والمقصود: أن من علامات التواضع أن يكون المسلم لين الجانب للخلق على اختلاف طبقاتهم وطبائعهم، مع الأقارب والأجانب، وأن يكون حسن الصحبة، ذا رفق مع الشريف والضعيف، مع تواضعه للحق والدين؛ لأنه ربما يكون صاحب النار ليّن الجانب للناس، حسن الأخلاق، لكنه جبار بالنسبة للحق، مستكبر عن الحق، فلا ينفعه لينه وعطفه على الناس، بل هو موصوف بالجبروت والكبرياء ولو كان لين الجانب للناس؛ لأنه تجبر واستكبر عن الحق.
فيجب على الإنسان المسلم أن يكون ليّن الجانب لإخوانه، وبخاصة من اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم، فليخفض له جناحه أكثر؛ لأن المتبع للرسول عليه الصلاة والسلام أهل لأن يتواضع له، وأن يكرم، وأن يعزز، قال تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215] .
وقال الله تعالى لرسوله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28] .
فاصبر نفسك: احبسها مع هؤلاء القوم السادة الكرماء الشرفاء، الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي: يعني صباحًا ومساءً، لا رياء ولا سمعة، ولكنهم يريدون وجه الله عز وجل في دعائهم له، وعبادتهم وذكرهم وتسبيحهم له.
وتواضع المؤمن ولينه يجب أن يكون لينًا ليس معه ضعف، فيكون لين الجانب، سهل الأخلاق، مسفر الوجه، طليقه، يتواضع مع الصغير والكبير، ولكن بحيث لا يطمع فيه أهل الظلم، فيغتنم دينه ويخدعه، ويصرفه عن طريق الحق، لابد أن يكون ليّنًا، ولكن لا يكون مع اللين ضعف شديد، وأن يكون حليمًا فلا يعجل، وإذا تكلم عليه أحد لم يغضب، ولم يشتد في كلامه، بل يغلبه الحلم.
وليعلم المسلم: أن لين الجانب المعروف بالتواضع على ثلاثة أقسام:
1.واجب: كالتواضع لله ولرسوله وللحاكم والعالم والوالد.
2.حرام: كالتواضع لأهل النار والظلم والكبر؛ لأن التواضع لهؤلاء هو الذل الذي لا عز معه، والخسة التي لا رفعة معها.
3.مندوب: كالتواضع لعباد الله سوى من ذكر.
ومفهوم المؤمنين أن الكفار لا يجوز موالاتهم بالمعنى المذكور؛ لقوله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22] .
وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم مبعوثًا بأعدل الأمور وأكملها، فهو نبي المرحمة، ونبي الملحمة، فكان صلى الله عليه وسلم في مظهر الكمال الجامع بين القوة والعدل والشدة في الله، وبين اللين والرأفة والرحمة، فشريعته أكمل الشرائع، وأمته أكمل الأمم، وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات؛ ولذلك تأتي شريعته بالعدل إيجابًا له وفرضًا، وبالفضل ندبًا إليه واستحبابًا، وبالشدة في موضع الشدة، وباللين في موضع اللين، ووضع السيف موضعه، ووضع الندى موضعه.
بل أمته موصوفون بذلك في مثل قوله تعالى: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] .
وقوله: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54] .
ومن مظاهر التواضع: التواضع للوالدين بطاعتهما بما لا يخالف الشرع، وبالإحسان إليهما وإكرامهما، وبالتواضع لهما، والشفقة عليهما، والتلطف بهما، بأن يقول لهما قولًا حسنًا، وكلامًا طيبًا، مقرونًا بالاحترام والتعظيم، مما يقتضيه حسن الأدب، وغير ذلك مما يجب لهما، عملًا بقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23] .
والعبادة: هي التذلل للمعبود والتواضع له، وكذلك الإحسان إلى الوالدين يقتضي التواضع لهما؛ وذلك ينافي الاختيال والعجب والتفاخر؛ ولهذا قرن بينهما.
ثم زاد الأمر بالإحسان إلى الوالدين تأكيدًا، فصوّر ما ينبغي أن تكون عليه حال الولد من والديه دائمًا، وأخرج معنى الرحمة بهما، والإحسان إليهما، والتواضع لهما في مظهر شيء متخيل محسوس مبالغة في الإلزام به، والدعوة إليه، فقال تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24] .
فصوّر الذلّ المأمور به بطائر خرّ هاويًا إلى الأرض، ثم صوّر مبالغة وضوح الذلّ والتواضع بنشر هذا الطائر -مع ذلك- جناحيه يخفضهما نحو الأرض، بيد أنه استدرك كي لا تحسب أنه ذلّ الحطّة والصغار، وهو ما ينهى عنه الإسلام، ولا يمكن أن يأمر به، فقال: {مِنَ الرَّحْمَةِ} أي: بسبب وبعامل الرحمة بهما، وهو شرف لك، وليس بصغار عليك، ومع ذلك فلا تقتصر على أن تعاملهما برحمة من عندك، بل ادع الله لهما أيضًا على أن يشملهما برحمة من عنده {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} أي: رحمة كرحمتهما بي إذ كنت صغيرًا، أو في مقابل رحمتهما بي إذ ذاك 70.
والمقصود أن قوله: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} المقصود منه المبالغة في التواضع، أي: ابسط لهما جناح الذّلّ والمسكنة والتواضع، الناشئة من كمال الرّحمة والشفقة عليهما، وقد ورد: (الجنة تحت أقدام الأمهات) 71 معناه: أن التواضع للأمهات سبب دخول الجنة.
والأمر في {وَاخْفِضْ} أمر للولد بالتواضع للوالدين تواضعًا يبلغ حد الذل لهما؛ لإزالة وحشة نفوسهما إن صارا في حاجة إلى معونة الولد؛ لأن الأبوين يبغيان أن يكونا هما النافعين لولدهما، والقصد من ذلك التخلق بشكره على إنعامهما السابقة عليه.
قال ابن عاشور: «وصيغ التعبير عن التواضع بتصويره في هيئة تذلل الطائر عند ما يعتريه خوف من طائر أشد منه؛ إذ يخفض جناحه متذللًا، ففي التركيب استعارة مكنية، والجناح تخييل بمنزلة تخييل الأظفار للمنية في قول أبي ذؤيب 72:
وإذا المنية أنشبت أظفارها
ألفيت كل تميمة لا تنفع
وهذه أحكام عامة في الوالدين وإن كانا مشركين، ولا يطاعان في معصية ولا كفر، كما في آية سورة العنكبوت، ومقتضى الآية التسوية بين الوالدين في البر وإرضاؤهما معًا في ذلك؛ لأن موردها لفعل يصدر من الولد نحو والديه؛ وذلك قابل للتسوية، ولم تتعرض لما عدا ذلك مما يختلف فيه الأبوان، ويتشاحان في طلب فعل الولد إذا لم يمكن الجمع بين رغبتيهما، بأن يأمره أحد الأبوين بضد ما يأمره به الآخر، ويظهر أن ذلك يجري على أحوال تعارض الأدلة، بأن يسعى إلى العمل بطلبيهما إن استطاع» 73.
وقال الله تعالى عن يحيى: {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا} [مريم: 14] .
أي: ولم يكن مستكبرًا عن طاعة ربه وطاعة والديه، ولكنه كان لله ولوالديه متواضعًا متذللًا يأتمر لما أمر به، وينتهي عما نهي عنه، لا يعصي ربه، ولا والديه 74.
فجمع بين القيام بحق الله وحق خلقه؛ ولهذا حصلت له السلامة من الله في جميع أحواله، مبادئها وعواقبها؛ فلذا قال: {وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 15] .
وذلك يقتضي سلامته من الشيطان والشر والعقاب في هذه الأحوال الثلاثة وما بينها، وأنه سالم من النار والأهوال ومن أهل دار السلام، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى والده وعلى سائر المرسلين، وجعلنا من أتباعهم، إنه جواد كريم 75.
ومن مظاهر التواضع: بذل السلام على كل أحد، فالمؤمن المتواضع يفشي السلام، ويبذله لكل أحد، صغيرًا أو كبيرًا، غنيًا أو فقيرًا، عرفه أو لم يعرفه، فإفشاء السلام من أجل القربات، وهو من صفات المؤمنين المتواضعين، ومن أسباب المحبة والألفة، والمحبة من أسباب دخول الجنة، فمن أراد دخول الجنة فعليه أن يفشي السلام، ويسلم على كل من لقي، وفي هذا إزالة للوحشة؛ فإنك إذا لقيت شخصًا ولم تسلّم عليه دخلت الجفوة والوحشة بينك وبينه.
وقد روي: «رأس التّواضع ثلاثةٌ: الابتداء بالتّسليم على كلّ أحدٍ، والرّضا بالمجلس عن شرف المجلس، وحبّ العبد المساجد، وترك الرّياء والسّمعة في شيءٍ من دينه» 76.
وقد أمر الله في القرآن بإلقاء السلام على أهل البيوت التي يدخلها المسلم، فالسلام هنا للاستئذان والاستئناس والتواضع والبركة، قال تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61] .
وجعل الله عز وجل السلام علمًا وشعارًا فيما بين المسلمين، وأمانًا يؤمّن بعضهم بعضًا من شره؛ ألا ترى أن أهل الريبة لا يسلّمون، ولا يردّون السلام، وإن كانوا لا يعرفون تفسيره ولا معناه؟! ولكن على الطبع جعل ذلك لهم 77.
وقوله: {بُيُوتًا} نكرة في سياق الشرط فتعمّ البيوت المسكونة وغير المسكونة، فأطلق القول ليدخل تحت هذا العموم كل بيت كان للغير أو لنفسه، فإذا دخل بيتًا لغيره استأذن، وإذا دخل بيتًا لنفسه سلّم.
قال السعدي: « {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا} نكرة في سياق الشرط، يشمل بيت الإنسان وبيت غيره، سواء كان في البيت ساكن أم لا، فإذا دخلها الإنسان {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} أي: فليسلّم بعضكم على بعض؛ لأن المسلمين كأنهم شخص واحد من تواددهم وتراحمهم وتعاطفهم، فالسلام مشروع لدخول سائر البيوت من غير فرق بين بيت وبيت» 78.
وقوله: {تَحِيَّةً} أصل التحية: الدعاء بالحياة وطولها، ثم استعملت في كل دعاءٍ، وكانت العرب إذا لقي بعضهم بعضًا يقول: حياك الله، ثم استعملها الشرع في السلام، وهي تحية الإسلام، قال تعالى: {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} [يونس: 10] .
وقال: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ} [الأحزاب: 44] .
وقال: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النور: 61] .
قالوا: في السلام مزيةٌ على التحية؛ لما أنه دعاءٌ بالسلامة من الآفات الدينية والدنيوية، وهي مستلزمةٌ لطول الحياة، وليس في الدعاء بطول الحياة ذلك؛ ولأن السلام من أسمائه تعالى، فالبداءة بذكره مما لا ريب في فضله ومزّيته، أي: إذا سلّم عليكم من جهة المؤمنين 79.
وقوله: {مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أي: ثابتة بأمره تعالى، مشروعة من لدنه عز وجل، وكانت {مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} لأنه أمر بها؛ ولأنها يحفّها رضاه وبركته وطيبه، ولا شيء أبرك وأكرم مما جاء من عند الله، واختاره وأحبه وشرعه!
قال ابن عاشور: «ولكون كلمة (السلام) جامعة لهذا المعنى امتن الله على المسلمين بها بأن جعلها من عند الله؛ إذ هو الذي علّمها رسوله بالوحي» 80. وقيل: ذكر القرآن السلام من عند الله تعالى على معنى كونه معاملة منه سبحانه بكرامة الثناء، وحسن الذكر للذين رضي الله عنهم من عباده في الدنيا 81.
فلا يليق بالمسلم أن يدع هذه التحية إلى تحية الجاهلية، أو ما شابهها من ألفاظٍ مستحدثة، كقولهم: احتراماتي، تحياتي، صباح الخير، إلى غير ما هنالك من ألفاظ وعبارات ليس فيها ذلك المعنى اللطيف أو المغزى الدقيق الذي قصد إليه الإسلام، دين الإنسانية الخالد 82.
و {مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} أي: حسنة جميلة، ويقال: ذكر البركة والطيب ها هنا لما فيه من الثواب، ومن أهدى سلامًا إلى إنسان فهي هدية خفيفة المحمل، طيبة الريح، مباركة العاقبة 83. فوصف سبحانه هذه التحية بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن، وكلاهما يرجو بها من الله تعالى زيادة الخير، وطيب الرزق.
قال السعدي: «ثم مدح هذا السلام فقال: {تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61] .
أي: سلامكم بقولكم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أو: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ إذ تدخلون البيوت {تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أي: قد شرعها لكم، وجعلها تحيتكم {مُبَارَكَةً} لاشتمالها على السلامة من النقص، وحصول الرحمة والبركة والنماء والزيادة، {طَيِّبَةً} ؛ لأنها من الكلم الطيب المحبوب عند الله، الذي فيه طيب نفس للمحيا، ومحبة وجلب مودة» 84.
فالتعبير في قوله: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} تعبير لطيف عن قوة الرابطة بين المذكورين في الآية، فالذي يسلّم منهم على قريبه أو صديقه يسلّم على نفسه، والتحية التي يلقيها عليه هي تحية من عند الله، تحمل ذلك الروح، وتفوح بذلك العطر، وتربط بينهم بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وهكذا ترتبط قلوب المؤمنين بربهم في الصغيرة والكبيرة 85.
ونظير الآية السابقة قوله: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86] .
{وَإِذَا حُيِّيتُمْ} أي: سلّم عليكم فإن التحية في ديننا بالسلام في الدارين {بِتَحِيَّةٍ} هي تفعلة من حيّا يحيّي تحية {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا} أي: قولوا: وعليكم السلام ورحمة الله، إذا قال: السلام عليكم، وزيدوا: وبركاته، إذا قال: ورحمة الله، ويقال لكل شيء منتهى، ومنتهى السلام وبركاته {أَوْ رُدُّوهَا} أي: أجيبوها بمثلها، ورد السلام جوابه بمثله؛ لأن المجيب يرد قول المسلّم، وفيه حذف مضاف، أي: ردوا مثلها 86.
وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه يبدأ من لقيه بالسلام، ويسلّم على الصبيان إذا مر بهم 87.
ومن علامات التواضع: ترك التفاخر والبغي، فهما صفتان تنافيان التواضع.
وقد ضرب الله في القرآن مثلًا لرجلين:
الأول: متكبر فخور بما آتاه الله من فضله.
والآخر: متواضع خاشع لله.
فقال عن الأول: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} [الكهف:34 - 36] .
إلى آخر الآيات التي ساق فيها مثلًا للنفس الإنسانية المغرورة المتفاخرة بزينة الحياة الدنيا، الجاحدة لنعم الله، وللنفس الإنسانية المتواضعة المعتزة بعقيدتها السليمة، الشاكرة لربها؛ لكي يكون في هذا المثل عبرة وعظة لمن كان له قلب.
فقال تعالى: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} أي: فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن الشاكر: أنا أكثر منك مالًا، وأعز منك عشيرة وحشمًا وأعوانًا، وهذا شأن المطموسين المغرورين، تزيدهم شهوات الدنيا وزينتها بطرًا وفسادًا في الأرض.
ثم انتقل صاحب الجنتين من غروره هذا إلى غرور أشد، حكاه القرآن في قوله: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} أي: أن هذا المغرور لم يكتف بتطاوله على صاحبه المؤمن، بل سار به نحو جنته حتى دخلها، وهو ظالم لنفسه بسبب كفره وجحوده وغروره، وقوله: {وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} أي: وهو معجب بما أوتي مفتخر به، كافر لنعمة ربه، معرّضٌ بذلك نفسه لسخط الله، وهو أفحش الظلم، وقوله: {قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا} أي: قال هذا الكافر لصاحبه: ما أظن أن هذه الجنة تفنى أو تهلك أبدًا.
والمتدبر لحال صاحب الجنتين يراه أولًا: قد زعم أن مدار التفاضل هو الثروة والعشيرة، ويراه ثانيًا: قد بنى حياته على الغرور والبطر، واعتقاد الخلود لزينة الحياة.
ثم حكى سبحانه بعد ذلك ما قاله الرجل المؤمن المتواضع لصاحب الجنتين، الذي نطق بأفحش، وأفجر الفجور، فقال تعالى: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا} أي: قال الرجل الفقير المؤمن في رده على صاحبه الجاحد المغرور، منكرًا عليه كفره، قال له على سبيل المحاورة والمجاوبة: يا هذا {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ} بقدرته {مِنْ تُرَابٍ} أي: خلق أباك الأول من تراب {ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ} أي: خلق أباك آدم من تراب، ثم أوجدك أنت من نطفة عن طريق التناسل والمباشرة بين الذكر والأنثى {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} أي: ثم صيّرك إنسانًا كاملًا، ذا صورة جميلة، وهيئة حسنة، والاستفهام في قوله: {أَكَفَرْتَ} للإنكار والاستبعاد؛ لأن خلق الله تعالى له من تراب ثم نطفة، ثم تسويته إياه رجلًا، يقتضى منه الإيمان بهذا الخالق العظيم، وإخلاص العبادة له، وشكره على نعمائه، وترك الفخر والتكبر.
ثم يعلن الرجل الصالح موقفه بشجاعة ووضوح، فيقول لصاحبه صاحب الجنتين: {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} أي: إن كنت أنت يا هذا قد كفرت بالله الذي خلقك من تراب، ثم من نطفة، ثم سوّاك رجلًا، فإني لست بكافر، ولكني أنا مؤمن، أعترف له بالعبادة والطاعة، وأخضع وأتواضع 88.
فمما ينافي التواضع: البغي، وهو العدوان على الناس بالقول وبالفعل ونحو ذلك.
قال ابن منظور: «وأصل البغي مجاوزة الحدّ» 89، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [يونس: 23] .
أي: إن اسم البغي وعقوبة البغي على الباغي (على أنفسكم الباغية) .
والمقصود أن من مظاهر التواضع ترك هذه الأمور، وهي: (الغرور والعجب والكبر والبغي) فكلها رذائل، والتواضع فضيلة، وقد جعل الله تعالى الدار الآخرة للذين لا يريدون علوًا في الأرض، قال الكلبي ومقاتل: استكبارًا عن الإيمان، وقال عطاء: استطالة على الناس، وتهاونًا بهم، وقال الحسن: لم يطلبوا الشرف والعز عند ذي سلطانهم، وعن علي رضي الله عنه: أنها نزلت في أهل التواضع من الولاة وأهل المقدرة، يعني: من كان من الولاة وأهل القدرة متواضعًا فهو لا يريد علوًّا في الأرض ولا فسادًا 90.
قال السعدي: « {وَلَا فَسَادًا} [القصص: 83] وهذا شامل لجميع المعاصي، فإذا كانوا لا إرادة لهم في العلو في الأرض والإفساد لزم من ذلك أن تكون إرادتهم مصروفة إلى الله، وقصدهم الدار الآخرة، وحالهم التواضع لعباد الله، والانقياد للحق، والعمل الصالح» 91.
ومدح الله من عباده {الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] .
أي: وعباد الله المخلصين الربانيين الذين لهم الجزاء الحسن من ربهم هم الذين يمشون في سكينة ووقار من غير تجبّر ولا استكبار، يطؤون الأرض برفق، ويعاملون الناس بلين، لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا، كما قال تعالى حاكيًا وصية لقمان لابنه: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18] .
وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنّعًا ورياء، وإنما بعزة وأنفة، هي عزة المؤمن المتواضع لله وحده.