أي: ينهى الله عباده المؤمنين عن تعاطي الخمر والميسر وهو القمار، والأنصاب وهي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها، والأزلام وهي قداح كانوا يستقسمون بها، فإنها شر من عمل الشيطان 146.
ثم بين تعالى المفاسد المتعلقة بالخمر والميسر، فمنها ما يتعلق بالدنيا من إثارة العداوة والبغضاء بين الناس، مما يفضي بهم إلى أحوال مذمومة من الهرج والمرج والفتن، وكل ذلك فيه إضاعة لمصالحهم وتشويش لحياتهم، ومنها ما يتعلق بالدين وهو الصد عن ذكر الله والصلاة 147.
ومن حماية القرآن الكريم للاقتصاد من عوامل الفساد، حمايته من كنز المال وعدم أداء حقوقه، فالمال المكنوز لا ينتفع به، ولا يساهم في إنعاش الاقتصاد وتحسينه، ويحرم من المشاركة في العملية الإنتاجية بسبب طمع صاحبه وحرصه.
وقد حرم القرآن الكريم كنز المال قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى? عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى? بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ? هَ?ذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) [التوبة:34 - 35] .
فتوعد الله تعالى من يكنزون أموالهم، أي: يمسكونها، ولا ينفقونها في سبيل الله، وهذا هو الكنز المحرم، أن يمسكها عن النفقة الواجبة، كأن يمنع منها الزكاة أو النفقات الواجبة للزوجات، أو الأقارب، أو النفقة في سبيل الله إذا وجبت.
قال: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ثم فسر العذاب بقوله: (يَوْمَ يُحْمَى? عَلَيْهَا) أي: على أموالهم، في نار جهنم فيحمى كل دينار أو درهم على حدته، (فَتُكْوَى? بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ) في يوم القيامة، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.
ويقال لهم توبيخًا ولومًا: (هَ?ذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) فما ظلمكم الله ولكنكم ظلمتم أنفسكم وعذبتموها بهذا الكنز 148.
الاقتصاد والأخلاق
قال تعالى في وصف خلق النبي عليه السلام: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4] .
وجاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) 149.
وقد ربط القرآن الكريم بين الاقتصاد والأخلاق ربطًا وثيقًا، وذلك في آيات كثيرة منه، من ذلك أنه جعل الإيمان والتقوى والعمل الصالح سببًا لنمو الاقتصاد وزيادة الإنتاج.