووهنه على وجه الخصوص، ولذلك كان الوصف لصورة هذه الأم الواهنة الكارهة للحمل، ولكن الوصية للاثنين والشكر لهما معا، كما أن رفض الطاعة في الإشراك بالله لكليهما إن صدر من كليهما.

ونرى هذا التنديد بالشرك واضحًا عندما نبه على أن شكر الوالدين جاء مقرونًا بشكر الله، ثم نوه على المرجعية إليه في قوله: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) } [لقمان:14] .

وفي الآية اللاحقة أكد صراحةً رفض الشرك حينما قال: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) } [لقمان: 15]

فالوصية بهم والإحسان إليهم لا يجب أن يؤدي بحالٍ من الأحوال إلى الشرك حتى في أقصى الظروف من مجاهدتهم إياكم، والسبيل إلى ذلك باتباع سبيل من أناب إلى الله وأدرك مرجعيته الحقة، وإن كان ولابد في كل هذه الظروف من الإبقاء على مصاحبة الوالدين بالمعروف.

وهنا تبرز قدرة المؤمنين على هذا التوازن الدقيق بين قوة الإيمان الرافضة للإشراك وهي قوة النفس المصاحبة بالحسن للأبوين المشركين بالمعروف المألوف 226.

وفي الموضع الثالث نجد أن الإحسان جاء في مقابلة الكره الذي تعانيه الأم، حيث يصور القرآن تلك التضحية النبيلة الكريمة الواهبة التي تتقدم بها الأمومة، والتي لا يجزيها أبدًا إحسان من الأولاد مهما أحسنوا القيام بوصية الله في الوالدين: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف:15] .

وتركيب الألفاظ وجرسها يكاد يجسم العناء والجهد والضنى والكلال: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} لكأنها آهة مجهد مكروب ينوء بعبء ويتنفس بجهد، ويلهث بالأنفاس!

إنها صورة الحمل وبخاصة في أواخر أيامه، وصورة الوضع وطلقه وآلامه! ويتقدم علم الأجنة فإذا به يكشف لنا في عملية الحمل عن جسامة التضحية ونبلها في صورة حسية مؤثرة 227.

كما توضح الآيات أن الإنسان تدرج في أطواره من وقت فصاله إلى أن بلغ أشده، فهو موصى بوالديه حسنًا في الأطوار الموالية لفصاله، فيوصيه وليه في أطوار طفولته، ثم عليه مراعاة وصية الله في وقت تكليفه 228.

فقال سبحانه: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) } [الأحقاف: 15] .

والأشد: حالة اشتداد القوى العقلية والجسدية 229.

ويلحظ في الموضعين الثاني والثالث أن الله تعالى جعل لكلٍ من الأم والوالد نصيبًا من الوصية، ثم خصص الأم بدرجة ذكر الحمل، وبدرجة الرضاع، فتحصل للأم ثلاث مراتب، وللأب واحدة، وأشبه ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم - حين قال له رجلٌ-: من أبر؟ قال: (أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك) 230، فجعل له الربع من المبرة كالآية 231.

يتبين من خلال ما سبق: أن تلك الوصايا الصادرة من خالق الإنسان إنما هي لجنس الإنسان كله، حيث إنها قائمةٌ على أساس إنسانيته، توصيه بالإحسان لوالديه، مبينة على وجه الخصوص مبلغ متاعب الأم بولدها، فقد {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} [لقمان: 14] ، كما {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} [الأحقاف: 15] .

إشعارًا بمبلغ استحقاقها للإحسان والرعاية، شكرًا لها على ما قدمت من عطاء دفعت إليه دوافع الرحمة.

ولما كانت العناية الربانية هي المهيمنة على الإنسان منذ نشأته، والمسايرة له مدى وجوده، كان من حقه على عباده أن يشكروه. {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) } [لقمان:14] .

فشكر الوالدين حق وواجب لكنه مسبوق وهو تابع. فإن اختلفت العقيدة سقط حق الطاعة لهما {وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) } [العنكبوت: 8] .

{وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) } [لقمان: 15] .

موضوعات ذات صلة:

آدم، الأجل، الناس، النفس

1 مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 145.

2 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 28.

3 لسان العرب، ابن منظور 1/ 147.

والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، 8/ 2687، رقم 15113.

4 الكليات، الكفوي ص 198 - 199.

5 مقالات الإسلاميين، الأشعري 2/ 25 - 28.

6 التعريفات، الجرجاني ص 38.

7 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 93 - 94، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص 268 - 269.

8 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، 68، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 2/ 31 - 35، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص 176 - 183، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، 1/ 129 - 132.

9 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 14/ 89.

10 انظر: العين، الفراهيدي، 8/ 88.

11 انظر: الفروق اللغوية، العسكري، 1/ 13.

12 انظر: المفردات، الأصفهاني، ص 14

13 انظر: الصحاح، الجوهري 3/ 904، مختار الصحاح، الرازي ص 24، لسان العرب، ابن منظور 1/ 147.

14 القول المفيد على كتاب التوحيد، ابن عثيمين 1/ 20.

15 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، محمد فؤاد عبدالباقي ص 115.

16 انظر: القرآن وقضايا الإنسان، عائشة بنت الشاطئ ص 18.

17 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص 509، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ص 962.

18 الكليات، الكفوي ص 912.

19 انظر: القرآن وقضايا الإنسان، عائشة بنت الشاطئ ص 17.

20 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 4/ 59.

21 انظر: التعاريف، المناوي، ص 132.

22 القرآن وقضايا الإنسان، عائشة بنت الشاطئ ص 15 - 17.

23 انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 276، معجم الفروق الدلالية في القرآن الكريم، محمد داود ص 84.

24 انظر: العين، الفراهيدي، 8/ 388.

25 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 12/ 37.

26 انظر: معجم الفروق الدلالية في القرآن الكريم، محمد داود ص 83.

27 رياض الصالحين، النووي ص 9 - 10.

28 مجموع فتاوى ابن تيمية 1/ 23.

29 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 2/ 234، مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 205 - 207، لسان العرب، ابن منظور 4/ 2776.

30 تهذيب اللغة، 2/ 234.

31 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 319.

32 العبودية، ابن تيمية ص 19.

33 المصدر السابق.

34 العبادة، سليمان العثيم ص 13.

35 شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي ص 104.

36 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 2/ 383، لسان العرب، ابن منظور 4/ 3101، تاج العروس 13/ 129.

37 المفردات، ص 347.

38 انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي 8/ 6387.

39 التحرير والتنوير، ابن عاشور 21/ 57.

40 المصدر السابق 20/ 48 - 49.

41 الموسوعة القرآنية المتخصصة، مجموعة مؤلفين ص 779.

42 مراحل خلق الإنسان في آيات القرآن، منى رفعت ص 16.

43 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 449.

44 انظر: جامع البيان، الطبري 22/ 191، النكت والعيون، الماوردي 3/ 157.

45 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 8/ 36.

46 زاد المسير، ابن الجوزي 4/ 400.

47 المحرر الوجيز، ابن عطية 4/ 107، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 9/ 408.

48 التحرير والتنوير، ابن عاشور 4/ 215.

49 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، رقم 1468، 1/ 673.

50 التحرير والتنوير 4/ 215.

51 حاشية شهاب الدين الخفاجي 3/ 245.

52 اللباب في علوم الكتاب 6/ 141

53 تفسير أبي مسلم الأصفهاني ص 96.

54 انظر: البحر المحيط، أبو حيان 3/ 163.

55 البحر المحيط، أبو حيان 6/ 170.

56 النبوة والأنبياء ص 201 - 202.

57 انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 4/ 1980.

58 مراحل خلق الإنسان في آيات القرآن، منى رفعت ص 33.

59 انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة 4/ 1981.

60 الإنسان وجوده وخلافته في الأرض في ضوء القرآن الكريم، عبدالرحمن المطرودي ص 51.

61 الطور بالفتح: التارة، يقال: طورًا بعد طورٍ، أي تارةً بعد تارةٍ.

انظر: تاج العروس، 12/ 439.

62 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 440، لسان العرب، ابن منظور 16/ 4461، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 857.

63 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص 798.

64 انظر: خلق الإنسان بين الطب والقرآن، محمد البار ص 109، إعجاز آيات القرآن في بيان خلق الإنسان، محمد فياض ص 66.

65 انظر: علم الأجنة في ضوء القرآن والسنة، عبدالمجيد الزنداني ص 17 - 27، مراحل خلق الإنسان في آيات القرآن الكريم، منى رفعت ص 57.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت