وثبت بأصرح مما سبق إثبات اسم الزبور كعلم لكتاب الله في عدة أحاديث مرفوعة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقرأ عليه أبيٌّ أمّ القرآن فقال: (والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة، ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، إنها السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيت) 57.
وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت مكان التوراة السبع، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصل) 58.
بل وجاء في الحديث تحديد وقت نزول الزبور، فقد أخرج الطبراني في المعجم الكبير عن واثلة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع عشرة خلت من رمضان) 59.
وقد نزل الزبور على داود عليه السلام بعد أن اجتمعت بنو إسرائيل عليه، كما نص ابن جرير في تاريخه 60.
حجم الزبور ومحتواه:
نقل السمرقندي في تفسيره عن مقاتل قال: «الزبور مائة وخمسون سورة، ليس فيها حكم ولا فريضة، إنما ثناء على الله عز وجل» 61.
وهو كذلك في ما هو بين أيدي أهل الكتاب ضمن كتابهم المقدس، فقد بلغ مائة وخمسون مزمورًا.
وأما نسبة كل هذه المزامير لداود فغير صحيح، فإن أهل الكتاب ينسبون بعضها فقط إلى داود، وينسبون بعضها لابنه سليمان، كما ينسبون بعضها لرجل يدعى آساف، وهو كبير المغنين في بلاط داود، وبعضها الآخر مسكوت عنه غير منسوب 62.
ولا يدرى على وجه التحقيق أي المزامير التي قالها داود؛ ولهذا في ترجمات العهد القديم سموه (سفر المزامير) بدلًا من (مزامير داود) 63.
ويصدّق ذلك الترجمة المطبوعة من الكتاب المقدس للغة العربية، فإنه في سفر المزامير يصدّرون بعضها بقولهم: «مزمور داود» كما في المزمور رقم (4 و 5 و 6 و 8 و 9 و 11 و 19 و 28 وغيرها) بينما بعضها دون تسمية، وبعضها نسبوها لغير داود كما في المزمور (72) كتب: «المزمور الثاني والسبعون لسليمان» .
وأما في المزمور (50،74،73) كتب: «مزمور لآساف» . بل ونسبوا لآساف اثني عشر مزمورً!
وأما محتوى الزبور: فقد تميز عن غيره من كتب الله في محتواه، فقد كان فيه التسابيح والتهليل، وليس فيه شيء من التعاليم أو التكاليف، كما هي في التوراة والإنجيل والقرآن، وهو قول جماهير أهل العلم.
عن الربيع بن أنس قال: الزبور ثناء على الله عز وجل، ودعاء وتسبيح 64.
وعن قتادة قال: كنا نحدث أن الزبور دعاء علّمه داود عليه السلام، وتحميد وتمجيد لله عز وجل، ليس فيه حلال ولا حرام، ولا فرائض، ولا حدود 65.
وقال القرطبي في تفسيره: «الزبور: كتاب ليس فيه حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا حدود، وإنما هو دعاء وتحميد وتمجيد» 66.
ومما يؤيد ذلك ما بقي من وحي الله على داود -سليمًا من التحريف- مما هو في أيدي أهل الكتاب في العهد القديم 67.
ولقد وهب الله داود عليه السلام سهولة قراءة كتابه، فقد أخرج البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتسرج، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه، ولا يأكل إلا من عمل يده) 68. والمراد بالقرآن هنا مصدر القراءة لا القرآن المعهود لهذه الأمة، كما قال ابن حجر في فتح الباري 69.
ثالثًا: إيتاؤه العلم والحكمة:
أثنى الله على داود عليه السلام بأنه آتاه العلم والحكمة في أكثر من موضع في القرآن، وجاءت الآيات بصور مختلفة: فتارةً يجمع الله له بين العلم والحكمة، وتارةً يذكر العلم فقط، وتارةً الحكمة فقط.
أما الجمع بين العلم والحكمة فجاءت في آية واحدة، قال تعالى: {وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} [البقرة:251] .
وجاء ذكر العلم دون الحكمة لداود في آيتين:
قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) } [الأنبياء:78 - 79] .
ففي هذه الآية امتدح الله سليمان عليه السلام في إصابته في القضاء في الحكم إلا أن الله لم يذم داود، بل امتدحه الله بإيتائه العلم والحكمة، كما آتاهما سليمان، وكون الآية وردت في سياق تأييد الحكم لسليمان عليهما السلام، أعقبه الله تعالى بذكر الفضيلة لهما؛ لئلا يتوهم الإغضاء من قدر داود عليه السلام، ودفعًا لما عسى يوهمه تخصيص سليمان عليه السلام بالتفهم، من عدم كون حكم داود عليه السلام حكمًا موافقًا للصواب 70.
قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) } [النمل:15] .
وأما التي ذكر فيها إيتاءه للحكمة دون العلم فهي آية واحدة:
قوله تعالى: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20) } [ص:20] .
فالمذكور في الآيات مما وهبه الله لداود أمران: العلم والحكمة، فما المقصود بالعلم؟ وهل هو علم خاص بهما أم مشترك مع باقي الخلق؟ وما المقصود بالحكمة؟
1.العلم.
تعددت الأقوال في المراد بالعلم الذي أوتيه داود عليه السلام، وأساس الخلاف هل هو علم اختص الله به داود عليه السلام أم علم كباقي العلوم التي يمكن للعباد أن يؤتوها أو يكتسبوها؟
فقيل: هو الفهم، وهو قول قتادة 71.
وقيل: هو علم بالدين والحكم وغيرهما 72.
وقيل: «طائفة من العلم وهو علم الحكم والشرائع، أو علمًا أي علم» 73.
وذهب ابن جرير إلى أن المراد بالعلم «علم كلام الطير والدواب وغير ذلك مما خصهم الله بعلمه» 74.
وذهب ابن كثير إلى اختصاص العلم بداود، ولكن دون تحديد ماهية العلم، فقال في تفسيره: «علمه ما يشاء من العلم الذي اختصه به عليه السلام» 75.
وقيل: صنعة الكيمياء. قال القرطبي: «هو شاذ» ، وقال عقب ذلك القرطبي: «وإنما الذي آتاهما الله النبوة والخلافة في الأرض والزبور» 76. في إشارة للعلم أن يكون النبوة أو الزبور، والله أعلم.
وقال ابن عاشور: «علم نبوءة وحكمة» 77.
وجمع ما قيل في المراد بعلم داود الماوردي، فقال: «فيه ستة أوجه:
أحدها: فهمًا، قاله قتادة.
الثاني: صنعة الكيمياء، وهو شاذ.
الثالث: فصل القضاء.
الرابع: علم الدين.
الخامس: منطق الطير.
السادس: بسم الله الرحمن الرحيم» 78.
والذي يترجح لي -والله أعلم- أن الله خصه بعلم ديني ودنيوي، وهو الأكمل في حق داود عليه السلام، فأما الديني فيكفيه ما في النبوة والزبور من علم وافر، وأما العلم الدنيوي فمما يؤيده قوله تعالى عما آتاه لنبيه داود: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80) } [الأنبياء:80] .
ويدخل فيها علمه لكلام الطير وغيره، وفي قوله تعالى: {وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} [البقرة:251] .
إشارة إلى ذلك، قال في معناها ابن الجوزي: «قوله تعالى: {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها صنعة الدروع.
والثاني: الزبور.
والثالث: منطق الطير» 79.
وتحتمل كلمة (مما يشاء) أن يكون مما يشاؤه الله، أو يشاؤه داود، أو كلاهما 80.
فخص الله نبيه داود بعلم دون العباد، والفعل (آتينا) فيه إشارة إلى أنه «علم مفاض من عند الله، وليس علمًا مكتسبًا 81. وهو علم عظيم في شأنه، بدلالة تنكير لفظة (علمًا) كما جاء في آية سورة النمل 82، ويحتمل أن يكون التنكير للتكثير 83، ولا مانع من الجمع بينهما، فهو علم عظيم وكثير، والله أعلم.
فهو إذن علم اختص به داود عليه السلام في الجنس والكم، ولو اشترك معه غيره من الخلق لما كان هناك مزية له في هذا العلم دون الآخرين.
قال القشيري على آية سورة النمل: «يقتضي حكم هذا الخطاب أنه أفردهما بجنس من العلم لم يشاركهما فيه أحد؛ لأنه ذكره على وجه تخصيصهما به، ولا شك أنه كان من العلوم الدينية، ويحتمل أنه كان بزيادة بيان لهما أغناهما عن إقامة البرهان عليه، وتصحيحه بالاستدلال الذي هو معرض للشك فيه، ويحتمل أن يكون علمهما بأحوال أمتهما على وجه الإشراف على ما كانوا يستسرون به، فيكون إخبارهما عن ذلك معجزة لهما» 84.
2.الحكمة.
كما اختلف في المراد بالعلم وقع الخلاف في المراد بالحكمة التي وهبها الله لداود عليه السلام، فقيل: هي النبوة، وهو قول ابن عباس والسدي، أخرجه عنه ابن جرير واختاره 85.
وقيل: إنها السنة، وهو قول قتادة والحسن 86.
وقيل: العقل في الدين، وإليه ذهب زيد بن أسلم 87.
وقيل: الصواب، وهو قول مجاهد أخرجه سعيد بن منصور 88.
وقال ابن الجوزي: «وفي المراد بالحكمة ها هنا قولان:
أحدهما: أنها النبوّة.
والثاني: الزبور» 89.
وفي موضع آخر قال ابن الجوزي: «فيها أربعة أقوال:
الفهم، قاله ابن عباس والحسن وابن زيد.
والثاني: الصواب، قاله مجاهد.
والثالث: السنة، قاله قتادة.
والرابع: النبوة، قاله السدي» 90.
وعند ابن عطية في المحرر الوجيز ذكر ما سبق وزاد في معنى الحكمة: أنها العلم الذي لا ترده العقول 91.
والذي يظهر أن الله ذكر إيتاءه الحكمة لنبيه داود في موضعين في كتابه الكريم، فجاء ذكر إيتائه الحكمة في سياق قتله لجالوت، فقال تعالى: {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ} [البقرة:251] .
وجاء ذكرها أيضًا في سياق تعداد النعم التي وهبها الله لداود، فقال تعالى: {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20) } [ص:17 - 20] .
وإطلاق القول في معنى الحكمة في كلا الموضعين قد يحدث شيئًا من التداخل؛ فلذا لا بد من التفصيل، فلكل موضع مقال في معناها، فإذا فرقنا بين الموضعين، وما تحتمله من معنى اتضح لنا الأمر في معنى المراد بالحكمة، وفي نسبة الأقوال للسلف وغيرهم.
ففي الموضع الأول تكون الحكمة هي النبوة، كما ذهب إليه ابن عباس والسدي؛ بدلالة أن الله أشار في تلك الآية إلى إعطاء داود الملك بعد انتصارهم، وقرنه بالحكمة التي هي النبوة، فيكون أعظم امتنان على داود وبني إسرائيل.
وأما في الموضع الآخر: فإن الأقوال فيها تحتمل التعدد، فيمكن أن تكون الفهم أو الصواب أو العقل أو غيره، ويشملها النبوة.
رابعًا: فصل الخطاب:
لقد أثنى الله على داود بأن آتاه فصل الخطاب، فقال عز وجل: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص:20] .
وجاءت هذه الصفة في معرض ذكر فضائل داود عليه السلام، وقد تعددت أقوال المفسرين في معنى (فصل الخطاب) فقيل فيها عدة أقوال، وهي:
علم القضاء والفهم به، ذهب إليه ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد وأبو عبدالرحمن السلمي 92.
وقيل: تكليف المدّعي البينة، واليمين على المدّعى عليه، وبعبارة أخرى: الشهود والأيمان، وذهب إليه علي بن أبي طالب وشريح والشعبي وقتادة 93، ووصف هذا القول الواحدي 94 بأنه قول الأكثرين.
وقيل عبارة: أما بعد، وهو قول أبي موسى الأشعري 95، ونسب إلى الشعبي 96، وأخرجه سعيد بن منصور عن زياد بن أبيه 9798.
وكل هذه الأقوال مناقب حري بها نبي الله داود، وخليق بها؛ ولذا اختار ابن جرير في معنى (فصل الخطاب) أنه يشملها كلها، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه آتى داود -صلوات الله عليه- فصل الخطاب، والفصل: هو القطع، والخطاب هو المخاطبة، ومن قطع مخاطبة الرجل الرجل في حال احتكام أحدهما إلى صاحبه قطع المحتكم إليه الحكم بين المحتكم إليه وخصمه بصواب من الحكم، ومن قطع مخاطبته أيضًا صاحبه إلزام المخاطب في الحكم ما يجب عليه إن كان مدّعيًا، فإقامة البيّنة على دعواه، وإن كان مدّعىًا عليه فتكليفه اليمين إن طلب ذلك خصمه، ومن قطع الخطاب أيضًا الذي هو خطبةٌ عند انقضاء قصة وابتداء بأخرى، الفصل بينهما بـ (أما بعد) فإذ كان ذلك كله محتملًا ظاهر الخبر، ولم تكن في هذه الآية دلالة على أي ذلك المراد، ولا ورد به خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ثابت، فالصواب أن يعمّ الخبر كما عمّه الله، فيقال: أوتي داود فصل الخطاب في القضاء والمحاورة والخطب» 99.
وبهذا التوجيه من ابن جرير تكون الفضيلة لداود أعم وأتم، وهو الصواب الذي يدل عليها ظاهر القرآن، وتتوافق مع مكانة نبي الله داود عليه السلام.
خامسًا: قتله لجالوت:
لقد انضم داود عليه السلام ضمن جيش بني إسرائيل بقيادة ملكهم طالوت الذي خرج لمحاربة جالوت وجنده، وكان في ذلك الحين داود إنما هو عبد صالح في بني إسرائيل ولم يكن نبيًّا، وكان أول بروز له لكافة شرائح مجتمعه في تلك المعركة التي وفقه الله فيها إلى قتل جالوت، فبرز وكان له الشأن عند قومه، وكأن الله عز وجل أراد تهيئته أو تهيئة بني إسرائيل لنبوة وملك داود، فقال تعالى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} [البقرة:251] علمًا أن هذا هو أول موضع ورد فيه اسم داود في القرآن الكريم، بحسب ترتيب سوره.
فنص الله على أن داود قتل جالوت، وأشار عقبها مباشرةً إلى إعطاء الله الملك له والحكمة، فبعد تلك المعركة وبعد تلك الحادثة أصبح داود ملكًا ونبيًا لبني إسرائيل.
كان عهد داود عليه السلام بعد موسى عليه السلام قطعًا بمدة من الزمن، فقد قال تعالى في مطلع قصة قتل داود لجالوت: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة:246] .
وقد نص ابن كثير 100 على أنه كان بين داود وموسى ما ينيف عن ألف سنة.
وقد كان قبل داود على ملك بني إسرائيل طالوت، كما قال تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} [البقرة:247] .
وإن كان مجاهد ذهب إلى أن الملك في هذه الآية هو الإمرة على الجيش لا بالملك العام 101.
وفي قوله تعالى: {قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ} [البقرة:246] إشارة واضحة إلى وجود نبي لبني إسرائيل قبل داود، وفي تحديده خلاف بين المفسرين فقيل: شمعون 102، وقيل: صمويل، وقيل: غيرهم 103، وتحديد اسمه غير مهم لنا في هذا البحث، كما أنه ليس هناك دليل صحيح ينص على تحديده.
وقد توالت الأحداث على بني إسرائيل من خير وشر، ورفعة ومذلة، ثم كانت المعركة الفاصلة بين الملك طالوت ومعه داود عليه السلام وخصومهم جالوت وجنده، فوقع القتال بأمر الله، ثم قتل داود جالوت، فوقع حب داود في قلوب بني إسرائيل، ومالوا إليه، ثم آل الملك إليه مع ما منحه الله من النبوة.
فجمع الله لداود بين الملك على بني إسرائيل والنبوة.
وهنا لا بد من وقفة جلية تكشف لنا حقيقة صفات داود عند أهل الكتاب بما ورد في العهد القديم والعهد الجديد، مع موازنتها بما ذكره الله عز وجل عن نبيه داود في القرآن الكريم؛ ليتضح البون الشاسع بين ما نعتقد كمسلمين في حق داود عليه السلام، وبين ادعاءات البهتان لأهل الكتاب.
صفات داود في القرآن والعهد القديم:
إن الأنبياء هم صفوة الخلق، ونعتقد بجمال أحوالهم قبل نبوتهم وبعدها، ولا يتصور أي معظّم لأنبياء الله أن يرميهم بالنقائص والعيوب التي يترفع عنها بسطاء الناس فضلًا عن كبرائهم، فضلًا عن صفوة الخلق!
وإن اليهود يزعمون أنهم يعظمون داود، وهذا ادعاء لا يتفق مع ما يؤمنون به من كتبهم، فإن في العهد القديم نسبة الصفات القبيحة والشنيعة لداود عليه السلام حاشاه من تلك المعايب، ولا أدري أي تعظيم له بعد ذلك؟!
ولنبدأ بالوجه المشرق لصفات داود كما وردت في القرآن الكريم على وجه الاختصار 104:
جاء في القرآن عن داود عليه السلام أنه:
-الخليفة: (? ? ? ? ? ?) [ص:26] .
-صاحب الزبور: (? ? ?) [النساء:163] .
-الأواب: (? پ پ پ پ ? ? ?) [ص:17] .
-والذي تسبح معه الطير والجبال: (? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ?) [ص:18 - 19] .
-صاحب الملك والحكمة والعلم: (ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے) [البقرة:251] .
-صاحب الصناعات: (? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑک ک ک ک گگ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ?) [سبأ:10 - 11] .
-المغفور له، وصاحب الزلفى وحسن المآب: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [ص:25] .
هذه صفات نبي الله داود في القرآن، وعندما تقرأ هذه الصفات تشعر بانشراح نفس، وارتياح في ذكر هذه الصفات، بينما إذا انتقلت للطرف الآخر شعرت بالضيق والحرج من ذكر تلك الصفات الشنيعة عن داود عليه السلام، ولأبرهن على استنقاص أهل الكتاب لداود نعرج على ما رموا -زورًا وبهتانًا- به داود عليه السلام.
ومن تلك الصفات القبيحة الواردة في العهد القديم 105 على وجه الإجمال: يصورون داود عليه السلام في صورة الفاسق والزاني والقاتل بغير حق، ومدعي الجنون، وقاطع الطريق!
ودونك كلامهم على وجه التفصيل:
-اتهامه بالزنا والعياذ بالله.
فجاء في سفر صموئيل الثاني (11: 2 - 5) قال: «وكان في وقت المساء أن داود قام عن سريره، وتمشى على سطح بيت الملك، فرأى من على السطح امرأة تستحم، وكانت جميلة المنظر جدًا، فأرسل داود وسأل عن المرأة، فقال واحد: أليست هذه بتشبع بنت اليعام امرأة أوريا الحثي؟! فأرسل داود رسلًا وأخذها فدخلت إليه، فاضطجع معها، وهي مطهرة من طمثها، ثم رجعت إلى بيتها، وحبلت المرأة، فأرسلت وأخبرت داود، وقالت إني حبلى» .
فانظر أيها القارئ لهذا الاتهام الفاحش الذي يتورع عنه العقلاء في نسبته لصالحي الناس فضلًا عن الأنبياء -عليهم الصلوات والسلام-، قال الطاهر ابن عاشور: «وقد حكيت هذه القصة -أي قصة داود والمرأة- في سفر صموئيل الثاني في الإصحاح الحادي عشر على خلاف ما في القرآن، وعلى خلاف ما تقتضيه العصمة لنبوءة داود عليه السلام فاحذره» 106.
-اتهامه بالقتل دون حق.
بعد أن ذكروا اتهامه بالزنا والعياذ بالله، ولتكتمل القصة الدرامية في مخيلة اليهود، زعموا أنه مكر بزوج تلك المرأة لتغطية فعلته! فأمر بإرساله في وجه الموت ليموت، جاء في سفر صموئيل الثاني (11: 6 - 15) بعد أن ذكروا أن داود سقاه الخمر، قال: «وكتب المكتوب -أي داود- يقول: اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة، وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت» . فانظر إلى هذا التخطيط والمكر، أيعقل هذا من نبي كريم؟! حاشا والله.
-ادعاء داود الجنون.
جاء في سفر صموئيل الأول (21: 12 - 15) «فوضع داود هذا الكلام في قلبه، وخاف جدًا من أخيش ملك، فغير عقله في أعينهم، وتظاهر بالجنون بين أيديهم، وأخذ يخربش على مصاريع الباب، ويسيل ريقه على لحيته» .
-قاطع طريق.
تصور الأسفار اليهودية المحرفة انشقاق داود عليه السلام عن الملك شاؤول، وهروبه إلى الفلسطينيين، وانعزالهم في مغارة، ثم قيامهم بغارات على المارة، وكان داود رئيسًا لهم، كما جاء في سفر صموئيل الأول (22: 1 - 5) .
-الخداع.
ذكروا له موقفًا في خداع قومه بأن أخذ في أحد المعارك البقر والغنم والحمير والجمال والثياب، وقدمها لملك فلسطين وأخبره أنه غزا أعداءهم وهو لم يفعل، وصدقه الملك، قال: «صار داود مكروهًا لدى شعبه إسرائيل» انظر: سفر صموئيل الأول (27: 12) .