فهؤلاء هم الذين حثّ القرآن الكريم على إطعامهم، ورغّب في ذلك ترغيبًا عظيمًا؛ بل أوجب إطعامهم في الكفارات والفدية، ولا شكّ بأنّ في ذلك تنبيهٌ على فضل الإطعام وأهميته.
ثانيًا: شروط الإطعام:
إنّ الإطعام عبادة لله عز وجل، يتقرب بها العبد لربّه سبحانه وتعالى، ومن المعلوم أنّ لأيّ عبادة من العبادات التي ينال بها رضا الله عز وجل شرطين:
الأول: الإخلاص لله عز وجل.
والثاني: مطابقة العمل لشرع الله عز وجل، وموافقته لما في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وقد قال الله سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5] .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّ الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا وابتغى به وجهه) 62.
وقد بيّن الله عز وجل أنّ الإطعام الذي ينال صاحبه الأجر والمثوبة هو ما كان خالصًا لوجهه الكريم، ولم يكن فيه شرك أو رياء، فلقد مدح الله عز وجل من يطعمون المساكين واليتامى ابتغاء وجه الله عز وجل، لا يطعمونهم طلبًا للشكر والثناء من الناس، قال الله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 8 - 9] .
وإنّما يريدون بهذا العمل الصالح وجه الله عز وجل، وابتغاء مرضاته، فهم مؤمنون بالله واليوم الآخر، مؤمنون بالجزاء في الآخرة، {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} [الإنسان: 10] .
ولمّا كانت نيتهم خالصة، وأعمالهم صافية، كان لهم الثواب الجزيل، والأجر الكريم، {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا} [الإنسان: 11 - 14] .
ومعلوم أنّ العمل الصالح لا بدّ أن يكون مقرونًا بالإيمان؛ إذ العمل الصالح من غير المؤمن لا ينفع، ولا يقبل الله عز وجل من الكافرين عملًا صالحًا، وكثيرًا ما قرن الله عز وجل بين الإيمان والعمل الصالح في كتابه العزيز 63، كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 82] .
ولمّا بيّن الله عز وجل أنّ إطعام اليتامى والمساكين في أيام الجوع والشدة من أفضل الأعمال الصالحات، فقال سبحانه: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 11 - 16] . أتبع ذلك ببيان أنّ تلك الصالحات لا تنفع العبد إذا لم يكن معها إيمان بالله عز وجل. قال سبحانه: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} [البلد: 17 - 18] .
قال البغوي: «بيّن أنّ هذه القرب إنّما تنفع مع الإيمان» 64.
ثالثًا: أنواع الإطعام:
لقد ذكر القرآن الكريم أصنافًا من الإطعام، فذكر الإطعام المطلق للفقراء والمساكين والأسرى، وذكر الإطعام من الهدي والأضاحي، وذكر الإطعام في الفدية والكفارات، وذكر الإطعام ضيافة، وفيما يأتي بيان أنواع الإطعام في القرآن الكريم:
1.الإطعام المطلق.
والمراد بذلك الإطعام في أيّ وقت، ولأيّ صنف من أصناف الناس الذين سبقت الإشارة إليهم في المطلب الأول من هذا المبحث؛ بل ويدخل في ذلك أيضًا إطعام ذوي القربى، والجيران، والأصحاب، وحتى الزوجة والأهل، فقد ورد في الشرع الحنيف ما يدلّ على فضل ذلك جميعًا.
ولا شكّ أنّ هذا الإطعام المطلق مراتب ودرجات؛ فكلّما كانت حاجة المطعم للطعام أشدّ، كان ذلك الإطعام أفضل وأجلّ، وقد مدح الله المطعمين في وقت الجوع والمسغبة، قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8 - 9] . فمعنى على حبّه: أي في حال محبتهم لهذا الطعام وشهوتهم له 65.
وهذا النوع من الإطعام -الإطعام المطلق- قد ذمّ الله عز وجل الممتنعين عنه، وأخبر سبحانه أنّ الامتناع عنه سبب من أسباب الوقوع في العذاب يوم القيامة، فقال سبحانه: {عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} [المدثر: 41 - 44] .
وذمّ الله عز وجل من لا يحضّ على هذا الإطعام فقال سبحانه: {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الفجر: 17 - 18] .
2.الإطعام في الكفارات.
وهو إطعام واجب على من وجب عليه ذلك، كمن حنث في يمينه ولم يشأ أن يعتق رقبة، أو أن يكسو عشرة مساكين، فهذا يجب عليه أن يطعم عشرة مساكين إلا أن يكون عاجزًا عن ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام.
قال الله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89] .
وغير ذلك من الكفارات، وقد أشرنا إلى ذلك في المطلب الأول من هذا المبحث.
3.الإطعام في الفدية.
وقد جعل الله عز وجل هذا النوع من الإطعام واجبًا أيضًا، فمن أفطر في رمضان لكبر سنٍّ أو مرض لا يرجى برؤه، وجب عليه إخراج الفدية؛ طعام مسكين عن كلّ يوم أفطره.
قال الله تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] .
وكذلك الحال فيمن أحرم بالحج، ثمّ أحصر وأصبح مريضًا أو به أذى من رأسه جاز له أن يحلق رأسه قبل أن يذبح الهدي، ووجبت عليه الفدية: صيام أو صدقة أو نسك، قال الله عز وجل: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] .
والمراد بالصدقة في الآية: إطعام ستّة مساكين 66.
4.الإطعام ضيافة.
فإنّ من شعائر الإسلام إكرام الضيف، ومن أهم صور الإكرام تقديم الطعام والشراب، وقد أخبر الله عز وجل عن كرم ضيافة إبراهيم عليه السلام لضيفه.
قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} [هود: 69 - 70] .
لقد ظنّ إبراهيم عليه السلام أنّ رسل الله عز وجل من الملائكة الكرام ضيفان من البشر، فما كان منه إلا الإسراع في إكرامهم، والتعجل في إعداد الطعام لهم، وقد ذكر الله عز وجل ذلك في كتابه مدحًا لإبراهيم الخليل عليه السلام، وبيانًا لمناقبه وفضله، وحثًّا للعباد على التأسي به، والسير على خلقه.
ويؤخذ من قصة إبراهيم عليه السلام مع ضيفه هؤلاء أشياء كثيرة من آداب الضيافة؛ منها: تعجيل القرى والطعام، ومنها: أن يقدم للضيف أحسن الموجود، ومنها: تقريب الطعام إلى الضيف، ومنها: ملاطفته بالكلام بغاية الرفق 67.
وفي مقابل مدح إبراهيم عليه السلام في إكرامه لضيف، أخبر الله عز وجل عن قرية تخلق أهلها باللؤم والبخل وسوء معاملة الضيفان، وبلغ بهم الحدّ في البخل أن طلب منهم عابرا سبيل -موسى عليه السلام والرجل الصالح- أن يطعموهما فأبوا وبخلوا، قال الله عز وجل مخبرًا عن حال موسى عليه السلام والعبد الصالح مع أهل تلك القرية: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا} [الكهف: 77] .
لقد بلغ البخل واللؤم بأهل تلك القرية أن منعوا طعامهم عن عابر السبيل، وقد طلب منهم عابر السبيل الطعام فأبوا، مع أنّ الضيافة كانت شائعة في الأمم من عهد إبراهيم عليه السلام، وهي من العادات الفاضلة المتعارف عليها بين الناس 68.
وقد أكّد النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية إكرام الضيف، وبيّن عليه السلام أنّ ذلك من الإيمان؛ ولا ينفك إكرام الضيف عن المؤمنين، قال صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) 69.
وفي ختام ذلك المبحث تبيّن مدى اهتمام القرآن الكريم بفضيلة إطعام الطعام، وأنّ تلك الفضيلة يشترط لها الإخلاص لله عز وجل، وأن تكون مقرونة بالإيمان -كغيرها من الأعمال الصالحة-، وبيّن القرآن أصناف المطعمين، وأكّد على حقّ المساكين واليتامى، وبيّن أنّ الإطعام له أنواع وصور متعددة، وكلّما كان الطعام المقدم محتاجًا إليه، كان جزاؤه أعظم.
والناس اليوم يحتاجون إلى تلك الشعائر الربانية، وتلك الرحمات الإلاهية، من إطعام الطعام، والسعي على المساكين والأيتام، فكم من بيوت لا يجد أهلها كسرة خبز، وكم من دول يموت شعبها جوعًا، وكم من طفل بات باكيًا لم تجد أمّه ما تسد به رمقه، وفي جانب آخر من حياة الناس نرى أكوامًا من الطعام قد ألقيت، وأصنافًا من الخيرات قد أتلفت، والله المستعان.
إنّ المتتبع لآيات القرآن الكريم التي تحدّثت عن الطعام يجد أنّ كثيرًا من هذه الآيات قد تحدّثت عن طعام الآخرة؛ حيث يخبر الله عز وجل في آيات عدّة من كتابه العزيز عن طعام أهل الجنة، ويصف لعباده ما أعدّ للمتقين منهم من طعام ناعم، وأكلٍ دائم، ويخبر سبحانه عن طعام أهل النار، ويصف لعباده ما أعدّ للمجرمين من طعام أثيم، وشراب من حميم.
أولًا: طعام أهل الجنة:
لقد أخبر الله عز وجل في مواضع كثيرة من كتابه العزيز عمّا أعدّ لعباده المتقين من نعيم مقيم في الجنّة، وأخبر سبحانه عن ظلال الجنة وأنهارها، وأخبر عن أشجارها وثمارها، وأسهب سبحانه في الحديث عن تنعّم أهل الجنة بما فيها من أصناف النعيم؛ فأخبر سبحانه عن طعامهم وشرابهم، وأخبر عن مساكنهم وبيوتهم، وأخبر عن أزواجهم وخدمهم، وأخبر عن لباسهم وحليّهم، وأخبر حتى عن كؤوسهم وصحافهم، وفي هذا كلّه ترغيب للعباد في جنّة الرحمن، وتشويق لهم للدار الآخرة، وتحفيز لهم على الجد والاجتهاد في الطاعة والعبادة لنيل ذلك الجزاء العظيم، والفوز بذلك الفوز الكبير.
فمن إخبار الله عز وجل عن طعام الجنّة أنّه سبحانه ذكر دوام ذلك الطعام، وأنّه لا ينقطع، ولا يمنع؛ بل هو يسير المنال، قريبٌ ممن اشتهاه.
قال تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا} [الرعد: 35] .
ومعنى دوام طعام أهل الجنة في هذه الآية: أنّه لا ينقطع أبدًا، ولا تنقطع لذته؛ فلا تزيد بجوع، ولا تملّ من شبع 70.
وقد قال سبحانه عن فاكهة الجنة: {وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ} [الواقعة: 32 - 33] .
فثمار الجنة وفاكهتها دائمة؛ لا تنقطع في حين دون حين، ولا تمنع بالحيطان والنواطير، ولا تنقطع إذا جنيت ولا تمنع من أحد إذا أريدت؛ إنّما هي مطلقة لمن أرادها، قريبة لمن اشتهاها 71.
قال ابن كثير: «أي: لا تنقطع شتاءً ولا صيفًا؛ بل أُكُلُها دائمٌ مستمرٌ أبدًا، مهما طلبوا وجدوا، لا يمتنع عليهم بقدرة الله شيء، وقال قتادة: لا يمنعهم من تناولها عودٌ ولا شوكٌ ولا بعدٌ» 72.
وهذا الحال لطعام الجنّة وفاكهتها على خلاف ثمار الدنيا التي تنقطع وتمنع؛ فحتى ملوك الدنيا وأغنياؤها قد يشتهون ثمرًا، ويجدون قيمته، ولكنّهم قد لا يحصلون عليه؛ لأنّه في غير وقته، أو لأنّه بعيد مكانه، وقد يشتهون طعامًا أو شرابًا موجودًا؛ ولكنه يحتاج إلى وقتٍ في صنعه وإعداده؛ فلا يأتيهم في وقت مرادهم؛ فتنقطع شهوتهم أثناء انتظاره، ولا شكّ بأنّ أعظم لذة بالطعام والشراب في وقت اشتهائه وطلبه.
ولقد أخبر الله عز وجل عن ثمار الجنّة وقطوفها، فبيّن سبحانه أنّ قطوفها دانية مذللة لأهلها في كل وقت ومكان، وشرابها جاهز على الدوام، وعيونها تتفجر في الحال، كي لا يظنن ظانٌّ أنّ ثمار الجنة في الحصول عليها كثمار الدنيا، تحتاج إلى من يجلبها من سوقها، أو يصعد شجرها ليقطفها؛ بل هي ثمار لصاحبها تأتيه حيث كان، وتدنو منه متى أراد، وما عليه إلا أن يشتهيها لينالها.
قال الله عز وجل: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} [الرحمن: 54] .
وقال سبحانه: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} [الحاقة: 22 - 23] .
قال البراء بن عازب رضي الله عنه: «أي: قريبة، يتناولها أحدهم وهو نائم على سريره» 73.
إنّها ثمار في رؤوس أشجارها؛ ولكنها مذللة لأصحابها؛ يقطفونها يانعة ناضجة متى اشتهوها.
قال تعالى: {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا} [الإنسان: 14] .
قال مجاهد رحمه الله: «إن قام ارتفعت بقدره، وإن قعد تدلت له حتى ينالها، وإن اضطجع تدلت له حتى ينالها، فذلك قوله: {تَذْلِيلًا} » 74.
لقد أخبر الله عز وجل أنّ لأهل الجنّة فيها ما تشتهيه الأنفس من المآكل والمشارب، وأصناف الأطعمة والفواكه.
قال تعالى: {وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} [الواقعة: 20 - 21] .
وقال سبحانه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [المرسلات: 41 - 43] .
وقال سبحانه: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} [الزخرف: 71] .
وقد أباح الله عز وجل لأهل الجنّة أن يتناولوا من خيراتها وألوان طعامها وشرابها ما يشتهون {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة: 24] 75.
ولا شكّ بأنّ أعظم شيء في الطعام والشراب لذته، وكلما كان طيبًا شهيًّا عظم الفرح به، وزاد التلذذ بأكله، وأقبل الآكل والشارب عليه؛ ولذا يعطى أهل الجنة قوةً عظيمةً لتكمل لذتهم بما يجدون من مآكلها ومشاربها؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّ الرّجل من أهل الجنّة ليعطي قوّة مائة رجلٍ في الأكل والشّرب والجماع والشّهوة، فقال رجلٌ من اليهود: إن الذي يأكل ويشرب تكون منه الحاجة، فقال: يفيض من جلده عرقٌ فإذا بطنه قد ضمر) 76.
لقد أخبر الله عز وجل أنّ ثمار الجنّة كثيرة عظيمة، فقال عز وجل: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ} [الزخرف: 72 - 73] .
ومن كثرة ثمار الجنة يظنّ أهلها -كلما رزقوا منها رزقًا- أنّهم قد رأوها من قبل، فإذا هي أنواعٌ جديدةٌ متشابهةٌ في شكلها ولونها، مختلفةٌ في طعمها وريحها.
قال الله عز وجل: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] 77.
وعلى كثرة ثمار الجنة وفاكهتها إلا أنّها لا تشبه ما في الدنيا من ثمار، وليس بين ثمار الجنّة وثمار الدنيا من الشبه إلا في الاسم، أمّا الحقيقة والطعم والرائحة فثمار الجنة تعظم ثمار الدنيا بما لا يعلمه إلا الله عز وجل.
قال ابن القيم بعد أن ذكر الآيات والأحاديث في طعام الجنّة: «قد تضمنت هذه النصوص أنّ لهم فيها الخبز واللحم والفاكهة والحلوى وأنواع الأشربة من الماء واللبن والخمر؛ وليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء؛ وأمّا المسميات فبينها من التفاوت ما لا يعلمه البشر» 78.
ومن خصائص ثمار الجنة أنّ لكلّ فاكهةٍ منها نوعين {فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} [الرحمن: 52] .
وذلك من جميع أصناف الفواكه، كلّ صنف له لذة ولون ليس للنوع الآخر، أو يكون فيها من كل نوع ما يؤكل رطبًا وما يؤكل يابسًا؛ كالعنب والزبيب، والرطب والتمر، ونحو ذلك 79.
وأكثر شيءٍ ينغّص على أهل الدنيا عيشهم القلة بعد الجدة، وفقد الشيء بعد نيله، واشتهاء الشيء مع عدم القدرة عليه، ومن الناس من يشتهي طعامًا فيأكل من الطعام ما يضره؛ لمرض فيه، ومنهم من يرى الطعام فيحبس نفسه عنه وإن كان يشتهيه؛ خوفًا من عاقبته، ومن الناس من يسرف في مأكله فيضر نفسه، ويحبس نفسه .. وأمّا أهل الجنة فيتنعمون بأنواع المآكل والمشارب وهم آمنون من كل هذا التنغيص.
قال الله عز وجل عنهم: {يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ} [الدخان: 55] .
فهم آمنون من فقدها وقلتها، وآمنون من ضررها وعاقبتها، وآمنون من حبس نفوسهم عنها لعلة من العلل؛ فالجنة ليس فيها مرض ولا قلة، ولا فقر ولا ضرر على أهلها مما يأكلون ويشربون 80.
ومن تمام نعمة الله عز وجل على أهل الجنة في طعامهم وشرابهم أنّ سبحانه جعل تصريف الطعام والشراب في الجنّة ليس كما هو في الدنيا؛ فليس في تصريفه شيء من الأذى أو الخبث؛ بل هو جشاء ورشح يفيض مسكًا؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يأكل أهل الجنّة فيها ويشربون، ولا يتغوّطون ولا يمتخطون ولا يبولون، ولكن طعامهم ذاك جشاءٌ كرشح المسك) 81.
إنّ كلّ هذا النعيم من الطعام والشراب جعله الله عز وجل لأهل الجنة؛ يتنعمون به، ويتلذذون به، وليس طعامهم هذا وشرابه عن شعور بالجوع أو العطش؛ بل هو نعيم وسرور ما بعده سرور، قال القرطبي في التذكرة: «نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم؛ فليس أكلهم عن جوع، ولا شربهم عن ظمأ، ولا تطيبهم عن نتن؛ وإنّما هي لذاتٌ متواليةٌ، ونعمٌ متتابعةٌ، ألا ترى قوله تعالى لآدم: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} [طه: 118 - 119] .
وحكمة ذلك أنّ الله تعالى عرفهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا، وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله عز وجل» 82.
ثانيًا: طعام أهل النار:
وكما أخبر الله سبحانه عن نعيم الجنّة وطعامها؛ فإنّه سبحانه قد أخبر عن عذاب النار وأهوالها، وبيّن سبحانه ما فيها من سموم وحميم، وطعام الأثيم، وخزي وعذاب أليم؛ ليكون العباد على بيّنة، وليجنّب العقّال منهم أنفسهم عن ذلك العذاب قبل أن يأتي وقت لا ينفع فيه الندم.
لقد بيّنت آيات الكتاب العزيز أنّ لأهل النار أصنافًا من العذاب؛ فلا يقتصر عذابهم على حرّها وإحراقها؛ بل فيها مع ذلك الإحراق عذاب الحسرة والندم، وعذاب السلاسل والأغلال، وعذاب الصّراخ والفزع، وألم الجوع والعطش، وعذاب الريح الخبيثة والنتن، وأصنافًا غير ذلك من العذاب المهين.
فأمّا طعام أهل النار فقد أخبر الله عز وجل بأنّه ليس لهم طعام إلا الضريع، فقال سبحانه: {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ} [الغاشية: 6] .
وفي موضع آخر من الكتاب العزيز أخبر سبحانه أنّه ليس لأهل النار طعام غير الغسلين، فقال تعالى: {فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ} [الحاقة: 35 - 37] .
فهذا هو طعامهم: الغسلين والضريع، وليس لهم طعام سوى ذلك.