فهرس الكتاب

الصفحة 2202 من 2431

النجاة

أولًا: المعنى اللغوي:

جاء في كتاب العين: «نجا فلان من الشر ينجو نجاة، ونجا ينجو، في السرعة، نجاء فهو ناج وناقة ناجية: سريعة ... والنجاة: النجوة من الأرض، أي: الارتفاع، لا يعلوه ماء» 1، وزاد ابن دريد: «نجوت العود أنجو نجوًا، إذا اقتضبته من الشجرة ... وقال بعض المفسرين 2 في قوله عز وجل: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} [يونس:92] .

أي: نلقيك على نجوة ... ونجوت الجلد عن الناقة، إذا قشطته» 3، وهو ما ذهب إليه ابن فارس في تفسير (نجو) بالكشط والكشف، قال: «ونجا الإنسان ينجو نجاة، ونجاء في السرعة وهو معنى الذهاب والانكشاف من المكان. وناقة ناجية ونجاة: سريعة. ومن الباب وهو محمول على ما ذكرناه من النجاء: النجاة والنجوة من الأرض، وهي التي لا يعلوها سيل» 4.

وجاء في الفرق بين المعنيين اللغويين للفعلين الرباعيين (أنجى) و (نجى) : «معنى أنجاه: أخلصه قبل وقوعه في المهلكة؛ ونجاه: أخلصه بعد الوقوع» 5.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرفها ابن الجوزي بأنها: «تخليص الواقع في الشيء» 6، ويؤكد ذلك في مصنف آخر بقوله: «يقال: نجيت فلانًا أنجيه: إذا خلصته من شر وقع فيه» 7 وهو تعريف واسع وشامل لمعنى النجاة إذ لم يحدد ذلك الشيء بعذاب أو مخافة أو هلاك أو مكروه.

يلاحظ أن هناك اتفاقًا بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي في مسألة الخلاص التي يمكننا أن نفسرها بأنها حالة من التغيير تتم من خلال عملية إنقاذ أو انتشال من ظرف أو موقف أو واقع عصيب إلى آخر مطمئن.

وردت مادة (نجو) في القرآن الكريم (83) مرة، يخص موضوع البحث منها (66) مرة 8.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 45 ... {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف:45]

الفعل المضارع ... 11 ... {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا} [يونس:103]

فعل الأمر (دعائي) ... 6 ... {رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) } [الشعراء:169]

اسم فاعل ... 3 ... {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} [العنكبوت:33]

المصدر ... 1 ... {وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ} [غافر:41]

وجاءت النجاة في الاستعمال القرآني بمعناها في اللغة وهو: الخلاص والسلامة 9.

الإفلات:

الإفلات لغة:

هو «التخلص من الشيء فجأة، من غير تمكث» 10.

الإفلات اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي، جاء في معجم لغة الفقهاء أن الإفلات هو «النجاة والتخلص» 11.

الصلة بين الإفلات والنجاة:

الجامع بينه وبين النجاة هو الخلاص غير أنهما يفترقان في أن النجاة لا تقتضي الفجأة في التخلص.

الإنقاذ:

الإنقاذ لغة:

قيل في النقذ: هو «التخليص والتنجية، كالإنقاذ والتنقيذ والاستنقاذ والتنقذ وفي الصحاح: أنقذه من فلان واستنقذه منه وتنقذه بمعنى أي: نجاه وخلصه ... والنقذ السلامة والنجاة» 12. قال ابن منظور: «نقذ نقذًا نجا» 13.

الإنقاذ اصطلاحًا:

«التخليص من ورطة» 14.

الصلة بين الإنقاذ والنجاة:

فكل من الإنقاذ والنجاة يؤدي معنى الخلاص من مأزق، غير أنهما يفترقان في أن الإنقاذ لا يكون إلا بفعل الآخر، في حين تكون النجاة بفعل الشخص نفسه أو الآخر.

الخلاص والتخلص:

الخلاص لغة:

قال الزبيدي: «وخلص الله (فلانًا: نجاه) بعد أن كان نشب» 15.

الخلاص اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي.

الصلة بين الخلاص والنجاة:

غير أن الفرق بين التخلص والنجاة هو: «أن التخلص يكون من تعقيد وإن لم يكن أذى، والنجاة لا تكون إلا من أذى، ولا يقال لمن لا خوف عليه نجا، لأنه لا يكون ناجيا إلا مما يخاف» 16.

السلامة:

السلامة لغة:

«السلام والسلامة البراءة ... وسلم من الأمر سلامة: نجا» 17 قال ابن الجوزي: «النجاة والخلاص والسلامة متقارب» 18.

السلامة اصطلاحًا:

هي «التعري من الآفات الظاهرة والباطنة» 19.

الصلة بين السلامة والنجاة:

أن النجاة مأخوذة من النجوة كما تقدم وهي الارتفاع عن الهلاك، أما السلامة مأخوذة من إعطاء الشيء من غير نقيصة، وقيل: إن السلام «اسم مصدر من سلم يسلم تسليما كالكلام والطلاق، وهو بمعنى النجاة والتخلص مما لا يرغب فيه» 20.

الفوز:

الفوز لغةً:

الفاء والواو والزاي كلمتان متضادتان، فالأولى: النجاة، والأخرى: الهلكة.

فمن الأولى قولهم: فاز يفوز، إذا نجا، وهو فائز، وفاز بالأمر: إذا ذهب به وخلص، ويقال هذا لمن ظفر بخير وذهب به، والكلمة الأخرى قولهم: فوز الرجل، إذا مات وهلك 21.

الفوز اصطلاحًا:

«الظفر بالخير مع حصول السلامة» 22.

الصلة بين الفوز والنجاة:

يفترق الفوز عن النجاة في أنه يقتضي السلامة مع النجاة، جاء في «الفرق بين النجاة والفوز: أن النجاة هي الخلاص من المكروه، والفوز هو الخلاص من المكروه مع الوصول إلى المحبوب، ولهذا سمى الله تعالى المؤمنين فائزين لنجاتهم من النار ونيلهم الجنة» 23.

خلق الله تعالى الإنسان وأمره بالالتزام بطاعته والمواظبة على عبادته وترك ما يوجب غضبه وسخطه والاستعداد للتعاطي مع أحكامه والرضا بما قسم الله له من ابتلاء في سرائه وضرائه، فالله مبتليه على أية حال ليمحص عزمه وإيمانه، فإذا وافق أن يكون قلبه منقادًا لحكم الله وعامرًا بحبه، صبر على ابتلائه وفاز بمنجاته وإن وافق أن يكون قلبه ضالًا جاهلًا بمعرفة الله تعالى واتباع سبيله، فلن يجد من دون الله وليًا ولا نصيرًا. ويقينًا أن للنجاة أسبابها وسبلها التي تضمن لكل من ينهجها بإخلاص التوفيق للوصول إليها ويمكننا تحديد تلك الأسباب في النقاط الآتية:

أولًا: الإيمان:

الإيمان مبدأ شامل تنضوي تحته جملة من العقائد منها الإقرار والاعتراف بأسماء الله وصفاته الكاملة العليا، وما له على مخلوقاته من الحقوق: كالتأليه والعبادة في الظاهر والباطن، إلى جانب الاعتراف بملائكته وكتبه ورسله عليهم الصلاة والسلام، وما جاء به كتابه الكريم من أخبار الأمم السابقة وقصصها، وأنباء ما يستقبل من الزمان، وما ساقه من وعد ووعيد بثواب يوم الآخر وعقابه 24.

والمتتبع لآيات الذكر الحكيم يجد صورة متكاملة لمفهوم الإيمان وأصوله وسبله، فلا تكاد سورة تخلو في ألفاظها أو مضمونها من التذكير بعقيدة الإيمان وما يتوجب على العبد التحلي به من استعدادات نفسية وصفات أخلاقية وممارسات فعلية لاكتساب صفة المؤمن.

وكثيرًا ما يسوق لنا القرآن الكريم قصصًا ومواقف عقائدية رافقت مسيرة أنبياء الله ومن آمن بهم وبرسالاتهم السماوية، ليعتبر بها أولو الألباب الذين ينشدون السبيل إلى الله ابتغاءً لمرضاته وسعيًا إلى النجاة من غضبه.

فالنجاة بالإيمان درس بليغ تزخر به آيات الكتاب المبين صراحة وضمنًا، وتدعونا إلى التفكر في أسباب بلوغ درجاته وكيفية الوصول إلى المستوى العقائدي المقبول الذي يحقق لنا مرضاة الله عز وجل التي هي الأساس في تقرير سعادة العبد أو شقائه، فشتان بين من حبب الله إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم ومن حقت عليهم كلمة الله بأنهم لا يؤمنون، فأنى لهم النجاة من عذاب الله؟ قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس:96 - 97] .

فليس هناك من يجير العبد من غضب الله إلا إيمانه، إذ لا أهمية لمال أو بنين في اتقائه، ولا ينفع العبد شيء مثل إيمانه في السعة من حياته وليس بنافعه أن يؤمن عند نزول العذاب أو حضره الموت، وقد أكد القرآن ذلك في أكثر من مناسبة.

قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر:84 - 85] .

وقال في موضع آخر: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام:158] .

فالإيمان لا يكون منجيًا إلا إذا صحت شروطه واعتنقته النفس بصدق وأقر بذلك القلب، أما من استحوذ عليه الشيطان فأعرض عن الإيمان فلا منجاة له حين يداهمه عذاب الله وأجله، وهذا ما وعد الله به موسى وهارون (عليهما السلام) حين دعواه وطلبا منه أن لا يجعل للإيمان سبيلًا إلى قلب فرعون وجنوده حتى يدركهم العذاب، إذ قالا: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس:88] .

فاستجاب الله لهما دعوتهما بقوله: {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [يونس:88] .

فكان وعد الله حقًا حين أغرق فرعون وجنوده فأراد فرعون أن يخلص نفسه فادعى الإيمان قائلًا: {آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ} [يونس:90] .

غير أنه إيمان فارغ من محتواه وخال من التسليم والانقياد إلى الله، أو هو إيمان صوري أراد فرعون من خلاله أن يتشبه -بمكر- بالمؤمنين من بني إسرائيل بهدف النجاة، فمكر له الله وحقق له نجاة تليق بمستوى إيمانه الزائف.

قال تعالى: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} [يونس:92] .

ولم يكن هذا الحكم الإلهي مقتصرًا على الأفراد من دون الجماعات، بل أكدت الآيات القرآنية الكريمة في أكثر من موضع أن الإيمان هو السبيل الأمثل لبلوغ النجاة.

قال تعالى: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس:98] .

فاستثنى قوم يونس كونهم تداركوا أنفسهم بالإيمان والتوبة الحقة فكان ذلك سببًا في نجاتهم من عذاب الخزي 25.

وفي قوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس:103] .

نص على أنه لا ينال الخلاص من غضب الله إلا رسله والذين آمنوا وأقروا بالوحدانية لله والتصديق لهم. وليس هذا الحكم بموقوف على من سبقوا إلى الإيمان في الأمم السابقة.

بل يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} ، أي أنه حق على الله أن ينجي المؤمنين بك من هذه الأمة، قال الشوكاني: «التعبير بلفظ الفعل المستقبل لاستحضار صورة الحال الماضية تهويلًا لأمرها، كذلك حقًا علينا أي: حق ذلك علينا حقًا أو إنجاء مثل ذلك الإنجاء حقًا ننج المؤمنين من عذابنا للكفار» 26.

بهذا نصل إلى أن الأساس في بلوغ رحمة الله والنجاة من ابتلائه وغضبه هو اتباع سبيله والإيمان بربوبيته والتصديق برسالاته، ولن ينفع نفسًا إيمانها وقد داهمها قدر الله وقارب أجلها، إذ لا منجاة لها وقد فرطت من قبل باتباع سبيل الهدى والإيمان، فحري بأمتنا الإسلامية أن تنتهج سبل الإيمان وتعمل على تنشئة الأجيال وتغذيتهم بالإيمان الصحيح الذي يديم صلتهم بالله تعالى وأن لا يلبسوا إيمانهم بظلم.

ثانيًا: التقوى:

المتقي: «من يقي نفسه عن تعاطي ما يعاقب عليه من فعل أو ترك» 27.

أما مرتبة التقوى فتأتي ثالثة بعد الإسلام والإيمان، فبعد أن يكون العبد قد أسلم وجهه لله ووقر الإيمان في قلبه تأتي مرحلة التفكر في الوقاية من الأمور التي تنأى به عن الخالق عز وجل أو تتجاوز به حدوده وهي مرحلة اجتناب الشبهات والعمل على تهذيب النفس وتزكيتها بالعمل الصالح، فالتقوى كما الإيمان لها أسبابها وشروطها وطرائقها، لذا نجدها تسير جنبًا إلى جنب مع الإيمان في كثير من الآيات.

وقد وردت النجاة بتقوى المؤمنين صريحة في موضعين من القرآن الكريم تحدثا عن هلاك أقوام عاد وثمود بعذاب الله ونجاة المؤمنين منهما مع النبيين هود وصالح عليهما السلام.

قال تعالى: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [النمل:51 - 53] .

وقال في موضع آخر: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [فصلت:17 - 18] .

فأما الموضع الأول فجاء ضمن سياق الحديث عن قوم صالح عليه السلام الذين لم يكتفوا بإعراضهم عن الإيمان وصدهم عن سبيل الله، بل ذهبت بهم شقوتهم إلى عقر ناقة الله والسعي إلى قتل النبي صالح عليه السلام، فمكروا ومكر الله، فأذاقهم العذاب، وكان جزاء الذين آمنوا بالله وبرسالة نبيهم واتبعوا سبيله ووقوا أنفسهم من التعدي على حدود الله، أن الله (أنجاهم) من ذلك الهلاك السريع.

وأما الموضع الآخر فقد جاء ضمن سياق متصل بدأ بقوم هود عليه السلام الذين استكبروا، ثم انتهى بقوم صالح عليه السلام الذين يسر لهم الهدى، وأتاح لهم الأسباب للإيمان، ومكنهم منه، وقدرهم عليه.

قال تعالى: {فَهَدَيْنَاهُمْ} «أي: بينا لهم سبيل النجاة ودللناهم على طريق الحق بإرسال الرسل إليهم ونصب الدلالات لهم من مخلوقات الله فإنها توجب على كل عاقل أن يؤمن بالله ويصدق رسله، قال الفراء: معنى الآية: دللناهم على مذهب الخير بإرسال الرسل» 28، غير أنهم ضلوا فاستحبوا العمى على الهدى فاستحقوا العذاب فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بظلمهم إلا فئة منهم اهتدوا وآمنوا واتقوا فأنعم الله عليهم بالنجاة من العذاب، فحين جمع السياق القرآني بين هلاك عاد وثمود قال: (نجينا) ولم يقل: (أنجينا) .

ويعود سبب اختلاف صيغة فعلي النجاة بمجيئه في الموضع الأول بالفعل الماضي المهموز (أنجى) وفي الموضع الآخر بالفعل الماضي المضعف (نجى) إلى اختلاف السياقين في الموضعين اللذين وردت فيهما (النجاة) فالسياق في الأولى خاص بثمود، والنجاة تتطلب السرعة 29.

فهناك من خطط وتقاسم وبيت لقتل صالح عليه السلام وأهله والإفلات من جزاء القتل، ومكر لتنفيذ المخطط، فجاء مكر الله أسرع فعجل لهم بهلاكهم وسارع بإنجاء من آمن واتقى من المكر ومن الدمار الذي حل بالقرية وبيوتها.

أما السياق الآخر فلا يتطلب السرعة؛ لأن الحديث يتضمن هلاك أمتي عاد وثمود ونجاة من آمن واتقى منهما ثم يجمعهما في مصير واحد على اختلاف البعد الزمني بينهما.

قال ابن عاشور: «إن المعنى إنجاء الذين آمنوا من قوم عاد وقوم ثمود، فمضمون هذه الجملة فيه معنى استثناء من عموم أمتي عاد وثمود فيكون لها حكم الاستثناء الوارد بعد جمل متعاقبة أنه يعود إلى جميعها» 30.

لذا اقتضى السياق أن يأتي بصيغة الفعل المضعف (نجى) ليدلل به على حصول النجاة المتكررة مع وقوع العذاب مرة بعد أخرى للقريتين، وليشير به إلى أن حكم الله ثابت على مر الأزمان، وأن النجاة في كل مرة ستكون من نصيب الذين آمنوا وكانوا يتقون.

من جانب آخر لم يخل التعبير القرآني من الدقة في الجمع بين الفعلين الماضي (آمنوا) والمضارع (يتقون) للدلالة على أسبقية الإيمان ومضي حالته بالقياس إلى حالة التقوى التي تمثل المنهج التطبيقي لذلك الإيمان، وربما كان في قوله تعالى: {وَكَانُوا يَتَّقُونَ} إشارة إلى أنهم كانوا يعملون الخير ويبتعدون عن الفساد من قبل أن يؤمنوا بدعوة صالح عليه السلام، أي: (وكانوا يتقون من قبل إيمانهم) .

وعلى هذا يكون قوله: «يتقون» ؛ «أي: كان سنتهم اتقاء الله والنظر فيما ينجي من غضبه وعقابه، وهو أبلغ في الوصف من أن يقال: والمتقين» 31.

ولا تخلوا الآيتان من تبشير من يؤمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم أن هناك إمكانية لتحقيق النجاة من عذاب الله وذلك باتباع سبيل التقوى من سخطه وغضبه، ففي الآيتين «طمأنة لقلوب المؤمنين بأن الله ينجيهم مما توعد به المشركين كما نجى الذين آمنوا وكانوا يتقون من ثمود، وهم صالح ومن آمن معه» 32.

وتجدر الإشارة إلى أن النجاة بالتقوى لم ترد صريحة في القرآن الكريم فحسب، بل وردت ضمنًا أيضًا، من ذلك على سبيل المثال قوله تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران:120] .

وبعد هذا نصل إلى حقيقة مفادها أن تقوى الله ومخافته ترفع من مكانة العبد كلما زادت نسبتها وواجب على الصلحاء من أبناء الأمة أن يوضحوا هذه الحقيقة لمن يغفل عنها، فليس في مخافة الله منقصة بل إن تقواه هي الضمانة الأكيدة للعيش في فسحة من نعمته ورضاه والنجاة من سخطه وغضبه سواء في الحياة أو ما بعد الممات، ويمكن للنفس أن تبلغ مستوى تقوى الله من خلال ترجمة إيمانها إلى أفعال وممارسات واقعية سعيًا لتحقيق الجزاء الأوفى في الآخرة وضمان النجاة من كربات يوم الحساب، فبلوغ العبد مرحلة التقوى أمر ضروري للنجاة مما أعده الله للكافرين من حساب، وللفوز بما بشر به المتقون من أجر عظيم.

ثالثًا: النهي عن الفساد:

قد اقترن ذكر الفساد بذكر الأرض في القرآن الكريم، فمذ خلق الله تعالى الأرض وقضى أن يجعل فيها خليفة وقف الملائكة مخاطبين ربهم عز وجل: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة:30] .

فأنى للإنسان -الذي خلق هلوعًا ظلومًا لنفسه جهولًا بالذي فيه الحظ له 33 - النهوض بأمانة أبت أن تحملها السموات والأرض والجبال وأشفقن منها؟ وأنى له الإصلاح في الأرض وإعمارها واستغلال خيراتها في منفعة نفسه والآخرين؟.

غير أن الله تعالى غالب على أمره وأعلم بقدرة الإنسان وإمكاناته حين وضعه أمام اختبار حياتي متواصل ليثبت لملائكته أن بإمكانه أن يكون جديرًا بحمل الأمانة وأن تصدق عليه صفة الخلافة، إذا ما ألزم نفسه السير على نهج من استخلفه في الأرض، ويقينًا أن النهج الإلهي واضح وصريح في القرآن الكريم وبالأخص في ما يتعلق بالفساد الذي ورد بصيغ مختلفة في تسعة وأربعين موضعًا من آياته تناولت مبدأ واحدًا هو أن الله تعالى لا يحب الفساد ولا المفسدين، وقد جاءت معظم أحكامه فيها لتشير صراحة وضمنا إلى هذا المبدأ.

قال تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف:56] .

لقد جاءت الرسالات السماوية كلها لتبصر العباد بسبل الإصلاح ولتنهاهم عن الفساد بمختلف أشكاله؛ ليكونوا ربانيين يأمرون بما أمر به الله وينهون عما نهى عنه، وليبلغوا رضاه ويضمنوا لأنفسهم النجاة من حسابه وعقابه، وقد حض الله تعالى على ذلك صراحة في قوله: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود:116] .

ففي الآية دعوة واضحة للتفكر في أحوال من سبق من الأمم الغابرة التي باءت بغضب من الله ونقمة فأهلكها بعذابه إلا قليلًا من أهلها الذين لم يكتفوا بالإصلاح بل كانوا يدعون إليه من خلال نهيهم الناس عن الفساد في الأرض، تلك القلة القليلة آلت أن لا تقرب الظلم أو الترف ولا ترتكب جرمًا، ففازت بمنجاة الله حين نزل بأقوامهم العذاب، قال الطبري: {أُولُو بَقِيَّةٍ} أي: «ذو بقية من الفهم والعقل، ... ينهون أهل المعاصي عن معاصيهم وأهل الكفر بالله عن كفرهم به في أرضه ... إلا يسيرًا، فإنهم كانوا ينهون عن الفساد في الأرض، فنجاهم الله من عذابه، حين أخذ من كان مقيمًا على الكفر بالله عذابه، وهم أتباع الأنبياء والرسل» 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت