قلنا: لو قصد ذلك لم يضره في قصده ولا أثر في نذره، لأن نذر الولد صار عبارة عن ذبح الشاة شرعًا 84.
قال الزرقاني: «فأنت ترى في هذا العرض الكريم لقصة إبراهيم الخليل وولده الذبيح إسماعيل ما يفيد أنه سبحانه قد أمر إبراهيم بذبح ولده ثم نسخ ما أمره به قبل أن يتمكن من تنفيذه وفعله، أما أنه أمره بالذبح فيرشد إليه:
أولًا: قول إبراهيم لولده {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} لأن رؤيا الأنبياء حق من ناحية، ولأن مفاوضة إبراهيم لولده في هذا الأمر الجلل تدل على أن هذا أمر لا بد منه من ناحية أخرى، وإلا لما فاوضه تلك المفاوضة الخطيرة المزعجة التي هي أول مراحل السعي إلى التنفيذ.
ثانيًا: أن إسماعيل أجاب أباه بإعلان خضوعه وامتثاله لأمر ربه: {قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات:102] .
ثالثًا: أن إبراهيم اتخذ سبيله إلى مباشرة الأسباب القريبة للذبح حيث أسلم ولده وأسلم إسماعيل نفسه: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) } [الصافات:103] .
رابعًا: أن الله ناداه بأنه قد صدق الرؤيا، أي: فعل من صدقها وحققها، ولو لم يكن هذا أمرًا من الله واجب الطاعة ما مدحه الله على تصديقه لرؤياه وسعيه إلى تحقيق ما أمره مولاه.
خامسًا: أن الله فدى إبراهيم بذبح عظيم، فلو لم يكن ذبح إسماعيل مطلوبًا لما كان ثمة داع يدعو إلى الفداء.
سادسًا: أن الله امتدح إبراهيم بأنه من المؤمنين ومن المحسنين المستحقين لإكرام الله إياه بالفرج بعد الشدة، وقرر سبحانه أن هذا هو البلاء المبين، وكافأه بأنه ترك عليه في الآخرين {سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) } [الصافات:109] .
وكل ذلك يدل على أن الله أمره فأطاع، وابتلاه أشد الابتلاء فاستسلم وانصاع.
وأما أن الله نسخ هذا الأمر قبل تمكن إبراهيم من امتثاله، فيرشد إليه محاولة إبراهيم للتنفيذ بالخطوات التي خطاها، والمحاولات التي حاولها، وهي مفاوضة ولده حتى يستوثق منه أو يتخذ إجراء آخر، ثم استسلامهما بالفعل لحادث الذبح وصرعه فلذة كبده وقرة عينه على جبينه، كيما يضع السكين ويذبحه كما أمره رب العالمين، ولكن جاء النداء بالفداء قبل التمكن من الامتثال وتنفيذ الذبح» 85.
قال تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) } [يوسف:4 - 5] .
سورة يوسف من السور المميزة في باب الرؤيا؛ لوجود أربع رؤى فيها من بين الرؤى المعدودة في القرآن الكريم، وقد ابتدأت قصة يوسف عليه السلام برؤياه التي رآها، قال تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) } [يوسف:4] .
وانتهت القصة بتصديق رؤياه، قال تعالى: {وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف:100] .
وإن الأحداث التي في رؤيا يوسف عليه السلام تختلف عن الأحداث التي في رؤيا إبراهيم عليه السلام، ويترتب على ذلك اختلاف في التأويل، وكما أن رؤيا إبراهيم عليه السلام لها مكانة كما مر بنا، فإن رؤيا يوسف عليه السلام لها مكانة أيضًا، بحيث اعتبرت قصة يوسف التي ابتدأت بها من أحسن القصص.
وقد تكلم المفسرون على تعبير هذا المنام أن الأحد عشر كوكبًا عبارة عن إخوته، وكانوا أحد عشر رجلًا سواه، والشمس والقمر عبارة عن أبيه وأمه، روي هذا عن ابن عباس والضحاك وقتادة وسفيان الثوري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقد وقع تفسيرها بعد أربعين سنة، وقيل: ثمانين سنة، وذلك حين رفع أبويه على العرش، -وهو سريره- وإخوته بين يديه {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف:100] 86.
قال الطبري: «وقوله {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} يقول: والشمس والقمر رأيتهم في منامي سجودًا، وقال {سَاجِدِينَ} والكواكب والشمس والقمر إنما يخبر عنها بـ «فاعلة» و «فاعلات» لا بالواو والنون، لأن الواو والنون إنما هي علامة جمع أسماء ذكور بني آدم أو الجن أو الملائكة، وإنما قيل ذلك كذلك، لأن السجود من أفعال من يجمع أسماء ذكورهم بالياء والنون أو الواو والنون، فأخرج جمع أسمائها مخرج جمع أسماء من يفعل ذلك، كما قيل: {يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} [النمل:18] .
وقال: {رَأَيْتُهُمْ} وقد قيل: {رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} فكرر الفعل، وذلك على لغة من قال: كلمت أخاك كلمته، توكيدا للفعل بالتكرير» 87.
وقال القرطبي في قوله تعالى: {سَاجِدِينَ} وكيف جاء مذكرًا: «فالقول عند الخليل وسيبويه أنه لما أخبر عن هذه الأشياء بالطاعة السجود، وهما من أفعال من يعقل أخبر عنهما كما يخبر عمن يعقل» 88.
قال أبو جعفر: «يقول جل ذكره قال يعقوب لابنه يوسف: {يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ} هذه {عَلَى إِخْوَتِكَ} فيحسدوك {فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} يقول: فيبغوك الغوائل ويناصبوك العداوة، ويطيعوا فيك الشيطان {إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} يقول: إن الشيطان لآدم وبنيه عدو قد أبان لهم عداوته وأظهرها، يقول: فاحذر الشيطان أن يغري إخوتك بك بالحسد منهم لك إن أنت قصصت عليهم رؤياك، وإنما قال يعقوب ذلك؛ لأنه قد كان تبين له من أخوته قبل ذلك حسدًا» 89.
قال القرطبي: «إن قيل: إن يوسف عليه السلام كان صغيرًا حين رؤياه، والصغير لا حكم لفعله، فكيف تكون له رؤيا لها حكم حتى يقول له أبوه: لا تقصص رؤياك على إخوتك؟ فالجواب أن الرؤيا إدراك حقيقة، فتكون من الصغير كما يكون منه الإدراك الحقيقي في اليقظة، وإذا أخبر عما رأى صدق، فكذلك إذا أخبر عما يرى في المنام، وقد أخبر الله سبحانه عن رؤياه وأنها وجدت كما رأى فلا اعتراض، وروي أن يوسف عليه السلام كان ابن اثنتي عشرة سنة» 90.
قال ابن كثير: «يقول تعالى مخبرًا عن قول يعقوب لابنه يوسف حين قص عليه ما رأى من هذه الرؤيا، التي تعبيرها خضوع إخوته له وتعظيمهم إياه تعظيمًا زائدًا، بحيث يخرون له ساجدين إجلالًا وإكرامًا واحترامًا، فخشي يعقوب عليه السلام أن يحدث بهذا المنام أحدًا من إخوته فيحسدوه على ذلك فيبغوا له الغوائل؛ حسدًا منهم له ولهذا قال له {لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} أي: يحتالوا لك حيلة يردونك فيها، ولهذا ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا رأى أحدكم ما يحب فليحدث به، وإذا رأى ما يكره فليتحول إلى جنبه الآخر، وليتفل عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من شرها، ولا يحدث بها أحدًا، فإنها لن تضره) 91» 92.
قال القرطبي: «هذه الآية أصل في أن لا نقص الرؤيا على غير شفيق ولا ناصح، ولا على من لا يحسن التأويل فيها، وفي هذه الآية دليل على أن مباحًا أن يحذر المسلم أخاه المسلم ممن يخافه عليه، ولا يكون داخلًا في معنى الغيبة، لأن يعقوب عليه السلام قد حذر يوسف أن يقص رؤياه على إخوته فيكيدوا له، وفيها ما يدل على جواز ترك إظهار النعمة عند من تخشى غائلته حسدًا وكيدًا، وفيها دليل واضح على معرفة يعقوب عليه السلام بتأويل الرؤيا، فإنه علم من تأويلها أنه سيظهر عليهم ولم يبال بذلك من نفسه، فإن الرجل يود أن يكون ولده خيرًا منه، والأخ لا يود ذلك لأخيه، ويدل أيضًا على أن يعقوب عليه السلام كان أحس من بنيه حسد يوسف وبغضه، فنهاه عن قصص الرؤيا عليهم خوفًا أن تغل بذلك صدورهم، فيعملوا الحيلة في هلاكه، ومن هذا ومن فعلهم بيوسف يدل على أنهم كانوا غير أنبياء في ذلك الوقت» 93.
وقد أخرج الطبري بسنده عن جابر رضي الله عنه رواية ذكر فيها أسماء الكواكب التي رآها يوسف عليه السلام، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من يهود يقال له: بستانة اليهودي، فقال له: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف ساجدة له ما أسماؤها؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه بشيء، ونزل عليه جبريل وأخبره بأسمائها، قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فقال: (هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟) قال: نعم، فقال: (جربان والطارق، والذيال، وذو الكنفات، وقابس، ووثاب، وعمودان، والفليق، والمصبح، والضروح، وذو الفرغ، والضياء، والنور) . فقال اليهودي: والله إنها لأسماؤها 94.
قال تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) } [يوسف:100] .
وقوله: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني: السرير، أي: أجلسهما معه على سريره {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} أي: سجد له أبواه وإخوته الباقون، وكانوا أحد عشر رجلًا، {وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ} أي: التي كان قصها على أبيه {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف:4] .
وقد كان هذا سائغًا في شرائعهم، إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزًا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام، فحرم هذا في هذه الملة وجعل السجود مختصًا بجناب الرب سبحانه وتعالى، والغرض أن هذا كان جائزًا في شريعتهم؛ ولهذا خروا له سجدًا، فعندها قال يوسف: {وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} ، أي: هذا ما آل إليه الأمر، فإن التأويل يطلق على ما يصير إليه الأمر، كما قال تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [الأعراف:53] .
أي: يوم القيامة يأتيهم ما وعدوا من خير وشر.
وقوله: {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} أي: صحيحة صدقًا، يذكر نعم الله عليه {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} أي: البادية 95.
قال الرازي: «لعل الله تعالى أمر يعقوب بتلك السجدة لحكمة خفية لا يعرفها إلا هو، كما أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم لحكمة لا يعرفها إلا هو، ويوسف ما كان راضيًا بذلك في قلبه إلا أنه لما علم أن الله أمره بذلك سكت، ثم حكى تعالى أن يوسف لما رأى هذه الحالة {وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنه لما رأى سجود أبويه وإخوته هاله ذلك واقشعر جلده منه، وقال ليعقوب: هذا تأويل رؤياي من قبل، كأنه يقول: يا أبت لا يليق بمثلك على جلالتك في العلم والدين والنبوة أن تسجد لولدك إلا أن هذا أمر أمرت به وتكليف كلفت به، فإن رؤيا الأنبياء حق، كما أن رؤيا إبراهيم ذبح ولده صار سببًا لوجوب ذلك الذبح عليه في اليقظة، فكذلك صارت هذه الرؤيا التي رآها يوسف وحكاها ليعقوب سببًا لوجوب ذلك السجود» 96.
وقد جاء في كتاب ضوابط تعبير الرؤيا تسع فوائد مستنبطة من رؤيا يوسف عليه السلام وهي على التوالي:
الأولى: مشروعية قص الرؤيا على أهل العلم والفضل، فيعقوب نبي، وهو من أهل العلم والفضل، ولذا قصها يوسف عليه ولعلمه بتأويله لها.
الثانية: معرفة يعقوب عليه السلام برؤيا يوسف وغايتها وما تؤول إليه ووسائلها التي تتقدم عليها، ففسر الشمس والقمر بأبيه وأمه والأحد عشر كوكبًا بإخوته، وأن الحال سيكون بأن الجميع سيسجد له.
الثالثة: حصول المكانة العظيمة ليوسف عند أبويه عند رؤياه التي قصها عليه، ولذا تراه كان معظمًا تعظيمًا بليغًا عندهم.
الرابعة: إن حصول الرؤيا الصالحة لا تكون لكل البشر، فلا تحصل لأهل العلوم الفاسدة والأعمال الخبيثة الذين ينشرون الرذيلة في المجتمعات، بل لا تكون إلا لأهل الاجتباء من الله، فلا تحصل إلا لأهل العلوم النافعة والأعمال الصالحة والأخلاق الجميلة. ولذا قال يعقوب ليوسف: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف:6] .
الخامسة: إن من علم أن المكاره والمشقات تفضي إلى الخير والراحات، تسلى وهانت عليه مشقتها وسهلت عليه وطأتها وحصل بذلك من اللطف والروح شيء عظيم، وهذا من جملة اللطف الذي أشار إليه يوسف في قوله: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ} وكأن يوسف عليه السلام له علم أنه ستكون له مكانة عظيمة ولكن لا يكون ذلك إلا بعد حصول مكروه له، فيجب عليه أن يصبر، وكأن يعقوب بذلك يريد أن يسهل على ابنه وطأة ما يحصل له، وهكذا ينبغي لكل معبر أنه إذا عبر لإنسان رؤياه وكان مآلها إلى خير، لكن بعد حصول مكروه للرائي، فإنه يدعو الرائي إلى الاستعداد ولمقابلة ما يحدث له.
السادسة: البشارة العظيمة ليعقوب وأم يوسف وأخوته بحصول الرفعة والصلاح والخير.
السابعة: إنه يتعين على الإنسان أن يعدل بين أولاده، وينبغي له إذا كان يحب أحدهم أكثر من غيره أن يخفي ذلك ما أمكنه، وأن لا يفضله بما يقتضيه الحب من إيثار بشيء من الأشياء، فإنه أقرب إلى صلاح الأولاد وبرهم له واتفاقهم فيما بينهم، ولهذا لما ظهر لأخوة يوسف من محبة يعقوب الشديدة ليوسف وعدم صبره عنه وانشغاله به عنهم سعوا في أمر وخيم وهو التفريق بينه وبين أبيه.
الثامنة: في قوله تعالى: {لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} .
ففيها الآتي:
1.أن الأصل أن لا تقص الرؤيا إلا على شفيق أو ناصح، ولا تقص إلا على من يحسن تأويلها.
2.أن يحذر المسلم أخاه المسلم، وإن كان أخاه في النسب مما يخاف عليه.
3.جواز ترك إظهار النعمة عند من يخشى غائلته حسدًا وكيدًا.
4.فيها أيضا دليل واضح على معرفة يعقوب بتأويل الرؤيا فإنه علم من تأويلها أنه سيظهر عليهم.
5.أنه يجوز ذكر الإنسان بما يكره على وجه النصيحة لغيره، وهذا لقوله تعالى: (پ پ ?) .
التاسعة: في قول إخوة يوسف لأبيهم: (ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ?) [يوسف:97] .
إن العبرة في حال العبد بكمال النهاية لا بنقص البداية، فإن أولاد يعقوب جرى منهم ما جرى في أول الأمر مما هو أكبر أسباب النقص واللوم، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح والسماح من يوسف ومن أبيهم الدعاء لهم بالمغفرة 97.
رابعًا: رؤى النبي محمد صلى الله عليه وسلم:
لا شك أن رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحي، وأن القرآن الكريم ذكر رؤيا نبي الله إبراهيم عليه السلام ونبي الله يوسف عليه السلام كما تقدم، ولقد تعرض القرآن الكريم لأكثر من رؤيا لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، منها ما هو متفق عليها عند المفسرين أنها رؤيا في المنام، ومنها ما هو مختلف في تفسيرها: هل هي رؤيا عين أم أنها رؤيا في المنام؟
ولنبدأ بما هو متفق عليه وهي رؤيا النبي عليه الصلاة والسلام المنصوص عليها في القرآن الكريم وهي:
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الفتح:27] .
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: لقد صدق الله رسوله محمدًا رؤياه التي أراها إياه أنه يدخل هو وأصحابه بيت الله الحرام آمنين لا يخافون أهل الشرك، مقصرًا بعضهم رأسه ومحلقًا بعضهم» 98.
ومعنى صدق الله رسوله الرؤيا أنه أراه رؤيا صادقة، لأن رؤيا الأنبياء وحي، فآلت إلى معنى الخبر فوصفت بالصدق لذلك، وهذا تطمين لهم بأن ذلك سيكون لا محالة، وهو في حين نزول الآية لما يحصل بقرينة قوله: (? ? ?) .
ومعنى (?) تحقيق دخول المسجد الحرام في المستقبل، فيعلم منه أن الرؤيا إخبار بدخول لم يعين زمنه فهي صادقة فيما يتحقق في المستقبل، وهذا تنبيه للذين لم يتفطنوا لذلك، فجزموا بأن رؤيا دخول المسجد تقتضي دخولهم إليه أيامئذ وما ذلك بمفهوم من الرؤيا، وكان حقهم أن يعلموا أنها وعد لم يعين إبان موعوده، وقد فهم ذلك أبو بكر إذ قال لهم: إن المنام لم يكن مؤقتًا بوقت وأنه سيدخل. وقد جاء في سورة يوسف (گ گ گ گ ? ? ?) [يوسف:100] 99.
قال ابن كيسان: إنه حكاية ما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم في منامه، خوطب في منامه بما جرت به العادة، فأخبر الله عن رسوله أنه قال ذلك، ولهذا استثنى، تأدب بأدب الله تعالى حيث قال تعالى: (? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ?) [الكهف:23 - 24] .
وقيل: خاطب الله العباد بما يحب أن يقولوه، كما قال (? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ?) .
وقيل: استثنى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون، قاله ثعلب، وقيل: كان الله علم أنه يميت بعض هؤلاء الذين كانوا معه بالحديبية فوقع الاستثناء لهذا المعنى، قاله الحسين بن الفضل.
وقيل: الاستثناء من (?) ، وذلك راجع إلى مخاطبة العباد على ما جرت به العادة.
وقيل: معنى (? ? ?) إن أمركم الله بالدخول.
وقيل: أي: إن سهل الله.
وقيل: (? ? ?) أي: كما شاء الله.
فوعدهم دخول المسجد الحرام، وعلقه بشرط المشيئة، وذلك عام الحديبية، فأخبر أصحابه بذلك فاستبشروا، ثم تأخر ذلك عن العام الذي طمعوا فيه، فساءهم ذلك واشتد عليهم وصالحهم ورجع، ثم أذن الله في العام المقبل، فأنزل الله (? ? ? ? ? ?) .
وإنما قيل له في المنام: (? ? ? ? ? ?) فحكى في التنزيل ما قيل له في المنام، فليس هنا شك، كما زعم بعضهم أن الاستثناء يدل على الشك، والله تعالى لا يشك، و (?) تحقيق، فكيف يكون شك.
فـ (?) بمعنى (إذا) . (?) أي: من العدو.
(? ? ? ? ? ?) أي: من دون رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم فتح خيبر، قاله ابن زيد والضحاك.
وقيل: فتح مكة، وقال مجاهد: هو صلح الحديبية، وقاله أكثر المفسرين.
قال الزهري: ما فتح الله في الإسلام كان أعظم من صلح الحديبية، لأنه إنما كان القتال حين تلتقي الناس، فلما كانت الهدنة وضعت الحرب أوزارها وأمن الناس بعضهم بعضًا، فالتقوا وتفاوضوا الحديث والمناظرة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، فلقد دخل تينك السنتين في الإسلام مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر، يدلك على ذلك أنهم كانوا سنة ست يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة، وكانوا بعد عام الحديبية سنة ثمان في عشرة آلاف 100.
قال ابن كثير: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أري في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلما وقع ما وقع من قضية الصلح ورجعوا عامهم ذلك على أن يعودوا من قابل، وقع في نفوس بعض الصحابة من ذلك شيء، حتى سأل عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في ذلك فقال له فيما قال: أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: (بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا) قال: لا، قال: (فإنك آتيه ومطوف به) . وبهذا أجاب الصديق، رضي الله عنه، أيضًا حذو القذة بالقذة 101.
ولهذا قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) وهذا لتحقيق الخبر وتوكيده، وليس هذا من الاستثناء في شيء» 102.