19.إنّ الله عز وجل قد أباح للحاجة والضرورة الجدال المحمود الذي يهدف إلى الوصول إلى الصواب والحق، في جو من الإيجابية والتعاون، أو تمييز الحق من الباطل، ومدافعة أهل الباطل بطريقة مؤدبة وراقية، أمّا إن تحوّل الجدال إلى اللدد والخصومة، والشحناء وسوء الأدب، وأدّى إلى الفرقة والشقاق، والهجر والقطيعة، أو قصد إلى محاربة الفضيلة وإشاعة الرذيلة، والترويج للأفكار المنحرفة الضالة 74، فهو حرام شرعًا، ذمّه القرآن الكريم في العديد من الآيات، وحاربه وأمر بتركه وعدم الخوض فيه، وسنتناول في هذا المبحث الجدال المذموم في القرآن الكريم، مبينين مفهومه، وأهم صوره الواردة في القرآن الكريم.
والجدال المذموم: هو الجدل الذي يقصد به مدافعة الحق، ومعارضة أمر الله عز وجل وأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وإظهار الباطل وتأييده، أو يفضي إلى الباطل، ويسعى للترويج للمذاهب الكاسدة والعقائد الباطلة، وإفحام الخصم والتعالي عليه، وإظهار مزية النفس 75.
وله صور عدة، يمكن تقسيمها إلى الأنواع الآتية:
لقد جادل أهل الكفر والضلال في الإيمان والتوحيد؛ فنجدهم ينكرون وجوب التعبد لله عز وجل، أو يعبدون آلهة من دون الله عز وجل بلا سلطان ولا دليل، ويطلبون منها الظفر والنصر، أو يتخذونها واسطة للتقرب إلى الله عز وجل.
ونتناول في هذا المقام صورًا من الجدال في الإيمان، وهي كما يأتي:
الصورة الأولى: الجدال في الله عز وجل.
يظهر أناس في كل زمان ومكان لا يعترفون بوجود إله خالق رازق مدبّر لهذا الكون، أو ينكرون وحدانيته سبحانه وتعالى ويعبدون معه آلهةً أخرى، أو يجادلون في أمور غيبية أخبر بها الله عز وجل أنبياءه عليهم السلام؛ ينكرون بعضها ويأوّلون بعضها الآخر، أو يرفضون أحكامه وتشريعاته؛ كل ذلك جدال في الله عز وجل 76.
والمتتبع لآيات القرآن الكريم يتبيّن له أسباب جدال أعداء الإسلام في الله عز وجل، والتي توضح لنا مدى سخافة عقول هؤلاء الناس وقصور فهمهم وإدراكهم، ويمكن إجمالها في الأسباب الآتية:
20.الجهل بالدليل والبرهان، وقصور النظر والبصيرة، وفقدان السند من الوحي الصحيح.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحج: 8] .
21.متابعة أقوال أئمة الكفر والفساد.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ?) [الحج: 3] .
إنّ المتأمل للآيتين السابقتين يظهر له حقيقة مهمة وهي:
أنّ الآية الأولى (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) ، متعلقة بالرؤساء والزعماء الداعين إلى الضلال والفساد، الحاملين للواء الصد عن سبيل الله عز وجل، المتبوعين بالكفر والضلال؛ بدليل قوله تعالى بعد هذه الآية: (چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ژ ژ) [الحج: 9] .
وأنّ الآية الثانية (? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ?) متعلقة بالأتباع الجهلة الذين يخاصمون بغير علم اتباعًا لأقوال زعمائهم من أهل الفساد والجحود؛ سواء أكانوا من شياطين الإنس أو الجن؛ بدليل قوله تعالى: (چ چ چ ?) [الحج: 3] 77.
وبدليل قوله تعالى: (? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ?) [لقمان: 20 - 21] .
