اولًا: المعنى اللغوي:
الشجر لغة: جمع شجرة، وهي في اللغة ما كان على ساق من نبات الأرض، قال ابن فارس: «الشين والجيم والراء أصلان متداخلان، يقرب بعضهما من بعض، ولا يخلو معناهما من تداخل الشيء بعضه في بعض، ومن علوٍ في شيءٍ وارتفاع؛ فالشجر معروفٌ، الواحدة شجرة، وهي لا تخلو من ارتفاعٍ وتداخل أغصان، ووادٍ شجر: كثير الشجر، ويقال: هذه الأرض أشجر من غيرها، أي: أكثر شجرًا. والشجر: كل نبتٍ له ساقٌ» 1.
وقيل أيضًا: «كل ما كان على ساق من نبات الأرض فهو شجر، أو كل ما تنبت الأرض فهو شجر، فعلى هذا الكلأ والعشب شجر، وقالوا في قوله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) } [الرحمن: 6] : إن النجم ما ينجم من الأرض مما ليس له ساق، والشجر ما له ساق، كما هو المستفاد من العطف، نعم عطف الجنس على النوع وبالضد مشهور، وما يشعره الشجر من الاختلاط حاصل في العشب والكلأ أيضا» 2.
ويطلق اسم الشجر على كل ما تنبته الأرض من المرعى، وذلك في قوله تعالى: {وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل: 10] .
أي: «ترعون مواشيكم السائمة في ذلك الشجر الذي هو المرعى، والعرب تقول: سامت المواشي، إذا رعت في المرعى الذي ينبته الله بالمطر، وأسامها صاحبها: أي رعاها فيه» 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
وأما تعريف الشجر في الاصطلاح فلا يخرج عن المعنى اللغوي في تعريفه.
ومما تقدم يمكن تعريف الشجر: بأنه كل ما ينبت على وجه الأرض من نبات له ساق صلب يقوم عليه، وتجنى ثماره، ويتصل بالأرض مع بروز ارتفاعه عنها وعلوه على غيره من النبات.
وردت مادة (شجر) في الاستعمال القرآني (26) مرة 4.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الاسم ... 26 ... {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح:18]
وجاء الشجر في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو الشجر المعروف، وسمي بذلك لأنه لا يخلو من ارتفاعٍ وتداخل أغصان 5.
الزّرع:
الزرع لغةً:
من الفعل زرع، بمعنى: طرح البذر في الأرض، يقال: يزرعه زرعًا وزراعةً: بذره، والاسم الزرع، وجمعه زروع، والزرع: الإنبات، يقال: زرعه الله، أي: أنبته 6.
الزرع اصطلاحًا:
نفس المعنى اللغوي؛ إذ الزرع في الاصطلاح يعني الإنبات، قال الراغب: «الزرع الإنبات، وحقيقة ذلك تكون بالأمور الإلهية دون البشرية، قال عز وجل {أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 64] .
فنسب الحرث إليهم، ونفى عنهم الزرع، ونسبه إلى نفسه، وإذا نسب إلى العبد فلكونه فاعلا للأسباب التي هي سبب الزرع، كما تقول: أنبت كذا إذا كنت من أسباب نباته، والزرع في الأصل مصدر، وعبر به عن المزروع، ويقال: زرع الله ولدك، تشبيهًا، كما تقول: أنبته الله» 7.
الصلة بين الزرع والشجر:
الزرع: ما ينبت على غير ساق، والشجر ما له ساق وأغصان، يبقى صيفا وشتاء 8، ويفرق أيضًا: بأن الزرع موسمي فله مواسم يزرع فيها، وأخرى يحصد فيها.
النبات:
النبات لغة:
نبت: النون والباء والتاء أصل واحد يدل على نماءٍ في مزروع، يقال: نبت، وأنبتت الأرض، ونبت الشجر، أي: غرسته، وكل ما أنبت الله في الأرض فهو نبتٌ والنبات فعله، ويجري مجرى اسمه، يقال: أنبت الله النبات إنباتًا ونحو ذلك 9.
النبات اصطلاحًا:
«الحي النامي لا يملك فراق منشئه ويعيش بجذور ممتدة في الأرض أو في الماء وما أخرجته الأرض من شجر ونحوه، وأنبتت الأرض، أي: أخرجت النبات، والبقل نشأ وربا، ويقال: أنبت الله البقل، أخرجه من الأرض فهو منبوت، وأنبت الله الصبي نباتا حسنا» 10.
الصلة بين النبات والشجر:
النبات هو كل ما ينبت من الأرض بقدرة الله تعالى دون تدخل البشر، وبذلك يكون النبات أعم من الزرع والغرس والشجر، لأن ما بعد الإنبات يشترك العباد فيه بالغرس والسقي والحفظ وغيره.
النبات أعم من الشجر؛ إذ يشمل الزرع: وهو ما ينبت على غير ساق، والشجر ما له ساق وأغصان.
الحرث:
الحرث لغةً:
مصدر حرث، بمعنى عمل في الأرض، وشقها، وأثارها، وأعدها للزراعة 11، قال ابن منظور: «العمل في الأرض زرعًا كان أو غرسًا، وقد يكون الحرث نفس الزرع» 12.
الحرث اصطلاحًا:
لا يختلف عن المعنى اللغوي؛ إذ هو: «إلقاء البذر في الأرض، وتهيؤها للزرع، ويسمى المحروث حرثًا» 13.
الصلة بين الحرث والشجر:
من خلال ما سبق يتبين أن الحرث هو ما يقوم به الزارع في الأرض من عملٍ لإنبات النبات والحبوب والأشجار، ويطلق على ما يخرج من تلك الأرض التي حرثت، فالحرث عمل المزارع، أما الشجر فهو ما يحرثه المزارع من النبات مما له ساق وأغصان، والحرث بذلك أخص من الشجر؛ إذ الشجر يشمل الحرث، ويشمل غيره مما ينبته الله عز وجل.
والشجر أخص من وجه؛ إذ الحرث يشمل النبات والحبوب والأشجار.
وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تقرر وحدانية الله تعالى وتنزع عن المسلم كل الشبهات التي قد تطرأ على الأذهان ويثيرها بعض أعداء الإسلام بكل وسيلة لغرض تشكيك المسلم بعقيدته السليمة والتشويش عليه، وتثبت وجود الخالق الواحد الذي خلق الكون، ومن هذه الآيات آيات ذكر فيها الشجر، وهي رد على كل من يدعي شريكًا للباري تعالى دون برهان أو دليل، وتثبت أيضًا قدرة الله تعالى على البعث والإعادة والنشور، وسيتبين ذلك من خلال النقاط الآتية:
أولًا: دليل الوحدانية:
من الآيات التي جاءت تقرر وحدانية الله تعالى في النفوس آيات الشجر، كما في قوله تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) } [النمل: 60] .
وقوله تعالى: {مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا} أي: ما تقدرون أنتم أن تنبتوا شجرها، فمن هو دونكم أشد وأبعد، فكيف أشركتم في العبادة وتسمية الإلهية من هو دونكم في كل شيء؟!، وقوله تعالى: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} أي: لا إله مع الله 14.
والاستفهام في الآية الكريمة بمعنى الإنكار 15 أي: لا إله مع الله، وهذا يدل على عدم وجود المساواة بين الله تعالى وغيره في الإلوهية والوحدانية.
أي: لم تكونوا تقدرون على إنبات شجرها، وإنما يقدر على ذلك الخالق الرازق، المستقل بذلك المتفرد به، دون ما سواه من الأصنام والأنداد، كما يعترف به هؤلاء المشركون، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87] .
وقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [العنكبوت: 63] .
أي: هم معترفون بأنه الفاعل لجميع ذلك وحده لا شريك له، ثم هم يعبدون معه غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا يرزق، وإنما يستحق أن يفرد بالعبادة من هو المتفرد بالخلق والرزق؛ ولهذا قال: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} ، أي: أإله مع الله يعبد، وقد تبين لكم ولكل ذي لب مما يعترفون به أيضا أنه الخالق الرازق 16.
يقول الإمام الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة: «معناه: ما كنتم لتنبتوا، لأنه تعالى لم يحرم عليهم أن ينبتوا الشجر، إنما نفى عنهم أن يمكنهم إنباتها، فإنه تعالى هو القادر على إنبات الشجر» 17.
وإسناد الإنبات إليه سبحانه، لكيلا يظن أحد أن ذلك الإنبات من الأخذ بالأسباب والمسببات، وأنه فعل طبائع الأشياء، وبين الله تعالى أن ذلك الإنبات منه، وهو فوق الأسباب والمسببات، سبحانه بديع السماوات والأرض، والخالق لكل شيء 18.
وتأتي (كان) للمضي وللتوكيد، وبمعنى القدرة، كقوله: {مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا} ، أي ما قدرتم 19.
أما بالنسبة لإنبات الحدائق في الآية الكريمة ففيه إشارتان بيانيتان:
الأولى: أنه عبر بالإنبات للأشجار مع أنه في آيات أخريات كان يضيف الإنبات إلى الزرع ويعبر عن خلق الأشجار، بقوله تعالى: {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} [الأنعام: 95] .
وذكر الإنبات هنا بالنسبة للحدائق ذات الأشجار الوارفة الظلال؛ لبيان عظيم قدرته في أنه ينبت هذه الدوحات والأشجار العظام، ويتعهد من حال النبات، حتى يصير فيحاء ذات بهجة وزينة، ويسر الناظرين مرآها وثمرها اليانع، وقطوفها الدانية.
الثانية: هي قوله تعالى: {مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا} ، كان هنا: كان الناقصة، ونفيها معناها نفي الكينونة، أي: ليس في وجود ولا كيان، أن لكم، أي: في قدرتهم، أن تنبتوا شجرها، إنما ينبتها العزيز الرحيم، والخلاق العظيم 20.
وهذا يعني عجز الإنسان التام وعدم قدرته أن ينبت الأشجار مهما بلغ من العلم والمعرفة في فنون الزراعة وحرفتها، فعلى الرغم من قدرته على أن ينبت النبات بوضع البذر في الأرض مع العناية والمداراة إلا أن الإنبات لا يقدر عليه أحد سوى الله تعالى؛ إذ هو القادر على ذلك.
وفي هذه الآية الكريمة أيضًا رد على شبهات بعض المشككين منها:
أولًا: في الرد على عبدة الأوثان، وأنه سبحانه وتعالى هو الخالق لأصول النعم وفروعها، فكيف تحسن عبادة ما لا منفعة منه البتة.
ثم إنه سبحانه وتعالى نبه على أن هذا الإنبات في الحدائق لا يقدر عليه إلا الله تعالى، لأن أحدنا لو قدر عليه لما احتاج إلى غرس ومصابرة على ظهور الثمرة وإذا كان تعالى هو المختص بهذا الإنعام وجب أن يخص بالعبادة 21.
وبالتأكيد أنه لا يخفى على عبدة الأوثان التي يصنعونها بأيدهم، أن هذه الأوثان عاجزة عن فعل أي شيء فكيف بإنبات الشجر.
ثانيًا: الرد على شبهة أن منبت الشجرة هو الإنسان.
«فإن الإنسان يقول: أنا الذي ألقي البذر في الأرض الحرة وأسقيها الماء وأسعى في تشميسها، وفاعل السبب فاعل للمسبب، فإذن أنا المنبت للشجرة، فلما كان هذا الاحتمال قائما، لا جرم أزال هذا الاحتمال فرجع من لفظ الغيبة إلى قوله: فأنبتنا، وقال: ما كان لكم أن تنبتوا شجرها؛ لأن الإنسان قد يأتي بالبذر والسقي والكرب والتشميس ثم لا يأتي على وفق مراده، والذي يقع على وفق مراده فإنه يكون جاهلا بطبعه ومقداره وكيفيته، فكيف يكون فاعلا لها» 22.
وبهذا الكلام يتبين عجز الإنسان بل وانعدام قدرته على أن ينبت النبات مهما هيأ له من ظروف ملائمة من ماء وهواء وضوء وتربة صالحة للزراعة، فيبقى الأمر متعلقًا بقدرة الله تعالى، فهو القادر عليه وحده، ويؤكد ذلك قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) } [الواقعة: 63 - 64] .
ويتضح مما مضى أن الله تعالى هو المختص بالقدرة على خلق الأرض التي فيها هذا الشجر وغيره، واختصاص فعل الإنبات بذاته تعالى، فإنبات الشجر بأنواعه المختلفة والحدائق والبساتين المختلفة الأصناف والألوان، والثمار والروائح، كل ذلك لا يقدر عليه إلا قادر خالق، وهو الله وحده، لذلك وجب أن يكون هو المختص بالإلوهية والوحدانية.
ثانيًا: دليل القدرة على البعث:
أنكر البعض البعث واستبعد إحياء الموتى وإخراجهم من قبورهم، وهؤلاء عرض القرآن الكريم لأقوالهم ورد عليها بشكل قاطع يؤكد أن البعث والنشور من وقائع اليوم الآخر بكل يقين.
ولا شك أن التكذيب بالبعث كان من أكثر شبهات الكافرين وما زالت موجودة إلى وقتنا الحاضر حيث ما زال إلى الآن يوجد من لا يؤمنون ببعث أو نشور أو حساب، ولهذا فقد أطال القران الكريم في الرد على تلك الشبهات وإثبات مسألة البعث وترسيخها في النفوس بأساليب كثيرة ومتنوعة لإقامة الحجة على المخالفين، وفي هذا البحث لسنا بصدد بيان كل ما جاء به القرآن الكريم من دلائل تثبت وجود البعث وترد على شبهات الكافرين، بل سنقتصر على بيان الدلائل المتعلقة بآيات الشجر التي ارتبط بعضها بقضية البعث والتي ساقها القرآن الكريم لبيان وحسم هذه القضية من الناحية العقلية.
وقد أعطى الله تعالى لنا شواهد ودلائل متنوعة وكثيرة في الدنيا تؤكد إمكان حصول البعث يوم القيامة، ومن ذلك ما جاء متعلقًا بالنبات عامة من حيث إنباته وإحيائه وإظهاره للوجود، والشجر بصورة خاصة في آياته التي جاءت ترسخ مفهوم البعث في النفوس، كما في الأدلة الآتية:
أولًا: إخراج النار المتوقدة من الشجر الأخضر.
قال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) } [يس: 80] .
أي: «الذي بدأ خلق هذا الشجر من ماء حتى صار خضرًا نضرًا ذا ثمر وينع، ثم أعاده إلى أن صار حطبًا يابسًا، توقد به النار، كذلك هو فعال لما يشاء قادر على ما يريد، لا يمنعه شيء» 23.
ولا شك أن إخراج النار من الشجر الأخضر فيه دليل على الإعادة والبعث.
قال الزركشي: «فعلم سبحانه كيفية الاستدلال برد النشأة الأخرى إلى الأولى والجمع بينهما بعلة الحدوث، ثم زاد في الحجاج بقوله: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا} ، وهذا في غاية البيان في رد الشيء إلى نظيره والجمع بينهما من حيث تبديل الأعراض عليهما» 24.
فنبه سبحانه على وحدانيته ودلل على قدرته على إحياء الموات بما يشاهد من إخراج النار من العود الندي الرطب.
ويتضح مما تقدم أن الشجر شاهدٌ من شواهد قدرة الله تعالى، وخلق النار وإيقادها من الشجر الأخضر فيه دليل واضح على البعث وقدرة الله تعالى على الإنشاء والإعادة، وأن القول بالبعث والمعاد وحصول الحشر والنشر غير مستبعد في العقول.
وقال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) } [الواقعة: 71 - 72] .
وجه الاستدلال: «أن النار صاعدة والشجرة هابطة، وأيضا النار لطيفة والشجرة كثيفة، وأيضا النار نورانية والشجرة ظلمانية، والنار حارة يابسة والشجرة باردة رطبة، فإذا أمسك الله تعالى في داخل تلك الشجرة الأجزاء النورانية النارية فقد جمع بقدرته بين هذه الأشياء المتنافرة، فإذا لم يعجز عن ذلك، فكيف يعجز عن تركيب الحيوانات وتأليفها؟! والله تعالى ذكر هذه الدلالة في سورة يس فقال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) } [يس: 80] » 25.
وقيل أيضًا: «ووجه دلالة النار على البعث أن النار تكمن في الشجر والحجر، ثم تظهر بالقدح، وتشب بالنفخ، فالحجر والشجر كالقبر، والقدح والنفخ كالنفخة في الصور» 26.
ويبدو أن الكلام الأخير هو الأقرب في تشبيه خروج النار من الشجر الأخضر بالبعث والنشور، ويذكر الإمام الرازي في تفسيره لشجرة النار وجوهًا:
أحدها: أنها الشجرة التي توري النار منها بالزند، والزندة كالمرخ.
وثانيها: الشجرة التي تصلح لإيقاد النار كالحطب، فإنها لو لم تكن لم يسهل إيقاد النار؛ لأن النار لا تتعلق بكل شيء كما تتعلق بالحطب.
وثالثها: أصول شعلها ووقود شجرتها ولولا كونها ذات شعل لما صلحت لإنضاج الأشياء والباقي ظاهر 27.
وفي هذه الآية الكريمة تذكرة لنار القيامة فيجب على العاقل أن يخشى الله تعالى وعذابه إذا رأى النار الموقدة، وتذكرة بصحة البعث، لأن من قدر على إيداع النار في الشجر الأخضر لا يعجز عن إيداع الحرارة الغريزية في بدن الميت 28.
ومما تقدم يتضح بيان قدرة الله تعالى على إيجاد المسببات من غير سبب ظاهر، كخلق النار من الشجر الأخضر الرطب، كما تقدم في الآيتين السابقتين، وإيجاد النار مختص بالله تعالى وحده، وتشبيه إيجاد النار المستخرجة بإيجاد الإنسان، كما خلق آدم عليه السلام من غير أب ولا أم، وتشبيهها أيضا بالبعث والنشور، وكلها راجعة إلى قدرة الله تعالى وعظمته في إخراج الوجود من العدم، وقد ارتبطت الآيتان الكريمتان بدليل استخراج النار من الشجر الأخضر والاستدلال بها على البعث بعد الموت، فإن الله تعالى ألهم الناس استخراج النار من الشجر الأخضر على رغم التنافر بين خاصتيهما كما مضى سابقا.
ثانيًا: ومن أدلة البعث أيضا إحياء النبات.
وكون إنبات النبات بعد عدمه من براهين البعث ورد في آيات كثيرة، منها:
قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) } [الواقعة: 63 - 64] .
ومعنى الآية الكريمة: أي أفرأيتم البذر الذي تجعلونه في الأرض بعد حرثها، أي: تحريكها وتسويتها أأنتم تزرعونه أي: تجعلونه زرعا، ثم تنمونه إلى أن يصير مدركا صالحا للأكل أم نحن الزارعون له، ولا شك أن الجواب الذي لا جواب غيره هو أن يقال: أنت يا ربنا الزارع المنبت، ونحن لا قدرة لنا على ذلك، فيقال لهم: كل عاقل يعلم أن من أنبت هذا السنبل من هذا البذر الذي تعفن في باطن الأرض قادر على أن يبعثكم بعد موتكم 29.
وقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) } [فصلت: 39] .
ومن خلال هاتين الآيتين يستدل أنه من قدر على إخراج النار من الشجر الأخضر، والشجرة الباسقة من بذرة صغيرة لا يعجزه عن جمع الأجزاء وتركيب الأعضاء بعد تفرقها وتفتتها، ولا أحد يقدر على فعل ذلك سوى الله تعالى عز وجل.
خلق الله تعالى المخلوقات كلها لحكم ومنافع كثيرة، ومنها الشجر، فهو يكون غذاءً للإنسان والحيوان على السواء، أو دواءً ومن أغصانه نارًا وظلًا، ومن أخشابه سكنًا ومنافع كثيرة، كالكتابة وغير ذلك، كما سيتبين من خلال النقاط الآتية:
أولًا: الثمرة:
جاء في القرآن الكريم ذكر لعدد كبير من الأشجار وثمارها أمثال: «النخيل، والتين، والزيتون، والأعناب، والرطب، والرمان، والموز (الطلح) ، والعدس، والبصل، والقثاء» وغيرها، بناءً على أن الشجر قد يطلق على ما له ساق وعلى ما ليس له ساق، كما مضى في التعريف اللغوي للشجر، وكلها لها منافع وفوائد ووظائف، حيث إن أبرز منافع الثمار كونها مصدرًا أساسيًا للغذاء ورزقًا مستمرًا يسد حاجات الإنسان والحيوان، وتعد بذلك قيمة غذائية أساسية من مقومات الحياة شأنها شأن الماء والهواء.
فالثمار لغة: جمع ثمر، والثمر: حمل الشجر، وثمر الشجر، وأثمر: صار فيه الثمر، والثامر: ما خرج ثمره، والمثمر: ما بلغ أن يجنى 30.
واصطلاحًا: اسم لكل ما يستطعم من أحمال الشجر 31.
ولا فرق بين المعنى اللغوي والاصطلاحي للثمار، والمعنى القريب لها هو كل ما خرج من الأشجار من أحمالها سواء أكان يؤكل أم لا يؤكل، وهي جزء منها، وديمومة بقائها، ويجمع على ثمار وأثمار وثمرات وثمر.
ويأتي لفظ الثمار في القرآن الكريم في آيات كثيرة ومتنوعة، في أربعة وعشرين موضعًا، ومعلوم أن هذه الثمار ترتبط مع الشجر؛ لأنها حملها وسبب بقائها، ومن هذه الآيات التي ورد ذكرها ما يأتي:
جاء ذكر الثمار بلفظ المفرد في آية واحدة وذلك في قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] .
وجاء ذكر الثمار بلفظ (ثمرات) غير المعرفة في أربعة مواضع منها ما يأتي:
قوله تعالى: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) } [النحل: 67] .