فهرس الكتاب

الصفحة 2391 من 2431

وقال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) } [الأنعام:117] .

وقال تعالى أيضًا: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74) } [آل عمران:73 - 74] .

ولو شاء الله لهدى الناس جميعًا، فلا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء، لقوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) } [الأنعام:149] .

وقال أيضًا: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [الأنعام:35] .

ولكن جعلهم مختلفين لحكمة، كما قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) } [هود:118 - 119] .

وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93) } [النحل:93] .

والنبي صلى الله عليه وسلم كان حريصًا كل الحرص على هداية البشرية، ولكن الله سبحانه وتعالى بين له ولغيره من المسلمين أنهم ليس عليهم إلا البيان والبلاغ والدلالة على الهدي وعدم الإكراه عليه، لقوله تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور:54] .

وما عداها كله بيد الله سبحانه وتعالى لقوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) } [القصص:56] .

فيهدي من أطاعه، وأقبل عليه، لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17) } [محمد:17] .

ولا يهدي من عصاه، وأعرض عنه، لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر:3] .

وقوله أيضًا: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9) } [النحل:9] .

إذًا منح الانسان ما يعينه على الاختيار دون اجبار، لقوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) } [الإنسان:3] .

فيتحمل نتيجة ذلك، أما بالنسبة للموانع التي تمنع الناس من الدخول في الدين الاسلامي فهي كثيرة مثل الأنفة وحب الذات، التمسك بدين الآباء والأجداد، حب الأموال والشهوات، وحب الرئاسة والسيطرة كل ذلك أدى إلى عدم الوصول إلى طريق الهداية، وبالتالي فقدان الأمل لتحقيق ذلك، مما جعلهم يبقوا على ما هم عليه، رغم الجهود الحثيثة لهدايتهم وتنفيذ كل ما يطلبونه.

قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31) } [الرعد:31] .

عن عبد الله بن عطاءٍ، عن جدته أم عطاءٍ مولاة الزبير قالت: سمعت الزبير بن العوام يقول: قالت قريشٌ للنبي صلى الله عليه وسلم تزعم أنك نبيٌ يوحى إليك، وأن سليمان سخر له الريح والجبال، وأن موسى سخر له البحر، وأن عيسى كان يحيي الموتى فادع الله تعالى أن يسير عنا هذه الجبال ويفجر لنا الأرض أنهارًا فنتخذها محارث فنزرع ونأكل، وإلا فادع الله أن يحيي لنا موتانا فنكلمهم ويكلمونا، وإلا فادع الله تعالى أن يصير هذه الصخرة التي تحتك ذهبًا فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم، فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي، فلما سري عنه قال: (والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم ولو شئت لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا من باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة ولا يؤمن مؤمنكم فاخترت باب الرحمة وأن يؤمن مؤمنكم، وأخبرني إن أعطاكم ذلك، ثم كفرتم أنه معذبكم عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين) ، فنزلت: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} [الإسراء:59] .

حتى قرأ ثلاث آياتٍ ونزلت: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} 58.

ونزل لما قالوا له إن كنت نبيًا فسير عنا جبال مكة واجعل لنا فيها أنهارًا وعيونًا لنغرس ونزرع، وابعث لنا آباءنا الموتى يكلمونا أنك نبي، {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} نقلت عن أماكنها {أَوْ قُطِّعَتْ} شققت {بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} بأن يحيوا لما آمنوا {بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} لا لغيره فلا يؤمن إلا من شاء إيمانه دون غيره إن أوتوا ما اقترحوا 59.

وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا هذا من المشركين طمعوا في أن يفعل الله ما سألوا فيؤمنوا فنزل: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} يعني: الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين- من إيمان هؤلاء، أي: ألم ييأسوا علمًا وكل من علم شيئًا يئس من خلافه، يقول: ألم ييئسهم العلم، {أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا} ، من كفرهم وأعمالهم الخبيثة {قَارِعَةٌ} أي: نازلة وداهيةٌ تقرعهم من أنواع البلاء أحيانًا بالجدب، وأحيانًا بالسلب، وأحيانًا بالقتل والأسر.

وقال ابن عباسٍ: أراد بالقارعة: السرايا التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثهم إليهم، {أَوْ تَحُلُّ} يعني: السرية أو القارعة، {قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ} ، وقيل: {أَوْ تَحُلُّ} أي: تنزل أنت يا محمد بنفسك {قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ} ، {حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ} ، قيل: يوم القيامة. وقيل: الفتح والنصر وظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} ، وكان الكفار يسألون هذه الأشياء على سبيل الاستهزاء فأنزل الله تسليةً لنبيه صلى الله عليه وسلم 60.

وذكر في تفسير اللباب في علوم الكتاب أن معنى: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} أي: «ألم ييأس هؤلاء من إيمان الكفار من قريش، وذلك أنهم لما سألوا هذه الآيات طمعوا في إيمانهم وطلبوا نزول هذه الآيات ليؤمن الكفار، وعلم الله أنهم لا يؤمنون فقال: أفلم ييأس الذين آمنوا من آيات الكفار، أي: ييأسوا من إيمانهم» 61.

وذكر في زاد المسير في علم التفسير أن معنى: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} فيه أربعة أقوال:

الأول: أفلم يتبين، وهذا قول مجاهد، وعكرمة، وغيرهم.

والثاني: أفلم يعلم، روي عن ابن عباس.

وقال ابن قتيبة: هي لغة للنخع (ييأس) بمعنى (يعلم) .

والثالث: أن المعنى: قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا واحدًا، ولو شاء الله لهدى الناس جميعًا، قاله أبو العالية.

والرابع: أفلم ييأس الذين آمنوا أن يؤمن هؤلاء المشركون، قاله الكسائي، والمعنى: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الذين وصفهم الله بأنهم لا يؤمنون؛ لأنه لو شاء لهدى الناس جميعًا 62.

فبعد كل ذلك يخاطب الله عز وجل نبيه في قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) } [الأنعام:35] .

والمعنى: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ} أي: عظم {عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} تكذيبهم {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ} قدرت {أَنْ تَبْتَغِيَ} أي: أن تطلب {نَفَقًا} سربًا {فِي الْأَرْضِ} فتدخل فيه {أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ} أو سببا وطريقًا تصعد فيه إلى السماء {فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ} يقول تنزل بالآية التي طلبوها فلتفعل، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} على التوحيد {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} بمقدوري عليهم بالكفر 63.

ورغم ما طلبوه من المعجزات والأدلة والبراهين التي أظهرها الله عز وجل إلا أنهم بقوا على كفرهم ولم يهتدوا وإنما استمروا بالمماطلة والاستهزاء، لقوله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) } [الرعد:27] .

والمعنى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي: ستروا ما دعتهم إليه عقولهم من الخير وما لله من الآيات عنادًا {لَوْلَا} أي: هلا ولم لا.

ولما كان ما تحقق أنه من عند الملك لا يحتاج إلى السؤال عن الآتي به، بني للمفعول قوله: {أُنْزِلَ عَلَيْهِ} أي: هذا الرسول صلى الله عليه وسلم {آيَةٌ} أي: علامة بينة {مِنْ رَبِّهِ} أي: المحسن إليه بالإجابة لما يسأله لنهتدي بها فنؤمن به، وأمره بالجواب عن ذلك بقوله: {قُلْ} أي: لهؤلاء المعاندين: ما أشد عنادكم حيث قلتم هذا القول الذي تضمن إنكاركم لأن يكون نزل إلي آية مع أنه لم يؤت أحد من الآيات مثل ما أوتيت، فعلم قطعًا أنه ليس إنزال الآيات سببًا للإيمان بل أمره إلى الله {إِنَّ اللَّهَ} أي: الذي لا أمر لأحد معه {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ} إضلاله ممن لم يتب، بل أعرض عن دلالة العقل، ونقض ما أحكمه من ميثاق القاطعة بأحقية ما دعت إليه الرسل لما جبل عليه قلبه من الغلظة، فصار بحيث لا يؤمن ولو نزلت عليه كل آية؛ لأنها كلها متساوية الأقدام في الدعوة إلى ما دعا إليه العقل لمن له عقل، {وَيَهْدِي} عند دعاء الداعين {إِلَيْهِ} أي: طاعته، {مَنْ أَنَابَ} أي: من كان قلبه ميالًا مع الأدلة راجعًا إليها 64.

وذكرت نعمة الله النخجواني أن الآية بينت خبث طينتهم ورداءة فطرتهم وذلك كالتالي: «يقول الذين كفروا بك وبكتابك ودينك لولا أنزل عليه آيةٌ ملتجئة لنا بالإيمان من ربه مع أنه يدعى التأييد من لدنه، ومع شدة شغفه وحرصه لأن نؤمن له، قل لهم يا أكمل الرسل ما علي إلا البلاغ، إن الله المطلع لضمائر عباده يضل من يشاء بمقتضى علمه وعدله لمن أراد إضلاله وانتقامه، ويهدي إليه على مقتضى جوده من أناب إليه عن ظهر القلب إذ كل ميسر لما خلق له» 65.

ويستفاد من ذلك: عدل الله سبحانه وتعالى ورحمته الواسعة بعباده، فقد أقام الحجة عليهم بتقديم كل ما يعينهم ويرشدهم إلى طريق الهداية والرشاد، وتحذيرهم من طريق الضلال والضياع، والخيار بأيديكم أيها العباد.

خامسًا: يأس الكافرين من ارتداد المسلمين عن دينهم:

الكافرين بالله سبحانه وتعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم بذلوا كل الجهود الجبارة، وأنفقوا كل غالٍ ورخيص، واستعملوا مختلف الوسائل والأساليب لصد الناس عن دين الله، بمنعهم من الدخول فيه، أو رجوعهم عن دينهم، إلا أنهم لم يتمكنوا من ذلك لقوة إيمان المؤمنين، وتقواهم، وثقتهم الكبيرة بالله سبحانه وتعالى بحمايتهم ونصرهم على أعدائهم، مما وصل الحال بالكافرين إلى اليأس والقنوط من ارتدادهم عن دينهم.

قال تعالى: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} [المائدة:3] .

والمعنى: كانت قريش تزعم أنها تملك من القوة ما تجعل دين الإسلام لا يظهر وأنها قادرة على أن ترد محمدا صلى الله عليه وسلم ومن آمن به عما هم عليه، ولهذا جلبوا الجيوش وجيشوا الأحزاب عبر سنين طويلة حتى قال أبو سفيان يوم أحد: «أعلو هبل لنا العزى ولا عزى لكم» ، ولما سأله هرقل عن الحال قال: الحرب بيننا وبينه سجال، وما زالت قريش تجلب بخيلها ورجلها وخيلائها تريد أن توقف ظهور الإسلام، ولما كان فتح مكة أيقن القريشيون أن ما يبتغونه من عدم إظهار الدين قد انقطع بالكلية فيئسوا من أن يجعلوا الإسلام يتوقف عن الظهور، هذا هو معنى قوله: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} أي: يئسوا أن يمنعوا دينكم من الظهور؛ لأن دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة كان شأنًا عظيمًا فقد خرج منها صلوات الله وسلامه عليه بعد أن ائتمروا عليه ثم بعد ثمانية أعوام من خروجه عاد عليه الصلاة والسلام.

فظاهر أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وظهور دينه يقتضي أن يأس الكفار عن الرجوع إلى دينهم قد كان وقع منذ زمان، وإنما هذا اليأس من اضمحلال أمر الإسلام وفساد جمعه لأن هذا أمر كان يترجاه من بقي من الكفار ألا ترى إلى قول أخي صفوان بن أمية في يوم هوازن حين انكشف المسلمون وظنها هزيمة ألا بطل السحر اليوم، إلى غير هذا من الأمثلة، و {الَّذِينَ كَفَرُوا} يعم مشركي العرب وغيرهم من الروم والفرس وغير ذلك، وقوله: {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} فإنما نهى المؤمنين عن خشية جميع أنواع الكفار وأمر بخشيته تعالى التي هي رأس كل عبادة 66.

وقال الطبري أن معنى: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} أي: الآن انقطع طمع الأحزاب وأهل الكفر والجحود، أيها المؤمنون، من دينكم أي: أن تتركوه فترتدوا عنه راجعين إلى الشرك 67.

وقوله: {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} يعني: فلا تخشوا الكفار في عبادتي واخشوني في اتباعهم، فقال: أعجز الناس من خشي من لا ينفعه ولا يضره، والذي بيده النفع والضر يخاطبه بهذه الآية 68.

وقوله تعالى أيضًا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (13) } [الممتحنة:13] .

«نزلت في ناسٍ من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأخبار المسلمين ويواصلونهم فيصيبون بذلك من ثمارهم، فنهاهم الله تبارك وتعالى عن ذلك» 69.

والمعنى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي: لا تصادقوا يا معشر المؤمنين الكفرة أعداء الدين، ولا تتخذوهم أحباء وأصدقاء توالونهم وتأخذون بآرائهم، فإنهم قوم غضب الله عليهم ولعنهم، قال الحسن البصري: هم اليهود.

وقال ابن عباس: هم كفار قريش، والظاهر أن الآية عامة كما قال ابن كثير: يعني اليهود والنصارى وسائر الكفار، ممن غضب الله عليه ولعنه، {قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ} أي: أولئك الفجار الذين يئسوا من ثواب الآخرة ونعيمها، كما يئس الكفار المكذبون بالبعث والنشور، من أمواتهم أن يعودوا إلى الحياة مرة ثانية بعد أن يموتوا، فقد كانوا يقولون إذا مات لهم قريب أو صديق: هذا آخر العهد به، ولن يبعث أبدًا 70.

وذكر الزحيلي في تفسيره أن معنى الآية هو: أي يا أيها المؤمنون برسالة الإسلام لا تتخذوا اليهود والنصارى وسائر الكفار ممن غضب الله عليهم ولعنهم واستحقوا الطرد والإبعاد من رحمته، أولياء وأنصارا وأصدقاء، وقد يئسوا من ثواب الآخرة ونعيمها في حكم الله عز وجل وأصبحوا لا يوقنون بالآخرة بسبب كفرهم وعنادهم، بالرغم من قيام الأدلة والبينات والمعجزات على الإيمان بالله واليوم الآخر، كيأسهم من بعث موتاهم، لاعتقادهم عدم البعث، وسبب يأسهم من الآخرة تكذيبهم بصحة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم 71.

ويستفاد من ذلك: أن المؤمن لا بد أن يكون قوي في إيمانه لا يسمح لأي ضغوطات سواء أكانت داخلية أم خارجية أن تؤثر به، وتزعزعه عن دينه، الذي هو بمثابة نجاة لهم في الدنيا والآخرة، وتفقده الثقة الكبيرة بالله - سبحانه وتعالى.

اليأس صفة مذمومة، وأسبابها كثيرة، فلا بد من الإشارة إلى هذه الأسباب بالشرح والبيان والتفصيل، ليعي أصحاب الأفهام والعقول، لتجنب محصول اليأس المذموم، والنجاة من الوصول إليها بالمعقول سواء كانت أي سبب من الأسباب.

أولًا: الكفر والمعاصي:

نعم الله سبحانه وتعالى على العباد كثيرة وأعظم هذه النعم نعمة الاسلام، التي هي نجاة العبد في الدنيا والآخرة، وإذا أراد الله عز وجل بالإنسان خيرًا توفاه على الإسلام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عندما يدعو يقول: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) 72.

ولكن من العباد من أراد أن يختار طريقًا آخرًا غير طريق الاسلام، فضاعوا وخسروا في الدنيا والآخرة، لقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) } [آل عمران:85] .

وقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48] .

واختيارهم هذا الطريق أي- طريق الكفر والضلال- وانغماسهم فيه وعدم قيامهم بأي عمل يقربهم من الله عز وجل ويرجو رحمته؛ ولذلك كان سببًا من الأسباب الموصلة بهم إلى اليأس من رحمة الله عز وجل وقد وصفهم الله بذلك في كتابه العزيز فقال: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87] .

وقوله تعالى: {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) } [الحجر:56] .

والمعنى: أي قال إبراهيم عليه السلام للضيف: لا ييأس من رحمة الله إلا من أخطأ سبيل الصواب، وغفل عن رجاء الله الذي لا يخيب من رجاه، فضل بذلك عن الرأي القيم، وهذا كقول يعقوب: {لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} وخلاصة مقاله: إنه نفى القنوط عن نفسه على أتم وجه، وتم الإشارة إلى ذلك سابقًا، فكأنه قال: ليس بي قنوط من رحمته تعالى، لكن حالي تنافي فيض تلك النعم الجليلة التي غمرني بها، وتوالي المكرمات التي شملت آل هذا البيت 73.

وقوله تعالى أيضًا: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (23) } [العنكبوت:23] .

والمعنى: يخبر الله سبحانه وتعالى من هم الذين زال عنهم الخير، وحصل لهم الشر، هم الذين كفروا به وبرسله، وبما جاءوهم به، وكذبوا بلقاء الله، فليس عندهم إلا الدنيا، فلذلك قدموا على ما أقدموا عليه من الشرك والمعاصي؛ لأنه ليس في قلوبهم ما يخوفهم من عاقبة ذلك، ولهذا قال تعالى: {أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي} أي: فلذلك لم يعلموا سببًا واحدًا يحصلون به على الرحمة، وإلا لو طمعوا في رحمته، لعملوا لذلك أعمالًا، والإياس من رحمة الله من أعظم المحاذير، وهو نوعان: إياس الكفار منها، وتركهم جميع سبب يقربهم منها، وإياس العصاة، بسبب كثرة جناياتهم، فملكت قلوبهم، فأحدث لها الإياس، {وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: مؤلم موجع 74.

وذكر محمد الشعراوي في تفسيره: أنه إن أصر الكافر على كفره وعبادته للأصنام التي لا تنفع ولا تضر، ولم تجد معه موعظة ولا تذكير فلا ملجأ له ولا منفذ له إلى رحمة الله؛ لأنه عبد أولياء لا ينفعونه بشيء وكفر بي، فليس له من يحميه مني، ولا من ينصره من الأصنام التي عبدها، فليس له إلا اليأس.

واليأس: قطع الرجاء من الأمر، وقد قطع رجاء الكافرين؛ لأنهم عبدوا ما لا ينفع ولا يضر، وكفروا بمن بيده النفع، وبيده الضر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت