ومن المحسنات افتتاح هذا الكلام بما يؤذن بالبشارة لرضا الله على المؤمنين الذين غزوا تبوك، وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم في تعلق فعل التوبة بالغزاة؛ للتنويه بشأن هذه التوبة، وإتيانها على جميع الذنوب؛ إذ قد علم المسلمون كلهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر» 95.
وهذه التوبة التي تابها الله على النبي والمهاجرين والأنصار -كما قال ابن عباس-: كانت التوبة على النبي لأجل إذنه للمنافقين في القعود، ودليله قوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} [التوبة: 43] .
وعلى المؤمنين من ميل قلوب بعضهم إلى التخلف عنه، وقيل: توبة الله عليهم استنقاذهم من شدة العسرة.
وقيل: خلاصهم من نكاية العدو، وعبر عن ذلك بالتوبة وإن خرج عن عرفها لوجود معنى التوبة فيه، وهو الرجوع إلى الحالة الأولى 96.
يقول شيخ المفسرين الطبري: «يقول تعالى ذكره: لقد رزق الله الإنابة إلى أمره وطاعته نبيه محمدًا، والمهاجرين ديارهم وعشيرتهم إلى دار الإسلام، وأنصار رسوله في الله الذين اتبعوا رسول الله في ساعة العسرة منهم من النفقة والظهر والزاد والماء» 97.
فيكون معنى توبته على النبي أي: بإذنه للمنافقين بالتخلف عنه 98.
وقال أهل المعاني: هو مفتاح كلام، وذلك أنه لما كان سبب توبة التائبين ذكر معهم، كقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 41] 99.
وهذه التوبة على المهاجرين والأنصار في ساعة العسرة سببها كما قال الرازي: «ربما وقع في قلوبهم نوع نفرة عن تلك السفرة، وربما وقع في خاطر بعضهم أنا لسنا نقدر على الفرار، ولم يعزموا عليه، بل وساوس كانت تقع في قلوبهم، فالله تعالى بين في آخر هذه السورة أنه بفضله عفا عنها، فقال: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} [التوبة: 117] .
والوجه الثاني في الجواب: أن الإنسان طول عمره لا ينفك عن زلات وهفوات، إما من باب الصغائر، وإما من باب ترك الأفضل، ثم إن النبي وسائر المؤمنون لما تحملوا مشاق هذا السفر ومتاعبه، وصبروا على تلك الشدائد والمحن، أخبر الله تعالى أن تحمل تلك الشدائد صار مكفرًا لجميع الزلات التي صدرت عنهم في طول العمر، وصار قائمًا مقام التوبة المقرونة بالإخلاص عن كلها.
والوجه الثالث في الجواب: أن الزمان لما اشتد عليهم في ذلك السفر، وكانت الوساوس تقع في قلوبهم، فكلما وقعت وسوسة في قلب واحد منهم تاب إلى الله منها، وتضرع إلى الله في إزالتها عن قلبه، فلكثرة إقدامهم على التوبة بسبب خطرات تلك الوساوس ببالهم، قال تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} [التوبة: 117] ... الآية.
والوجه الرابع: لا يبعد أن يكون قد صدر عن أولئك الأقوام أنواع من المعاصي، إلا أنه تعالى تاب عليهم، وعفا عنهم لأجل أنهم تحملوا مشاق ذلك السفر، ثم إنه تعالى ضم ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ذكرهم؛ تنبيهًا على عظم مراتبهم في الدين، وأنهم قد بلغوا إلى الدرجة التي لأجلها ضم الرسول عليه الصلاة والسلام إليهم في قبول التوبة» 100.
وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ} [التوبة: 117] .
{كَادَ} من أفعال المقاربة، تعمل في اسمين (عمل كان) واسمها هنا ضمير شأن مقدر، وخبرها هو جملة الخبر عن ضمير الشأن، وإنما جعل اسمها هنا ضمير شأن؛ لتهويل شأنهم حين أشرفوا على الزيغ.
واختلف في معنى (تزيغ) فقيل: تتلف بالجهد والمشقة والشدة، وقيل: تعدل -أي تميل- عن الحق في الممانعة والنصرة، وقيل: من بعد ما هم فريق منهم بالتخلف والعصيان ثم لحقوا به، وقيل: هموا بالقفول فتاب الله عليهم، وأمرهم به 101.
وقوله تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} هذا تأكيد ظاهر، واعتناء بشأن التوبة، هذا إن كان الضمير راجعًا إلى من تقدم ذكر التوبة عنهم، وإن كان الضمير إلى الفريق فلا تكرار 102. والمعنى: قيل: توبته عليهم أن تدارك قلوبهم حتى لم تزغ، وكذلك سنة الحق مع أوليائه إذا أشرفوا على العطب، ووطنوا أنفسهم على الهلاك أمطر عليهم سحائب الجود، فأحيا قلوبهم 103.
فإن قيل: ذكر التوبة في أول الآية وفي آخرها، فما فائدة التكرار؟
فالجواب من وجوه:
أحدها: أنه تعالى ابتدأ بذكر التوبة قبل ذكر الذنب؛ تطييبًا لقلوبهم، ثم لما ذكر الذنب أردفه مرة أخرى بذكر التوبة؛ تعظيمًا لشأنهم.
وثانيها: إذا قيل: عفا السلطان عن فلان ثم عفا عنه، دل على أن ذلك العفو متأكد، بلغ الغاية القصوى في الكمال والقوة. . .، وهذا معنى قول ابن عباس في قوله: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} يريد ازداد عنهم رضًا، قال ابن عباس: من تاب الله عليه لم يعذبه أبدًا.
وثالثها: أنه قال: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} [التوبة: 117] .
وهذا الترتيب يدل على أن المراد أنه تعالى تاب عليهم من الوساوس التي كانت تقع في قلوبهم في ساعة العسرة،
ثم إنه تعالى زاد عليه فقال: {مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ} [التوبة: 117] .
فهذه الزيادة أفادت حصول وساوس قوية، فلا جرم أتبعها تعالى بذكر التوبة مرة أخرى؛ لئلا يبقى في خاطر أحدٍ شك في كونهم مؤاخذين بتلك الوساوس 104.
وفي قصة توبة الله على النبي والمهاجرين والأنصار وعلى الثلاثة، فوائد ومسائل، منها:
في هذه الآيات دليل على أن توبة الله على العبد أجل الغايات، وأعلى النهايات، فإن الله جعلها نهاية خواص عباده، وامتن عليهم بها، حين عملوا الأعمال التي يحبها ويرضاها، وفيها لطف الله بهم، وتثبيتهم في إيمانهم عند الشدائد والنوازل المزعجة.
وفي الآيات أيضًا دليل على أن العبادة الشاقة على النفس لها فضل ومزية ليست لغيرها، وكلما عظمت المشقة عظم الأجر، وأن توبة الله على عبده بحسب ندمه وأسفه الشديد، وأن من لا يبالي بالذنب، ولا يحرج إذا فعله، فإن توبته مدخولة، وإن زعم أنها مقبولة.
وأن علامة الخير وزوال الشدة إذا تعلق القلب بالله تعالى تعلقًا تامًا، وانقطع عن المخلوقين.
وأن من لطف الله بالثلاثة أن وسمهم بوسم ليس بعار عليهم، فقال: {خُلِّفُوا} إشارة إلى أن المؤمنين خلفوهم، أو خلفوا عن من بت في قبول عذرهم، أو في رده، وأنهم لم يكن تخلفهم رغبة عن الخير؛ ولهذا لم يقل: (تخلفوا) .
ومن فوائد الآيات: أن الله تعالى من عليهم بالصدق؛ ولهذا أمر بالاقتداء بهم، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] 105.
يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: واعلم أن لله تعالى على عبده توبتين؛ التوبة الأولى: قبل توبة العبد؛ وهي التوفيق للتوبة؛ والتوبة الثانية: بعد توبة العبد؛ وهي قبول التوبة؛ وكلاهما في القرآن؛ قال الله تبارك وتعالى: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118] .
فقوله تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا} أي: وفقهم للتوبة، وقوله تعالى: {لِيَتُوبُوا} أي: يقوموا بالتوبة إلى الله؛ وأما توبة القبول ففي قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} [الشورى: 25] .
ومن فوائد الآيات:
-الإنسان إذا صدق في تفويض الأمر إلى الله، ورجوعه إلى طاعة الله، فإن الله تعالى يتوب عليه؛ وهذا له شواهد كثيرة، فالله أكرم من عبده؛ من تقرب إليه ذراعًا تقرب الله إليه باعًا، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة؛ فكرم الله عز وجل أعلى، وأبلغ من كرم الإنسان.
-إثبات هذين الاسمين الكريمين: التواب والرحيم؛ وما تضمناه من صفة وفعل.
-اختصاص الله بالتوبة والرحمة؛ بدليل ضمير الفصل؛ ولكن المراد اختصاصه بالتوبة التي لا يقدر عليها غيره؛ لأن الإنسان قد يتوب على ابنه وأخيه وصاحبه، وما أشبه ذلك؛ لكن التوبة التي لا يقدر عليها إلا الله، وهي المذكورة في قوله تعالى: (? ? چ چ چ) [آل عمران: 135] . هذه خاصة بالله، وكذلك الرحمة المراد بها الرحمة التي لا تكون إلا لله؛ أما رحمة الخلق بعضهم لبعض فهذا ثابت، لا يختص بالله عز وجل 106.
اتسم الأنصار رضوان الله عليهم بالطاعة الكاملة لأوامر الله تعالى، وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا يقرءون القرآن، وكأنه ينزل على كل واحد منهم، رجلًا كان أم امرأة، غضًا طريًا، فولد الأثر القوي في نفوسهم، وسرعة الاستجابة التامة لتعاليمه وأحكامه، فكان جيل الأنصار قادرًا على التخلص من عادات الجاهلية وتقاليدها وأعرافها، حتى لو كانت العادات قد استقرت منذ قرون، وصارت عرفًا مشروعًا، وتقليدًا مقبولًا.
ولقد كان اتباع الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم ليس في ساعة الرخاء والميسرة فقط، بل اتبعوه في ساعة العسرة والشدة والضيق، وهذا دليل على كمال الاتباع والانقياد والبذل والعطاء.
ولهذا امتدح الله تعالى ذلك الاتباع منهم، فقال: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} [التوبة: 117] .
فأثنى الله تعالى عليهم هنا لمتابعتهم النبي صلى الله عليه وسلم في ساعة العسرة.
وقوله: {اتَّبَعُوهُ} يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أنه اتباعٌ حقيقي، ويكون عليه الصلاة والسلام خرج أولًا، وتبعه أصحابه.
وأن يكون مجازًا، أي: اتبعوا أمره ونهيه 107.
والمقصود منه وصف المهاجرين والأنصار بأنهم اتبعوا الرسول عليه الصلاة والسلام في الأوقات الشديدة، والأحوال الصعبة؛ وذلك يفيد نهاية المدح والتعظيم 108.
ففي هذه الآية يبين الله عز وجل توبته الواسعة على المهاجرين والأنصار الذين اتبعوا الرسول في آخر غزوة له، وهي غزوة العسرة (غزوة تبوك) وكان عدد المسلمين فيها ثلاثون ألفًا، ولم يتخلف فيها من المهاجرين والأنصار إلا معذور بعجز، أو فقر، أو المخلفين وهم ثلاثة، فهجرهم النبي عليه الصلاة والسلام، وأمر المسلمين بهجرهم حتى من الله عليهم بالتوبة.
والمهاجرون والأنصار: هم مجموع أهل المدينة، وكان جيش العسرة منهم ومن غيرهم من القبائل التي حول المدينة ومكة، ولكنهم خصوا بالثناء لأنهم لم يترددوا ولم يتثاقلوا ولا شحوا بأموالهم، فكانوا أسوة لمن ائتسى بهم من غيرهم من القبائل، ووصف (المهاجرون) و (الأنصار) بـ {الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} للإيماء إلى أن لصلة الموصول تسببًا في هذه المغفرة، ومعنى اتبعوه: أطاعوه، ولم يخالفوا عليه، فالاتباع مجازي.
والعسرة: هي شدة الأمر وضيقه وصعوبته، وكان ذلك في غزة تبوك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في شدة الحر، وقلة من الماء، حتى كانوا ينحرون البعير على قلة الرواحل؛ ليعتصروا الفرث الذي في كرشه، ويبلوا به ألسنتهم، وعسرة في الزاد؛ إذ كانت عند انتهاء فصل الصيف الذي نفدت فيه مؤنتهم، وأول فصل الخريف الذي بدأ فيه إرطاب الموسم الجديد، ولا يمكن حمل شيء منه، فكان يكتفي الواحد منهم أو الاثنان بالتمرة الواحدة من التمر القديم، ومنه اليابس، وقد تزود بعضهم أيضًا بالشعير المسوس والإهالة السنخة.
وعسرة في الظهر حتى كان العشرة يعتقبون بعيرًا واحدًا، وعسرة في الزمن؛ إذ كان في حرارة القيظ، وشدة الحر.
فخص الذين اتبعوه في ساعة العسرة بذكر التوبة لعظم منزلة الاتباع في مثلها، وجزيل الثواب الذي يستحق بها لما لحقهم من المشقة مع الصبر عليها، وحسن البصيرة واليقين منهم في تلك الحال؛ إذ لم تغيرهم عنها صعوبة الأمر، وشدة الزمان.
وقد ذكر المفسرون في المراد بساعة العسرة قولين:
الأول: أنها غزوة تبوك، والمراد منها الزمان الذي صعب الأمر عليهم جدًا في ذلك السفر، والعسرة: تعذر الأمر وصعوبته، قال جابر: حصلت عسرة الظهر، وعسرة الماء، وعسرة الزاد.
والثاني: يجوز أن يكون المراد بساعة العسرة جميع الأحوال، والأوقات الشديدة على الرسول، وعلى المؤمنين؛ فيدخل فيه غزوة الخندق وغيرها 109.
ولعل التعبير بساعة العسرة للتذكير بذلك الوقت العصيب، قال ابن عباس لعمر رضي الله عنهم: حدثنا من شأن ساعة العسرة، فقال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلًا فأصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستقطع، حتى إن كان الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا فادع لنا، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فأهطلت، ثم سكبت، فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر 110.
وللاتباع في ساعة العسرة فضله، وليس الاتباع في ساعة عسرة كالاتباع في ساعة رخاء، وللصدقة في ساعة عسرة فضلها، وليست الصدقة في ساعة عسرة وفاقة كصدقة في ساعة غنى ووجدٍ؛ ولهذا ما ضر عثمان ما فعل بعد أن جهز جيش العسرة، كما جاء في حديث عبد الرحمن بن سمرة، قال: جاء عثمان رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار حين جهز جيش العسرة، ففرغها عثمان في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها، ويقول: (ما ضر عثمان ما عمل بعد هذا اليوم) . قالها مرارًا 111.
وهكذا فقد تربى الأنصار -كما تربى المهاجرون- على مبدأ التلقي للتنفيذ والامتثال والاتباع، فطاعتهم لله ورسوله طاعة مطلقة، مهما تغيرت الأحوال، وتبدلت الظروف، وعلى ذلك بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولأن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم من حب الله تعالى، فلا يكون محبًا لله عز وجل إلا من اتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يأمر إلا بما يحب الله تعالى، ولا يخبر إلا بما يحب الله عز وجل، فمن كان محبًا لله تعالى لزم أن يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم، فيصدقه فيما أخبر، ويتأسى به فيما فعل، وبهذا الاتباع يصل المؤمن إلى كمال الإيمان وتمامه، ويصل إلى محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا ما استقر في النفوس الكبيرة لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، الذين اتبعوه في ساعات العسرة والشدة في بدايات الدعوة الإسلامية غير مبالين بما يصيبهم من أذى المشركين، وعنت الكفار، ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم.
فقد بايع الأنصار الرسول صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، فسمعوا وأطاعوا، كما قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: (دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه؛ فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا) 112.
ففي قوله: (بايعنا) متضمن معنى العهد، أي: على أن نسمع كلامك، ونطيعك في مرامك، وكذا من يقوم مقامك من الخلفاء من بعدك، و (المنشط والمكره) : (مفعل) من النشاط والكراهة، أي: حالة انشراح صدورنا، وطيب قلوبنا، وما يضاد ذلك، و (الأثرة علينا) : اسم من الاستئثار، والمراد على الصبر على أثرة علينا، أي: بايعنا على أن نصبر إن أوثر غيرنا علينا، والضمير في (علينا) : كناية عن جماعة الأنصار.
فهم بهذه المبايعة على السمع الطاعة علموا أن هذا بمنزلة من يبايع الله على ذلك، سواء في بيعة العقبة التي تمت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم في غيرها من البيعات.
يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] .
فقد شعر كل فرد من الأنصار وهو يبايع الرسول ويضع يده في يده برقابة الله تهيمن عليه، وكأن يده سبحانه فوق أيديهم، وهو على يقين بأن الله حاضر البيعة شاهد عليها، وهو الذي أخذها على المبايعين، وبالتالي فإن قدرته القاهرة مهيمنة على المتبايعين.
ولا شك أن هذه الصورة تستأصل من النفس أي خاطر للنكث بهذه البيعة، ولو غاب شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله حاضر لا يغيب، وهو عليهم رقيب، فمن نقض البيعة فهو الخاسر؛ لأنه رجع عن تلك الصفقة التي عقدها مع ربه.
وبشر الله الموفين بالعهد بأن لهم أجرًا عظيمًا، فلم يفصله ولم يحدده، ولكنه اكتفى بوصفه (أنه عظيم) عظيم بحساب الله وميزانه ووصفه الذي لا يرتقي إلى تصوره أهل الأرض.
فالتزم الأنصار بالبيعة للرسول صلى الله عليه وسلم، ثم للخلفاء الراشدين من بعده، وكان للبيعة قيمة عالية عندهم، فهي التزام حر، وتعاقد بين الطرفين، وقد دللوا دائمًا على صدق التزامهم، فلبوا داعي الجهاد، وخاضوا غمار المعارك في أماكن نائية عن ديارهم، ودفن كثير منهم في أطراف الأرض، وما عرفوا القعود عن الجهاد، والحفاظ على الكرامة والذود عن العقيدة، فجزاهم الله عن هذه الأمة وهذا الدين خير الجزاء، وسلك بنا سبيلهم، وحشرنا في زمرتهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
فهذه نفحات من نفحات الأنصار، وتلكم مشاهد من مشاهدهم، ومآثر من مآثرهم، نستذكرها كلما قرأنا القرآن والسيرة، ونستشعر حضورهم كلما مررنا بالمدينة، ونستحضر صنيعهم كلما رأينا الإسلام مستضعفًا في الأرض، وكلما شاهدنا المسلمين مستذلين في ديارهم.
ونستعظم قدرهم، ونقدر دورهم كلما رأينا تلك الفئات، وأولئك الرجال والشباب الذين يقفون اليوم إلى جانب إسلامهم، وإلى جانب دعوتهم، وإلى جانب أمتهم في هذا الزمان، زمن غربة الإسلام في دياره، وفي وقت يقل فيه النصير لهذا الدين.
إن درس الأنصار هذا يقول لنا: أن نركب مركبهم في نصرة دعوة الله تعالى، وأن نسير مسيرهم في نصرة حملة هذا الدين، وأتباع نبيه الأمين صلى الله عليه وسلم في مشارق الأرض ومغاربها، لا أن نكون من المرجفين، ولا من المخذلين، ولا من المخذولين.
إن درس الأنصار يقول للجميع: إن نصرة دعوة الإسلام دين في أعناقكم، إن نصرة سنة نبيكم وحمل رسالته في ذممكم جميعًا، فليست نصرة الإسلام منوطة في ديننا بفئة محددة، ولا بلافتة معينة، بل هي في عنق كل من في عنقه بيعة الإسلام، في عنق كل من يؤمن بنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} [الصف: 14] .
يقول ابن كثير: «يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين أن يكونوا أنصار الله في جميع أحوالهم، بأقوالهم وأفعالهم وأنفسهم وأموالهم» 113. فهذا هو درس الأنصار الأكبر أن تنصر دين الله أيها المؤمن.
موضوعات ذات صلة:
الصحابة، الصحبة، محمد صلى الله عليه وسلم
1 انظر: مختار الصحاح،1/ 688، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عمر، 3/ 2220.
2 انظر: مغاني الأخيار في شرح أسامي رجال معاني الآثار، العيني 3/ 382.
3 انظر: المصدر السابق.
4 انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، ص 1325 - 1328.
5 انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 5/ 69.
6 انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، 3/ 12.
7 انظر: نزهة النظر، ابن حجر العسقلاني، ص 140.
8 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري،6/ 29، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عمر،3/ 2325.
9 انظر: الكليات، الكفوي، ص 883.
10 انظر: أساس البلاغة، الزمخشري، 1/ 611، تاج العروس، الزبيدي،26/ 102.
11 انظر: العين، الفراهيدي، 2/ 78.
12 انظر: الضوء اللامع المبين عن مناهج المحدثين، أحمد ناجي، ص، 168.
13 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 268.
14 معالم التنزيل، البغوي 3/ 166.
15 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7/ 34.
16 جامع البيان، الطبري 11/ 518.
17 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 8/ 42.