إنّ الناظر في حال الأمة الإسلامية اليوم ليجد هذين الصنفين الأتباع والمتبوعين وبكل سهولة، فنجد الأتباع الذين يصفقون لكل ناعق، دون نظر أو فكر، أو تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة، يوادّون ويبغضون بأمر زعمائهم، سواء وافق أحكام الشرع أم خالفها، حيث جعلوهم في مقام الشرع، وكأنّ حالهم كما تصوره الآية الكريمة، قال تعالى: (? ? ? چ چ چ چ ? ? ?) [الأعراف: 70] .
22.الملك والسلطان.
إنّ الشعور بعظمة الملك والسلطان تضفي على صاحبها حالة من الانبهار بالنفس وتعظيم الذات، والتي تقود صاحبها إلى منازعة الله عز وجل في سلطانه وحكمه، فيدّعون صفات ليست لهم، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گگ گ ? ? ? ? ?) [البقرة: 258] .
23.اتباع الهوى.
إنّ من أهم الأسباب المؤدية بصاحبها إلى المجادلة في الله عز وجل اتباع الهوى؛ والناس في ذلك صنفان:
من يتبع هواه على علم، قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹٹ ٹ ٹ ?) [الجاثية: 23] .
ومنهم من يتبع هواه بغير علم، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ہہ ہ ہ ھ ھ ھھ ے ے ? ? ?) [الروم: 29] .
وتتعدد المظاهر التي ذكرها القرآن الكريم لجدال أهل الكفر والإلحاد في الله عز وجل:
24.وصف الله عز وجل بما لا يليق من صفات النقص.
لقد تجرأ أهل الكفر على الله عز وجل فوصفوه بأوصاف النقص، تعالى الله عمّا يقولون علوًّا كبيرًا، ذكر القرآن الكريم بعضًا من هذه الأوصاف، ومنها:
••البخل وعدم الإحسان.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة: 64] .
••الفقر والحاجة.
قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ) [آل عمران: 181] .
••الافتراء على الله عز وجل بأنّ له صاحبةً وولدًا.
قال تعالى: (ے ے ? ? ? ? ? ? ? ?) [مريم: 88 - 89] .
وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الجن: 3] .
••الافتراء بأنّ عيسى عليه السلام، وعزيرًا عليه السلام ابنا الله عز وجل.
قال تعالى: (? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہہ ھ ھ ھ ھ ے ے? ? ? ? ?) [التوبة: 30] .
••الافتراء بأنّ الملائكة بنات الله عز وجل.
قال تعالى: (? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ?) [الإسراء: 40] .
••الافتراء بأنّ عيسى عليه السلام هو الله عز وجل.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ں ں ? ?) [المائدة: 17] .
25.الكذب على الله عز وجل.
وقد تعددت مقالات الكذب في أحوال مختلفة، منها:
••تبرير كفرهم بأنّ الله عز وجل قد أعطاهم عهدًا ألّا يؤمنوا لرسول ما لم يأتيهم بقربان تأكله النار.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک) [آل عمران: 183] .
••الادعاء أنّهم أبناء الله عز وجل وأحباؤه.
قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پپ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ) [المائدة: 18] .
••الافتراء بأنّ اليهود والنصارى هم أهل الجنة فقط.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 111] .
الصورة الثانية: الجدال في الأصنام والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله عز وجل.
لقد اتخذ أهل الكفر والضلال أصنامًا أو آلهة من صنع أفكارهم وعقولهم الفاسدة، يتقربون إليها، ويعبدونها، ويقدمون لها القرابين؛ رجاء حصول النفع، ودفع الضرر، وتحقيق الحماية والأمن، سواء كانت هذه الآلهة إنسًا أو جنًّا أو حجرًا.
قال تعالى: (ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک کگ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ںں ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 71] .
إنّ كل من يخالف أمر الله عز وجل، ويعبد من دونه آلهة أخرى، فإنّ عذاب الله عز وجل واقعٌ به، لا مفر ولا نجاة له منه، وأنّ انتقامه سبحانه وتعالى بهم لا يمكن دفعه والوقوف في سبيله؛ لأنّه واجب من الله سبحانه وتعالى لهم؛ بسبب كفرهم وعنادهم، ومجادلتهم في أوثان سمّوها آلهة، أو أطلقوا عليها أسماء ليس لها مسميات في الحقيقة، لا تملك لنفسها ضرًّا ولا نفعًا، وليس عندهم دليل يؤيد زعمهم في ألوهيتها وقدرتها على النفع والضر، وهذا دليل على انعدام مداركهم وسخف عقولهم، ولأجل ذلك فإنّ عاقبتهم ستكون وخيمة 78.
والمتأمل في أسباب مجادلة الكفار في اتخاذهم آلهة من دون الله عز وجل يرجعها للأمور التالية:
••ابتغاء النصر منها.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ) [يس: 74 - 75] .
••رجاء حصول الشفاعة لهم عند الله عز وجل بعبادتهم تلك الأصنام.
قال تعالى: (? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ) [الزمر: 3] .
••استبعادهم وحدة الآلهة، وأن يكون الرسول بشرًا.
قال تعالى: (ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ?) [ص: 4 - 5] .
••متابعة الآباء والأجداد.
قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ) [الزخرف: 23] .
ثانيًا: الجدال في الحق:
إنّ الإيمان الحقيقي بالله عز وجل يدفع المؤمن إلى التصديق بالحق الذي جاء عن الله عز وجل، ويستجيب له، يمتثله بكل رضى وطواعية، لا يسأل عن علته، ولا يبحث في تفاصيله؛ لأنّه صادر عن الله عز وجل 79.
ولا ينبغي للمؤمن الّا الإسراع في مرضاة الله عز وجل، ومرضاة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يجعل من أهواء نفسه وشهواتها حائلًا بينه وبين الالتزام بالحق والانقياد له، وعدم المجادلة فيه، أو التلكؤ في السير بناءً على دلالته وتوجيهاته 80، حتى يحفظ للأمة كيانها ومكانتها؛ فإنّ «الذي يفت في عضد المسلمين هو من يجادل في الحق بعدما تبيّن، ويصر على عدم الانقياد له، ويثير الجدال بشبهات سقيمة» 81.
ونتناول في هذا المقام ثلاثة قضايا وقع فيها الجدال في الحق؛ سواء برفضه وجحوده، أو إظهار بعض مظاهر عدم القبول به؛ خوفًا من العواقب المترتبة عليه، أو المماطلة والتسويف في إنفاذه والالتزام به، وبيانها على النحو الآتي:
القضية الأولى: الجدال في آيات الله عز وجل.
إنّ صاحب كل فطرة سليمة يؤمن إيمانًا راسخًا بآيات الله عز وجل الدالة على قدرته ووحدانيته سبحانه وتعالى، مسلّم بها؛ لأنّ فطرة الوجود متعلقة بهذه الحقائق، متصلة بها، ولا يجادل في هذه الآيات بالطعن والتكذيب إلّا الجاحدون لاستحقاقه سبحانه وتعالى العبادة وحده، الشاذّون عن الفطرة السليمة، المعرضون عن الحق الظاهر الواضح، المنكرون للحجج والبراهين الساطعة 82.
إنّ المتدبّر للآيات المتعلقة بمجادلة أهل الباطل في آيات الله عز وجل، يظهر له الأسباب المؤدية بهم إلى الإنكار والجحود، ويمكن تلخيصها في الأسباب التالية:
••الكفر بالله عز وجل، وجحود حججه وبراهينه.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ) [غافر: 4] .
ولقد بيّن القرآن الكريم أنّ عاقبة هؤلاء الجاحدين الهلاك في الدنيا، والخسران المبين في الآخرة، فلا ينخدع النبي صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده بأحوال أهل الكفر والجحود، وما يحققونه في الدنيا من تجارة وكسب، وصحة وسلامة؛ فإنّه نعيم زائل ولو بعد حين؛ يمتعون به قليلًا، ويعذبون به طويلًا 83.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑڑ ک ک ک) [آل عمران: 196 - 197] .
••الكبر والتعالي على الحق.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہ ہھ ھ ھھ ے ے ? ? ?) [غافر: 56] .
إنّ الكبر من أعظم الآفات والرذائل التي تمنع صاحبها من اتباع الحق؛ حيث يعتقد المتكبرون أنّ اتباعهم للحق والانقياد إليه، ينقص من مكانتهم، ويدني من رفعتهم، ويضعف من جاههم وسلطانهم، لكنّ الحقيقة أنّ الله عز وجل مقابل كبرهم وتعاليهم سيذلهم ويخزيهم، وأنّ ما يسعون لتحقيقه من المكانة والرفعة لن يبلغوه بالكبر والتكذيب 84.
••الجبروت والعتو وظلم الخلق بالتسلط والقهر.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ) [غافر: 35] .
••التكذيب بالقرآن الكريم، وبرسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إنّ التكذيب بالحق، وإنكار البرهان الواضح؛ يؤدي بالناس إلى الانسياق وراء أوهامهم وأباطيلهم، التي تدفعهم إلى إنكار الآيات البيّنة الدالة على وحدانية الله عز وجل وقدرته، دون علم أو حجة أو دليل؛ لانطماس بصائرهم، واستحواذ الشيطان عليهم 85.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک کگ گ گ گ) [غافر: 69 - 70] .
وقبل الانتقال إلى القضية التالية لابد من التأكيد على الأمور التالية:
الأول: إنّ الجدال في آيات الله عز وجل لبيانها، ودعوة الناس للإيمان بها أمر مشروع.
يقول الزمخشري: «أما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها وحلّ مشكلها، ومقادحة أهل العلم في استنباط معانيها ورد أهل الزيغ بها وعنها، فأعظم جهاد في سبيل الله عز وجل» 86.
الثاني: إنّ جدال أهل الكفر والزيغ والجحود في آيات الله عز وجل أمرٌ متوقع لا عجب فيه ولا غرابة؛ لأنّهم أتوا بأعظم من ذلك، وهو الشرك بالله عز وجل 87.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک کگ گ گ گ) [غافر: 69 - 70] .
الثالث: إنّ المجادلين في آيات الله عز وجل مهما بلغوا من القوة والقهر والتسلط فإنّهم لن يسلموا من عقاب الله عز وجل، فإنّهم إذا صاروا إلى ربهم يوم القيامة بعد خروجهم من قبورهم، فليس لهم من ملجأ من عذاب الله عز وجل 88.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? چ) [الشورى: 35] .
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحج: 51] .
القضية الثانية: مجادلة الصحابة رضوان الله عليهم في شأن الخروج للقتال يوم بدر.
لما ندب النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام رضوان الله عليهم إلى عير أبي سفيان رضي الله عنه وذلك قبل إسلامه، ونجا أبو سفيان رضي الله عنه بالعير، ولزم القتال، ولم يكن مع المسلمين ما يستعدون به للقتال، أخذوا يجادلون النبي عز وجل في أمر القتال، وقالوا: لو أخبرتنا بالقتال لأخذنا أهبتنا من السلاح والعتاد 89.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ?) [الأنفال: 6] .
وقد ضرب الله عز وجل لهم هذا المثل من الواقع الذي بين أيديهم، فقد تنازع الصحابة رضوان الله عليهم الغنائم بعد انتهاء المعركة، فأراد الله عز وجل أن يذكّرهم بحالهم قبل المعركة، وما أرادوه وجادلوا النبي صلى الله عليه وسلم لتحقيقه، وما أراده الله عز وجل لهم من النصر والظفر 90.
قال تعالى: (ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنفال: 7 - 8] .
فالظاهر من الآيات أنّ المؤمنين جادلوا في أمرين:
••الخروج للمعركة وقتال المشركين.
••المجادلة في قسمة الغنائم بعد انتهاء المعركة، وخاصة ممن قاتل من الشباب.
لكنّ الواجب على المؤمنين امتثال أمر الله عز وجل، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم في المنشط والمكره، في العسر وفي اليسر؛ فإنّ فيه سعادة الدنيا والآخرة.
قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ?) [الأحزاب: 36] .
كما بيّن لنا القرآن الكريم أنّ المؤمن يجب عليه أن يكل أموره إلى الله عز وجل، وألّا يسعى إلى جلب المنفعة بجهده؛ لأنّه لا يدري أين يكمن الخير، والأمر كله بيد الله عز وجل.
قال تعالى: (? ? ? ? ? پپ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹٹ ٹ ٹ ? ? ? ?) [البقرة: 216] .
القضية الثالثة: تلكؤ بني إسرائيل في تنفيذ أمر ذبح البقرة.
إنّ بني إسرائيل اختلفوا في أمر قتيل منهم، حتى وصلوا إلى الحرب والتقاتل، فتوجهوا إلى نبي الله موسى عليه السلام؛ ليفصل بينهم، فأمرهم أن يذبحوا بقرة.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہھ ھ ھ ھے ے ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 67] .
قصة الآية:
عن عبيدة السلماني قال: «كان في بني إسرائيل رجل عقيم أو عاقر، قال: فقتله وليه، ثم احتمله فألقاه في سبط غير سبطه، قال: فوقع بينهم فيه الشر حتى أخذوا السلاح، قال: فقال أولو النهى: أتقتتلون وفيكم رسول الله؟ قال: فأتوا نبي الله، فقال: اذبحوا بقرة، فقالوا: أتتخذنا هزوا، قال: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) إلى قوله تعالى: (? چ چ چ) ، قال: فضرب، فأخبرهم بقاتله، قال: ولم تؤخذ البقرة إلّا بوزنها ذهبًا، قال: ولو أنّهم أخذوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم، فلم يورث قاتل بعد ذلك» 91.
إنّ العبرة من أمر الله عز وجل بذبح البقرة؛ لأنّها من جنس العجل الذي عبدوه؛ تهوينًا لشأن العجل الذي عظموه وعبدوه، فمثل هذه الحيوانات لا تصلح للعبادة، وإنّما للعمل والذّبح 92.
إنّ المتأمل في هذه القصة ليرى حجم مماطلة بني إسرائيل في تنفيذ أمر الله عز وجل، وجدالهم لنبي الله موسى عليه السلام، ويظهر ذلك من وجوه:
••سفههم وظنهم بنبيهم السوء عند سماعهم أمر ذبح البقرة.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہھ ھ ھ ھ) [البقرة: 67] .
وكان الواجب عليهم مقابلة الأمر بالانقياد والامتثال، ثمّ انتظار النتائج المترتبة على تنفيذ الأمر 93.
وفي قوله تعالى: (? ? ? ?) توبيخ للمخاطبين من بني إسرائيل؛ لأنّ أوائلهم نقضوا العهد والميثاق الذي أخذه الله عز وجل عليهم، بالطاعة للأنبياء الذين يبعثهم الله عز وجل، فيذكرهم بماضيهم المليء بالنقض والإخلاف 94.
••عدم الاستجابة والتنفيذ بعد إرشاد موسى عليه السلام لهم.
وبيان أنّ هذا الأمر ليس للعب أو الاستهزاء، قال تعالى: (ے ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 67] .
بل ذهبوا للسؤال عن وصف هذه البقرة؛ زيادة في التشديد على أنفسهم، وجعل الأمر أكثر صعوبة ومشقة 95.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 68] .
••الاستمرار في حال المجادلة، وعدم الامتثال لأمر الله عز وجل، والبحث عن مماطلة جديدة وعدم الاكتفاء بالوصف المبيّن.
فأخذوا في تغيير صيغة السؤال، وهو السؤال عن اللون بعد معرفة العمر، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 69] .
••إصرار بني إسرائيل على المجادلة، والتباطؤ في الامتثال.
فلم يكتفوا بالوصفين السابقين، فراحوا يستوضحون الصفات؛ لأنّ البقر كثير وقد تشابه عليهم.
قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ) [البقرة: 70 - 71] .
••التنفيذ بتثاقل وفتور.
وذلك بعد استقصائهم في السؤال الذي كاد ألّا ينتهي، وتطويلهم المفرط في الاستكشاف والتعمق 96.
قال تعالى: (? چ چ چ) [البقرة: 71] .
ثالثًا: الجدال في التشريع:
إنّ المشركين وأعداء الدّين لا يتركون طريقًا لمعارضة التشريع الإسلامي إلّا سلكوه؛ معاندةً لله عز وجل، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ومجادلة بغير دليل ولا برهان، سوى اتباع آرائهم الفاسدة وأفكارهم الضالة، وشهواتهم الباطلة، مقدمين عقولهم على شرع الله عز وجل وأحكامه 97.
والمجادلة في التشريع على صورتين:
الصورة الأولى: العمل على مخالفة أحكام التشريع والطعن عليها.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک کک گ گ گ گ ?) [الأنعام: 121] .
إنّ الآية السابقة أشارت إلى مجادلة المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم في حكم أكل الميتة، وإيرادهم الحجج الباطلة المؤيدة لهم، مستفيدين من وسوسة أوليائهم من مردة الإنس والجن، وتحريضهم لهم على الكفر والعصيان؛ ليدفعوا المؤمنين إلى تحليل ما حرم الله عز وجل وتحريم ما أحلّه سبحانه وتعالى 98.
وقد حذرنا الله عز وجل من التجاوب معهم أو طاعتهم؛ لأنّها تفضي بنا إلى الكفر بعد الإيمان.
قال تعالى: (گ گ گ گ) [الأنعام: 121] .
وقد تباينت أقوال المفسرين في المحرّض على المجادلة والمزيّن لها على ثلاثة أقوال:
الأول: مردة الإنس من مجوس فارس الموالين لقريش في حربهم ضد النبي صلى الله عليه وسلم.
الثاني: إبليس وجنوده؛ إمّا بالإلهام والوسوسة، أو على ألسنة الكهان.
الثالث: اليهود 99؛ فعن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: «خاصمت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أتأكل مما قتلنا، ولا تأكل مما قتل الله عز وجل؟ فأنزل الله عز وجل: (? ? ? ? ? ? ? ?) » 100.
والراجح في المسألة ما ذهب إليه الإمام الطبري رحمه الله تعالى وهو جواز الجمع بين القول الأول والثاني؛ فيكون المحرض على المجادلة شياطين الإنس أو شياطين الجن أو كلاهما معًا، بل هو الأغلب في التأويل 101.
فقد أخبر الله عز وجل عنهما بقوله تعالى: (ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 112] .
أمّا القول الثالث وهو أنّ المقصود اليهود، فمنقوض من ثلاثة وجوه:
••أنّ اليهود لا يقولون بإباحة أكل الميتة حتى يجادلوا في حلّ أكلها.
••أنّ الآية مكية، ولم يتم التطرق إلى أهل الكتاب إلّا في القرآن المدني.
••أنّ الحديث بهذه الطريق حديث معلول لا يقوى على الاحتجاج 102.
الصورة الثانية: افتراء التشريعات على الله عز وجل.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 137 - 140] .
إنّ الآيات السابقة أشارت إلى تشريعات جاهلية قد ضيقّت على الناس حياتهم في مجالات ثلاثة: