ومن لطائف البيان القرآني هنا أن الأمر على الرغم من عمومه وأنه موجه إلى كل الخلائق إلا أن التكليف والتوجيه أتى بصيغة الفردية ووجه إلى المفرد ليحس كل أحد أنه أمر خاص به، صادر إلى شخصه. فالاعتقاد مسألة شخصية مسؤول عنها كل فرد بذاته، والعاقبة التي تنتظر كل فرد يحيد عن التوحيد أن «يقعد» «مذموما» بالفعلة الذميمة التي أقدم عليها، «مخذولا» لا ناصر له، ومن لا ينصره الله فهو مخذول وإن كثر ناصروه. ولفظ: {فَتَقْعُدَ} يصور هيئة المذموم المخذول وقد حط به الخذلان فقعد، ويلقي ظل الضعف فالقعود هو أضعف هيئات الإنسان وأكثرها استكانة وعجزا، وهو يلقي كذلك ظل الاستمرار في حالة النبذ والخذلان، لأن القعود لا يوحي بالحركة ولا تغير الوضع، فهو لفظ مقصود في هذا المكان 34.
وهذا التذييل هو فذلكة لاختلاف أحوال المسلمين والمشركين، فإن خلاصة أسباب الفوز ترك الشرك لأن ذلك هو مبدأ الإقبال على العمل الصالح فهو أول خطوات السعي لمريد الآخرة، لأن الشرك قاعدة اختلال التفكير وتضليل العقول 35.
ومن هذه المواضع التي نفى فيها سبحانه المعية بصورة النهي قوله تعالى: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39) } [الإسراء:39] .
والمعنى: واحذر أيها المكلف أن تتخذ مع الله إلها غيره {إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النحل:51] .
إن فعلت ذلك فقد حق عليك أن ترمى وتطرح في نار جهنم في مهانة وذلة، وأنت معلوم من نفسك على ما اقترفت وملوم من الملائكة خزنة جهنم حين تعنفك 36.
ولا يحتاج إلى بيان هنا أن الخطاب وإن كان واردا للنبي صلى الله عليه وسلم إلا أن المراد به أمته لاستحالة صدور ذلك منه فهو المعصوم 37.
ويلاحظ أن الآيات الكريمة السابقة صدرت بالنهي عن الشرك وبيان أن الله تعالى قضى بأن لا يعبد إلا إياه، وكرر النهي هنا للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه، فإن من لا قصد له بطل عمله ومن قصد بفعله أو تركه غيره ضاع سعيه، وأنه رأس الحكمة وملاكها، ورتب عليه أولًا ما هو عائده الشرك في الدنيا وثانيًا ما هو نتيجته في العقبى فقال تعالى: {فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا} تلوم نفسك 38.
ومن لطائف النص القرآني البديع ما ذكره الإمام الشوكاني بأن القرآن راعى في هذا التأكيد دقيقة فرتب على الأول كونه مذمومًا مخذولًا، وذلك إشارة إلى حال الشرك في الدنيا، ورتب على الثاني أنه يلقى في جهنم ملوما مدحورا وذلك إشارة إلى حاله في الآخرة، وفي القعود هناك، والإلقاء هنا، إشارة إلى أن للإنسان في الدنيا صورة اختيار بخلاف الآخرة 39.
ومنها قوله تعالى: {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) } [الشعراء:213] .
ونلاحظ هنا شدة النهي وترتب العذاب على الاتخاذ إن وجد، مع ذكرنا منهجية القرآن في خطاباته للنبي صلى الله عليه وسلم والتي غالبا ما تصدر بما يشعر بأنها ليست عتابا مثل {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة:43] .
ومثل {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) } [عبس:1] .
بصيغة الغائب، والخطاب هنا وارد على تحذير غيره مبالغة بذكره هو صلى الله عليه وسلم، كأن القرآن يقول: إذا كان هذا تهديدنا ووعيدنا لك فكيف يكون لغيرك.
كما قال الإمام القرطبي: المعنى قل لمن كفر هذا القول تهديدا له بالتعذيب. وقيل: هو مخاطبة له عليه السلام وإن كان لا يفعل هذا، لأنه معصوم مختار ولكنه خوطب بهذا والمقصود غيره. ودل على هذا قوله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) } [الشعراء:214] .
أي: لا يتكلون على نسبهم وقرابتهم فيدعون ما يجب عليهم.40
قال ابن عباس رضي الله عنهما يحذر به غيره، يقول: أنت أكرم الخلق علي، ولو اتخذت إلها غيري لعذبتك 41.
وورد التركيب بهذه الصورة فخوطب به النبي صلى الله عليه وسلم مع ظهور استحالة صدور المنهي عنه منه صلى الله عليه وسلم تهييجا وحثا على ازدياد الإخلاص ولطفا لسائر المكلفين ببيان أن الإشراك من القبح والسوء بحيث ينهى عنه من لا يمكن صدوره عنه فكيف بمن عداه 42.
كما حفل القرآن الكريم بآيات أخرى تنص على النهي عن المعية كقوله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) } [الجن:18] .
ثالثًا: الاستفهام الإنكاري:
ومن أساليب القرآن في إنكار آلهة مع الله: استعمال الاستفهام الإنكاري.
وقد ورد هذا في مواطن متعددة من القرآن الكريم، كقوله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) } [الأنعام:19] .
والمعنى: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين، الجاحدين نبوتك، العادلين بالله، ربا غيره: {أَئِنَّكُمْ} أيها المشركون {لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى} يقول: تشهدون أن معه معبودات غيره من الأوثان والأصنام.
ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا محمد {لَا أَشْهَدُ} بما تشهدون: أن مع الله آلهة أخرى، بل أجحد ذلك وأنكره فإنما هو معبود واحد، لا شريك له فيما يستوجب على خلقه من العبادة وقل: {وَإِنَّنِي بَرِيءٌ} من كل شريك تدعونه لله، وتضيفونه إلى شركته، وتعبدونه معه، لا أعبد سوى الله شيئا، ولا أدعو غيره إلها 43.
إنه لما بين تعالى شهادته التي هي أكبر الشهادات على توحيده قال: قل لهؤلاء المعارضين لخبر الله والمكذبين لرسله: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ} أي: إن شهدوا فلا تشهد معهم.
فوازن بين شهادة أصدق القائلين ورب العالمين وشهادة أزكى الخلق المؤيدة بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة على توحيد الله وحده لا شريك له وشهادة أهل الشرك الذين مرجت عقولهم وأديانهم وفسدت آراؤهم وأخلاقهم وأضحكوا على أنفسهم العقلاء.
بل خالفوا بشهادة فطرهم وتناقضت أقوالهم على إثبات أن مع الله آلهة أخرى مع أنه لا يقوم على ما قالوه أدنى شبهة فضلا عن الحجج واختر لنفسك أي الشهادتين إن كنت تعقل ونحن نختار لأنفسنا ما اختاره الله لنبيه الذي أمرنا الله بالاقتداء به فقال: {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} أي: منفرد لا يستحق العبودية والإلهية سواه كما أنه المنفرد بالخلق والتدبير 44.
وهذا تقرير لهم مع إنكار واستبعاد قل لا أشهد شهادتكم 45.
ففيه إنكار عليهم توبيخ وتقريع 46.
رابعًا: الخبر التهديدي:
ولقد تنوعت أساليب القرآن في نفي وجود آلهة مع الله تعالى، ومن هذه الأساليب: الخبر التهديدي، وتكرر هذا في القرآن الكريم مرات عديدة، ومن هذا قوله تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) } [الحجر:95 - 96] .
وواضح في الآية الكريمة بلاغة التهديد، وشدة الوعيد خاصة في قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} خاصة إذا قر في ذهن السامع والمخاطب من الذي يهدد ويتوعد، فهو رب الكون وصاحب الأمر والنهي سبحانه، فقد وعده الله تعالى كفاية هؤلاء المستهزئين.
والمعنى أن الله تعالى يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إنا كفيناك المستهزئين يا محمد، الذين يستهزئون بك ويسخرون منك، فاصدع بأمر الله، ولا تخف شيئا سوى الله، فإن الله كافيك من ناصبك وآذاك كما كفاك المستهزئين. وكان رؤساء المستهزئين قوما من قريش معروفين 47.
وفي الآية تسلية له عليه الصلاة والسلام. وتهوينا للخطب عليه، بأنهم أصحاب تلك الجريمة العظمى، التي هي أكبر الكبائر، التي سيخذلون بسببها. كما قال: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} أي: عاقبة أمرهم. وفي الآية وعيد شديد لمن جعل معه تعالى معبودًا آخر. وقد أشار كثير من المفسرين إلى أن قوله تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} عنى به ما عجله من إهلاكهم 48.
ومن الآيات التي حملت الخبر التهديدي لمن يجعل مع الله آلهة أخرى، قوله تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) } [المؤمنون:117] .
والمعنى: ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به، أي: لا حجة ولا بينة له، به لأنه لا حجة في دعوى الشرك {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ} ، جزاؤه عند ربه يجازيه بعمله 49.
والمعنى الذي له عند ربه أنه لا يفلح {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} فيجازيه عليه كما قال: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) } [الغاشية:26] 50.
وفي الآية إنذار لكل من يدعو مع الله إلها آخر ويشركه معه في الاتجاه والعبادة بدون برهان. فحسابه عند ربه ولن يلقى فلاحًا 51.
ومن أشد الآيات التي تهدد من يتخذ مع الله إلها آخر قوله تعالى: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26) } [ق:24 - 26] .
وهذا تصوير لمآله يوم القيامة وموقف الملائكة منه، والتعبير بالإلقاء هنا مشعر بهول الموقف، والإلقاء في العذاب الموصوف بالشدة، وترتيب الجزاء على الاسم الموصول وكون صلته أنه جعل مع الله إلها آخر مشعر بضخامة العذاب وهول العقوبة لهول الذنب.
خامسًا: أسلوب الشرط:
ومن أساليب القرآن الكريم في النهي عن اتخاذ آلهة مع الله، وبيان أنها شرك: أسلوب الشرط، فقال تعالى في موضع: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) } [المؤمنون:117] .
وفي الآية الكريمة من التهديد والوعيد ما فيه، والتعبير القرآني البديع: {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} غاية في التهديد والوعيد، واختيار لفظ الربوبية التي تشعر باللوم والعتاب على عدم رعاية العبد لهذه الربوبية، وخلطها بغيرها، وعدم عرفان العبد بها مبين أي بيان عن عدم توفيق هذا الذي يستجلب على نفسه غضب ربه والرب بصفاته يعم بفضله مخلوقاته، ويشمل بفيضه جميع الكائنات، فالمحروم من حرم هذه الرحمة على سعتها، والمغبون من جانبه هذا الفضل على اتساعه وعمومه، والمخذول من خلاه هذا التوفيق الرباني.
وقوله: {لَا بُرْهَانَ لَهُ} مع أنه معلوم أنه لا يمكن أن يكون له برهان مشعر بأنه ليس لديه أي دليل ولو كان الدليل وهميا على اتخاذ هذا مع الله تعالى، فهو لا حجة له بالكفر ولا عذر يوم القيامة. كما أن تركيب الجملة بهذه الصورة، وورود الخاتمة: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} هذا الورود مشعر بأنه جواب لسؤال سابق أو مستتر كأنه قيل: لم كل هذا فقيل: لأنه لا يفلح الكافرون.
يقول الإمام البيضاوي رحمه الله: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} يعبده إفرادًا أو إشراكًا. {لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} صفة أخرى لـ {إِلَهًا} لازمة له فإن الباطل لا برهان به، جيء بها للتأكيد وبناء الحكم عليه تنبيها على أن التدين بما لا دليل عليه ممنوع فضلًا عما دل الدليل على خلافه، أو اعتراض بين الشرط والجزاء لذلك: {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} فهو مجاز له مقدار ما يستحقه 52.
ومن هذا الباب قوله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42) } [الإسراء:42] .
قال ابن عباس: «قل لأهل مكة لو كان معه آلهة كما يقولون من الأوثان، إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا، أي: طريقًا وكانوا كهيئته» . وقال قتادة: أي يعرفوا فضل ذي العرش ومرتبته عليهم. ويقال: ابتغوا طريقا للوصول إليه. وقال مقاتل: لطلبوا سبيلا ليقهروه كفعل الملوك بعضهم بعضا. ثم نزه نفسه عن الشريك، فقال تعالى: سبحانه، أي: تنزيها له وتعالى عما يقولون أي: عما يقول الظالمون إن معه شريكًا. علوًا كبيرًا، أي: بعيدًا عما يقول الكفار 53.
وهذا تنزيه من الله تعالى ذكره نفسه عما وصفه به المشركون، الجاعلون معه آلهة غيره، المضيفون إليه البنات، فقال: تنزيها لله وعلوا له عما تقولون أيها القوم، من الفرية والكذب، فإن ما تضيفون إليه من هذه الأمور ليس من صفته، ولا ينبغي أن يكون له صفة 54.
وهكذا تتنوع أساليب القرآن الكريم في نفي وجود آلهة مع الله تعالى وسبحان من عز عن النظير والشبيه وتعالى عن الند والمثيل.
ومن صور المعية الواردة في القرآن الكريم معية المرسلين عليهم السلام، ويقصد بها جانبان: معية الرسل للناس، ومعية الناس لهم.
أولًا: معية الرسل للناس:
وقد أجمل أستاذنا العلامة الدكتور عبد الستار سعيد في جمع تصور تلك المعية بصورة بديعة إذ يرى أن معية الرسل للناس جماعها في أمور منها:
1.معية التربص والانتظار.
وهي في جانب المدعوين بعد إقامة الحجة عليهم وتنكرهم للبرهان واعتسافهم للدليل. ومنه ما حدث مع نبي الله هود مع قومه، إذ قال الله تعالى فيهم: (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ? أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ? فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ(71 ) ) [الأعراف:71] .
والمعنى كما قال ابن عباس: وجب ونزل عليكم عذاب وسخط 55.
(وهذا تهديد ووعيد من الرسول لقومه ولهذا عقبه بقوله: فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ? وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ(72 ) ) .
وقد ذكر الله سبحانه صفة إهلاكهم في أماكن أخر من القرآن بأنه أرسل عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم كما قال في الآية الأخرى) 56.
ومنه ما ورد على لسان شعيب عليه السلام: (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى? مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ? سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ ? وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) [هود:93] .
يعني: (اعملوا في هلاكي وفي أمري، إني عامل في أمركم ومكانتكم، ثم قال:(سَوْفَ تَعْلَمُونَ) وهذا وعيد لهم، ستعلمون من هو كاذب، ويقال: (مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ يعني: يهلكه ويهينه وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ) يعني: ستعلمون من هو كاذب.
ويقال معناه: من يأتيه عذاب يخزيه، ويخزي أمره، من هو كاذب على الله بأن معه شريكا، (ھوَارْتَقِبُوا) يعني: انتظروا بي العذاب (إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) يعني: منتظر بكم العذاب في الدنيا) 57.
والمعنى: اعملوا (على تؤدتكم وتمكنكم فإني على تمكني، فسوف تعلمون أينا الجاني على نفسه، والمخطئ في فعله، فذلك قوله:(مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ) يذله (وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ) وانتظروا العذاب إني معكم منتظر) 58.
2.معية الصبر والالتزام، مع ضعفاء المؤمنين الضعاف.
ومنه ما ورد في أمر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ? وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف:28] .
وفي الآية يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر مع هذه الفئة المؤمنة والصبر معها حتى يبلغهم رسالته، وألا يرفع بصره عنهم، وعدم الانشغال بمن غفل عن ذكر الله تعالى، واتبع هوى نفسه.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (وَاصْبِرْ) يا محمد (نَفْسَكَ مَعَ) أصحابك (الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) بذكرهم إياه بالتسبيح والتحميد والتهليل والدعاء والأعمال الصالحة من الصلوات المفروضة وغيرها (يُرِيدُونَ) بفعلهم ذلك (وَجْهَهُ) لا يريدون عرضا من عرض الدنيا.
وقوله: (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا تعد عيناك عن هؤلاء المؤمنين الذين يدعون ربهم إلى أشراف المشركين، تبغي بمجالستهم الشرف والفخر) 59.
ومن روائع الآية الكريمة ولطائفها أنه تعالى قال: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) ولم يقل: «قلبك» لأن قلبه كان مع الحق، فأمره بصحته جهرا بجهر، واستخلص قلبه لنفسه سرًا بسر.
ويقال: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) : معناها مريدين وجهه أي في معنى الحال، وذلك يشير إلى دوام دعائهم ربهم بالغداة والعشي وكون الإرادة على الدوام 60.
3.المعية الممنوعة المحرمة.
وتكون في حق الظالمين والمعاندين، وتقع دائما بعد نهي عنها وأمر بمفارقة أصحابها وعدم شهود مجالسهم، ومنه قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى? يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ? وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى? مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ?68?) [الأنعام:68] .
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإذا رأيت يا محمد المشركين الذين يخوضون في آياتنا التي أنزلناها إليك، ووحينا الذي أوحيناه إليك، و «خوضهم فيها» ، كان استهزاءهم بها، وسبهم من أنزلها وتكلم بها، وتكذيبهم بها (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) يقول: فصد عنهم بوجهك، وقم عنهم، ولا تجلس معهم (حَتَّى? يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) يقول: حتى يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بآيات الله من حديثهم بينهم وإن أنساك الشيطان نهينا إياك عن الجلوس معهم والإعراض عنهم في حال خوضهم في آياتنا، ثم ذكرت ذلك، فقم عنهم، ولا تقعد بعد ذكرك ذلك مع القوم الظالمين الذين خاضوا في غير الذي لهم الخوض فيه بما خاضوا به فيه 61
وهؤلاء المراد بهم المشركون أو اليهود أو أصحاب الأهواء كما منعه الله تعالى من شهودهم ومخالطتهم عقوبة لهم بالحرمان، وإبعادا لهم عن أسباب التوفيق جزاء فعلهم، فقال تعالى: (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَ?ذَا ? فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ? وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ?150?) [الأنعام:150] .
والمعنى: (فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) أي: لأنهم إنما يشهدون والحالة هذه كذبا وزورا (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) أي: يشركون به ويجعلون له عديلا.62
ثانيًا: معية الناس للرسل:
والمتأمل للآيات التي تناولت معية الناس للرسل يمكن أن يقسمها إلى قسمين:
وقد سلك القرآن الكريم في بيان معية الناس للرسل مسلكين عامًا وخاصًا، فالعام هو ما ذكرت فيه المعية بصفة عامة دون تحديد صاحب المعية، وتأتي هذه الآيات في صورة سننية قاعدية مطردة، كقوله تعالى: (ھ ے ے وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران:146] .
وكما نلاحظ في الآية الكريمة أن لفظة: (نَبِيٍّ) وردت نكرة بما يفيد عمومها وشيوعها، ومنه قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ? مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى? يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى? نَصْرُ اللَّهِ ? أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ?214?) [البقرة:214] .
وفي هاتين الآيتين تبدو صورة المعية في أقوى مراحلها وفي أدق خصائصها إذ هي في مرحلة الابتلاء والاختبار والجهاد ومس البأساء والضراء والزلزلة.
والمعنى وكأين من نبي قاتل معه جماعات كثيرة ربانيون علماء أتقياء، أو عابدون لربهم. فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما فتروا ولم ينكسر جدهم لما أصابهم من قتل النبي أو بعضهم. وما ضعفوا عن العدو أو في الدين. وما استكانوا وما خضعوا للعدو بل صبروا وثبتوا، وشجعوا أنفسهم، هذا تسلية للمؤمنين، وحث على الاقتداء بهم، والفعل كفعلهم، وأن هذا أمر قد كان متقدما، لم تزل سنة الله جارية بذلك 63.
ثالثًا: معية الرسل الخاصة:
وأما المسلك الخاص فقد بدا في حديث القرآن الكريم عن الرسل عليهم السلام بذكرهم صراحة، قد حفلت آيات القرآن ببيان هذه المعية، ويمكن أن نتتبعها على النحو الآتي:
وأول ما نلمح في الآيات التي وردت عن المعية في حق نوح والذين آمنوا معه، يبدو لنا أنها من أكثر المواطن التي تكرر فيها لفظ المعية، مع نبي من الأنبياء، فقد وردت ثماني مرات وكأن في ذلك تأسيسا لأن معية الصالحين أصل في قيام الحضارة وبقاء الإنسانية أصلا، كما أن في ذلك بيانا وإشارة إلى أن قيام الجماعة المؤمنة أصل قديم في دعوة الأنبياء عليهم السلام، كما نلاحظ أن معية نوح والإيمان بالله سبب في النجاة والفوز، فقد فصلت الآيات الكريمة بين معسكرين معسكر الخير والحق وهم من ركبوا مع نوح في الفلك، ومعسكر الشر والباطل وهم المغرقون، ولذلك دعا نوح عليه السلام ابنه ليركب معهم وقال: يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ [هود:42] .