أولًا: المعنى اللغوي:
الضاد واللام أصل يدل على ضياع الشيء، وذهابه في غير حقه، يقال: ضَلَّ اللبن في الماء، بمعنى: استهلك وضاع، وأضل الميت، إذا دفن، وكأنه شيء قد ضاع، يقال: ضَلَلْت أَضِلُّ وأَضَلُّ، لغتان، وضَلَلْتُ أَضِلُّ وأَضَلُّ، وهما لغتان أيضًا، والضَّلَال والضَّلَالة بمعنىً واحدٍ، ورجلٌ ضِلِّيلٌ ومُضَلِّلٌ، إذا كان صاحب ضلالٍ وباطلٍ 1.
وكل جائرٍ عن القصد فهو ضالٌ، وما كان ضد الهدى والرشاد فهو ضلالٌ وضلالةٌ 2، وكل حيادةٍ عن طريق الحق فهو ضلالٌ أيضًا، والنسيان من الضلال 3.
وأما قولهم: الضالة، فإنها لا تقع إلا على الحيوان ذكرًا كان أو أنثى، وأما الأمتعة من غير الحيوان، فلا يقال لها ضالة، ولكنها تسمى لقطة 4.
إن مادة ضل جاءت في اللغة على معانٍ متعددة، منها: ضاع، ومات، وصار ترابًا وعظامًا، وخفي وغاب، ونسي 5.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
إن الضلال والضلالة مصطلحان متقاربان، لكنهما يختلفان في نقاط، أهمها 6:
إن الضلالة والضلال يشتركان في أن كليهما يعني فقد ما يوصل إلى المطلوب، إلا أن الضلال يختص بأنه خطأ الشيء في مكانه دون الاهتداء إليه.
والضلالة بمعنى الهلاك والإضاعة، والضلال بمعنى الضياع والعدول عن الطريق المستقيم.
وعلى هذا فإن الضلالة أعم من الضلال، لكن الضلال أخص وأدق في طبيعة تشخيص أمراض الأمة، كما أنه محل هذه الدراسة، ومن ثم فقد فطن العلماء للفرق بينهما، وهذه بعض تعريفاتهم لمصطلح الضلال، وذلك فيما يأتي:
عرفه السيوطي رحمه الله بأنه: «اعتقاد الباطل حقًا، أو الكذب صدقًا، أو القبح جميلًا، وبالعكس» 7.
وعرفه الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى بأنه: «العدول عن الطريق المستقيم، ويضاده الهداية» 8.
وعرفه الجرجاني والمناوي رحمهما الله تعالى بأنه: «فقدان ما يوصل إلى المطلوب» 9.
وذكر البعض تعريفًا له بأنه: كل عدول عن النهج عمدًا أو سهوًا قليلًا كان أو كثيرًا 10.
وبالنظر إلى التعريفات السابقة لمصطلح الضلال يتبين أن التعريف الأخير هو الراجح؛ لموافقته المعنى اللغوي من جهة، ولاشتماله على جميع المعاني المتفرعة من مادة ضل في القرآن الكريم من جهة أخرى، والله أعلم.
وردت مادة (ض ل ل) في القرآن الكريم (191) مرة 11.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 58 ... {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77) } [المائدة:77]
الفعل المضارع ... 59 ... {لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} [النساء:113]
المصدر ... 48 ... {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس:32]
اسم الفاعل ... 17 ... {وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) } [الشعراء:86]
أفعل التفضيل ... 9 ... {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) } [الفرقان:44]
وجاء الضلال في القرآن الكريم على ثلاثة وجوه 12:
الأول: الضلال بمعناه اللغوي الذي هو ضد الهدى، وهو الحيرة والضياع والبعد عن الصواب، ويدخل فيه الغواية والخطأ والخسران وغير ذلك: ومنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا} [يس:62] .يعني: أغوى.
الثاني: الإبطال: ومنه قوله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) } [محمد:1] .يعني: أبطلها.
الثالث: الجهل أو النسيان: ومنه قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة:282] يعني: تنسى.
الغي:
الغي لغةً:
الإمعان في الضلال، قال تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [النجم: 2] .
فهو غاوٍ، وغويٌ وغيان، وأغواه أضله وأغراه 13.
الغي اصطلاحًا:
«سوء التصرف في الشيء، وإجراؤه على ما يسوء عاقبته» 14.
الصلة بين الغي والضلال:
الضلال أوسع دلالةً، إذ إنه يعني: أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقًا أصلًا، سواء أكان حكمًا أو عملًا، والغواية: أن لا يكون له إلى المقصد طريق مستقيم.
الكفر:
الكفر لغة:
الستر والتغطية، يقال لمن غطى درعه بثوب: قد كفر درعه، والمكفر: الرجل المتغطي بسلاحه، وهو ضد الإيمان، لأنه تغطية للحق 15.
الكفر اصطلاحًا:
«الجحود بالوحدانية أو النبوة، أو الشريعة، أو بثلاثتها» 16.
وقيل: هو تغطية الحق بالباطل، بما يكون نقيض الإيمان 17.
الصلة بين الكفر والضلال:
الضلال أوسع مضمونًا من الكفر؛ إذ إن الكفر يعني الجانب العمد من العدول عن المنهج، بما يكون نقيضًا للإيمان.
الشرك:
الشرك لغة:
مأخوذ من شرك، ومنه: «أشرك بالله: كفر أي: جعل له شريكًا في ملكه تعالى الله عن ذلك» 18، وقد يأتي بمعنى المخالطة والنصيب، لكن المراد هنا هو الكفر.
الشرك اصطلاحًا:
تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائصه سبحانه 19.
الصلة بين الشرك والضلال:
الشرك والضلال يتفقان أن كونهما عدولٌ عن المنهج، لكن الضلال أعم كونه يشمل العدول سهوًا أو عمدًا، وأن الضلال العمد أعم من الشرك؛ إذ إن من الضلال ما لا يخرج من الدين، ومنه ما يخرج.
الهلاك:
الهلاك لغةً:
الموت، يقال: هلك هلاكًا، وهلكًا، وتهلوكًا وهلوكًا، واستهلك المال: أنفقه وأنفذه، وأهلكه: باعه، والمهلكة: المفازة 20.
الهلاك اصطلاحًا:
«تداعي الشيء إلى أن يبطل ويفنى» 21.
الصلة بين الهلاك والضلال:
الضلال أعم وأشمل من كون أن الهلاك يعني النفاذ والموت والإنفاق والبيع، فقد لا يترتب على فعله حكم شرعي، وقد يترتب، أما الضلال فهو جانب له علاقة بالقلب أولًا من كونه يترتب عليه حكم شرعي غالبًا.
الحق:
الحق لغة:
هو نقيض الباطل وخلافه، وهو مصدر من حق الشيء إذا ثبت وكان واجبا 22، ولا يصح إنكاره، يقول ابن فارس: يدل على إحكام الشيء وصحته 23.
الحق اصطلاحًا:
هو الحكم المطابق للواقع في الأقوال والعقائد والأديان، ويقابله الباطل 24.
الصلة بين الحق والضلال:
الحق هو ضد الباطل، الذي أعم من الضلال، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير بتغير زمان أو مكان.
من الأمور المسلم بها أن الضلال والهداية بيد الله تعالى؛ فلا يضل أحدٌ إلا بعلمه، ولا يهتدي أحدٌ إلا بإذنه، وسوف يتم تناول هذا -إن شاء الله تعالى- بالتفصيل فيما يلي:
أولًا: الضلال والهداية بمشيئة الله تعالى:
قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 39] .
أي: مثلهم في جهلهم، وقلة علمهم، وعدم فهمهم، كمثل أصم، وهو الذي لا يسمع، أبكم وهو الذي لا يتكلم، وهو مع هذا في ظلماتٍ لا يبصر، فكيف يهتدي مثل هذا إلى الطريق أو يخرج مما هو فيه، ولهذا فهو المتصرف في خلقه بما يشاء 25.
وقوله: {مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ} دل على أنه شاء ضلال الكافر وأراده؛ لينفذ فيه عدله، وقوله: {وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أي: على دين الإسلام؛ لينفذ فيه فضله، والمشيئة راجعة إلى الكاذبين، فمنهم من يضله ومنهم من يهديه 26.
وقال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125] .
أي: فمن يرد الله تعالى أن يكتب له الهداية التوفيقية فضلًا عن الإرشادية يشرح صدره، فيوسع قلبه لقبول الإيمان، والخير، وذلك أن الإنسان إذا اعتقد في عملٍ من الأعمال أن نفعه زائد، وخيره راجح، مال بطبعه إليه، وقويت رغبته فيه، فتسمى هذه الحالة سعة النفس وانشراح الصدر، والشرح نورٌ يقذفه الله تعالى في قلب العبد، فيعرف بذلك النور الحق، فيقبله وينشرح صدره له.
وأما من يريد الله تعالى أن يكتب له الضلالة فإنه يجعل صدره ضيقًا؛ حتى لا يدخله الإيمان، فليس للخير فيه منفذ 27.
وقد وردت آية أخرى قريبة من هذا المعنى، وهي قوله تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17] .
وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) 28، ولا يكون ذلك إلا بشرح الصدر وتنويره 29.
وقد وضع القرآن الكريم عدة معالم في هذا الموضوع، منها:
1.لا هادي لمن أضله الله تعالى.
قد ورد معنى كون الهداية والإضلال بيده سبحانه في قوله تعالى: {وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء: 97] .
قال الإمام الرازي: «فالمقصود تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أن الذين سبق لهم حكم الله بالإيمان والهداية وجب أن يصيروا مؤمنين، ومن سبق لهم حكم الله بالضلال والجهل استحال أن ينقلبوا عن ذلك الضلال، واستحال أن يوجد من يصرفهم عن ذلك الضلال» 30.
ثم تبين هذه الآية الكريمة أن هؤلاء الضالين الذين أضلهم الله تعالى سيسحبون يوم القيامة على وجوههم، أو يمشون بها، فكما مشوا في الدنيا على أقدامهم سيمشون يوم القيامة على وجوههم 31.
ثم تأتي الفاصلة القرآنية في هذه الآية لتبين عاقبة الضالين بأنهم «كلما أكلت لحومهم، فسكن لهبها، بدلوا أجسادًا أخر، ثم صارت ملتهبةً أكثر مما كانت» 32.
وإن هذه الآية الكريمة حالها كحال الآيات المكية، تبين أن الهداية هنا هداية إلى الإيمان، والضلال فهو استحباب الكفر على الإيمان، ولذلك فإن سحب الولاية المذكور في الآية يأتي في سياق أن الكافرين الضالين إذا اختاروا الضلالة سوف يكتب لهم الغواية، وسيستدرجون إلى مزيد من الذنوب؛ حتى يأخذهم الله تعالى للعذاب الأليم، يضاف إلى أن مبدأ النصرة لهم من دون الله تعالى محالٌ في حقهم.
2.عِلْم الله تعالى بالضالين.
قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: 117] .
فقد بينت الآية السابقة أن الرسول صلى الله عليه وسلم إن يطع أكثر أهل الأرض من كفار قريش فيما يدعونه إلى ملة آبائهم؛ فإن أكثر أهل الأرض كانوا كفارًا، وإن هؤلاء الكفار ما يتبعون إلا الظن في أكل الميتة واستحلالها، وما هم إلا كاذبون في استحلالهم الميتة 33.
وتأتي هذه الآية لتبين أن الله تعالى الذي هو رب كل شيءٍ، هو أعلم من يضل عن سبيل الله الذي هو الدين 34.
فهو يعلم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم على الهدى، وأن المشركين ضلوا عن سبيله، وفي هذا بشارةٌ للنبي محمد صلى الله عليه وسلم أنك على الصراط المستقيم، أما المشركون فهم الذين عدلوا عن الصراط المستقيم عمدًا وإمعانًا في الضلال 35.
وقال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القلم: 7] .
أي: إن الله تعالى الذي هو ربك يا محمد صلى الله عليه وسلم هو أعلم بمن عدل عن طريق الحق وهو أعلم أيضًا بالمهتدين الذين يتبعون ذلك الحق.
والمقصود أن الله تعالى يبين بأنه هو الأعلم بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وأنه المهتدي وأن قومه هم الضالون 36.
3.الإضلال بعد إقامة الحجة بالرسل وورثتهم.
قد ورد ذكر الإضلال بعد إقامة الحجة جليًا في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم: 4] .
فالمعنى: لست يا محمد صلى الله عليه وسلم ببدعٍ من الرسل، وإنما أرسلناك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، على عادتنا في رسلنا، في أن نبعثهم بألسنة القوم الذين أرسلوا إليهم؛ ليقع البيان والعبارة المتمكنة، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يطلب منه أن يبلغ ويبين، ولم يكلف أن يهدي ويضل، بل إن ذلك بيد الله تعالى، ينفذ فيه سابق قضائه، وله في ذلك العزة التي لا تعارض 37.
وإن من لطفه تعالى أنه يرسل إلى خلقه رسلًا منهم بلغاتهم؛ ليفهموا عنهم ما يريدون، وما أرسلوا به إليهم 38، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لم يبعث الله عز وجل نبيًا إلا بلغة قومه) 39.
وقد أفردت كلمة «لسان» رغم إضافته إلى القوم؛ لأن المراد اللغة، وهي اسم جنس يقع على القليل والكثير 40.
وثمة سؤال يتم طرحه، وهو: كيف تذكر هذه الآية أنه ما من رسولٍ إلا ويبعث بلغة قومه، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى كافة الخلق، مع اختلاف لغاتهم؟ وجواب ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث من العرب بلسانهم، والناس تبعٌ لهم 41.
ثانيًا: نسبة الضلال إلى الإنسان:
قد ورد ذكر نسب الضلال إلى الإنسان جليًا في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [سبأ: 50] .
أي: قل يا محمد صلى الله عليه وسلم إن عدلت عن الطريق الواضحة، فإن إثم ضلالتي وعدولي عن المنهج يكون على نفسي 42، فإن ما تدينت به من الدين إن كان ضلالًا -كما تقولون- فإنما وبال ضلالي يعود إلى نفسي، فكيف أختار الوبال على نفسي، مع أنه لا جنون بي، ولا منفعة دنيوية تعود إلي؟!
وإن كان هذا هدايةً، فليس من قبل نفسي، ولا من عند أحدٍ من أهل هذا البلد؛ لأن ظاهر الأمر أني أميٌ ما كتبت ولا قرأت، فلا يمكن أن يكون هذا القرآن إلا مستقىً من الله تعالى وحيًا فلزم، بل وجب عليكم أن تتبعوني، فتهتدوا كما اهتديت 43.
إن الرد القرآني في هذه الآية الكريمة على الكفار -الذين زعموا أنه صلى الله عليه وسلم غير صادق في دعوى الرسالة، وأنه على ضلال- كان قاطعًا بأنه على هدىً، بقوله: {قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: 49] .
وانتقل هنا إلى متاركة جدالهم، وتركهم وشأنهم؛ لقلة جدوى مراجعتهم، وصيغة القصر هنا لتبين أن الضلال المفروض على نفسي لا عليكم؛ لأنهم كانوا يحاولون أن يقلعوه عما دعاهم إليه، ولم يقتصروا على صدودهم 44.
ورد شراء الضلالة في موضعين من القرآن الكريم، وهما:
الأول: قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16] .
حيث إن هذه الآية جاءت في سياق الحديث عن المنافقين وصفاتهم؛ حتى حكم عليهم بأنهم أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى، فيكونون بذلك قد استبدلوا الكفر بالإيمان؛ لأن استبدالهم الضلالة بالهدى كان استحبابًا فيه، ومثل هؤلاء المنافقين في الوصف القرآني قوم ثمود؛ حيث قال الله تعالى فيهم: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] .
وتأتي الفاصلة القرآنية لتبين أن النتيجة عند الله تعالى أن صفقتهم في هذه البيعة كانت خاسرة، ومن ثم فإنهم لم يكونوا راشدين في صنيعهم ذلك 45؛ إذ إنهم أضاعوا ما سعوا له، ولم يعرفوا ما يوصل إلى خير الآخرة، ولا ما يضر المسلمين، وهذا نداءٌ عليهم بسفه الرأي، وهو العلة لعدم ربح التجارة، حيث شبه سوء تصرفهم بسوء تصرف من يريد الربح، فيقع في الخسران 46.
قال السمرقندي رحمه الله: «وفي الآية دليل أن الشراء قد يكون بالمعنى دون اللفظ وهو المبادلة؛ لأن الله تعالى سمى استبدالهم الضلالة بالهدى شراء، ولم يكن هنالك لفظ شراء» 47؛ ولذلك فإن الربح قد أسند إلى التجارة على عادة العرب في قولهم: ربح بيعك، وخسرت صفقتك، وهو من الإسناد المجازي 48.
الثاني: قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: 175] .
حيث وردت هذه الآية في معرض الحديث عن اليهود عامة، وعلمائهم خاصة، فقد بينت الآية السابقة أن هناك وعيدًا شديدًا لمن كتم ما أنزل تعالى على رسله من العلم الذي أخذ الله تعالى الميثاق على أهله أن يبينوه ولا يكتموه، فيكونون يبتغون بذلك تحصيل المال، فمن تعوض عنه بالحطام الدنيوي، ونبذ أمر الله تعالى فإن هذا المال الذي يأخذونه نارٌ في بطونهم؛ لأنه اكتسابٌ حصل لهم بأقبح المكاسب، وأعظم المحرمات، وليس الأمر كذلك فحسب، بل يسخط الله تعالى عليهم، ويعرض عنهم يوم القيامة، ولا يطهرهم من الأخلاق الرذيلة، وفوق كل هذا أعد الله لهم عذابًا كثير الألم 49.
وتبين هذه الآية الكريمة جرأة اليهود في استهانتهم بعذاب النار، الذي أعده الله تعالى لهم، وفي ذلك يقول الإمام الرازي -رحمه الله تعالى-: «اعلم أنه تعالى لما وصف علماء اليهود بكتمان الحق وعظم في الوعيد عليه، وصف ذلك الجرم؛ ليعلم أن ذلك العقاب إنما عظم لهذا الجرم العظيم، واعلم أن الفعل إما أن يعتبر حاله في الدنيا أو في الآخرة، أما في الدنيا فأحسن الأشياء الاهتداء والعلم، وأقبح الأشياء الضلال والجهل، فلما تركوا الهدى والعلم في الدنيا، ورضوا بالضلال والجهل، فلا شك أنهم في نهاية الخيانة في الدنيا، وأما في الآخرة فأحسن الأشياء المغفرة، وأخسرها العذاب، فلما تركوا المغفرة ورضوا بالعذاب، فلا شك أنهم في نهاية الخسارة في الآخرة.
وإذا كانت صفتهم على ما ذكرناه، كانوا لا محالة أعظم الناس خسارًا في الدنيا وفي الآخرة، وإنما حكم تعالى عليهم بأنهم اشتروا العذاب بالمغفرة لأنهم لما كانوا عالمين بما هو الحق، وكانوا عالمين بأن في إظهاره وإزالة الشبهة عنه أعظم الثواب، وفي إخفائه وإلقائه الشبهة فيه أعظم العقاب، فلما أقدموا على إخفاء ذلك الحق كانوا بائعين للمغفرة بالعذاب لا محالة» 50.
ثم تأتي الفاصلة القرآنية باستفهام توبيخي، يعني: ما الذي أصبرهم، وأي شيء صبرهم على النار؛ حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل، ويحتمل أن يكون الاستفهام للتعجب والتقرير بأن الراضي بموجب الشيء لابد أن يكون راضيًا بمعلومه ولازمه، إذا علم ذلك اللزوم، فلما أقدموا على ما يوجب النار، ويقتضي عذاب الله تعالى مع علمهم بهذه العاقبة المنتظرة صاروا كالراضين بعذاب الله تعالى، والصابرين عليه 51.
إن ما بدر من علماء اليهود بهذه الصفقة الغبية أشبه بكونها «صفقة يدفعون فيها الهدى، ويقبضون الضلالة، ويؤدون المغفرة ويأخذون فيها العذاب، فما أخسرها من صفقة وأغباها! ويا لسوء ما ابتاعوا وما اختاروا! وإنها لحقيقة، فقد كان الهدى مبذولًا لهم فتركوه وأخذوا الضلالة، وكانت المغفرة متاحة لهم فتركوها واختاروا العذاب» 52.
وصف الله تعالى في القرآن الكريم الضلال بأنه بعيدٌ تارةً، وبأنه مبين تارةً أخرى، وسيتم الوقوف إن شاء الله تعالى هنا على هذه المواضع كما وردت في السياق القرآني؛ لتجلية ما في ذلك من حكمٍ وأسرار أطلعنا الله تعالى عليها، وذلك فيما يأتي:
أولًا: وصف الضلال بالمبين:
وقد ورد ذلك في ستة عشر موضعًا، ومنها:
قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 74] .