وقال: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} إلى غير ذلك من الآيات التي تلفت النظر إلى هذه النعمة.
فقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ} أي: من نعمه تبارك وتعالى التي تستحق الشكر، وتستحق المحافظة عليها {أَنْ خَلَقَ لَكُمْ} خلقنا من ذكر وأنثى، فخلق الذكر للأنثى؛ لأنها لا تستقر حياتها من دونه، وخلق الأنثى للذكر لأنه لا يستقر عيشه بدونها.
فهي آية ونعمة اختص بها الإنسان؛ إذ ألهمه الله جعل قرين له، وجبله على نظام محبة وغيرة، لا يسمحان له بإهمال زوجه، كما تهمل العجماوات إناثها، وتنصرف إناثها عن ذكورها، وجعل البنين للإنسان نعمة، وجعل كونهم من زوجة نعمة أخرى؛ لأن بها تحقق كونهم أبناءه بالنسبة للذكر، ودوام اتصالهم به بالنسب، ووجود المشارك له في القيام بتدبير أمرهم في حالة ضعفهم 51.
والخطاب بضمير الجماعة المخاطبين في قوله: (جعل لكم) موجه إلى الناس كلهم، وغلب ضمير التذكير 52.
وفي النكاح نعمة أخرى؛ إذ جعل قرين الإنسان متكونًا من نوعه، فقال: {مِنْ أَنْفُسِكُمْ} ولو لم يجعل له ذلك لاضطر الإنسان إلى طلب التأنس بنوع آخر، فلم يحصل التأنس بذلك للزوجين، وهذه الحالة وإن كانت موجودة في أغلب أنواع الحيوان، فهي نعمة يدركها الإنسان، ولا يدركها غيره من الأنواع، وليس من قوام ماهية النعمة أن ينفرد بها المنعم عليه 53.
ومعنى: {مِنْ أَنْفُسِكُمْ} أي: جعل هذه الزوجة من نوعكم ومن جنسكم من بني آدم، فجميع الأزواج من نوع الناس، وأما قول تأبط شرًا 54:
وتزوجت في الشبيبة غولًا
بغزال وصدقتي زق خمر
فمن تكاذبيهم، وكذلك ما يزعمه المشعوذون من التزوج بالجنيات، وما يزعمه أهل الخرافات والروايات من وجود بنات في البحر، وأنها قد يتزوج بعض الإنس ببعضها 55.
ويدل على أن {مِنْ أَنْفُسِكُمْ} أي: من جنسكم قوله تعالى: {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم: 21] .
لأن الجنسين المختلفين لا يسكن أحدهما إلى الآخر، أي: لا يثبت نفسه معه، ولا يميل قلبه إليه 56.
وذلك لما بين الاثنين من جنس واحد من الإلف والسكون، وما بين الجنسين المختلفين من التنافر 57. ولو تصورنا أن الله تعالى جعل الزوجين من غير جنس واحد، فلن يشعرا بالسرور واللذة أبدًا، ولكن الله تبارك وتعالى خلقهما من جنس واحد، يميل أحدهما إلى الآخر، ويأنس به، فسبحان الله العليم الحكيم.
ومعنى: {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} أي: لتميلوا للأزواج، وتألفوهن، فإن الجنس إلى الجنس أسكن، والسكون هنا مستعار للتأنس، وفرح النفس؛ لأن في ذلك زوال اضطراب الوحشة والكمد بالسكون الذي هو زوال اضطراب الجسم، كما قالوا: اطمأن إلى كذا، وانقطع إلى كذا، وضمن {لِتَسْكُنُوا} معنى: (لتميلوا) فعدي بحرف (إلى) وإن كان حقه أن يعلق بـ (عند) ونحوها من الظروف 58.
والسكن إلى المرأة يشمل سكن النفس وسكن الجسم، وهذه إحدى الحكم الإلهية من وراء الزواج.
وجعل الله بين الزوجين المودة والرحمة، فقال: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] .
أي: جعل بين الزوجين المودة والرحمة، فهما يتوادان ويتراحمان من غير سابقة معرفة، ولا قرابة، ولا سبب يوجب التعاطف، وما شيء أحب إلى أحدهما من الآخر، من غير تراحم بينهما، وهذا لا يحصل إلا للزوجين، فالمودة وحدها آصرة عظيمة، وهي آصرة الصداقة والأخوة وتفاريعهما، والرحمة وحدها آصرة منها الأبوة والبنوة، فما ظنكم بآصرة جمعت الأمرين! وكانت بجعل الله تعالى، وما هو بجعل الله فهو في أقصى درجات الإتقان 59.
والمودة والرحمة من أجمل المشاعر التي خلقها الله، فإذا وجد ذلك كله مع الشعور بالحل والهداية إلى الفطرة، ومرضاة الله سبحانه وتعالى كملت هذه المتعة، ولم ينقصها شيء، وقد ساعد على ذلك بالطبع الأصل الأول للخلق وغريزة الميل التي خلقها الله في كل من الذكر والأنثى للآخر.
فلا ألفة أعظم مما بين الزوجين؛ ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجه، فقال: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: 102] .
فلشدة ارتباط هذه العلاقة بين الزوجين فلا يستطيع أحد التفريق بينهما، إلا أن يكون هذا التفريق باستعمال مفسدات لعقل أحد الزوجين حتى يبغض زوجه، وإما بإلقاء الحيل والتمويهات والنميمة حتى يفرق بينهما؛ ولهذا قال تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: 102] .
ولعل في قوله: {مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} إشارة إلى أن الزواج الناجح لا بد أن تسوده المودة والرحمة؛ ولهذا يجب المحافظة على هذه المودة حتى في حالة الغضب والصعوبات؛ لتستمر الحياة هادئة وسعيدة، فالمودة هي الأساس في بداية العلاقة الزوجية، فلا زواج ناجح من دون الحب بين الطرفين، ولعل الزوجة هي الأقدر في إظهار هذا الجانب وتفعيله مع الزوج.
ثم قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ} [الروم: 21] .
الذي ذكر من {لَآيَاتٍ} جمع، مع أنها-في الحقيقة- آية واحدة، إلا أنها تنطوي على عدة آيات، منها: أن جعل للإنسان ناموس التناسل، وأن جعل تناسله بالتزاوج، ولم يجعله كتناسل النبات من نفسه، وأن جعل أزواج الإنسان من صنفه، ولم يجعلها من صنف آخر؛ لأن التآنس لا يحصل بصنف مخالف، وأن جعل في ذلك التزاوج أنسًا بين الزوجين، ولم يجعله تزاوجًا عنيفًا، أو مهلكًا كتزاوج الضفادع، وأن جعل بين كل زوجين مودة ومحبة، فالزوجان يكونان من قبل التزاوج متجاهلين، فيصبحان بعد التزاوج متحابين، وأن جعل بينهما رحمة، فهما قبل التزاوج لا عاطفة بينهما، فيصبحان بعد التزاوج متحابين، وأن جعل بينهما رحمة، فهما قبل التزاوج لا عاطفة بينهما، فيصبحان بعده متراحمين كرحمة الأبوة والأمومة؛ ولأجل ما ينطوي عليه هذا الدليل، ويتبعه من النعم والدلائل جعلت هذه الآية آيات عدة، في قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ}
وجعلت الآيات لقوم يتفكرون؛ فقال: {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ؛ لأن التفكر والنظر في تلك الدلائل هو الذي يجلي كنهها، ويزيد الناظر بصارة بمنافع أخرى في ضمنها.
ويتفكرون أي: في عظمة الله وقدرته، فهو متعلق بـ {لَآيَاتٍ} والذين يتفكرون: المؤمنون، وأهل الرأي من المشركين الذين يؤمنون بعد نزول هذه الآية 60.
هكذا يصور القرآن العلاقة الزوجية تصويرًا رفافًا شفيفًا، يشع منه التعاطف، وترف فيه الظلال، ويشيع فيه الندى، ويفوح منه العبير: {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] .
وقال تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187] .
فهي صلة النفس بالنفس، وهي صلة السكن والقرار، وهي صلة المودة والرحمة، وهي صلة الستر والتجمل.
إن الإنسان ليحس في الألفاظ ذاتها حنوًا ورفقًا، ويستروح من خلالها نداوة وظلًا، وإنها لتعبير كامل عن حقيقة الصلة التي يفترضها الإسلام لذلك الرباط الإنساني الرفيق الوثيق؛ ذلك في الوقت الذي يلحظ فيه أغراض ذلك الرباط كلها، بما فيها امتداد الحياة بالنسل، فيمنح هذه الأغراض كلها طابع النظافة والبراءة، ويعترف بطهارتها وجديتها، وينسق بين اتجاهاتها ومقتضياتها؛ ذلك حين يقول: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} [البقرة: 223] .
فيلحظ كذلك معنى الإخصاب والإكثار 61.
وأخبر الله تعالى أيضًا في الآية الأخرى عن منته العظيمة على عباده، حيث جعل لهم من أزواجهم أولادًا تقر بهم أعينهم ويخدمونهم، ويقضون حوائجهم، وينتفعون بهم من وجوه كثيرة، فقال: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل: 72] .
والحفدة في كلام العرب: جمع حافد، كما أن الكذبة: جمع كاذب، والفسقة: جمع فاسق، والحافد في كلامهم؛ هو المتخفف في الخدمة والعمل، والحفد: خفة العمل، يقال: مر البعير يحفد حفدانًا: إذا مر يسرع في سيره، ومنه قولهم: (إليك نسعى ونحفد) 62 أي: نسرع إلى العمل بطاعتك، يقال منه: حفد له يحفد حفدًا وحفودًا وحفدانًا 63. ومنه قول الراعي 64:
كلفت مجهولها نوقًا يمانيةً
إذا الحداة على أكسائها حفدوا
وعلى هذا فالمراد بالحفدة الأولاد، أو هم الأصهار أختان الرجل على بناته، ومنه قول الشاعر 65:
ولو أن نفسي طاوعتني لأصبحت
لها حفدٌ مما يعد كثير
ولكنها نفس علي أبية
عيوفٌ لأصهار اللئام قذور
وقد يكون المراد بهم أولاد الأولاد، أو بنو امرأة الرجل من غيره، أو يكون المراد بهم: الأعوان، أو: الخدم، ومنه قول جميل 66:
حفد الولائد حولهم وأسلمت
بأكفهن أزمة الأجمال
وذهب بعض العلماء في تفسير قوله تعالى: {بَنِينَ وَحَفَدَةً} إلى أن البنين الصغار، والحفدة الكبار 67.
وإذا كان معنى الحفدة ما ذكرنا من أنهم المسرعون في خدمة الرجل، المتخففون فيها.
وكان الله تعالى أخبرنا أن مما أنعم به علينا أن جعل لنا حفدة تحفد لنا، وكان أولادنا وأزواجنا الذين يصلحون للخدمة منا ومن غيرنا وأختاننا الذين هم أزواج بناتنا من أزواجنا، وخدمنا من مماليكنا إذا كانوا يحفدوننا، فيستحقون اسم حفدة، ولم يكن الله تعالى دل بظاهر تنزيله، ولا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولا بحجة عقل على أنه عنى بذلك نوعًا من الحفدة دون نوع منهم، وكان قد أنعم بكل ذلك علينا، لم يكن لنا أن نوجه ذلك إلى خاص من الحفدة دون عام، إلا ما اجتمعت الأمة عليه أنه غير داخل فيهم. فكل الأقوال التي ذكرنا لها وجه في الصحة، ومخرج في التأويل 68.
وهي أقوال متقاربة؛ لأن اللفظ يحتمل الكل بحسب المعنى المشترك.
وبالجملة فإن الحفدة هم غير البنين؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: {بَنِينَ وَحَفَدَةً} فجعل بينهما مغايرة 69.
قال الرازي: والأولى دخول الكل فيه؛ لأن اللفظ محتمل للكل بحسب المعنى المشترك 70.
وأطلق الحافد على ابن الابن؛ لأنه يكثر أن يخدم جده؛ لضعف الجد بسبب الكبر، فأنعم الله على الإنسان بحفظ سلسلة نسبه بسبب ضبط الحلقة الأولى منها، وهي كون أبنائه من زوجه، ثم كون أبناء أبنائه من أزواجهم، فانضبطت سلسلة الأنساب بهذا النظام المحكم البديع.
وغير الإنسان من الحيوان لا يشعر بحفدته أصلًا، ولا يشعر بالبنوة إلا أنثى الحيوان مدة قليلة قريبة من الإرضاع، والحفدة للإنسان زيادة في مسرة العائلة.
قال تعالى: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] 71.
ثم قال تعالى في الآية الثالثة: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1] .
يعني: آدم، وفي ذلك نعمة عليكم؛ لأنه أقرب إلى التعاطف بينكم، {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} يعني: حواء. وقوله: {مِنْهَا} أي: من آدم، فالنفس الواحدة: هي آدم، والزوج: حواء، فإن حواء أخرجت من آدم، من ضلعه، كما يقتضيه ظاهر قوله: {مِنْهَا} . وقال بعضهم: معنى: {مِنْهَا} من جنسها، واللفظ يتناول المعنيين، أو يكون لحمها وجواهرها من ضلعه، ونفسها من جنس نفسه.
فإن قيل: إنه تعالى قادر على خلق حواء من التراب، فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم؟ والجواب: أن الأمر لو كان كذلك لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة، وهو خلاف النص، وخلاف ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فإن ذهبت تقيمها كسرتها) 7273.
و (من) في قوله: {مِنْهَا} تبعيضية، ومعنى التبعيض أن حواء خلقت من جزء من آدم، قيل: من بقية الطينة التي خلق منها آدم، وقيل: فصلت قطعة من ضلعه، وهو ظاهر قوله في الحديث: (خلقت من ضلع) . ومن قال: إن المعنى: وخلق زوجها من نوعها لم يأت بطائل؛ لأن ذلك لا يختص بنوع الإنسان، فإن أنثى كل نوع هي من نوعه 74.
وقد شمل قوله: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} العبرة بهذا الخلق العجيب الذي أصله واحد، ويخرج هو مختلف الشكل والخصائص، والمنة على الذكران بخلق النساء لهم، والمنة على النساء بخلق الرجال لهن، ثم من على النوع بنعمة النسل في قوله: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} مع ما في ذلك من الاعتبار بهذا التكوين العجيب.
ومعنى: {وَبَثَّ مِنْهُمَا} البث: النشر والتفريق للأشياء الكثيرة، أي: نشر وأظهر، رجالًا كثيرًا ونساء، كقوله تعالى: {كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} [القارعة: 4] .
أي: المنتشر، يعني: خلق منهما يعني من آدم وحواء، ونشر منهما رجالًا كثيرًا ونساء، وذكر هذا كله لبيان القدرة؛ وإظهار المنة.
وحصره ذريتها إلى نوعين الرجال والنساء في قوله: {رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} مقتضٍ أن الخنثى ليس بنوع مستقل، وأنه وإن فرضناه مشكل في الظاهر فله حقيقة ترده إلى أحد هذين النوعين 75. ووصف الرجال وهو جمع بـ (كثير) وهو مفرد؛ لأن كثير يستوي فيه المفرد والجمع، كما في قوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} [آل عمران: 146] .
واستغنى عن وصف النساء بكثير لدلالة وصف الرجل به ما يقتضيه فعل البث من الكثرة 76.
وقد تعرف الله تعالى في هذه الآية إلى العقلاء على كمال القدرة بما ألاح من براهين الربوبية، ودلالات الحكمة حيث خلق جميع هذا الخلق من نسل شخص واحد، على اختلاف هيئتهم، وتفاوت صورهم، وتباين أخلاقهم، وإن اثنين منهم لا يتشابهان، فلكل وجه في الصورة والخلق، والهمة والحالة، فسبحان من لا حد لمقدوراته، ولا غاية لمعلوماته 77.
وخلق أشخاص غير محصورة من إنسان واحد مع تغاير أشكالهم، وتباين أمزجتهم، واختلاف أخلاقهم دليل ظاهر، وبرهان باهر على وجود مدبر مختار وحكيم قدير .. ، فإذا عرفوا ذلك تركوا المفاخرة، وأظهروا التواضع، وحسن الخلق 78.
وصف الله عقد النكاح بالميثاق الغليظ في سياق النهي عن الرجوع في شيء مما أعطى الأزواج زوجاتهم، ولو كان المعطى قنطارًا، وبين أن أخذه بهتانًا وإثمًا مبينًا، وبين أن السبب المانع من أخذ شيء منه هو أنه أفضى إليها بالجماع، فقال: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 20 - 21] .
والمعنى: فمتى {أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ} أي: تطليق زوجة وتزوج أخرى، أي: فلا جناح عليكم في ذلك ولا حرج. ولكن إذا {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ} أي: المفارقة، أو التي تزوجها {قِنْطَارًا} أو أقل أو أكثر، أي: من الذهب أو الفضة، مهرًا وصداقًا، والمقصود: مالًا كثيرًا، فلا تأخذوا منه شيئًا. والنهي بعده يدل على عموم ما آتاها، سواء كان مهرًا، أو غيره 79. والسبب أنه قد صار بينهما من الاختلاط والامتزاج ما لا يناسب أن يأخذ شيئًا مما آتاها، سواء كان المهر أو غير المهر.
فلا يمتنع أن يكون أول الخطاب عمومًا في جميع ما تضمنه الاسم، ويكون المعطوف عليه بحكم خاص فيه، ولا يوجب ذلك خصوص اللفظ الأول. قال أبو بكر الرازي (الجصاص) : ويحتج به -أي بهذه الآية- فيمن أسلف امرأته نفقتها لمدة، ثم ماتت قبل المدة أنه لا يرجع في ميراثها بشيء مما أعطاها لعموم اللفظ؛ لأنه جائز أن يريد أن يتزوج بأخرى بعد موتها مستبدلًا بها مكان الأولى، فظاهر اللفظ قد تناول هذه الحالة 80.
وفي الآية دليل على جواز الإصداق بالمال الكثير؛ لأن القنطار: المال الكثير الذي هو أقصى ما يتصور من مهور؛ ولأن الله تعالى لا يمثل إلا بمباح ... ، وقال قوم: لا تعطى الآية جواز المغالاة في المهور؛ لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة كأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد.
فالآية الكريمة وإن كانت تفيد جواز الإصداق بالمال الجزيل إلا أن الأفضل عدم المغالاة في ذلك، مع مراعاة أحوال الناس من حيث الغنى والفقر وغيرهما 81.
وقد ينهى عن كثرة الصداق إذا تضمن مفسدة دينية، وعدم مصلحة تقاوم.
وضمير {إِحْدَاهُنَّ} راجع إلى النساء، وهي المرأة التي يراد طلاقها 82.
ثم قال: {أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} بل أدوه أي: مباهتين وآثمين، أو بالبهتان والإثم الظاهر، والبهتان: الكذب الذي يبهت المكذوب عليه، فالبهتان كالشكران والغفران مصدر بهته كمنعه، إذا قال عليه ما لم يفعل 83.
والاستفهام في {أَتَأْخُذُونَهُ} إنكاري، وانتصب {بُهْتَانًا} على الحال من الفاعل في (تأخذونه) بتأويله باسم الفاعل، أي: مباهتين، وإنما جعل هذا الأخذ بهتانًا؛ لأنهم كان من عادتهم إذا كرهوا المرأة، وأرادوا طلاقها رموها بسوء المعاشرة، واختلفوا عليها ما ليس فيها؛ لكي تخشى سوء السمعة، فتبذل للزوج مالًا فداء ليطلقها. فصار أخذ المال من المرأة عند الطلاق مظنة بأنها أتت ما لا يرضي الزوج، فقد يصد ذلك الراغبين في التزوج عن خطبتها.
وأما وصفه الإثم بكونه {مُبِينًا} لأنه قد صار معلومًا للمخاطبين من قوله: {فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} أو من آية البقرة: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} أو مما تقرر عندهم من أن حكم الشريعة في الأموال أن لا تحل إلا عن طيب نفس 84.
ثم استعظم ذلك فقال: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ} استفهام تعجبي بعد الإنكار، أي: ليس من المروءة أن تطمعوا في أخذ عوض عن الفراق بعد معاشرة امتزاج، وعهد متين 85.
فالمقصود أنه علل النهي من الأخذ بعلتين:
الأولى: الإفضاء وخلوص كل زوج لنفس صاحبه، حتى صارا كأنهما نفس واحدة.
والثانية: الميثاق الغليظ الذي أخذ على الرجال بأن يعاملوا النساء معاملة كريمة.
فقوله: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} الواو هنا: للحال، والجملة بعدها: في محل نصب، وأتى بـ (قد) ؛ ليقرب الماضي من الحال 86.
وأصل أفضى: ذهب إلى فضاه أي: ناحية سعته، يقال: أفضى فلان إلى فلان أي: وصل إليه، وأصله أنه صار في فضائه وفرجته، وقيل: أصل الإفضاء الوصول إلى الشيء من غير واسطة، والمعنى: خلص الزوج إلى عورة زوجته، والزوجة كذلك.
وهذا الإفضاء يحتمل أنه: كناية عن الجماع، وعلى هذا فالزوج إذا طلق قبل المسيس فله أن يرجع في نصف المهر وإن خلا بها، أو يكون الإفضاء هو الخلوة وإن لم يجامعها، بأن يكون معها في لحاف واحد جامعها أو لم يجامعها؛ لأن الخلوة في الأنكحة الصحيحة تقرر المهر 87.
وقيل: إذا طال مكثه معها السنة ونحوها، واتفقا على ألا مسيس، وطلبت المهر كله كان لها، والظاهر أن المراد بالإفضاء الجماع لوجوهٍ:
أحدها: ما تقدم من المعنى اللغوي للإفضاء: أنه يصير في فرجته وفضائه، وهذا المعنى إنما يحصل في الحقيقة عند الجماع، أما في غير وقت الجماع فهذا غير حاصل.
وثانيها: أنه تعالى ذكر في معرض التعجب، فقال: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سببًا قويًا في حصول الألفة والمحبة؛ وذلك لا يحصل بمجرد الخلوة، وإنما يحصل بالجماع، فيحمل عليه.
وثالثها: أن الإفضاء إليها لا بد وأن يكون مفسرًا بفعل منه ينتهي إليه؛ لأن كلمة (إلى) لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليس كذلك؛ لأن عند الخلوة المحضة لم يصل كل واحد منهما إلى الآخر، فامتنع تفسير قوله: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} بمجرد الخلوة 88.
ورابعها: أن المهر قبل الخلوة ما كان متقررًا، وقد علق الشرع تقريره على إفضاء البعض إلى البعض، وقد اشتبه في المراد بهذا الإفضاء هل هو الخلوة أو الجماع؟ وإذا وقع الشك وجب بقاء ما كان على ما كان، والأصل براءة الذمة 89.