فهرس الكتاب

الصفحة 1983 من 2431

فلقد جمعوا مع كفرهم وتكذيبهم الامتراء وهو التشكيك واللغط والاستخفاف والاستبعاد، والجدل المذموم، تشغيبا على لوطٍ وتشويشا على دعوته، وسعيا لقلب الحقائق وتزيين الأباطيل وتحسين القبائح.

قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ?33?إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ ? نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ ?34?نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا ? كَذَ?لِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ?35?وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ?36?) [القمر: 33 - 36] .

وقال تعالى: (قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ) [الحجر: 63] .

ومن ذلك المراء قولهم كما أخبر القرآن: (? فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) [العنكبوت: 29] .

10.الظلم.

فقد وضعوا الأمور في غير موضعها، وعاثوا في الأرض ظلما يقطعون الطريق وينتهكون المحارم، وبلغ بهم الظلم إلى أن هددوا لوطا وافتروا عليه وأخرجوه من القرية، قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى? قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَ?ذِهِ الْقَرْيَةِ ? إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ) [العنكبوت: 31] .

فلقد بلغوا من الظلم هذا المبلغ فاستحقوا العذاب.

11.السكرة والعمه.

فلقد كانوا في غفلة سادرين، وفي عمه عن الحق لا يبصرون قال تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) } [الحجر: 72] .

فما تجدي الموعظة مع من غرق في بحار السكر، فهو في عمى وحيرة يتخبط خبط عشواء ويتردد بلا وعيٍ، والله تعالى يلتفت لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم مقسما بحياته العامرة، ليرى صورة من صور الانحراف الإنساني عن سنن الهدى، وصفاء الفطرة، وارتكاسها إلى مستنقعات الرذيلة ومزالق الهوى، وركوبها متن النزق متوغلة في أوحال الفاحشة لا تلوي على موعظةٍ ولا تستجيب لنصح ولا تلتفت لنداء الحق، كيف وقد استبدت بهم النزوات واستعرت في نفوسهم الغلمة والشهوات.

قال السعدي: وهذه السكرة هي سكرة محبة الفاحشة التي لا يبالون معها بعذل ولا لوم 14.

وقد وصفت تلك الفعلة بثلاثة أوصاف:

1.الفاحشة: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) } [الأعراف: 80] .

{وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) } [النمل: 54] .

{وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) } [العنكبوت: 28] .

فهي من أكبر الفواحش وأفحش الكبائر، وفيها ما فيها من فحش وبذاءة وفجورٍ وخلاعةٍ.

2.الخبائث: {وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) } [الأنبياء: 74] .

وهي جميع خبيثة فتدخل فيها اللواط دخولا أوليا، وتشمل سائر ما كانوا عليه من فحش وبذاء وخلاعة ومجون وعريٍ، والتعبير بقوله: {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ} لبيان سبب هلاك تلك القرية، وهو استمرارهم في عمل الخبائث، أي: ممارستها وابتداعها وامتهانها، وهل هناك أخبث من إتيان الرجل للرجل! ومن خبائثهم إتيانهم المنكرات في نواديهم دون تورع ولا حياء، ومنها قطعهم للطريق، ومنها إهانتهم للأضياف، ومنها التعري، إضافة إلى كفرهم وتكذيبهم.

3.عمل السيئات: {وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 78] .

فجرائمهم كثيرة ومن أفظعها وأشنعها جريمة اللواط، قال ابن عاشور: «فقد صارت لهم دأبا لا يسعون إلا لأجله» 15.

وقال عبد الكريم الخطيب: «عرض لسيرة هؤلاء القوم، وفضح لمخازيهم، وأن هذا الذي جاءوا إليه ليس ابن يومه، وإنما هو داء تعاطاه القوم من قبل، فكان طبيعة غلبت عليهم، حتى لقد صار عادة مألوفة عندهم، وأمرا مستقرا فيهم، ليس فيه ما يثير أي إحساس عندهم بالخزي أو الاستحياء» 16.

وجمع السيئات في مقابلة جمع من يعملها، ولتكرارها وتشنيعها لأنها ليست سيئةً واحدة بل سيئات شتى، فقد اعتادوا المنكرات وألفوها بلا حياءٍ يمنعهم ولا ضميرٍ يردعهم، فهرعوا من منكر إلى منكر ومن سيءٍ إلى أسوء.

ثانيًا: جواب قوم لوط:

ماذا كان موقف قوم لوط عليه السلام من دعوته كيف أجابوه؟ هل كان لمواعظه أثرٌ في نفوسهم؟ كلا والله بل لجوا في طغيانهم وتمادوا في غيهم، وأصروا على مقارفة جرائمهم، وكان ردهم عنيفا قاسيًا ينم عن مراءٍ وتشغيبٍ.

وفي سورة الشعراء يقول عز وجل: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) } [الشعراء: 167] .

هددوه أولًا بالإخراج إن لم يكف عن إنكاره عليهم ومواعظه، ثم قرروا إخراجه من قريتهم، قال تعالى في سورة الأعراف: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) } [الأعراف: 82] .

كذبوا بالنذر، واستخفوا بها بل وتعجلوها، قال عز وجل: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) } [القمر: 33] .

وقال: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) } [العنكبوت: 29] .

ومن جملة هذه الآيات يتضح لنا موقف قوم لوط من دعوته، فلقد كذبوا به وأعرضوا عنه وسخروا منه، وتعجلوا وقوع العذاب، وهددوا بإخراجه ومن آمن به من آله من قريتهم لأنهم أطهارٌ أعفاء، وكأن الطهر والعفاف ظلم وإجحاف وجرم وانحراف وكأن الشذوذ والخنا هو العادة والإلف الذي ينكر على من يهجره وينتزع حق العيش ممن آثر الطهر والعفاف فلا مقام له بين ظهراني الملوثين بأخبث الأقذار، ولا يخفى ما في هذا القول من سخريةٍ وتهكمٍ بالفضائل وكراهيةٍ لها، وتضييق على أهلها.

يقول صاحب الظلال: «ويتجلى لنا انحراف قوم لوط في جوابهم لنبيهم، {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) } [الأعراف: 82] .

يا عجبا!! أومن يتطهر يخرج من القرية إخراجا ليبقى فيها الملوثون المدنسون؟! ولكن لماذا العجب؟ وماذا تصنع الجاهلية الحديثة؟ أليست تطارد الذين يتطهرون، فلا ينغمسون في الوحل الذي تنغمس فيه مجتمعات الجاهلية، وتسميه تقدمية وتحطيما للأغلال عن المرأة وغير المرأة، أليست تطاردهم في أرزاقهم وأنفسهم وأموالهم وأفكارهم وتصوراتهم كذلك، ولا تطيق أن تراهم يتطهرون، لأنها لا تتسع ولا ترحب إلا بالملوثين الدنسين الأقذار، إنه منطق الجاهلية في كل حين!!» 17.

وقال تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) } [العنكبوت: 29 - 30] .

لقد مكث لوط عليه السلام في قومه مدة طويلة، يدعوهم إلى العقيدة الصحيحة والأخلاق الفاضلة والشريعة القويمة الحكيمة، التي جاء بها من عند الله تعالى، ولكنهم صموا آذانهم وعموا أبصارهم عن الحق، وقابلوا الحجج الساطعة والأدلة القاطعة بالجحود والإنكار وأصروا على كفرهم وتمادوا في غيهم وضلالهم، بل وتعجلوا العذاب حتى يئس لوط من إيمانهم، فدعا الله عز وجل أن ينجيه هو ومن آمن معه ويخلصهم من أولئك المفسدين الذين دنسوا الأرض ولوثوا العرض.

وقال سبحانه: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) } [الشعراء: 167 - 168] .

بين لهم بغضه لعملهم القبيح وتبرأه منه، قال صاحب الكشاف: « (ومن القالين) أبلغ من أن يقول: إني لعملكم قالٍ، كما تقول: فلان من العلماء، فيكون أبلغ من قولك: فلان عالم؛ لأنك تشهد له بكونه معدودا في زمرتهم، ومعروفة مساهمته لهم في العلم، والقِلَى: البغض الشديد؛ كأنه بغض يقلى الفؤاد والكبد، وفى هذا دليل على عظم معصيتهم، والمراد: القلى من حيث الدين والتقوى، وقد تقوى همة الدين حتى تقرب كراهته للمعاصي من الكراهة الجبلية» 18.

كذلك التعبير بقوله: {مِنَ الْقَالِينَ} كأنه عليه السلام يشير إلى أنه ليس وحده قاليا لهذا العمل فكل عاقل لبيب سوي النفس مستقيم الفطرة لا بد وأن يقلى هذا العمل ويبرأ منه.

هكذا كان رد فعلهم، وموقفهم المعاند من دعوة لوط عليه السلام هددوه إن لم يتوقف عن مواعظه البليغة أن يخرجوه من القرية، وكان منطقهم في ذلك كما أخبر القرآن {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} كأن الطهر في عرفهم السقيم صار جريمة تستوجب العقوبة، أما الشذوذ والمجون فهو حقٌ لهم يدافعون عنه ويسعون إلى إسكات كل من يعارضهم وينفرهم شأن الشذاذ في عصرنا هذا، فقد كافحوا من أجل الدفاع عن فسادهم وانحرافهم وحققوا نجاحا في بلاد الغرب، حيث ارتفعت أصواتهم المنكرة، وكثرت تجمعاتهم الفاجرة، وانتشرت منتدياتهم المستهترة، وروجوا لتلك الفاحشة بتسميتها بغير اسمها المعهود على مر العهود، فسمي من يفعلون ذلك بالمثليين، حتى يهدموا الأسوار ويحطموا الحواجز أمام ذلك المرض الخبيث، بينما كان لوط عليه السلام محقًا وكان صريحا في مناصحته وإنكاره، فوصفهم بالإسراف والجهل والفسق والفساد والعدوان، ووصفت تلك الفعلة بثلاثة أوصاف: الفاحشة، الخبائث، والسيئات، فينبغي أن ينتبه العقلاء إلى ما يرمي إليه الشواذ من ترويج لفاحشتهم وتمرير لها وكسر القيود أمامها.

قال تعالى في سورة التحريم: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) } [التحريم: 10] .

والخيانة هنا هي: خيانة كفر لا خيانة زنا، خيانة في الدين لا في العرض؛ إذ نساء الأنبياء معصومات من الوقوع في خيانة العرض.

قال ابن كثير: « {فَخَانَتَاهُمَا} أي: في الإيمان، لم يوافقاهما على الإيمان، ولا صدقتاهما في الرسالة فلم يجد ذلك كله شيئا ولا دفع عنهما محذورًا، ولهذا قال تعالى: {فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} أي: لكفرهما {وَقِيلَ} للمرأتين {ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) } .

وليس المراد بقوله: {فَخَانَتَاهُمَا} في فاحشة، بل في الدين، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما بغت امرأة نبي قط، كانت خيانتهما أنهما كانتا على غير دينهما، فكانت امرأة نوحٍ تطلع على سر نوح، فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، وأما امرأة لوط فكانت إذا أضاف لوط أحدا أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء» 19.

لقد كذبت امرأة لوط بزوجها، وكان الأولى بها أن تكون أول من آمن به وأن تكون عونا له على دعوته؛ لأنها أعلم الناس بأحواله، وأقرب الناس منه، ولكنها آثرت ما عليه قومها من الكفر والضلال؛ فكان عاقبتها الخسران والنكال.

ولم ينفعها زواجها من نبي الله لوط عليه السلام، وما أجمل قول القشيري في اللطائف: «إن الجسارة على الزلة وخيمة العاقبة، ولو بعد حين، ولا ينفع المرء اتصاله بالأنبياء والأولياء إذا كان في الحكم والقضاء من جملة الأشقياء» 20.

وسيأتي الحديث عن هلاكها.

ورد الحديث عن بنات لوط عليه السلام حين جاءه قومه يهرعون إليه، ليراودوه عن ضيفه المكرمين، فتزاحموا على بابه، ولم تكن لديه القوة على دفعهم وحماية ضيفه فعرض عليهم بناته للزواج، ردًا لهم إلى الفطرة النقية وإلى الغريزة الطبيعية، وصرفا لهم عن الشذوذ والانحراف الذي استهواهم، لكنهم عزفوا عن الزواج بل وتبجحوا ولمحوا ببغيتهم الخبيثة.

قال تعالى: {وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) } [هود: 78 - 80] .

وقد وصف لوط ما عليه بناته من طهر وعفاف، كما مدح الله جل وعلا لوطا ومن آمن به من آل بيته بكونهم شاكرين لله تعالى.

قال سبحانه: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) } ، نجى الله تعالى لوطا ومن آمن به من أهل بيته ويظهر لي والله أعلم أنه لم يؤمن به إلا بناته ولقد جاء الحديث عن نجاتهن معه عليه السلام في سورة هود والحجر والذاريات، قال تعالى في سورة هود: {قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) } .

وفى سورة الحجر يقول تعالى: {قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) } .

وقال تعالى في سورة الذاريات يقول عز وجل: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) } فجمعوا بين الإيمان والإسلام، الإيمان بكل ما يعنيه من معانٍ وصفاتٍ، والإسلام الانقياد التام لله تعالى.

أولًا: الملائكة في طريقها إلى قوم لوط:

في صورة من أبهى وأجمل الصور البشرية جاءت الملائكة الكرام إلى إبراهيم عليه السلام وبادروه بالتحية فحياهم بأحسن منها.

قال تعالى في سورة هود: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) } [هود: 69 - 71] .

وقال سبحانه في سورة الحجر: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60) } [الحجر: 51 - 60] .

وفى سورة الذاريات يقول جل وعلا: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) } [الذاريات: 24 - 32] .

وفى هذه الآيات الكريمة يخبر المولى عز وجل عن نزول الملائكة في صورة بشرية ومجيئهم إلى الخليل إبراهيم عليه السلام حيث حياهم عليه السلام بأفضل مما حيوه، وبادر عليه السلام إلى إعداد الطعام لضيوفه وقربه إليهم إثر فراغه من إعداده، فلم يمدوا إليه يدا؛ فأنكر ذلك منهم ووجده على غير ما يعهد من الضيف، فإن الضيف لا يمتنع من طعام المضيف إلا لريبة، أو قصد سيئ، وأحس في نفسه خيفة منهم، فلما رأوا منه ذلك بادروا إلى تهدئة روعه وطمأنة قلبه، فأظهروا حقيقتهم وكشفوا عن مهمتهم التي من أجلها جاءوا، وهى إهلاك قوم لوط وقطع دابرهم بعد أن تمادوا في الكفر والطغيان وأصروا على الفسوق والعصيان، وهنا يتجلى موقف الزوجة المؤمنة سارة رضي الله عنها حيث فرحت واستبشرت بهذه البشارة قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) } [هود: 69 - 71] .

كانت قائمة من وراء الستر من أجل خدمة الضيفان، وقيل كانت قائمة تخدمهم بنفسها، وهى عجوز لا يخشى عليها ولا منها الفتنة.

والضحك هنا على حقيقته، وسببه الفرح والتعجب، فرحت حين سمعت الملائكة الكرام يخبرون إبراهيم عليه السلام بأمر نجاة لوط عليه السلام ومن آمن معه وهلاك المكذبين به المعرضين عن دعوته وتعجبت من حال الهالكين، كيف يتمادون في الضلال ويصرون على الانحلال مع قرب هلاكهم؛ فالأولى بهم أن يتوبوا إلى الله قبل فوات الأوان.

وهذا يدل على قوة إيمانها وحبها وولائها للإيمان وأهله، وبغضها وبرائها من الكفر وأهله.

قال ابن كثير: « (فضحكت) استبشارا بهلاكهم لكثرة فسادهم وكفرهم وعنادهم، فلهذا جوزيت بالبشارة بالولد بعد الإياس» 21.

وفى غمرة هذه المشاعر الإيمانية جاءتها البشارة بالذرية الصالحة لتكتمل فرحتها وتتم سعادتها، جاءتها البشارة وهي في هذا الموقف المحمود، كما جاءت البشارة لزكريا عليه السلام بالولد بعد طول انتظار -جاءته البشارة وهو قائم يصلى في المحراب - وكما أن الصلاة هي من أسمى العبادات: فموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، من أعظم القربات، وفى مجيء الملائكة بالبشارة أعظم تكريم لها عليها السلام.

ثانيًا: الملائكة في ضيافة لوط عليه السلام:

حق على قوم لوط العذاب، وجاءت الملائكة الكرام إليه في صورة بشرية، كما جاءوا إلى إبراهيم عليه السلام، وظن لوط عليه السلام أنهم بشر كما وقع في ظن إبراهيم عليه السلام؛ فخاف لوط عليهم من تحرش قومه بهم وتعرضهم لهم بالإيذاء، ولولا حق الضيافة وآدابها لطلب منهم عليه السلام أن يغادروا القرية في الحال، ولكنه استحيا من مواجهتهم بالواقع المرير.

قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) } [هود: 77] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت