فهرس الكتاب

الصفحة 795 من 2431

التوراة

أولًا: المعنى اللغوي:

قال أبو حيان: «التّوراة: اسمٌ عبرانيٌّ، وقد تكلّف النّحاة في اشتقاقها، وفي وزنها، وذلك بعد تقرير النّحاة أنّ الأسماء الأعجميّة لا يدخلها اشتقاقٌ، وأنّها لا توزن، يعنون اشتقاقًا عربيًّا» 1.

وقال الطاهر بن عاشور: «هو اسمٌ عبرانيٌّ أصله (طورا) بمعنى الهدى، والظّاهر أنّه اسمٌ للألواح الّتي فيها الكلمات العشر الّتي نزلت على موسى عليه السلام في جبل الطّور؛ لأنّها أصل الشّريعة الّتي جاءت في كتب موسى، فأطلق ذلك الاسم على جميع كتب موسى، واليهود يقولون (سفر طورا) فلمّا دخل هذا الاسم إلى العربيّة أدخلوا عليه لام التّعريف الّتي تدخل على الأوصاف والنّكرات لتصير أعلامًا بالغلبة: مثل العقبة» 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

جاء في تفسير المنار: «أما التوراة في عرف القرآن فهي ما أنزله الله تعالى من الوحي على موسى عليه الصلاة والسلام؛ ليبلغه قومه لعلهم يهتدون به» 3.

وقيل: «التوراة اسمٌ للكتاب المنزّل على موسى عليه السلام» 4.

قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} [المائدة:44] .

وقد أمر الله كثيرًا من الأنبياء بعد موسى بتبليغها؛ قال الرازي: «قوله {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} يريد النبيين الذين كانوا بعد موسى، وذلك أن الله تعالى بعث في بني إسرائيل ألوفًا من الأنبياء ليس معهم كتاب، إنما بعثهم بإقامة التوراة، حتى يحدوا حدودها، ويقوموا بفرائضها، ويحلوا حلالها، ويحرموا حرامها» 5.

ولقد اعتمد اليهود تسعة وثلاثين سفرًا أطلق عليها اسم (العهد القديم) ، ويعتبرونها أسفارًا مقدسة، أي: موصى بها، ويطلقون على خمسة منها إطلاقًا حقيقيًّا اسم التوراة، أو كتب موسى؛ لأنها في زعمهم قد أنزلها الله على موسى عليه السلام وكتبها موسى بنفسه، وهذه الأسفار الخمسة هي: سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر التثنية، وسفر اللاويين، وسفر العدد.

ولا علاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي؛ لكون اللفظة أصلها أعجمية ثم عربت.

وردت التوراة في القرآن (18) مرة 6.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الاسم ... 18 ... {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) } [آل عمران:3]

وجاءت التوراة في الاستعمال القرآني اسمًا للكتاب الذي أنزله الله على نبيه موسى عليه السلام 7.

القرآن:

القرآن لغة:

القاف والراء والياء أصل صحيح يدل على الشيء المجموع، وقرأت الشيء قرآنًا: جمعته، وضممت بعضه على بعض، وقرأت الكتاب قراءةً وقرآنًا، ومنه سمّي القرآن؛ لأنه يجمع السور فيضمّها 8.

القرآن اصطلاحًا:

كلام الله تعالى، المنزّل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بواسطة سيدنا جبريل عليه السلام، المتعبّدُ بتلاوته، المنقولُ إلينا بالتواتر، المقروءُ في المصاحف، المبدوء بسورة الفاتحة، والمنتهي بسورة الناس» 9.

الصلة بين التوراة والقرآن:

تتفق الكلمتان في كونهما كلام الله المنزل من عنده بواسطة جبريل لتبليغه للناس، وتختلفان في اللغة، والإعجاز، والتحريف؛ فالتوراة نزلت على موسى عليه السلام بالعبرية غير معجزة، ولم يتكفل الله بحفظها، فدخل عليها التحريف، بينما القرآن نزل على محمد صلى الله عليه وسلم بالعربية، وهو معجز، وقد تكفل الله بحفظه؛ فهو بعيد عن التحريف.

الإنجيل:

الإنجيل لغةً:

قال ابن منظور: «الإنجيل: كتاب عيسى، على نبيّنا وعليه -الصّلاة والسّلام-، يؤنث ويذكّر، فمن أنّث أراد الصّحيفة، ومن ذكّر أراد الكتاب» 10. ويجمع على أناجيل.

وقد اختلف العلماء في أصله اللغوي، وهل هو عربي أو معرّب، والراجح هو أن كلمة الإنجيل معرّبة.

الإنجيل اصطلاحًا:

كلمة إنجيل إذا أطلقت فلها معنيان:

الأول: الكتاب المنزل من عند الله تعالى على المسيح عليه السلام، وهو مفقود، ولم يبق منه إلا نتف قليلة مما بين أيدي النصارى الآن، قال الطاهر بن عاشور في تعريفه بهذا المعنى: «اسمٌ للوحي الّذي أوحي به إلى عيسى عليه السلام فجمعه أصحابه» 11.

الثاني: الإنجيل الذي تعظّمه النصارى الآن، وهو عبارة عن «أربعة كتبٍ تعرف بالأناجيل الأربعة» .

الصلة بين التوراة والإنجيل:

تتفق التوراة والإنجيل في كونهما كلام الله أنزله من عنده على أنبيائه لتبليغه بني إسرائيل، وهما غير معجزين، ولم يتكفل الله بحفظهما، ويختلفان بأن التوراة أنزلت على موسى، بينما الإنجيل أنزل على عيسى عليهما السلام.

الزبور:

الزبور لغةً:

قال ابن فارس: (زبر) «الزاي والباء والراء أصلان: أحدهما يدل على إحكام الشيء وتوثيقه، والآخر يدل على قراءة وكتابة وما أشبه ذلك، زبرت الكتاب، إذا كتبته، ومنه الزبور» 12. وقال الكفوي: «كل كتاب غليظ الكتابة يقال له زبور» 13.

الزبور اصطلاحًا:

هو كلام الله المنزل وحيًا على رسوله داود عليه السلام ليبلغه لقومه.

الصلة بين التوراة والزبور:

تتفق التوراة والزبور في كونهما كلام الله أنزله من عنده على أنبيائه لتبليغه بني إسرائيل، وهما غير معجزين، ولم يتكفل الله بحفظهما، ويختلفان بأن التوراة أنزلت على موسى، بينما الزبور أنزل على داود عليهما السلام.

صحف إبراهيم وموسى:

الصحف لغةً:

قال ابن فارس: «الصاد والحاء والفاء أصل صحيح يدل على انبساط في شيء وسعة. يقال: إن الصحيف: وجه الأرض، ومن الباب: الصحيفة، وهي التي يكتب فيها، والجمع: صحائف، والصحف أيضًا، كأنه جمع صحيف» 14.

الصحف اصطلاحًا:

وهي كلام الله الذي أنزله على نبيه إبراهيم، وتسمى صحف إبراهيم، وكلام الله المنزل على موسى، وهو التوراة، وتسمى صحف موسى، وهو مذهب أكثر المفسرين، والله أعلم.

عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما نزلت {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) } [الأعلى:1] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلها في صحف إبراهيم وموسى) 15.

الصلة بين التوراة وصحف إبراهيم وموسى:

مما سبق يتضح أنه لا فرق بين التوراة وبين صحف موسى، فهما اسمان لمسمى واحد، أما صحف إبراهيم؛ فقد قال ابن عاشور: «وأما صحف إبراهيم فكان المأثور منها أشياء قليلة، وقدرت بعشر صحف، أي مقدار عشر ورقات بالخط القديم، تسع الورقة قرابة أربع آيات من آي القرآن، بحيث يكون مجموع صحف إبراهيم مقدار أربعين آية» 16.

اقترن ذكر التوراة والإنجيل في القرآن ست مرات؛ وفي ذلك إشارة لأمر معين ولحكمة معينة؛ فالتوراة والإنجيل نزلتا على بني إسرائيل، «فالرسالة التي أنزلت على عيسى عليه السلام، مكمّلة لرسالة موسى عليه السلام، ومتممة لما جاء في التوراة من تعاليم، موجهة إلى بني إسرائيل، داعية إلى التوحيد والفضيلة والتسامح» 17.

فالتوراة أصل كالقرآن؛ قال ابن تيمية: «والقرآن أصل كالتوراة وإن كان أعظم منها؛ ولهذا علماء النصارى يقرنون بين موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، كما قال النجاشي ملك النصارى لما سمع القرآن: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة.» 18.

ولشيخ الإسلام في هذا الأمر كلام نفيس حيث قال: لقد علّم الله المسيح التوراة والإنجيل.

قال تعالى: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) } [آل عمران:48] .

ومن المعلوم أنه لولا أنه متبع لبعض ما في التوراة لم يكن تعلمها له منّة؛ ألا ترى أنا نحن لم نؤمر بحفظ التوراة والإنجيل وإن كان كثير من شرائع الكتابين يوافق شريعة القرآن؛ فهذا وغيره يبين ما ذكره علماء المسلمين من أن الإنجيل ليس فيه إلا أحكام قليلة، وأكثر الأحكام يتبع فيها ما في التوراة، وبهذا يحصل التغاير بين الشرعتين.

ولهذا كان النصارى متفقين على حفظ التوراة وتلاوتها كما يحفظون الإنجيل، ولهذا لما سمع النجاشي القرآن قال: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، وكذلك ورقة بن نوفل قال للنبي صلى الله عليه وسلم -لما ذكر له ما يأتيه- قال: هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى.

وكذلك قالت الجن: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} [الأحقاف:30] .

وقال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} [القصص:48] .

فهذا وما أشبهه مما فيه اقتران التوراة بالقرآن وتخصيصها بالذكر يبين ما ذكروه من أن التوراة هي الأصل، والإنجيل تبع لها في كثير من الأحكام، وإن كان مغايرًا لبعضها؛ فلهذا يذكر الإنجيل مع التوراة والقرآن في مثل قوله: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) } [آل عمران:3] .

وقال: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ} [التوبة:111] ، فيذكر الثلاثة تارة، ويذكر القرآن مع التوراة وحدها تارة لحكمة، وهي: أن الإنجيل من وجه أصل ومن وجه تبع، بخلاف القرآن مع التوراة؛ فإنه أصل من كل وجه، بل هو مهيمن على ما بين يديه من الكتاب، وإن كان موافقًا للتوراة في أصول الدين وكتبه من الشرائع، والله أعلم 19.

كما ارتبط إنزال التوراة والإنجيل بكيفية واحدة، وهي النزول كاملة غير منجمة بخلاف القرآن الكريم، قال تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) } [آل عمران:3] .

قال الرازي: «وإنما خص القرآن بالتنزيل، والتوراة والإنجيل بالإنزال، لأن التنزيل للتكثير، والله تعالى نزل القرآن نجمًا نجمًا، فكان معنى التكثير حاصلًا فيه، وأما التوراة والإنجيل فإنه تعالى أنزلهما دفعة واحدة، فلهذا خصهما بالإنزال» 20.

وقال أبو السعود: {وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} [آل عمران:3] . تعيينٌ لما بين يديه، وتبيينٌ لرفعة محلّه، تأكيدًا لما قبله وتمهيدًا لما بعده؛ إذ بذلك يترقى شأن ما يصدّقه رفعةً ونباهةً، ويزداد في القلوب قبولًا ومهابةً، ويتفاحش حال من كفر بهما في الشناعة واستتباع ما سيذكر من العذاب الشديد والانتقام، أي أنزلهما جملةً على موسى وعيسى عليهما السّلام، وإنما لم يذكرا لأن الكلام في الكتابين لا فيمن أنزلا عليه 21.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136) } [النساء:136] .

والإيمان بها يعني الإيمان بصحف إبراهيم، والتوراة المنزلة على سيدنا موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، والقرآن الكريم على سيدنا محمد عليهم الصلاة والسلام أجمعين، هذا مع الانتباه الشديد إلى أمرين: أولًا: أننا نؤمن أن هذه الكتب بأصلها من عند الله إلا أن يد البشر امتدت إليها، تعبث وتحرف، وتؤول وتغير، كما أخبرنا القرآن الكريم عن أهل الكتاب، ثانيًا: أن القرآن هو المنهاج الرباني الأخير للبشر، وهو آخر أمر يسأل الله عنه البشر يوم القيامة، فنزل القرآن ناسخًا لما قبله، مهيمنًا على ما قبله من الكتب.

قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة:48] .

وسيتناول هذا المبحث: وجوب الإيمان بالكتب المنزلة، والكفر بإحداها كفر بها جميعًا، والإيمان بأن التوراة كتاب منزل من عند الله سبحانه وتعالى، وتصديق الإنجيل والقرآن للتوراة المنزلة، ثم القرآن مكذّب للتوراة المحرفة، وفيما يلي تفصيل ذلك 22.

أولًا: وجوب الإيمان بالكتب المنزلة والكفر بإحداها كفر بها:

جاء ذكر الإيمان بالكتب السماوية في القرآن في صيغة الأمر تارة، وصفة للمؤمنين تارة أخرى، وبوصف الكفر لمن لم يؤمن بها تارة ثالثة.

فصيغة الأمر في قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) } [البقرة:136] .

أما وصف المؤمنين بأنهم هم الذين يؤمنون بالكتب المنزلة كلها ففي قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة:285] .

أما وصف الذين لا يؤمنون بالكتب كلها أو الذين يؤمنون ببعضها ويكفرون ببعض بأنهم كفار ففي قوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء:136] .

ومفهوم هذه الآيات وأمثالها، سواء كانت أمرًا مباشرًا أو وصفًا للمؤمنين أو وصفًا للكافرين، هو أن الإيمان بالكتب السماوية كلها أمر واجب لا يتم إيمان المرء إلا به.

إنّ الكتب السماوية كلها تحتوي على حقيقة واحدة، هي الأمر بعبادة الله وحده {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) } [الأنبياء:25] 23.

والإيمان بالكتب ينقسم إلى: إيمان إجمالي، وإيمان تفصيلي؛ فالإيمان الإجمالي: وجوب الإيمان بكلّ كتابٍ أنزله الله تعالى، كما في قوله تعالى: {وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ} [الشورى:15] .

فكل كتاب يجب على العباد أن يؤمنوا به، علموه أم لم يعلموه.

والإيمان التفصيلي: وهو الإيمان بكل ما سمى الله من كتبه على وجه التفصيل، وقد علمنا من ذلك: القرآن والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، وأن لله سوى ذلك كتبًا أنزلها على أنبياءه، لا يعرف أسماءها وعددها إلا الذي أنزلها 24.

ثانيًا: الإيمان بأن التوراة كتاب منزل من عند الله سبحانه وتعالى:

تمتاز العقيدة الإسلامية بالتكامل؛ فهي عقيدة متكاملة، فالإيمان بالكتب السماوية، يتضمن جميع الكتب، ما علمنا وما لم نعلم، ومن هذه الكتب: التوراة؛ فقد وردت آيات كثيرة تتحدث عن إنزال التوراة.

قال تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) } [آل عمران:3] .

وقال ايضًا: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) } [آل عمران:65] .

قال السمرقندي: «يعني أنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى من قبل هذا الكتاب» 25.

وقال الرازي: «فاعلم أنه تعالى بين أنه أنزل التوراة والإنجيل قبل أن أنزل القرآن، ثم بين أنه إنما أنزلهما هدى للناس» 26.

وقالت نعمة النخجواني: «وأنزل أيضًا التّوراة والإنجيل على موسى وعيسى عليهما السّلام مصدقين كذلك لعموم ما مضى من الكتب السابقة، {مِنْ قَبْلُ} أي: قبل إنزال القرآن عليك، ومن سنته سبحانه إنزال اللاحق مصدقًا للسابق، لكون الكل هدىً للنّاس أي نازلًا من عنده سبحانه لمصلحة الهداية، يهديهم الى توحيده الذاتي عند ظهور أمارات الغي والضلال» 27.

ولقد ذم الله اليهود حيث لم يؤمنوا بما جاء في توراتهم.

قال تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) } [المائدة:43] .

قال المراغي: «إن أمرهم لمن أعجب العجب، وما سبب ذلك إلا أنهم ليسوا مؤمنين بالتوراة إيمانًا صحيحًا، ولا هم مؤمنين بك، إذ المؤمن بشرع لا يرغب عنه إلى غيره إلا إذا آمن بأن ما رغب إليه شرع من الله أيضًا، أيّد به الأول، أو نسخه لحكمة اقتضت ذلك، ولكن هؤلاء تركوا حكم التوراة التي يدعون الإيمان بها؛ لأنه لم يوافق أهواءهم وجاءوك يطلبون حكمك، رجاء أن يوافق أهواءهم، ثم يتولون ويعرضون عنه، إذ لم يأت وفق مرادهم» 28.

ثالثًا: تصديق الإنجيل والقرآن للتوراة المنزلة:

جاء القرآن مؤيدًا للحق الذى ورد في الكتب السماوية من عبادة الله وحده، والإيمان برسله، والتصديق بالجزاء، ورعاية الحق والعدل، والتخلق بالأخلاق الصالحة؛ وهو في الوقت ذاته مهيمنٌ عليها، ومبينٌ ما وقع فيها من أخطاء وأغلاط، وتحريف وتصحيف، وتغيير وتبديل.

وإذا انتفت هذه الأخطاء التي أدخلها رجال الدين على الكتب السماوية وزوروها على الناس باسم الله، ظهر الحق، واستبان، والتقى القرآن مع التوراة والإنجيل.

قال تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [المائدة:68] .

وإقامتها لا تتحقق إلا بعد تطهيرها من الزيف 29.

ولقد جاءت الآيات تؤكد على تصديق القرآن للتوراة.

قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} [البقرة:91] .

وقال أيضًا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} [النساء:47] .

وقال أيضًا: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) } [آل عمران:3] .

قال الطبري: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} يعني بذلك القرآن، أنه مصدّق لما كان قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه ورسله، ومحقق ما جاءت به رسل الله من عنده 30.

وقال السمعاني: «القرآن مصدق لما قبله من التوراة والإنجيل» 31.

وقال السعدي: «فهو المزكي لها، فما شهد له فهو المقبول، وما رده فهو المردود، وهو المطابق لها في جميع المطالب التي اتفق عليها المرسلون» 32.

والإنجيل أيضًا جاء مصدقًا للتوراة؛ قال تعالى: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) } [آل عمران:50] .

وفي مفهوم هذه الآية أيضًا تصديق عيسى للتوراة كما قال الطبري: «وإنما قيل: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} ؛ لأن عيسى صلوات الله عليه، كان مؤمنًا بالتوراة مقرًّا بها، وأنها من عند الله. وكذلك الأنبياء كلهم، يصدّقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسله، وإن اختلف بعض شرائع أحكامهم، لمخالفة الله بينهم في ذلك، مع أنّ عيسى كان -فيما بلغنا- عاملًا بالتوراة لم يخالف شيئًا من أحكامها، إلا ما خفّف الله عن أهلها في الإنجيل، مما كان مشددًا عليهم فيها» 33.

وقال ابن عطية: «وكان عيسى عليه السلام مصدقًا للتوراة متبعًا عاملًا بما فيها، قال وهب بن منبه: كان يسبت، ويستقبل بيت المقدس» 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت