فهرس الكتاب

الصفحة 1672 من 2431

وإقامة غير المسلمين في دار الإسلام إقامةً دائمة بسبب عقد الذمة سبيلٌ للدعوة إلى الإسلام بأحسن الطرق، من خلال مخالطة المسلمين لغير المسلمين ومعاملتهم لهم، وبذلك يتعرفون على أحكام الإسلام ومحاسنه ودلائله، وعلى طريقة المسلمين وسيرتهم، فقد يحملهم ذلك على الدخول فيه عن طواعية واختيار وعن قناعة ورضًى، وبذلك يصبح أعداء الأمس إخوان اليوم، كما قال الله سبحانه وتعالى: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً ? وَاللَّهُ قَدِيرٌ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الممتحنة: 7] .

وإن لم يكن ذلك، فإنه على الأقل سيكون سبيلًا لدفع شرهم في الحال، بسبب زوال قوة الكفار وشوكتهم، حيث يخضعون للنظام الإسلامي بموجب عقد الذمة وشروطه -على أن يكون لهم في أحوالهم الشخصية القضاء بما في دينهم وشريعتهم-، وعندئذ تظهر شوكة المسلمين وقوتهم، وقد بعث الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليظهره على الدين كله، لذلك يجب على المسلمين أن ينظروا في أسباب ذلك 26.

والقاعدة العامة في المركز القانوني للذميين في دار الإسلام: أنهم رعية من رعايا الدولة، يسري عليهم القانون الإسلامي فيما يتعلق بشئونهم الدنيوية، ويلتزمون بأحكام الإسلام فيما يعود إلى العقوبات والمعاملات، فيما يحكم به عليهم من أداء الحقوق أو ترك المحرمات؛ لأنهم من أهل دار الإسلام، وفيما عدا ما يختصون به من أحكام دينهم في الاعتقادات والعبادات وفي الزواج والطلاق «الأحوال الشخصية» ونحو ذلك مما يرونه مباحًا عندهم، فهم فيه أحرار، لا يتعرض لهم المسلمون بشيء. والحكم العام الذي يطبق على أهل الذمة في الدولة الإسلامية «دار الإسلام» هو ما عبر عنه عليٌ رضي الله عنه بقوله: «من كانت له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا» 27.

ولذلك أرسى الفقهاء قاعدة عامة في معاملة أهل الذمة وبيان مركزهم وحقوقهم، فقالوا: «لهم مالنا وعليهم ما علينا» . وهذه القاعدة لا ينبغي أن تفهم على إطلاقها، فهي تعني أن لهم حقوقًا وعليهم واجبات يلتزمون بها، فلهم ما لنا من الإنصاف في المعاملة بالعدل والقسط والأخذ بهما، ويشهد لهذا أنه ليس لهم رئاسة الدولة الإسلامية ولا ولاية القضاء فيها 28.

ثانيًا: الأرض:

الأرض أو دار الإسلام هو ما يعبر عنه بالإقليم. وهو الرقعة من الأرض التي يقيم عليها شعب الدولة. ولا يقتصر الإقليم على الرقعة من الأرض، بل يشمل أيضًا: الجو الذي يعلو هذه الأرض، والمياه المحيطة، إن كان يقع على البحر أو المحيط، وقد يكون هذا الإقليم متصلًا على بقعة واحدة، وقد يكون -أحيانًا- غير متصل، فتفصل بعض البلاد بين أجزائه، كما أنه لا يشترط مساحة معينة، وإنما المهم أن يقيم عليه شعب مستقر على أرضه. وليس من غرضنا هنا دراسة ذلك بالتفصيل؛ لأنه أقرب إلى دراسة القانون الدولي العام.

وفي الفقه الإسلامي يطلق الفقهاء على الإقليم الذي يشكل عنصرًا من عناصر الدولة في القانون؛ اسم «الدار» ، والدولة المسلمة يطلقون عليها اسم «دار الإسلام» 29.

تقسيم العالم:

الإسلام دعوة عامة للناس كافة، وأحكامه تخاطب الناس جميعًا، لا يختص بها قوم دون قوم، ولا إقليم دون إقليم، وبذلك تهدف الشريعة الإسلامية إلى تكوين مجتمع إنساني واحد، يخضع لنظام واحد، لكن لما لم تمتد الشريعة إلى كافة أرجاء العالم، ولم تكن لها السيادة الفعلية على العالم كله، فقد قضت ظروف الواقع أن لا تطبق إلا على البلاد التي يدخلها سلطان المسلمين دون غيرها من البلاد، فكانت من حيث الواقع إقليمية تطبق على البلاد التي تخضع لسلطة المسلمين.

وقد نظر الفقهاء إلى هذا الاعتبار، فأوجدوا تقسيمًا للعالم كله إلى قسمين:

الأول: يشمل كل بلاد الإسلام، ويسمى «دار الإسلام» .

والثاني: يشمل كل البلاد الأخرى، ويسمى «دار الحرب» أو «دار الكفر» 30.

3.دار الإسلام.

عرفها فقهاء الحنفية بأنها: «ما يجري فيه حكم إمام المسلمين من البلاد» 31.

فدار الإسلام: هي الدار التي تكون تحت سلطة المسلمين، وتظهر فيها أحكام الإسلام، ويأمن فيها المسلمون.

فهي تشمل جميع البلاد التي تظهر فيها أحكام الإسلام، أو يستطيع المسلمون أن يظهروا فيها أحكام الإسلام. أي: أن تكون أحكام الإسلام لها السيادة والظهور والغلبة، فهي القانون الأساسي للبلاد، فيدخل في دار الإسلام كل بلد سكانه كلهم أو أغلبهم مسلمون، وكل بلدٍ يتسلط عليه المسلمون ويحكمونه -ولو كانت غالبية السكان من غير المسلمين-، وكل بلد يحكمه ويتسلط عليه غير المسلمين ما دام فيه سكان مسلمون يظهرون أحكام الإسلام، أو لا يوجد لديهم ما يمنعهم من إظهار أحكام الإسلام 32.

وتصير البلاد دار إسلام بأحد أمرين:

الأول: إسلام أهل الحرب وإقامتهم في دارهم، كأهل المدينة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما أسلموا وأقاموا فيها.

الثاني: فتح بلاد أهل الحرب، وإعلان السيادة عليها بإظهار أحكام الإسلام فيها، ولو كان أهلها كلهم غير مسلمين؛ لأن السيادة لأحكام الإسلام. وفي هذه الأحوال يأمن المسلمون في الدار بأمان الإسلام؛ لأن دار الإسلام اسمٌ للموضع الذي يكون تحت يد المسلمين، وعلامة ذلك أن يأمن فيه المسلمون 33.

4.دار الكفر.

وهي البلاد التي ظهرت فيها أحكام الشرك عند غلبة أهل الحرب عليها. أو هي: ما يجري فيه أمر رئيس الكفار من البلاد. وتشمل دار الكفر كل البلاد غير الإسلامية التي لا تدخل تحت سلطان المسلمين، أولا تظهر فيها أحكام الإسلام، أي: لا تكون لها السيادة والغلبة، سواء أكانت هذه البلاد تحكمها دولة واحدة أم تحكمها دول متعددة، ولذلك قرر الفقهاء أن بلاد الكفار كلها تعد دارًا واحدة مهما تعددت أقاليمها، ويستوي أن يكون بين سكانها المقيمين بها إقامةً دائمة مسلمون أو لا يكون، ما دام المسلمون عاجزين عن إظهار أحكام الإسلام 34.

ودار الكفر تقسم إلى قسمين:

الأول: دار كفر لا يوجد بيننا وبينها عهد وميثاق، أي: معاهدة صلح وسلم.

والثاني: دار كفر بيننا وبينهم ميثاق وعهد. وهذه يجعلها بعض العلماء دارًا مستقلة يسمونها دار العهد.

وبعض العلماء يسمي دار الكفر دار الحرب، ولم يكن سبب التسمية بدار الحرب هو حالة وقوع الحرب فعلًا بينها وبين المسلمين، بل تسمى بذلك الاسم «دار الحرب» -ولو لم تكن هناك حرب فعلية- باعتبار ما بينهما من تباعد - كما يقول الحنابلة-، ولأنها دار غير إسلامية ويتوقع الاعتداء منها، وهي لم تخضع لحكم الإسلام، ومن الناحية التاريخية الواقعية كانت دار الكفر تناصب المسلمين الخصام والعداء والحرب، ولذلك يسمونها دار كفر أو دار شرك أو دار حرب، ويعنون بها حقيقة واحدة 35.

والمناط أو العلة التي بني عليها تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار كفر، هو غلبة الأحكام وظهورها بحيث تكون لها السيادة، فإذا كانت الغلبة والسيادة لأحكام الإسلام: فالبلاد دار إسلام، وإذا كانت الغلبة والسيادة لأحكام الكفر: فهي دار حرب أو كفر، ولا فرق بينهما. وفي ذلك يقول السرخسي: «إن الدار إنما تنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والغلبة» 36.

وقد عمد بعض الكتاب المعاصرين إلى مهاجمة تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب، وكان أول من اتجه هذا الاتجاه هم غير المسلمين، حيث اعتبره بعضهم ناشئًا عن تصور يتطابق مع نزعة تميل إلى السيطرة العالمية لا ينسجم مع مبدأ المساواة القانونية بين الأمم. ثم قال: وفي وقتٍ كانت هذه الفكرة مرفوضة من نفس أولئك الذين دخل الإسلام معهم في صراع: نجد التقسيم الأساسي للعالم إلى «دار الإسلام» و «دار الحرب» ، مع ما يتفرع عنه من تقسيم قابلا للتطبيق في القانون الداخلي وفي الخارج على السواء، ألا وهو تقسيم الناس إلى مؤمنين وكفار على أنه لا بد من القول بأن هذا التصور لم يكن متسقًا مع الإسلام، وإن كان منسجمًا تمامًا مع أفكار العصر الذي أنتجه. وقد انتهت هذه الثنائية الواضحة بالانفجار على المستوى الدولي كرد فعلٍ ضد مفهوم الإمبراطورية النصرانية آنذاك، وارثة فكرة السلم الروماني 37.

ثم عمق هذا الاتجاه بعض الكتاب المسلمين المعاصرين وحاولوا دعمه ببعض التعليلات وبأقوال الفقهاء، ويمكن أن نوجز خلاصة رأيهم في تقسيم العالم إلى دارين بما يلي في نقاط متتابعة:

ثم ينتهي إلى النتيجة التي يريد تقريرها فيقول: «وبذلك يلتقي القانون الدولي والشريعة الإسلامية في اعتبار أن الدنيا دار واحدة، وأن الحرب أمر عارض يقيم حالة عداءٍ مؤقت بين بلدين، فإذا ما انتهت الحرب زالت معها هذه الحالة، وحينئذ يتضح لكل إنسان أن كلمة «الحربي» بحسب اصطلاح الفقهاء المسلمين، لا يلزم أن ترادف كلمة «عدو» دائمًا» 39.

وتلكم هي خلاصة القول في رأيهم في تقسيم العالم إلى دار الإسلام ودار الحرب، لم يكن لنا فيها أي إضافة أو نقص، وإنما جعلناها مرتبة متسلسلة؛ لنعود إليها بإبداء بعض الملاحظات حيالها؛ لنرى مدى دلالتها على ما يريدون الوصول إليه أو عدم الدلالة على ذلك.

إن هذا التقسيم الذي وضعه الفقهاء للعالم تقسيم أصيل وإن لم يجر به الاصطلاح في عهده صلى الله عليه وسلم، فهو لم يكن ابتداعًا ابتدعه الفقهاء، بل إن أصوله في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، شأنه في ذلك شأن كثير من التقسيمات في الفقه الإسلامي.

ففي القرآن الكريم نجد تقسيم الناس إلى مؤمنين وكفار، ولكل من هذين القسمين بلاد أو دار تجمعهم، كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) [الحشر: 9] .

وقوله: (سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) [الأعراف: 145] .

وقوله: (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أيام) [هود: 65] .

وغيرها من الآيات كثير.

وفي السنة النبوية وفي الآثار عن الصحابة جاء هذا المعنى واضحًا باسم دار الشرك، ودار السنة، ودار الإسلام، ودار الهجرة، وهذه الثلاثة الأخيرة تعني حقيقة واحدة، وتنوعت فيها التسمية بتنوع الوصف. وهذه طائفة من الأحاديث والآثار في ذلك:

عن جابر بن زيد قال: قال ابن عباس: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر، وعمر كانوا من المهاجرين؛ لأنهم هجروا المشركين. وكان من الأنصار مهاجرون؛ لأن المدينة كانت دار شرك، فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة» 40.

وعن بريدة قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرًا على جيش أو سريةٍ أوصاه ثم قال:(وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم؛ ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين) 41.

فالدار الأولى هي دار المشركين، والثانية هي دار المهاجرين وهي دار الإسلام، التي جاءت في رواية الإمام محمد بن الحسن للحديث بلفظ فقال: (وادعوهم إلى التحول إلى دار الإسلام) .

وعن سليمان بن بريدة أن عمر رضي الله عنه بعث سلمة بن قيس على جيشٍ فقال: «فإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال: ادعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا فاختاروا دارهم فعليهم في أموالهم الزكاة» 42.

وفي كتاب خالد بن الوليد لأهل الحيرة: «وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة، أو كان غنيًا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه: طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام، فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام، فليس على المسلمين النفقة على عيالهم» 43.

ففي هذه الأحاديث والآثار وفي غيرها أيضًا جاء اسم «دار الهجرة» و «دار الإسلام» و «دار السنة» و «دار الشرك» كما رأينا، فقد كانت هذه المسميات موجودة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة، وحتى لو لم تستعمل مصطلحًا شائعًا مشتهرًا، «فإن الأحكام التي طبقها الفقه بعد ذلك على الوحدة التي سماها «دار الإسلام» ، والأخرى التي سماها «دار الحرب» كانت موجودة في عهده صلى الله عليه وسلم، واستمد الفقه منها تقنينه لما أطلق عليه كل من الاسمين، فلا دلالة إذن للقول بأن هذه التسمية طارئة مستحدثة، ولا سند للقول بعدم شرعية تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب» 44.

ومن استقراء أقوال الفقهاء في تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب يظهر أنه لا علاقة لحال الحرب بأصل التقسيم؛ إذ هو -كما سبق- عند جمهور الفقهاء مبنيٌ على سيادة الأحكام. ولذلك فإن بناء التقسيم على أصل العلاقات سلمًا أو حربًا فيه عكسٌ للقضية، فإن العلاقات إنما تتحدد بناء على وصف الدار وموقف أهلها من الإسلام ودعوته. ولذلك فإن «تقسيم الدور الأصلية ثابت عند الفقهاء ومحل إجماع، وليس له علاقة بقضية الحرب والسلم حتى يمكن أن تتغير الأوصاف، فإن الأوصاف الأصلية -وهي دار الإسلام ودار الكفر- لا تزال، ما دام هناك مسلمون وهناك كفار، فلا يجوز أن تخلط هذه المفاهيم بعضها ببعض» 45.

وأما أن الدنيا دار واحدة عند الشافعي -كما نقله الدبوسي عنه واحتج به بعض المعاصرين- فهذا من حيث الأحكام التي وقع الخلاف فيها بينه وبين الحنفية، فهي دار واحدة من حيث التزام المسلم بالأحكام أينما كان، ويوضح هذا ويؤكده أن الشافعية يقسمون الديار إلى دار إسلام ودار كفر، ويقولون بوجوب الهجرة -أحيانًا- من دار الكفر إلى دار الإسلام، و-أحيانًا- باستحبابها حسب حاله، ويتحدثون عن مسائل اختلاف الدارين، وأنه لا يؤثر في الأحكام. وعلى هذا فالتقسيم عندهم متفق عليه، وكتبهم كلها شاهدة على ذلك وناطقة به.

أما اختلاف بعض الأحكام بين دار الإسلام ودار الحرب -عند القائلين بذلك كالحنفية- فلا علاقة له بقيام الحرب كما هو ظاهر واضح. فإن الحنفية لما قالوا بامتناع تطبيق العقوبة على المسلم الذي ارتكب موجبها وهو في دار الحرب، عللوا ذلك بأنه لا ولاية للحاكم المسلم على دار الحرب، وتطبيق العقوبة يقتضي الولاية، فلما وقعت الجريمة غير موجبة للعقوبة وقتها لم تجب العقوبة بعد عودته؛ لأنها وقعت أصلًا غير موجبة. وسيأتي ذلك كله مدعومًا بنصوصهم وأدلتهم.

ويزكي هذا الذي تقدم ويؤيده أن رأي الحنفية في درء الحد عن المسلم الذي ارتكب ما يوجب العقوبة في دار الحرب لا يختلف باختلاف حال الحرب وحال السلم والأمن أو الموادعة، فهو قد يكون آمنًا عندهم بعقد الأمان ولا يؤثر ذلك على درء الحد، بل غالبًا ما لا يكون دخوله إلا بأمان. وعندئذ يظهر أن اختلاف الأحكام لم يكن بسبب قيام حالة الحرب، وإنما بسبب عدم الولاية والسلطة.

أما توفر الأمن والسلام فإنه لا يؤثر في التقسيم أيضًا؛ إذ قد يكون المسلم آمنًا في دارهم بعقد أمان، ومع ذلك فإن دارهم دار كفر وحرب ولا فرق في التسمية، وإن كان بعضهم قد جعلها دار كفر لا دار حرب اسمًا.

واشتراط الإمام أبي حنيفة الأمان للمسلمين لتكون الدار دار إسلام، لا ينصب على أصل وصف الدار وتقسيم العالم إلى دارين، وإنما هو في شروط تغير صفة الدار من دار إسلام إلى دار كفر، حيث قال: لا تصبح دار كفر إلا بالشروط الثلاثة مجتمعة، فإذا بقي المسلمون آمنين بالأمان الأول لم تصر الدار دار حرب. فهما قضيتان مختلفتان لا يجوز الخلط بينهما، ولا يدل رأيه على ما أراده المعاصرون أو فهموه من رأيه في ذلك.

أما أن كلمة (الحربي) لا يلزم أن ترادف كلمة (عدو) ، فهذا كلام عجيب غريب يصادم آيات القرآن الكريم ومدلولات اللغة العربية، فإن الحربي عدو للمسلمين، وعدو المسلمين محارب لهم حقيقة أو حكمًا. ولذلك فإن محاولة تأويل النصوص وتمييع الأحكام من أجل أن نظهر أمام أعدائنا من الكفار بأننا أصدقاء لهم، هذا كله يتناقض مع أحكام الدين، وهو في الوقت نفسه لا يقنع أولئك القوم، ويعرفون أنه مجاملة أو انهزامية فحسب، فهم قد «درسوا قضية ديار الحرب وديار الإسلام، وكيف يقسم الفقهاء المسلمون الدار إلى دارين؟ وهل لدى المسلمين استعداد لأن يتنازلوا عن هذه القسمة ويعترفوا بالنظام العالمي الجديد؟!» 46.

ثالثًا: النظام:

المقصود بالنظام أو السلطة: وجود هيئة حاكمة منظمة، مهمتها الإشراف على الإقليم ومن يقيمون عليه، بحيث يكون لها أن تصدر الأوامر الملزمة لكل رعاياها أو لكل أفراد الجماعة، فمن طبيعة الأمور أن تحتاج كل جماعة إلى من يتولى تنظيم أمورها وإصدار ما تحتاجه من التشريعات أو التنظيمات، ولاستغلال مواردها ولإقامة العدل بين الأفراد، والدفاع عنهم ضد أي اعتداء خارجي، وتنظيم علاقاتهم بالدول الأخرى.

ووجود هذه الهيئة الحاكمة ركن أساسي في تكوين الدولة، حتى إن بعض علماء القانون يعتبرونها مع الشعب الذي هو أساس تكوين الدولة، فيعتبرون القبائل الرحالة غير المستقرة على إقليم معينٍ دولةً، إذا كان لها تنظيم داخلي وسلطات حاكمة 47.

وأساس هذه السلطة يقوم على مبدأ أن النصوص القرآنية الكريمة تقرر لجماعة من المسلمين الحق في إصدار الأوامر إلى بقية أفراد الأمة، كما في قوله تعالى: (. وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران: 104] .

وقوله تعالى فيما أوجبه من طاعة تلك الأوامر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ? فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ? ذَ?لِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء: 59] .

وذلك أن الشريعة الإسلامية تنظر إلى الأمة مجموعة واحدة لها كيانها المستقل، و الخطاب في القرآن الكريم يتوجه إلى المؤمنين كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُواڑ) [المائدة: 1] .

وقوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ?104?) [آل عمران: 104] .

وإذا كانت الأمة لا تستطيع كلها بمجموع أفرادها أن تباشر السلطة العامة، لذلك يتعين أن يتولى عنها ذلك أفراد منها، و هم نواب هذه الأمة، أي: أهل الحل والعقد فيها، وهم أولو الأمر الذين يجب طاعتهم، لما جاء في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ?) [النساء: 59] .

وتكون العلاقة بين الأمة وأهل الحل والعقد هي علاقة النيابة والوكالة؛ ولأن هذه النيابة مصدرها النصوص الشرعية؛ فهي إذن نيابة شرعية. ويتأيد هذا المفهوم أيضًا بأصل شرعي آخر هو القيام بالفروض الكفائية أو الكفاية، فهي في حقيقتها فروض تكافلية يقوم فيها بعض الأفراد بالواجب نيابة عن الآخرين فيسقط الإثم عن الجميع عند قيام بعضهم به 48.

ويرى بعض العلماء أن إدارة المصالح العامة والقيام بها موكولة في الأصل إلى الشعب، ولذا فإن الأصل في النظام الإسلامي هو أن تقوم السلطة بما لا يتيسر للأفراد، وذلك لإجبار الناس على العدالة وحفظ الأمن، وجباية الموارد وتوزيعها على المستحقين.

ولكن لما ضعف الدافع الفردي عن رعاية الصالح العام بسبب غفلة الناس وضعف الإيمان في القلوب، اضطرت السلطة العامة إلى التدخل في شؤون الحياة وممارستها، وبذلك ظهرت - مع مرور الأيام- أنوع جديدة من الولايات والإمارات لم تكن معروفة من قبل.

وتتميز السلطة في الإسلام بخصائص تميزها عن النظم الأخرى، من أهمها:

أولًا: إن الولاية مقيدة بالمصلحة العامة، وليست مطلقة. ويترتب على ذلك أن يشترط لولاية الأعمال شروط شديدة من القوة والأمانة، وأن تقوم الأعمال على المشروعية، فإن حصل تجاوز، فإنه يؤدي إلى بطلان التصرفات.

ثانيًا: إن الأمة أو الشعب يقوم فعلًا بقسط وافر من الولاية، وبذلك تتكون السلطة من الإمام وأهل الشورى الذين يقومون بهذه الولاية أو بجزء منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت