فهرس الكتاب

الصفحة 2065 من 2431

وتلك آفة قديمة أن يدعي البعض احتكار الحقيقة دون غيره؛ فيسمع له من لا عقل له، ويخضع من لا حيلة له.

ويبدو أن بعضهم قد آب إلى نفسه وأفاق من سكراته قبل أن يرجع موسى عليه السلام إليهم، ويصور لنا القرآن مشهد ندمهم على هذا الضلال المبين.

يقول تعالى: (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(149 ) ) [الأعراف:149] .

ويسجل القرآن مشهد عودة موسى عليه السلام الغاضب مما فعله قومه بجهلهم، وكيف كان عتابه على قومه وأخيه هارون شديدًا.

يقول عز وجل: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى? إِلَى? قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي ? أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ? وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ? [الأعراف:150] .

(قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ?92?أَلَّا تَتَّبِعَنِ ? أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ?93?) [طه:92 - 93] .

وقد روج بعض من لا يجيدون التعامل مع الخطاب القرآني أن هناك تواطؤًا من جانب هارون عليه السلام بدليل غضب موسى عليه السلام على النحو الذي أشارت إليه الآيات، لكن هذا ما ينفيه القرآن في قول الله تعالى: (وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) [طه:85] .

فموسى يعلم قبل أن يرجع إلى قومه أن سبب ضلال قومه هو السامري وليس هارون، وقد شرح الأخير ما حدث معه (قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأعراف:150] .

(قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ? إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ?94? [طه:94] .

فالآيات هنا تشير إلى أن القوم تكالبوا عليه واستضعفوه وقت غياب أخيه، وصمموا على عبادة العجل رغم نصحه لهم (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ ? وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَ?نُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ?90?قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى? يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى? ?91?) [طه:90 - 91] .

إن هارون كما يبدو من قوله: (إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ?94?) [طه:94] .

آثر أن يقدم النصيحة بلسانه للضالين من قومه دون أن يغير المنكر بيده ومعه بعض من رفضوا عبادة العجل حتى لا يحدث شرخًا بين بني إسرائيل، وربما اقتتلوا؛ ومن ثم آثر أن ينتظر حتى يعود أخوه.

على أن الشيخ الطاهر ابن عاشور يقول: «وأما أخذه برأس أخيه هارون يجره إليه، أي: إمساكه بشعر رأسه، وذلك يؤلمه، فذلك تأنيب لهارون على عدم أخذه بالشدة على عبدة العجل، واقتصاره على تغيير ذلك عليهم بالقول، وذلك دليل على أنه غير معذور في اجتهاده الذي أفصح عنه بقوله: (إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [طه:94] .

لأن ضعف مستنده جعله بحيث يستحق التأديب، ولم يكن له عذرًا، وكان موسى هو الرسول لبني إسرائيل، وما هارون إلا من جملة قومه بهذا الاعتبار، وإنما كان هارون رسولًا مع موسى لفرعون خاصة، ولذلك لم يسع هارون إلا الاعتذار والاستصفاح منه. وفي هذا دليل على أن الخطأ في الاجتهاد مع وضوح الأدلة غير معذور فيه صاحبه في إجراء الأحكام عليه، وهو ما يسميه الفقهاء بالتأويل البعيد، ولا يظن بأن موسى عاقب هارون قبل تحقق التقصير» 79.

فهو يرى أن اجتهاد هارون كان في غير محله، ومن ثم استوجب تعنيف أخيه.

وبعد أن توجه موسى بحديثه إلى قومه، ثم ما كان منه مع هارون، وحتى تتضح الصورة أكثر توجه بالخطاب إلى السامري الذي أضل بني إسرائيل وسول لهم عبادة العجل تشبهًا بالوثنيين (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ?95?قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَ?لِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ?96?قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ ? وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ ? وَانْظُرْ إِلَى? إِلَ?هِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ? لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ?97?) [طه:95 - 97] .

ويفسر صاحب الظلال هذا الترتيب السليم في الاستجواب قائلا: «عندئذ يتجه موسى بغضبه وانفعاله إلى السامري صاحب الفتنة من أساسها. إنما لم يتوجه إليه منذ البدء؛ لأن القوم هم المسئولون ألا يتبعوا كل ناعق، وهارون هو المسئول أن يحول بينهم وبين اتباعه إذا هموا بذلك وهو قائدهم المؤتمن عليهم. فأما السامري فذنبه يجيء متأخرا؟ لأنه لم يفتنهم بالقوة ولم يضرب على عقولهم، إنما أغواهم فغووا، وكانوا يملكون أن يثبتوا على هدى نبيهم الأول ونصح نبيهم الثاني. فالتبعة عليهم أولا وعلى راعيهم بعد ذلك. ثم على صاحب الفتنة والغواية أخيرًا» 80.

وهكذا ينتهي موسى من مساءلة قومه وأخيه والسامري وذهب عنه الغضب حمل الألواح ثانية (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ? وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ?154?) [الأعراف:154] .

ثم إن الله تعالى توعد الذين أضلوا بني إسرائيل بعبادة العجل، مع ترك الباب مفتوحًا أمام من غرر بهم للتوبة والرجوع إلى الله، فقال عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَكَذَ?لِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ?152?وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ?153?) [الأعراف:152 - 153] .

وقد تاب الله على من تاب منهم وعفا عنهم كما أشارت الآيات (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى? أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ?51?ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَ?لِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ?52?) [البقرة:51 - 52] .

رغم تكرار كثير من تفاصيل حياة نبي الله موسى عليه السلام في القرآن الكريم بشكل لافت للنظر إلا أن قصته مع العبد الصالح لم تذكر إلا في موضع واحد في سورة الكهف رغم انطوائها على دروس تربوية واجتماعية ونفسية ودعوية، لكن السورة لم تورد شيئًا عن سبب هذا اللقاء الذي جمع بينهما.

ثمة أحاديث نبوية مطهرة تكفلت بهذه الحلقة التي لم يتناولها القرآن، ففي الحديث عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (بينما موسى في ملإٍ من بني إسرائيل جاءه رجلٌ فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله عز وجل إلى موسى: بلى، عبدنا خضرٌ، فسأل موسى السبيل إليه) 81.

ويبدو أن حديث موسى عليه السلام كان مفعمًا بالمشاعر الرقيقة الجياشة التي جعلت العيون تدمع من صدق لهجته وصادق موعظته، ففي حديث أبى بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (موسى رسول الله ذكر الناس يومًا حتى إذا فاضت العيون، ورقت القلوب) 82.

فسبب اللقاء كما في الحديث الشريف هو إعجاب موسى عليه السلام بعلمه عندما سئل إن كان هناك من هو أعلم منه أم لا؛ فأراد الله تعالى أن يعلم نبيه فجاء الأمر الإلهي إليه أن يتوجه إلى لقاء رجل حاز من العلم ما لم يحزه؛ فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نونٍ كما في الحديث السابق.

ولا يعول على ما ورد عن أهل الكتاب أن موسى هنا ليس موسى بن عمران النبي عليه السلام إنما هو موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل؛ فليس في القرآن إلا ابن عمران النبي، ولو كان الأمر خاصًا بغيره لنبه القرآن على ذلك، ومن ثم فالسياق القرآني حاكم، فضلا عن أحاديث صحيحة منها ما روي عن سعيد بن جبيرٍ، قال: «قيل لابن عباسٍ: إن نوفًا يزعم أن موسى الذي ذهب يلتمس العلم ليس بموسى بني إسرائيل، قال: أسمعته يا سعيد؟ قلت: نعم، قال: كذب نوفٌ» 83.

وفي ذلك يقول ابن كثير: «والصحيح الذي دل عليه ظاهر سياق القرآن، ونص الحديث الصحيح الصريح المتفق عليه، أنه موسى بن عمران، صاحب بني إسرائيل» 84.

واختلف المؤرخون والمفسرون حول العبد الصالح اختلافا لا يتسع له المقام حول اسمه ونسبه ونبوته؛ بل ذهب البعض إلى القول إنه حي لم يمت حتى الآن 85.

كما اختلفوا في المكان الذي سماه القرآن (مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) لكننا لن نتوقف كثيرًا أمام تفاصيل سكت عنها القرآن لحكم إلهية يعلمها الله، ونحاول ما استطعنا إلى ذلك سبيلا أن نحلق حول حزمة الآيات التي تناولت القصة والوقوف على ما تيسر من المقاصد والعبر.

تبدأ القصة ببيان حرص موسى عليه السلام ودأبه على طلب العلم امتثالا لأمر ربه (لَا أَبْرَحُ حَتَّى? أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) [الكهف:60] .

قال الفخر الرازي: «يعني: ألزم المسير والطلب ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغ كما تقول: لا أبرح المكان» 86.

ثم يمضي موسى عليه السلام مع فتاه إلى المكان المقصود (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ?61?فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَ?ذَا نَصَبًا ?62? [الكهف:61 - 62] .

يقول ابن قيم الجوزية: «لما سافر موسى إلى العبد الصالح وجد في طريقه مس الجوع والنصب؛ فقال لفتاه: (آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَ?ذَا نَصَبًا) فإنه سفرٌ إلى مخلوق. ولما واعده ربه ثلاثين ليلة وأتمها بعشر فلم يأكل فيها لم يجد مس الجوع ولا النصب فإنه سفرٌ إلى ربه تعالى، وهكذا سفر القلب وسيره إلى ربه لا يجد فيه من الشقاء والنصب ما يجده في سفره إلى بعض المخلوقين» 87.

كانت المفاجأة التي ينتظرها موسى عليه السلام؛ فقد قال له يوشع: (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ? وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ?63?) [الكهف:63] .

لكن موسى (قَالَ ذَ?لِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ? فَارْتَدَّا عَلَى? آثَارِهِمَا قَصَصًا) [الكهف:64] .

وهنالك كانت اللقيا، وفي الحديث الشريف بعض تفاصيلها: (وانطلق بفتاه يوشع بن نونٍ، وحملا حوتًا في مكتلٍ، حتى كانا عند الصخرة وضعا رؤوسهما وناما، فانسل الحوت من المكتل فاتخذ سبيله في البحر سربًا، وكان لموسى وفتاه عجبًا، فانطلقا بقية ليلتهما ويومهما، فلما أصبح قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا، لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا، ولم يجد موسى مسًا من النصب حتى جاوز المكان الذي أمر به، فقال له فتاه:(أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ) قال موسى: (ذَ?لِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ? فَارْتَدَّا عَلَى? آثَارِهِمَا قَصَصًا ) ) .

لقد وجد موسى عليه السلام ويوشع رجلا وصفه الله تعالى بأنه كان (عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [الكهف:65] .

فمن العلم ما يكون بالاجتهاد والتحصيل، ومنه ما يكون لدنيًا يهبه الله من يشاء من عباده، وفي كل الأحوال لابد أن يقترن العلم بالرحمة؛ بل تتقدم الرحمة على العلم؛ لأن المتعلم أسير عند معلمه، فكان الرفق به واجبًا.

استأذن موسى عليه السلام العبد الصالح في تحصيل العلم على يديه 0

قَالَ لَهُ مُوسَى? هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى? أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) [الكهف:66] .

وهذا من آداب المتعلم أن يقدم الإذن بين يدي شيخه ومعلمه في تواضع وإخبات لا في كبر واستعلاء، لكن الرجل قال له: (إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف:67] .

وبرر ذلك بقوله متسائلا:(ں وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى? مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا [الكهف:68] .

لكن موسى الذي جعله ربه في موضع المتعلم قال للرجل: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) [الكهف:69] .

فأعطاه بذلك عهدًا أن يطيعه فلا يعصي أمره، وهو ما جعل الرجل يشترط عليه مرة أخرى إمعانًا في التأكيد (فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى? أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) [الكهف:70] .

وفي الحديث: (فلما انتهيا إلى الصخرة، إذا رجلٌ مسجًى بثوبٍ، أو قال تسجى بثوبه، فسلم موسى، فقال العبد الصالح: وأنى بأرضك السلام؟ فقال: أنا موسى، فقال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدًا قال: إنك لن تستطيع معي صبرًا، يا موسى إني على علمٍ من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علمٍ علمكه لا أعلمه، قال: ستجدني إن شاء الله صابرًا، ولا أعصي لك أمرًا) .

ثم انطلقا لتبدأ رحلة الأعاجيب التي حكاها القرآن في قالب مشوق يجعل القارئ شغوفًا بما تؤول إليه الأحداث.

وفي الحديث (فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، ليس لهما سفينةٌ، فمرت بهما سفينةٌ، فكلموهم أن يحملوهما، فعرف العبد الصالح فحملوهما بغير نولٍ، فجاء عصفورٌ، فوقع على حرف السفينة، فنقر نقرةً أو نقرتين في البحر، فقال العبد الصالح: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في البحر) .

وهنا الدرس الأول لموسى: قصور علمه وضآلته أمام علم الله تعالى.

كان من الطبيعي وبسبب عدم إحاطة موسى بحقيقة الأمر أن تؤرقه تصرفات الرجل المفاجئة، وكانت الصدمة الأولى عنيفة عندما (رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ? قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) [الكهف:71] .

فقد خان موسى عليه السلام ثباته الانفعالي ونسي عهده بعدم السؤال عن شيء؛ فاستنكر عليه خرق السفينة لإغراق أهلها رغم إكرام أصحابها لهما وحملهما بدون أجرة، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟! فذكره الرجل بالاتفاق (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) [الكهف:72] .

وسرعان ما آب موسى إلى نفسه وقدم الاعتذار بين يدي المعلم ملتمسًا: (ا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا) [الكهف:73] .

في الحديث: (فعمد العبد الصالح إلى لوحٍ من ألواح السفينة، فنزعه، فقال موسى: قومٌ حملونا بغير نولٍ عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ قال: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا؟ قال: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا، فكانت الأولى من موسى نسيانًا) .

ثم إنهما انطلقا فقابلا غلاما فقتله العبد الصالح؛ فارتاع موسى عليه السلام وقال في استهجان: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) [الكهف:74] .

عندها رد العبد الصالح: (أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) [الكهف:75] .

تذكر موسى العهد فأعاد الاعتذار مرة أخرى طالبًا الصفح؛ بل اشترط على نفسه قائلا للخضر: (إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي ? قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا) [الكهف:76] .

في الحديث: (فانطلقا، فإذا غلامٌ يلعب مع الغلمان، فأخذ العبد الصالح برأسه من أعلاه فاقتلع رأسه بيده، فقال موسى: أقتلت نفسًا زكيةً بغير نفسٍ؟ قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا؟) .

ثم كان الموقف الثالث الذي جعله يفارق موسى، يحكي القرآن (فَانْطَلَقَا حَتَّى? إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ) [الكهف:77] .

ويبدو أن مالهما قد نفد أو كاد، أو أن موسى أراد للخضر أن يأخذ أجرة بعد عدم تضييفهما في القرية، ومن ثم اقترح عليه قائلا: (لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) [الكهف:77] .

ولكن العبد الصالح رأى في ذلك إخلالا بالاتفاق المرسوم بينهما فبادر إلى الفراق (قَالَ هَ?ذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ? سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا) [الكهف:78] .

ولم ينس أن يخبر موسى عليه السلام عن الحقائق الغائبة عنه حتى يحسن الظن به.

وفي الحديث: (فانطلقا، حتى إذا أتيا أهل قريةٍ استطعما أهلها، فأبوا أن يضيفوهما، فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض فأقامه، قال العبد الصالح: بيده فأقامه، فقال له موسى: لو شئت لاتخذت عليه أجرًا، قال: هذا فراق بيني وبينك) قال النبي صلى الله عليه وسلم: يرحم الله موسى، لوددنا لو صبر حتى يقص علينا من أمرهما).

بدأ العبد الصالح بيان الأسباب التي دعته إلى هذه التصرفات التي رآها موسى جرائم لا يمكن السكوت عنها، فأي عقل هذا الذي يجعله يصدق أن خيرًا خفيًا يكمن وراء خرق السفينة بدلا من الوفاء لهم جزاء إحسانهم، أو قتل الغلام الذي لم يروا منه بأسًا، أو ترميم جدارٍ دون أخذ أجرة عليه رغم سوء معاملة أهل القرية لهما؟!

لقد نسي موسى عليه السلام أنه ذهب متعلمًا، ومن ثم أنكر عليه أفعاله؛ وهكذا النفوس المجبولة على الخيرية لا يمكنها أن تتغاضى عن إنكار المنكر مهما تكلفوا؛ لكن الواقع أثبت أن موسى لم يكن يعلم من الأمور إلا ظاهرها، لا كما العبد الصالح الذي أطلعه الله على بعض الغيبيات فتصرف على هذا الأساس.

قال: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ?79?وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ?80?فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ?81?وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ? وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ? ذَ?لِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ?82?) [الكهف:79 - 82] .

وهكذا تكشفت المقاصد الخفية وراء هذه الأحداث الغريبة التي أصابت موسى بالقلق والاضطراب طيلة الرحلة؛ فأدرك حينها قصور علمه ووجوب التواضع وعدم نسيان نعمة الله عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت