قال تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) } [البقرة: 27] .
كما بين الله تعالى أن الكافرين ليس لهم عهد: {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102) } [الأعراف: 102] .
وقد لعن الله تعالى من ينقض العهد، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) } [الرعد: 25] .
وهذا نص صريح أن الله تعالى جعل نقض العهد من الكبائر، وكذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) } [الأحزاب: 15] 47.
والخلاصة في هذا المبحث هي: أن الرجولة ليست كما يظن البعض مال وثروة وجاه وشهرة، وليست منصبًا أو وظيفةً، وليست أفلامًا أو مسلسلات، وليست الرجولة بناء الأجسام، ومتابعة كرة القدم، ولا امتلاك السيارات، ولا العمارات، وليست الأزياء ولا هي الموضات، إنها القيم والأخلاق والمبادئ، والعبادة والعمل، والصدق والوفاء، رسم ملامحها القرآن الكريم، إيمان يزن الجبال، والحفاظ على الصلاة، والذكر في بيوت الله، والدفاع عن الأوطان، والوقوف في وجه البطل، وكلمة حق يراد بها وجه الله، فأمتنا اليوم في أمس الحجة إلى هؤلاء الرجال، رجولة في كل المجالات وفي شتى الميادين، رجال كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وصهيب، وعمار، وياسر، وخالد، وصلاح الدين.
لقد فضل الله تعالى الرجال على النساء بالولاية العامة والإمامة، وبيان ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: القوامة:
ذكر القرآن الكريم أن الرجال قوامون على النساء.
قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) } [النساء: 34] .
وقال تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32) } [النساء: 32] .
وقال تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) } [البقرة: 228] .
والقوامة هي: القيام على الأمر أو المال ورعاية المصالح، وتسيير شئون الأسرة والقيام على مصالحها بقيادة الرجل، وذلك لما فضل الله الرجل على المرأة بسعة العقل والخبرة، والحكمة والاتزان دون التأثر السريع بالعواطف العابرة؛ ولأنه هو الذي ينفق ماله وكسبه من بداية تكوين الزواج بدفع المهر، إلى نهايته بالنفقة الدائمة على شؤون الحياة بتوفير المسكن والملبس والطعام، وهذا هو سبب القوامة ومنشأها، كما قال الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34] .
وقد ذكر العلماء في فضل الرجال أمورًا منها: العقل، والحزم، والعزم، والقوة، وأن منهم الأنبياء، وفيهم الإمامة الكبرى، والصغرى، والجهاد، والأذان، والخطبة، والشهادة في الحدود، والقصاص، والزيادة في الميراث، والولاية في النكاح، وإليهم الانتساب، وغير ذلك 48.
وجعل القوامة للرجل؛ لأن كل شركة، أو حياة اجتماعية تتطلب وجود رئيس مسئول عنها، يتحمل الأعباء، ويستعد لتحمل المغارم والخسارات، ويدير أمر هذه المؤسسة بما يوصلها إلى شاطئ الأمن والسعادة والاستقرار، في داخل المنزل وخارجه، تعليمًا وتعلمًا، وتمكينًا من ممارسة الخبرات والمهارات التي تفيد الزوجة والفتاة في حاضر الزمان ومستقبله 49.
وإذا كان اضطلاع الرجل غالبًا بالمهام الملقاة على عاتقه خارج المنزل، لتوفير الموارد المالية والمكاسب المطلوبة لحياة الأسرة، فإن المرأة تضطلع غالبًا بمسؤوليات جسام تكمل مهمة الرجل، في رحاب البيت، فهي الملكة التي تربي الأولاد على الأخلاق والفضائل، وهي التي تعين الرجل على توفير متطلبات الحياة 50.
من خلال الآيات يتبين أن الرجال قوامون على النساء لأمرين:
الأول: تفضيل جنس الرجال على جنس النساء، وذلك بما خصّ الله تعالى به الرّجل من الفضيلة الذّاتيّة له، والفضل الذي أعطيه من العقل والمال والجاه والقوّة والقوامة، وهذا التفضيل الذي جعله الله تعالى في حق الرجال إنما هو من أجل تنظيم الأسرة وإصلاحها ورعايتها والحفاظ عليها والدفاع عنها بما يتناسب مع جنس الرجال، وما فطرهم الله عليه ليكونوا قوامين لهذه المسؤولية الملقاة عليهم 51.
الثاني: قيام الرجال بالإنفاق على النساء بما يدفعونه من المهور وغيرها من النفقات، وقوله تعالى: {وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} ، منتظم للمهر والنفقة؛ لأنهما جميعًا مما يلزم الزوج لها، وهو نظير قوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] .
وقوله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 7] .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف) 52.
ووجه التفضيل أن الرجل له الكدح، وله الضرب في الأرض، وله السعي على المعاش، وذلك حتى يكفل للمرأة سبل الحياة اللائقة عندما يقوم برعايتها 53.
وكون القوامة الدنيوية بيد الرجال لا يعني أن جنس الرجال أفضل من جنس النساء عند الله، فأساس التفضيل عند الله ليس الجنس أو اللون، إنما هو الإيمان والتقوى، كما قال الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] .
فإذا كانت المرأة صالحة تقية كانت أفضل عند الله من زوجها غير التقي، أو الأدنى منها في التقوى 54.
كما لا تعني القوامة للرجل على المرأة أن ذلك يعارض حريتها، بل على العكس القوامة تحافظ على حرية المرأة وشرفها، قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} ، أي: شأنهم القيام عليهن قيام الولاة على الرعية بالأمر والنهي ونحو ذلك، واختيار الجملة الاسمية مع صيغة المبالغة للإيذان بعراقتهم ورسوخهم في الاتصاف بما أسند إليهم، وفي الكلام إشارة إلى سبب استحقاق الرجال الزيادة في الميراث 55.
وفي قوله تعالى: {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} ، إشارة إلى أن القوامة محصورة في الرجال، فقد جعل القرآن سبب القوامة معلومًا للناس من فضل الرجال ومن إنفاقهم ليصلح الخطاب للفريقين: عالمهم وجاهلهم، وكذا لم يصرح سبحانه بما به التفضيل رمزًا إلى أنه غني عن التفصيل، وقد ورد في الحديث: (أنهن ناقصات عقل ودين) 56، والرجال بعكسهن كما لا يخفى 57.
قال الشنقيطي: «فمحاولة استواء المرأة مع الرجل في جميع نواحي الحياة لا يمكن أن تتحقق؛ لأن الفوارق بين النوعين كونًا وقدرًا أولًا، وشرعًا منزلًا ثانيًا تمنع من ذلك منعًا باتًّا، ولقوة الفوارق الكونية والقدرية والشرعية بين الذكر والأنثى، صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لعن المتشبه من النوعين بالآخر، ولا شك أن سبب هذا اللعن هو محاولة من أراد التشبه منهم بالآخر، لتحطيم هذه الفوارق التي لا يمكن أن تتحطم، وقد ثبت في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال) 58، ولأجل تلك الفوارق العظيمة الكونية القدرية بين الذكر والأنثى، فرق الله جل وعلا بينهما في الطلاق، فجعله بيد الرجل دون المرأة، وفي الميراث، وفي نسبة الأولاد إليه» 59.
ثانيًا: الإمامة:
1.الإمامة العامة.
لقد فضل الله تعالى الرجل على المرأة في الولاية؛ فإن الله سبحانه وتعالى جعل الرجل قوامًا على المرأة؛ فالرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض؛ ولهذا لا يحل أن تتولى المرأة ولايةً عامةً أبدًا؛ فالولاية العامة ليست من حقوق النساء أبدًا، والمرأة لا تصلح لهذا المنصب؛ لأن المرأة ناقصة في أمر نفسها، حتى لا تملك النكاح، فلا تجعل إليها الولاية على غيرها، قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} ، فلو كانت لهن القدرة على القيام بشؤون أنفسهن لما وكل الله أمرهن إلى الرجال 60.
ولحديث أبي بكرة رضي الله عنه، قال: (لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الجمل، بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم، قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس، قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال:(لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) 61.
والفلاح: الفوز بالمطلوب، والتدبير يحتاج إلى كمال الرأي، ونقص المرأة مانع، وفي الحديث دليل على أن المرأة لا تلي الإمارة، ولا القضاء، ولا عقد النكاح 62.
قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى: «أن الذين لهم درجة على النساء هم الرجال الذين هم جديرون بهذا الوصف؛ وأما من جعل نفسه بمنزلة النسوة فهذا يكون شرًا من المرأة؛ لأنه انتكس من الكمال إلى الدون؛ ومن ثم لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء؛ والمتشبهات من النساء بالرجال؛ حتى لا يعتدي أحد على حق؛ أو على اختصاصات أحد» 63.
2.الإمامة في الصلاة.
إن الإمامة موضع شرف ورفعة وعلو منزلة وتقدم على الناس في أهم أمر الدين، وأجل عبادة المسلمين، وهي مما يلزمه الخلفاء، ويقوم به الأمراء، فلا يجوز أن تكون المرأة إمامًا للرجال لنقصها 64.
قال ابن قدامة: «وأما المرأة فلا يصح أن يأتم بها الرجل بحال، في فرض ولا نافلة في قول عامة الفقهاء» 65.
ولحديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن جدته مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته فأكل منه، ثم قال: (قوموا فلأصلي لكم) ، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا فصلى لنا ركعتين، ثم انصرف صلى الله عليه وسلم 66.
فقد نبه الحديث على أن إمامة المرأة للرجال لا تجوز، لأنه لما لم يجز أن تساويهم في الصف كانت من أن تتقدمهم أبعد 67.
تظهر الرجولة في الشدائد من خلال النقاط الآتية:
أولًا: الجهاد:
إن الجهاد سنة ماضية في سبيل الله، لا يقوم به إلا الرجال الأقوياء الصادقون، الذين نذروا أنفسهم وأموالهم لله تعالى، وقد ذكر القرآن الكريم نموذجًا فريدًا من المؤمنين بالله، المصدقين برسوله الذين صدقوا بما عاهدوا الله عليه، من حسن البلاء والتفاني في الجهاد، والثبات على العهد مع الله تعالى، والصبر في اللأواء وحين البأساء، فاستشهد بعضهم يوم بدر، وبعضهم يوم أحد، وبعضهم في غير هذه المواطن، ومنهم كذلك من ينتظر قضاءه والفراغ منه، كما قضى من مضى منهم نحبه على الوفاء لله بعهده، وما غيروه وما بدلوه ومنهم من ينتظر الشهادة، ويتوقعها باشتياق للفوز بما عند الله من الكرامة للشهداء والدرجات التي أعدها الله لهم.
قال الله عز وجل: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24) } [الأحزاب: 23 - 24] .
ما بدلوا ولا غيروا ولا انحرفوا، بل هم مستقيمون على هذا المنهاج، ينتظرون أمر الله تعالى أن يتوفاهم وهم سائرون على هذا الدرب مستقيمون عليه، لا يلوون على شيء إلا مرضاة ربهم عز وجل، بخلاف المنافقين فإنهم قالوا لا نولي الأدبار، فبدلوا قولهم، وولوا أدبارهم، ونقضوا عهدهم، وذمهم الله تعالى.
وقال سبحانه: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) } [البقرة: 26 - 27] .
وقال تعالى: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ} [الأحزاب: 24] .
أي: بصدق ما وعدهم في الدنيا والآخرة، كما صدقوا مواعيدهم، ويعذب المنافقين الذين كذبوا وأخلفوا 68.
والإخبار عنهم برجال زيادة في الثناء؛ لأن الرجل مشتق من الرجل وهي قوة اعتماد الإنسان كما اشتق الأيد من اليد، رجال من المؤمنين ثبتوا في وجه العدو يوم أحد وهم: عثمان بن عفان، وأنس بن النضر، وطلحة بن عبيد الله، وحمزة، وسعيد بن زيد، ومصعب بن عمير، فأما أنس بن النضر وحمزة ومصعب بن عمير، فقد استشهدوا يوم أحد، وأما طلحة فقد قطعت يده يومئذ، وهو يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما بقيتهم فقد قاتلوا ونجوا 69.
فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه قوله: غاب عمي أنس بن النضر عن بدر، فشق عليه، وقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه، لئن أراني الله تعالى مشهدًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد ليرين الله تعالى ما أصنع، فشهد يوم أحد، فاستقبله سعد ابن معاذ رضي الله عنه، فقال: يا أبا عمرو إلى أين؟ قال: واها لريح الجنة أجدها دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية، ونزلت هذه الآية: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] .. إلخ) 70.
وهذه الصورة الوضيئة لهذا النموذج من المؤمنين الصادقين المخلصين تذكر هنا تكملة لصورة الإيمان، في مقابل صورة النفاق والضعف ونقض العهد من ذلك الفريق، لتتم المقابلة في معرض التربية بالأحداث وبالقرآن، وتذكر المسلمين بإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان، لتكتمل التربية، وتثبت القلوب وتستمسك بالعروة الوثقى، وتنهض من كبوتها، وتسترد الثقة والطمأنينة، فتسير في طريق السابقين أصحاب الوفاء وأهل الإخلاص 71.
وذكر القرآن الكريم نموذجًا آخر من الرجال المؤمنين الصادقين المجاهدين الذين يقفون في وقت الشدائد، وينصرون الله ورسوله في أصعب المواقف الحرجة التي تواجه الدعوة.
قال تعالى: {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) } [المائدة: 23] .
وهذان الرجلان من بني إسرائيل من الذين يخافون مقت الله وعقابه، والذين أنعم الله عليهما بالثبات على الإيمان والوفاء بالعهد، نصحوا قومهم بالجهاد والتوكل على الله تعالى في الدفاع عن أنفسهم وعن وطنهم، ولم يمنعهم الخوف من أن يقولوا الحق فأثنى الله تعالى عليهما بذلك، فدل على فضيلة قول الحق عند الخوف وشرف منزلته، وقالا مخاطبين قومهم: {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، أي: باب قرية الجبارين، فنحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم، فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم، ومتى توكلتم على الله واتبعتم أمره، ووافقتم رسوله، نصركم الله على أعدائكم وأيدكم وظفركم بهم، ودخلتم البلدة التي كتبها الله لكم، ولكن بني إسرائيل لم ينفع ذاك فيهم شيئًا، ولجوا في عصيانهم، وسمعوا من العشرة النقباء الجواسيس الذين خوفوهم أمر الجبارين، ووصفوا لهم قوة الجبارين وعظم خلقهم، فصمموا على خلاف أمر الله تعالى، {قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) } [المائدة: 24] .
وهذا نكول منهم عن الجهاد، ومخالفة لرسولهم وتخلف عن مقاتلة الأعداء، ومن هنا تبرز قيمة الإيمان بالله والخوف منه، فهذان رجلان من الذين يخافون الله، ينشئ لهما الخوف من الله استهانة بالجبارين! ويرزقهما شجاعة في وجه الخطر الموهوم! وهذان هما يشهدان بقولتهما هذه بقيمة الإيمان في ساعة الشدة، وقيمة الخوف من الله في مواطن الخوف من الناس، فالله سبحانه لا يجمع في قلب واحد بين مخافتين، مخافته جل جلاله ومخافة الناس 72.
والرجولة في الجهاد تكون بكل صوره وأشكاله، سواءً أكان ذلك بالنفس أو المال أو بقول كلمة حق عند سلطان جائر، لما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر، أو أمير جائر) 73.
ثانيًا: نصرة الحق وأهله:
إن من صفات الرجولة الوقوف في الشدائد ونصرة الحق والدفاع عنه والتضحية في سبيله مهما يكن الثمن، ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) } [القصص: 20 - 21] .
وقال سبحانه: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) } [يس: 20] .
فقد ذكر القرآن الكريم في هذه الآيات هذا النموذج الفريد في إيمانه وصدقه وإخلاصه وشجاعته في نصرة الحق، رجال المواقف في ميدان الرجولة النادرة التي تخلى عنها الكثيرون، أن يقف مثل هذا الموقف الخالد الذي سجله القرآن وأثنى الله تعالى عليهم.
قال تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [القصص: 20] .
هذا الرجل من بني إسرائيل الذي استشعر المسؤولية الواجبة عليه في هذا الموقف العصيب، وهي إبلاغ موسى عليه السلام بمؤامرة خبيثة تحاك ضده، تناسى كل الأخطار والمصائب واختصر الطريق ليؤدي واجبه الإنساني تجاه رجل بريء لينقذه من الموت، في جد واهتمام ومسارعة، مصحوبًا بعقيدة حية في ضمير مؤمن يقظ واثق مطمئن، وقال: إن القوم يريدون قتلك، وأنا واقف على تدبيرهم وقد أرادوا إعلام فرعون، فاخرج من هذا البلد، إني لك من الناصحين.
فهذا الرجل الناصح الأمين المحب لموسى عليه السلام الذي يريد أن ينقذ موسى عليه السلام من القتل، تجده يسعى من أقصى المدينة، والتعبير بـ {أَقْصَى} يدل على المحبة الخالصة الطيبة، ثم كلمة يسعى تدل على أنه جاء عدوًا لا قرار عنده ولا اطمئنان، ووصفه بالرجولية لأنه خالف الطريق، فسلك طريقًا أقرب من طريق الذين بعثوا وراءه، فسبق إلى موسى عليه السلام، وقوله: {إِنَّ الْمَلَأَ} ، وهو كبار القوم يدبرون الأمر ليقتلوك 74.