بينت الآية سخرية المنافقين من أهل المدينة واستهزاءهم واحتقارهم للمؤمنين، (ں ںوَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي: شك وارتياب، وهم قوم من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يقو الإسلام في قلوبهم ولم يتمكن، فلما خرج كفار قريش إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا معهم إلى بدر، فلما نظروا إلى قلة المسلمين ارتابوا وارتدوا، وقالوا: (غَرَّ هَ?ؤُلَاءِ دِينُهُمْ ?) والغرور: الإيقاع في المضرة بإيهام المنفعة، والدين هو الإسلام، وإسنادهم الغرور إلى الدين باعتبار ما فيه من الوعد بالنصر، من نحو قوله تعالى: (إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) [الأنفال:65] .
أي: غرهم ذلك فخرجوا وهم عدد قليل للقاء جيش كثير، والمعنى: إذ يقولون ذلك عند اللقاء وقبل حصول النصر، فإطلاق الغرور هنا مجاز، وإسناده إلى الدين حقيقة عقلية، ثم قال تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) أي: ومن يسلم أمره إلى الله ويثق بفضله ويعول على إحسان الله، فإن الله حافظه وناصره؛ لأنه عزيز لا يغلبه شيء، حكيم يوصل العذاب إلى أعدائه، والرحمة والثواب إلى أوليائه 36.
قال سيد قطب: «والمنافقون والذين في قلوبهم مرض لا يدركون حقيقة أسباب النصر وأسباب الهزيمة، فهم يرون ظواهر الأمور دون أن تهديهم بصيرة إلى بواطنها ودون أن يشعروا بالقوة الكامنة في العقيدة، والثقة في الله، والتوكل عليه، واستصغار شأن الجموع والقوى التي لا ترتكن إلى عقيدة في الله تمنحها القوة الحقيقية، فلا جرم يظنون المسلمين يومئذ مخدوعين في موقفهم، مغرورين بدينهم، واردين موارد التهلكة بتعرضهم لجحافل المشركين التي يرونها إن الواقع المادي الظاهر لا يختلف من ناحية مظهره عند القلوب المؤمنة، وعند القلوب الخاوية من الإيمان» 37.
3.الاستجابة لوساوس الشيطان.
ذكر القرآن الكريم أن من أعراض مرض الشبهات التي تصيب المنافقين الاستجابة لوساوس الشيطان.
قال تعالى: (( 52) لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ? وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ? وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى? صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (54 ) ) [الحج:52 - 54] .
يخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن من حكمته وسنته: أنه ما أرسل قبله من رسول ولا نبي إلا إذا قرأ، ألقى الشيطان في أمنيته، ومعنى إلقاء الشيطان في أمنية النبي والرسول إلقاء ما يضادها، كمن يمكر فيلقي السم في الدسم، فإلقاء الشيطان بوسوسته: أن يأمر الناس بالتكذيب والعصيان، ويلقي في قلوب أئمة الكفر مطاعن يبثونها في قومهم، ويروج الشبهات بإلقاء الشكوك التي تصرف نظر العقل عن تذكر البرهان، والله تعالى يعيد الإرشاد ويكرر الهدي على لسان النبي، ويفضح وساوس الشيطان وسوء فعله بالبيان الواضح، كقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) [الأعراف:27] وقوله سبحانه: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ?) [فاطر:6] ، فالله تعالى بهديه وبيانه ينسخ ما يلقي الشيطان، أي: يزيل الشبهات التي يلقيها الشيطان ببيان الله الواضح، ويزيد آيات دعوة رسله بيانًا، وذلك هو إحكام آياته، أي: تحقيقها وتثبيت مدلولها وتوضيحها بما لا شبهة بعده إلا لمن رين على قلبه، ثم بين سبحانه أن من مقتضيات حكمته أنه يجعل الإلقاء الشيطانى فتنة للشاكين المنافقين، والقاسية قلوبهم عن قبول الحق، فلا تلين لقبول الحق، ولا ترعوي عما هي فيه من الغي؛ ابتلاء لهم ليزدادوا إثمًا، ورحمة للمؤمنين ليزدادوا ثباتًا واستقامة 38.
4.الإعراض عن التحاكم للكتاب والسنة.
ذكر القرآن الكريم أن من أعراض مرض الشبهات التي تصيب المنافقين الإعراض عن التحاكم للكتاب والسنة.
قال تعالى: (ڑ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى? فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَ?لِكَ ? وَمَا أُولَ?ئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ?47?وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ?48?وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ?49?أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ? بَلْ أُولَ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ?50?) [النور:47 - 50] .
يخبر تعالى عن صفات المنافقين، الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، وأنهم يقولون بألسنتهم، ويلتزمون الإيمان بالله والطاعة، ثم لا يقومون بما قالوا، ويتولى فريق منهم عن الطاعة توليًا عظيمًا.
وقد أشارت الآية إلى المنافقين عامة، ثم إلى فريق منهم أظهروا عدم الرضا بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم فكلا الفريقين موسوم بالنفاق، ولكن أحدهما استمر على النفاق والمواربة، وفريقًا لم يلبثوا أن أظهروا الرجوع إلى الكفر بمعصية الرسول علنًا، وفي قوله: (ڑوَيَقُولُونَ) إيماء إلى أن حظهم من الإيمان مجرد القول دون الاعتقاد، كما قال تعالى: (ڑ ڑقَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ? قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَ?كِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) [الحجرات:14] .
وعبر بالمضارع لإفادة تجدد ذلك منهم واستمرارهم عليه؛ لما فيه من تكرر الكذب ونحوه من خصال النفاق، والإشارة في قوله: (وَمَا أُولَ?ئِكَ) إلى ضمير (ڑوَيَقُولُونَ) أي يقولون آمنا وهم كاذبون في قولهم، وإنما يظهر كفرهم عند ما تحل بهم النوازل، وإسناد فعل (ںدُعُوا) إلى جميعهم وإن كان المعرضون فريقًا منهم لا جميعهم؛ للإشارة إلى أنهم سواء في التهيؤ إلى الإعراض، ولكنهم لا يظهرونه إلا عندما تحل بهم النوازل فالمعرضون هم الذين حلت بهم الخصومات، ثم أخبر الله أن المنافقين يعرضون عن حكم الرسول لعلمهم بأنه يحكم بالحق، فإذا كان لهم على غيرهم أسرعوا إلى حكمه؛ لثقتهم بأنه كما يحكم عليهم بالحق يحكم لهم أيضا 39.
ثم أخبر بما في قلوبهم من الشك والريبة، فقال سبحانه: (?أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ) القلوب: العقول، والمرض مستعار للفساد أو للكفر.
قال جل وعلا: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ?) [البقرة:10] أو للنفاق.
وأتي في جانب هذا الاستفهام بالجملة الاسمية؛ للدلالة على ثبات المرض في قلوبهم وتأصله فيها، بحيث لم يدخل الإيمان في قلوبهم، والارتياب: الشك.
والمراد: ارتابوا في حقيقة الإسلام، أي: حدث لهم ارتياب بعد أن آمنوا إيمانًا غير راسخ، وأتي في جانبه بالجملة الفعلية المفيدة للحدوث والتجدد، أي: حدث لهم ارتياب بعد أن اعتقدوا الإيمان اعتقادًا مزلزلًا.
وهذا يشير إلى أنهم فريقان: فريق لم يؤمنوا ولكنهم أظهروا الإيمان وكتموا كفرهم، وفريق آمنوا إيمانا ضعيفًا، ثم ظهر كفرهم بالإعراض، والحيف: الظلم والجور في الحكومة.
وأسند الحيف إلى الله ورسوله بمعنى أن يكون ما شرعه الإسلام حيفًا لا يظهر الحقوق، وهذا كناية عن كونهم يعتقدون أنه غير منزل من الله، وأن يكون حكم الرسول بغير ما أمر الله، فهم يطعنون في الحكم وفي الحاكم وما ذلك إلا لأنهم لا يؤمنون بأن شريعة الإسلام منزلة من الله، ولا يؤمنون بأن محمدًا عليه الصلاة والسلام مرسل من عند الله.
فالكلام كناية عن إنكارهم أن تكون الشريعة إلهية وأن يكون الآتي بها صادقًا فيما أتى به (بَلْ أُولَ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) أي: ليس العدول إلا لما في قلوبهم من المرض والنفاق، وظلمهم لأنفسهم بمخالفة أمر ربهم ومعصيتهم له فيما أمرهم به من الرضا بحكم رسوله صلى الله عليه وسلم فيما أحبوا وكرهوا، والتسليم لقضائه 40.
قال سيد قطب: «إن الإيمان الصحيح متى استقر في القلب ظهرت آثاره في السلوك، والإسلام عقيدة متحركة، لا تطيق السلبية، فهي بمجرد تحققها في عالم الشعور تتحرك؛ لتحقق مدلولها في الخارج؛ ولتترجم نفسها إلى حركة وإلى عمل في عالم الواقع.
ومنهج الإسلام الواضح في التربية يقوم على أساس تحويل الشعور الباطن بالعقيدة وآدابها إلى حركة سلوكية واقعية، وتحويل هذه الحركة إلى عادة ثابتة أو قانون، مع استحياء الدافع الشعوري الأول في كل حركة، لتبقى حية متصلة بالينبوع الأصيل، وهؤلاء كانوا يقولون: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا) [النور:47] .
يقولونها بأفواههم، ولكن مدلولها لا يتحقق في سلوكهم، فيتولون ناكصين يكذبون بالأعمال ما قالوه باللسان: (وَمَا أُولَ?ئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) [النور:47] .
فالمؤمنون تصدق أفعالهم أقوالهم، والإيمان ليس لعبة يتلهى بها صاحبها ثم يدعها ويمضي، إنما هو تكيف في النفس، وانطباع في القلب، وعمل في الواقع، ثم لا تملك النفس الرجوع عنه متى استقرت حقيقته في الضمير» 41.
5.التشكيك في وعد الله ورسوله.
ذكر القرآن الكريم أن من أعراض مرض الشبهات التي تصيب المنافقين التشكيك في وعد الله ورسوله.
قال تعالى: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ?12?) [الأحزاب:12] .
يقول تعالى مخبرًا عن حال المؤمنين حين نزلت الأحزاب حول المدينة، والمسلمون محصورون في غاية الجهد والضيق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، أنهم ابتلوا واختبروا وزلزلوا زلزالًا شديدًا، فحينئذ ظهر النفاق، وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في أنفسهم، والذين في قلوبهم ضعف في الإيمان لقرب عهدهم بالإسلام: (مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ) من الظفر والنصر على العدو إلا وعدًا باطلًا بغرنا به ويوقعنا فيما لا طاقة لنا به، ويسلخنا عن دين آبائنا.
ويقول: إن هذا الدين سيظهر على الدين كله، وإنه سيفتح لنا فارس والروم، وها نحن أولاء قد حصرنا هاهنا حتى ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته، فإن ذلك كله مما ألحق بالمسلمين ابتلاء فبعضه من حال الحرب وبعضه من أذى المنافقين؛ ليحذروا المنافقين فيما يحدث من بعد؛ ولئلا يخشوا كيدهم فإن الله يصرفه كما صرف أشده يوم الأحزاب، وقول المنافقين هذا يحتمل أن يكونوا قالوه علنًا بين المسلمين قصدوا به إدخال الشك في قلوب المؤمنين لعلهم يردونهم عن دينهم.
فأوهموا بقولهم: (مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًاہ) أنهم ممن يؤمن بالله ورسوله، فنسبة الغرور إلى الله ورسوله إما على معنى التشبيه البليغ، وإما لأنهم بجهلهم يجوزون على الله أن يغر عباده، ويحتمل أنهم قالوا ذلك بين أهل ملتهم فيكون نسبة الوعد إلى الله ورسوله تهكما، كقول فرعون: (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) [الشعراء:27] .
والغرور: ظهور الشيء المكروه في صورة المحبوب، والمعنى: أن الله وعدهم النصر فكان الأمر هزيمة، وهم يعنون الوعد العام وإلا فإن وقعة الخندق جاءت بغتة ولم يرو أنهم وعدوا فيها بنصر (وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) هم الذين كانوا مترددين بين الإيمان والكفر فأخلصوا يومئذ النفاق وصمموا عليه 42.
قال سيد قطب عند تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ?12?) [الأحزاب:12] : «فقد وجد هؤلاء في الكرب المزلزل، والشدة الآخذة بالخناق فرصة للكشف عن خبيئة نفوسهم وهم آمنون من أن يلومهم أحد، وفرصة للتوهين والتخذيل وبث الشك والريبة في وعد الله ووعد رسوله، وهم مطمئنون أن يأخذهم أحد بما يقولون، فالواقع بظاهره يصدقهم في التوهين والتشكيك، وهم مع هذا منطقيون مع أنفسهم ومشاعرهم فالهول قد أزاح عنهم ذلك الستار الرقيق من التجمل، وروع نفوسهم ترويعًا لا يثبت له إيمانهم المهلهل فجهروا بحقيقة ما يشعرون غير مبقين ولا متجملين، ومثل هؤلاء المنافقين والمرجفين قائمون في كل جماعة وموقفهم في الشدة هو موقف إخوانهم هؤلاء» 43.
6.نشر الإشاعات.
ذكر القرآن الكريم أن من أعراض مرض الشبهات التي تصيب المنافقين نشر الشائعات والأراجيف.
قال تعالى: (? لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا(60) مَّلْعُونِينَ ? أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا) [الأحزاب:60 - 61] .
يخبر تعالى أن من صفات المنافقين ومرضى القلوب نشر الاشاعات والأراجيف، ووصفهم الله هنا بصفات ثلاث (الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ) .
فالعطف هنا لا يقتضي المغايرة، إنما عطف صفات مختلفة لشيء واحد، وجاءت هذه الصفات مستقلةً؛ لأنها أصبحت من الوضوح فيهم، بحيث تكاد تكون نوعًا منفردًا بذاته.
والإرجاف: إشاعة الأخبار، وفيه معنى كون الأخبار كاذبة أو مسيئة لأصحابها يعيدونها في المجالس؛ ليطمئن السامعون لها مرة بعد مرة بأنها صادقة؛ لأن الإشاعة إنما تقصد للترويج بشيء غير واقع أو مما لا يصدق به؛ لاشتقاق ذلك من الرجف والرجفان وهو الاضطراب والتزلزل.
فالمرجفون قوم يتلقون الأخبار فيحدثون بها في مجالس ونواد ويخبرون بها من يسأل ومن لا يسأل.
والمعنى هنا: الذين يخبرون بالأراجيف، وكانوا يخبرون المؤمنين بما يكرهون من عدوهم، فيقولون: هزموا وقتلوا، وجرى عليهم كيت وكيت، فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين، والأراجيف: هي أول الاختيار، وأصل الرجف هو الحركة.
فإذا وقع خبر الكذب فإنه يقع الحركة بالناس فسمي إرجافًا، ويقال: الأراجيف تلقح الفتنة، ويقال: أرجف بكذا، إذا أخبر به على غير حقيقة؛ لكونه خبرًا متزلزلًا غير ثابت من الرجفة، وهي الزلزلة، وهم من المنافقين والذين في قلوبهم مرض وأتباعهم.
وهم الذين قال الله فيهم: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ?) [النساء:83] .
فهذه الأوصاف لأصناف من الناس، وكان أكثر المرجفين من اليهود وليسوا من المؤمنين؛ لأن قوله عقبه: (لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) لا يساعد أن فيهم مؤمنين، والمعنى: لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدكم، والفسقة عن فجورهم، والمرجفون عما يؤلفون من أخبار السوء لنأمرنك بأن تفعل بهم الأفاعيل التي تسوؤهم وتنوؤهم، ثم بأن تضطرهم إلى طلب الجلاء عن المدينة، وإلى أن لا يساكنوك فيها إلا زمنا قليلًا ريثما يرتحلون ويلتقطون أنفسهم وعيالاتهم، فسمى ذلك إغراء، وهو التحريش على سبيل المجاز 44.
وفي الآية: إنذار لفئات المنافقين ومرضى القلوب والمرجفين في المدينة، بأنهم إذا لم ينتهوا عما يبثونه من وساوس ودسائس ويوقعونه من أذى وقلاقل، فإن الله يغري نبيه بهم ويسلطه عليهم ويقدره على طردهم من المدينة، مدموغين بدمغة اللعنة، مهدوري الدم ليقتلوا قتلا ذريعًا بدون هوادة واستثناء وتساهل أينما وجدوا، وهذه هي سنة الله فيمن مضى من أمثالهم من الأمم وهي السنة التي لا تتبدل في حال 45.
7.الخوف من الجهاد.
من أعراض مرض الشبهات التي ذكرها القرآن الكريم الخوف من الجهاد.
قال تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ? فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ ? رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ? فَأَوْلَى? لَهُمْ ?20?طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ? فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ?21?) [محمد:20 - 21] .
يخبر تعالى في هذه الآيات عن صفات المؤمنين المخلصين الصادقين في إيمانهم أنهم يشتاقون للوحي، ونزول آيات الجهاد حرصا على ثوابه، فإذا أنزلت سورة واضحة الدلالة في الأمر به فرحوا بها وسارعوا إلى العمل بما فيها.
ثم أعقب ذلك بوصف حال المنافقين من الكسل والفشل والحرص على فساد دين الله وأهله، وذلك حين يدعى المسلمون إلى الجهاد فقد يضيق الأمر بالمنافقين، إذ كان تظاهرهم بالإسلام سيلجئهم إلى الخروج للقتال مع المسلمين، وذلك أمر ليس بالهين؛ لأنه تعرض لإتلافهم النفوس دون أن يرجو منه نفعًا في الحياة الأبدية؛ إذ هم لا يصدقون بها فيصبحوا في حيرة.
وقوله سبحانه: (يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) أي: تشخص أبصارهم من شدة فزعهم ورعبهم وجبنهم من لقاء الأعداء، كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت، ثم هددهم وتوعدهم فقال: (فَأَوْلَى? لَهُمْ) أي: فالموت أولى لمثل هؤلاء المنافقين؛ إذ حياتهم ليست في طاعة الله فالموت خير منها، وقد يكون المعنى على التهديد والوعيد والدعاء عليهم بالهلاك، فكأنه قيل: أهلكهم الله هلاكًا أقرب لهم من كل شر وهلاك، فهو نحو قولهم في الدعاء بعدًا له وسحقًا.
(طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) أي: طاعة لله وقول معروف أمثل لهم، وأحسن مما هم فيه من الهلع والجزع والجبن من لقاء العدو، فمتاع الحياة الدنيا متاع قليل، وظل زائل، والآخرة خير لمن اتقى.
(فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) أي: فإذا حضر القتال كرهوه وتخلفوا عنه خوفًا وفرقًا، ولو صدقوا في إيمانهم واتِّباعهم للرسول، وأخلصوا النية في القتال لكان خيرًا لهم عند ربهم؛ إذ ينالون به الثواب والزلفى عنده ويعطيهم ما تقر به أعينهم، ويدخلهم جنات النعيم 46.
قال سيد قطب عند تفسير قوله تعالى: (رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ?) [محمد:20] : «وهو تعبير لا تمكن محاكاته، ولا ترجمته إلى أي عبارة أخرى، وهو يرسم الخوف إلى حد الهلع، والضعف إلى حد الرعشة، والتخاذل إلى حد الغشية، ويبقى بعد ذلك متفردًا حافلًا بالظلال والحركة التي تشغف الخيال
وهي صورة خالدة لكل نفس خوارة لا تعتصم بإيمان، ولا بفطرة صادقة، ولا بحياء تتجمل به أمام الخطر، وهي طبيعة المرض والنفاق، وبينما هم في هذا التخاذل والتهافت والانهيار تمتد إليهم يد الإيمان بالزاد الذي يقوي العزائم، ويشد القوائم، لو تناولوه في إخلاص: (فَأَوْلَى? لَهُمْ*طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ? فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ?21?) [محمد:20 - 21] .
نعم، أولى لهم من هذه الفضيحة، ومن هذا الخور، ومن هذا الهلع، ومن هذا النفاق، أولى لهم (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) طاعة تستسلم لأمر الله عن طمأنينة، وتنهض بأمره عن ثقة، وقول معروف يشي بنظافة الحس واستقامة القلب، وطهارة الضمير، وأولى لهم إذا عزم الأمر، وجد الجد، وواجهوا الجهاد أن يصدقوا الله، يصدقوه عزيمة، ويصدقوه شعورًا، فيربط على قلوبهم، ويشد من عزائمهم، ويثبت أقدامهم، وييسر المشقة عليهم، ويهون الخطر الذي يتمثلونه غولا تفغر فاها لتلتهمهم
ويكتب لهم إحدى الحسنين: النجاة والنصر، أو الاستشهاد والجنة، هذا هو الأولى، وهذا هو الزاد الذي يقدمه الإيمان فيقوي العزائم ويشد القوائم، ويذهب بالفزع، ويحل محله الثبات والاطمئنان» 47.
8.التشكيك في الغيبيات.
من أعراض مرض الشبهات التي ذكرها القرآن الكريم التشكيك في الغيبيات.
قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (31) } [المدثر:31] .
أخبر الله سبحانه عن الحكمة التي جعل لأجلها عدة الملائكة الموكلين بالنار تسعة عشر، فذكر سبحانه خمس حكم: فتنة الكافرين، فيكون ذلك زيادة في كفرهم وضلالهم، وقوة يقين أهل الكتاب، فيقوى يقينهم بموافقة الخبر بذلك لما عندهم عن أنبيائهم من غير تلق من رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، فتقوم الحجة على معاندهم، وينقاد للإيمان من يريد الله أن يهديه منهم، وزيادة الذين آمنوا بكمال تصديقهم بذلك والإقرار به، وانتفاء الريب عن أهل الكتاب لجزمهم بذلك، وعن المؤمنين لكمال تصديقهم به، وحيرة الكافر ومن في قلبه مرض، وعمى قلبه عن المراد بذلك، فيقول: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [البقرة:26] .
والمعنى: أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب، وأي معنى أراد في أن جعل الملائكة تسعة عشر لا عشرين، وغرضهم إنكاره أصلًا وأنه ليس من عند الله وأنه لو كان من عند الله لما جاء بهذا العدد الناقص، وهذه الآية من الإخبار بالغيب قبل الوقوع فهي من معجزاته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أعلم بإعلام الله إياه بأنه سيكون منافقون يرتابون في هذا القرآن ويشككون فيه، لأن هذه السورة مكية بالاتفاق ولا يوجد زمن نزولها منافقون، والنفاق ظهر بالمدينة.
ولهذا جاء الفعل بلفظ المستقبل، {كَذَلِكَ} مثلما أضل الله منكري عدد الخزنة {يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ} من غيرهم ممن اقتفى آثار الكفر وأعرض عن الإيمان {وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} ممن آمن به وصدق رسله {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ} الذين من جملتهم خزنة جهنم {إِلَّا هُوَ} وحده؛ لأن ملائكته لا يحصون، وهذا كالجواب للخبيث أبي جهل؛ لقوله: «ما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر» أي: له أعوان كثيرون لا يعلمهم إلا الله، فكما أن مقدراته غير متناهية فكذلك جنوده، وإن الواحد منهم كاف لخراب الدنيا بما فيها 48.
إن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة هما السبيل الوحيد للوقاية من مرض الشبهات وغيرها من الأمراض، وذلك أنهما يوضحان جميع الشبهات وينبهان عليها ويفضحان أصحابها، ويحذران المؤمنين من خطر الوقوع فيها، ويعملان على الوقاية منها قبل وقوعها.
قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82) } [الإسراء:82] .