فهرس الكتاب

الصفحة 832 من 2431

أولًا: فضل الشهادة في سبيل الله:

الشهادة في سبيل الله شرف عظيم، ومقام رفيع، لا يناله إلا المصطفون الأخيار، ولا يهبها الله إلا لمن يستحقّها؛ فهي اختيار من العليّ الأعلى للصفوة من البشر؛ ليعيشوا مع الملأ الأعلى.

قال عز وجل: (? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 140] .

أي: يكرمكم بالشهادة 111.

قال السهيلي: «وفيه فضل عظيم للشهداء، وتنبيه على حب الله إياهم حيث قال: (? ? ?) [آل عمران: 140] .

ولا يقال: اتخذت، ولا اتخذ إلا في مصطفى محبوب.

قال سبحانه: (پ پ پ ? ?) [المؤمنون: 91] .

وقال: (? ? ? ? ?) [الجن: 3] .

فالاتخاذ إنما هو اقتناء واجتباء ... » 112.

فهي اصطفاء من البشر ليكونوا في صحبة الأنبياء.

قال تعالى في محكم التنزيل: (? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ) [النساء: 69] .

والشهيد الذي غادر هذه الدنيا ليس بميتٍ، ولا يحسب في عداد الأموات، بل هو حيٌّ يعيش حياةً برزخيّة يعلمها الله تعالى.

قال تعالى: (گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 169 - 171] .

فهذه الآيات تبين المنازل العظيمة والدرجات الرفيعة التي ينالها الشهيد، فهم أحياء يتنعمون ويتلذذون بألوان النعم التي أعدها لهم ربهم في جواره 113.

قال الشعراوي: «الله سبحانه يريد أن يعطينا مواصفات تؤكد أن الشهيد حي، ومن ضروريات الحياة أنه يُرزق أي ينتفع باستبقاء الحياة، وعلينا أن نفهم أن العندية عندك غير العندية عند الله، فالشهيد حي عند ربه ويرزق عند ربه رزقًا يناسب الحياة التي أرادها له ربه» 114.

فالشهيد له مكانة عظيمة، قال القرطبي: «سمي شهيدًا لأنه مشهود له بالجنة وقيل: سمي شهيدًا لأن أرواحهم احتضرت دار السلام، لأنهم أحياء عند ربهم، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة، فالشهيد بمعنى الشاهد، أي: الحاضر للجنة» 115.

وقد بين لنا هذه المكانة العظيمة المصطفي عليه السلام حيث قال: (ما من أحدٍ يدخل الجنّة يحبّ أن يرجع إلى الدّنيا، وأنّ له ما على الأرض من شيءٍ، غير الشّهيد، فإنّه يتمنّى أن يرجع، فيقتل عشر مرّاتٍ، لما يرى من الكرامة) 116.

ولو لم يكن للقتل والشّهادة في سبيل الله من الأجر الكبير لما تمنّى محمد صلى الله عليه وسلم أن يقتل في سبيل الله ثلاث مرّات، كما جاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (انتدب اللّه لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلّا إيمانٌ بي وتصديقٌ برسلي، أن أرجعه بما نال من أجرٍ أو غنيمةٍ، أو أدخله الجنّة، ولولا أن أشقّ على أمّتي ما قعدت خلف سريّةٍ، ولوددت أنّي أقتل في سبيل اللّه ثمّ أحيا، ثمّ أقتل، ثمّ أحيا، ثمّ أقتل) 117.

وإليكم هذه الفضائل التي يحوزها الشهيد؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (للشهيد عند الله ستّ خصال: يغفر له في أوّل دفعة، ويرى مقعده من الجنّة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويزوّج اثنتين وسبعين زوجةً من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه) 118.

ومن فضائل الشهادة في سبيل الله أن الشهيد لا يحس بألم، فقد جاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يجد الشّهيد من مسّ القتل إلّا كما يجد أحدكم من مسّ القرصة) 119.

وإذا قتل الشهيد لم ينقطع عمله الصالح، بل يزيد ويتضاعف؛ فعند الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كلّ ميتٍ يختم على عمله إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله؛ فإنّه ينمى له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن من فتنة القبر) 120.

ثانيًا: شروط الشهادة في سبيل الله:

إن للشهادة في سبيل الله شروطًا، لا بد من توافرها حتى يقبل صاحبها في مقام الشهداء، عند الله عز وجل، وهي:

1.الإسلام.

فلا بد أن يكون الشهيد مسلمًا، فلا تقبل الشهادة من الكافر والمشرك، ولا ينتفع بشيء من جهاده؛ لأن الشرك يحبط العمل ويبطله، قال تعالى: (? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے) [النساء: 48] .

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? چ چ) [الفرقان: 23] .

وعن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئت لأتبعك، وأصيب معك، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تؤمن بالله ورسوله؟) قال: لا، قال: (فارجع، فلن أستعين بمشرك) ، قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كما قال أول مرة، قال: (فارجع، فلن أستعين بمشرك) ، قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة: (تؤمن بالله ورسوله؟) قال: نعم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فانطلق) 121.

2.الإخلاص.

فهو أساس قبول العمل، فلا بد أن تكون الشهادة في سبيل الله؛ خالصة لوجهه الكريم، ابتغاء مرضاته، والفوز بالأجر العظيم، لا يراد منها سمعة ولا رياءً، فالإخلاص شرط لكل عملٍ تعبدي، كما قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الكهف: 110] .

عن أبي أمامة الباهلي قال: جاء رجلٌ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذّكر ما له؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا شيء له) ، فأعادها ثلاث مرّاتٍ، يقول له رسول الله: (لا شيء له) ، ثم قال: (إنّ الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغي به وجهه) 122.

وعن أبي موسى الأشعري، قال: قال أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، ويقاتل ليرى مكانه، من في سبيل الله؟ فقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) 123.

3.الثبات والصبر وعدم الفرار.

فمن يقتل وهو مدبر فار من الزحف، حتى لو قتل في ساحات المعركة، فهو ليس بشهيد، بل له وعيد شديد؛ لأنه قد مات على كبيرة من كبائر الذنوب، وقد وضحت الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة هذا الشرط ونهت عن ضده من التولي يوم الزحف والفرار من المعركة، كما جعلت درجة الشهادة لمن تحلى بهذه الصفة.

قال عز وجل: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنفال: 45] .

«والثبات إنما يكون بقوة القلب وشدة اليقين، ولا يكون ذلك إلا لنفاذ البصيرة، والتحقق بالله، وشهود الحادثات كلها منه، فعند ذلك يستسلم لله، ويرضى بحكمه، ويتوقع منه حسن الإعانة، ولهذا أحالهم على الذكر فقال: (? ? ?) » 124.

وأمر سبحانه وتعالى بالصبر والمصابرة في وجه الأعداء.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 200] .

قال ابن عاشور: «فأمرهم بالصبر الذي هو جماع الفضائل وخصال الكمال، ثم بالمصابرة وهي الصبر في وجه الصابر، وهذا أشد الصبر ثباتًا في النفس وأقربه إلى التزلزل، ذلك أن الصبر في وجه صابر آخر شديد على نفس الصابر؛ لما يلاقيه من مقاومة قرن له في الصبر قد يساويه أو يفوقه، ثم إن هذا المصابر إن لم يثبت على صبره حتى يمل قرنه فإنه لا يجتني من صبره شيئًا، لأن نتيجة الصبر تكون لأطول الصابرين صبرًا» 125.

وقد توعد الله عز وجل الفارين من القتال بالغضب والعذاب الشديد، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنفال: 16] .

واستثنى من كونه فرارًا حالتين:

الأولى: التحرف: وهو من باب مكايدة العدو، أي الفر للكر، يوهمه أنه منهزم ليتبعه العدو فيكر عليه ويتمكن منه، ونحو ذلك من مكائد الحرب فإن الحرب خدعة.

الثانية: التحيز: وهو الانضمام لقتال فئة أهم ممن يقاتلهم 126.

فالفرار من المعركة اعتبره النبي صلى الله عليه وسلم من الكبائر، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) ، قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) 127.

فالإقبال وعدم الإدبار عند لقاء العدو شرط لقبول الشهادة، فعن أبي قتادة، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قام فيهم فذكر لهم أنّ الجهاد في سبيل الله، والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجلٌ، فقال: (يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله، تكفّر عنّي خطاياي؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:(نعم، إن قتلت في سبيل الله، وأنت صابرٌ محتسبٌ، مقبلٌ غير مدبرٍ) ، ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف قلت؟) قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفّر عنّي خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم، وأنت صابرٌ محتسبٌ، مقبلٌ غير مدبرٍ، إلّا الدّين، فإنّ جبريل عليه السّلام قال لي ذلك) 128.

قال النووي: «هذه الفضيلة العظيمة للمجاهد، وهى تكفر خطاياه كلها إلا حقوق الآدميين، وإنما يكون تكفيرها بهذه الشروط المذكورة وهو أن يقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، وفيه: أن الأعمال لا تنفع إلا بالنية والإخلاص لله تعالى» 129.

4.أن يكون قتاله واستشهاده على السّنّة.

فلا بد أن تتحقق فيه صفة المتابعة، فيغلّب الانقياد والمتابعة للشريعة، على حب التشفي والانتقام والإجرام في القتل، فيراعي الحدود الشرعية، أما من يغلّب الهوى وحب التشفي والانتقام على الحكم الشرعي، فيضع السيف حيث ينبغي شرعًا أن يرفعه، ويرفعه حيثما ينبغي شرعًا أن يضعه فمن كان هذا منهجه في القتال ثم قتل عليه، يفقد صفة وحكم الشهيد في سبيل الله، وما أعد الله تعالى للشهيد من مقام عظيم.

ومن أمثال هؤلاء: الغلاة الذين يقتلون إخوانهم المسلمين بحجة مخالفتهم المنهج، فيقتلون من صان الشرع حرماتهم، كما جاء وصفهم في الحديث: (يقتلون أهل الإسلام، ويتركون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد) 130.

فهم يستحلون دم إخوانهم المسلمين الذين عظم الله عز وجل دماءهم، قال صلى الله عليه وسلم: (لزوال الدّنيا أهون عند اللّه من قتل رجلٍ مسلمٍ) 131.

ومن الاستشهاد على السنّة: أن لا يستشرف مواطن الهلكة والقتل: (? چ چچ چ ? ? ? ?) [النساء: 29] .

وقال تعالى: (? ? ہ ہ ہ) [البقرة: 195] .

وكالذي يستعجل في الاستشهاد دون أن يعود بالنفع على المسلمين، فمن يفعل ذلك فهو ليس بشهيد.

5.أن يكون الغرض الذي يستشهد من أجله مشروعًا.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 76] .

فقد أذن الله تعالى لعباده أن يجاهدوا، لإعلاء كلمة الله عز وجل، ورفع راية الحق، ودفاعًا عن الدين والمال والعرض، فمن قتل دفاعًا عن هذه الأشياء فهو شهيد 132، قال صلى الله عليه وسلم: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد) 133.

أولًا: المعوقات المادية أو الحسية:

ومن هذه المعوقات ما يتعلق بذات الشخص نفسه، ومنها ما تخرج عن ذاته.

أما الأول: عدم المشاركة في القتال بسبب عجز صحي، وهذه المعوقات أعاقت أصحابها عن المشاركة في الجهاد، ورفع الله عنهم الحرج في الخروج للجهاد بسبب عجزهم.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چچ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ) [الفتح: 17] .

فهم ثلاثة أصناف، الأعمى الذي لا يستطيع الوصول للعدو والانتقال أثناء المعركة، والأعرج الذي لا يستطيع الكر والفر، والمريض الذي يمنعه مرضه، إذ به يضعف جسمه 134.

فقد قال الله عز وجل: (? ? ? ? ? ?) [البقرة: 286] .

فكل من عجز عن القتال؛ لضعف في بدنه رفع الله عز وجل عنه الحرج.

قال جل جلاله: (ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ?) [التوبة: 91] .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة تبوك فقال:(إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم) ، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: (وهم بالمدينة، حبسهم العذر) 135.

وقد قسم الإمام الرازي أصحاب الأعذار فقال: «القسم الأول: الصحيح في بدنه، الضعيف مثل الشيوخ، ومن خلق في أصل الفطرة ضعيفًا نحيفًا، وهؤلاء هم المرادون بالضعفاء، ... وأما المرضى: فيدخل فيهم أصحاب العمى، والعرج، والزمانة، وكل من كان موصوفًا بمرض يمنعه من التمكن من المحاربة، والقسم الثالث: الذين لا يجدون الأهبة والزاد والراحلة، وهم الذين لا يجدون ما ينفقون، لأن حضوره في الغزو إنما ينفع إذا قدر على الإنفاق على نفسه، إما من مال نفسه، أو من مال إنسان آخر يعينه عليه، فإن لم تحصل هذه القدرة، صار كلًّا ووبالًا على المجاهدين، ويمنعهم من الاشتغال بالمقصود، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأقسام الثلاثة قال: لا حرج على هؤلاء» 136.

ومن المعوقات ما تخرج عن ذات الشخص فتتعلق بغيره، منها: الفقر وعدم القدرة على النفقة في الغزو.

قال جل جلاله: (ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة: 91 - 92] .

قال الشوكاني: «ثم ذكر العذر الراجع إلى المال لا إلى البدن فقال: (? ? ? ? ? ? ?) أي: ليست لهم أموال ينفقونها فيما يحتاجون إليه من التجهز للجهاد، فنفى سبحانه عن هؤلاء الحرج وأبان أن الجهاد مع هذه الأعذار ساقط عنهم، غير واجب عليهم» 137.

«فإن قيل: في قوله (ھ ے ے ? ? ? ?) أليس هؤلاء داخلون تحت قوله: (? ? ? ? ? ? ?) فما الفائدة في إعادته؟ قلنا: الذين لا يجدون ما ينفقون، هم الفقراء الذين ليس معهم دون النفقة، وهؤلاء المذكورون في الآية الأخيرة هم الذين ملكوا قدر النفقة، إلا أنهم لم يجدوا المركوب» 138.

ومن المعوقات المادية: ضعف الإمكانات والعدة والعتاد للقتال ومواجهة الأعداء، العتاد من الأمور التي قد تعوق دون المشاركة في الجهاد، وتؤثر على المسلمين في جهادهم، وقد أمر الله عز وجل بإعداد القوة لمواجهة أعداء الله.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنفال: 60] .

قال الرازي: «اعلم أنه تعالى لما أوجب على رسوله أن يشرد من صدر منه نقض العهد، وأن ينبذ العهد إلى من خاف منه النقض، أمره في هذه الآية بالإعداد لهؤلاء الكفار، قيل: إنه لما اتفق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا آلة ولا عدة؛ أمرهم الله أن لا يعودوا لمثله، وأن يعدوا للكفار ما يمكنهم من آلة وعدة وقوة» 139.

والمقصود بالقوة التي أمر الله عز وجل بإعدادها كل ما يتقوى به في مواجهة الأعداء، وقيل: جميع أنواع الأسلحة، وقيل: هي الرمي كما فسرها النبي صلى الله عليه وسلم 140.

ثانيًا: المعوقات المعنوية:

إن الحرب النفسية من أهم ما يؤثر على نفسية المجاهد، فإذا ما تزعزعت هذه الروح كان من السهل التفوق عليها، لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم بالروح المعنوية لأصحابه، حتى يكونوا جاهزين للمشاركة في أي غزوة للدفاع عن دينهم، وكان مما يؤثر على المجاهد معنويًّا وجود فئة من المثبطين المتخاذلين الذين قال الله عنهم: (چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ) [الأحزاب: 18] .

يخبر تعالى عن إحاطة علمه بالمعوقين لغيرهم عن شهود الحرب، والقائلين لإخوانهم وأصحابهم وعشرائهم وخلطائهم هلم إلينا أي: إلى ما نحن فيه من الإقامة في الظلال والثمار، وهم مع ذلك لا يشاركون في الحرب إلا قليلًا، وهم مع ذلك بخلاء بالمودة، والشفقة عليكم 141.

وقد نزلت هذه الآية في ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحمًا لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا هذا الرجل فإنه هالك 142.

هذا هو حال المنافقين، فهم جبناء لا يشاركون في الحرب، ومع ذلك يثبطون همم المسلمين ويحبطوهم، ويخذلوهم.

أولًا: الشبهة الأولى:

قال الكفار: إن النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان في مكة كان ضعيفًا لا عدة عنده ولا عتاد؛ لذلك كان يأمر بالعفو والصفح، ولكن عند خروجه منها وقيامه بدولته انقلب واصبح دمويًّا، وللرد على هذه الشبهة نقول: إن الإسلام يدعو إلى الرحمة على يد نبيه صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) } [الأنبياء: 107] .

وكانت أول آية للإذن بالقتال قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) } [الحج: 39] .

قال البغوي في تفسيره: «وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في قوم بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة، فكانوا يمنعون، فأذن الله لهم في قتال الكفار الذين يمنعونهم من الهجرة، بأنهم ظلموا، أي: بسبب ما ظلموا، واعتدوا عليهم بالإيذاء، وإن الله على نصرهم لقدير» 143.

فأمر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والمؤمنين بالقتال لم يكن إلا ردًّا على ظلم أو عدوان.

ثانيًا: الشبهة الثانية:

وهي مكونة من نظريتين، الأولى: أن الإسلام إنما انتشر بالقهر والسيف، وسفك الدماء، وأن المسلمين كانوا متوحشين يبطشون بالناس ويكرهونهم على الدخول فيه، والثانية: تهتف بعكس ذلك تمامًا، أي أنه دين سلام ومحبّة، لا يشرع الجهاد فيه إلا لرد العدوان المداهم، ولا يحارب أهله إلا إذا أرغموا على القتال، والهدف في النهاية قتل روح الجهاد في نفوس المسلمين.

نقول: إن الإسلام لم ينتشر بالسيف بل انتشر بالدعوة وحدها، ومثال على ذلك انتشاره في الهند والصين، فالمسلمون فيها لم يكونوا غير عابري سبيل فيها، فالإسلام دين خضوع وانقياد عن رضا.

يقول عز وجل: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99] .

«يقول المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب وهو يتحدث عن سر انتشار الإسلام في عهده صلى الله عليه وسلم وفى عصور الفتوحات من بعده: قد أثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة، ولم ينتشر الإسلام إذن بالسيف، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرًا كالترك والمغول، وبلغ القرآن من الانتشار في الهند التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل ما زاد عدد المسلمين إلى خمسين مليون نفس فيها، ولم يكن الإسلام أقل انتشارًا في الصين التي لم يفتح العرب أي جزء منها قط، وسترى في فصل آخر سرعة الدعوة فيها، ويزيد عدد مسلميها على عشرين مليونًا في الوقت الحاضر» 144.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت